الاقتصاد اللبناني «المنهك» ينزلق إلى هاوية الركود الشامل

تقديرات متباينة للخسائر الناجمة عن الحرب الإسرائيلية تلامس 20 مليار دولار

معبر جوسيه بين لبنان وسوريا إثر استهدافه بقصف إسرائيلي في 25 أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
معبر جوسيه بين لبنان وسوريا إثر استهدافه بقصف إسرائيلي في 25 أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

الاقتصاد اللبناني «المنهك» ينزلق إلى هاوية الركود الشامل

معبر جوسيه بين لبنان وسوريا إثر استهدافه بقصف إسرائيلي في 25 أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
معبر جوسيه بين لبنان وسوريا إثر استهدافه بقصف إسرائيلي في 25 أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

يعكس التباين الكبير في التقديرات الأولية لحصيلة الخسائر الاقتصادية المحققة والناجمة عن الحرب الإسرائيلية المحتدمة على لبنان، والمترجَم رقمياً بين 10 مليارات دولار و20 ملياراً، حقيقة عمق حال «عدم اليقين» وصعوبات التحقّق من مستويات التدهور اللاحقة بالمؤشرات الأساسية والمرافق الإنتاجية، والمعزّزة بتكاليف التدمير المنهجي للأبنية السكنية والبنى التحتية والأراضي الزراعية في مناطق واسعة، وبأعباء تراكمية لموجات غير مسبوقة من النزوح القسري للسكان.

وثمة توافق ظاهر لدى الخبراء والمراكز البحثية، محلياً وخارجياً، على تعذّر اعتماد أي بيانات إحصائية موثوق بها في الجانبين الاقتصادي والقطاعي، ما دامت العمليات العسكرية والغارات المدمّرة لم تتوقف، فضلاً عن إمكانية المتابعة اليومية الأهم للجانب الإنساني من قبل وزارة الصحة ولجان إدارة الأزمة ومنظمات دولية مختصة، التي وثّقت، حتى الساعة، سقوط نحو 3 آلاف شهيد، ونحو 15 ألف جريح، جلّهم من المدنيين، وتهجيراً داخلياً في أغلبه لنحو 1.4 مليون نسمة من بيوتهم في المناطق المستهدفة، أي نحو ربع عدد المواطنين داخل البلاد.

كوارث آتية

لكن الثابت، وفق الترقبات والمتابعات، أن الاقتصاد المنكوب أصلاً بسلسلة انهيارات متفاقمة على مدار 5 سنوات متتالية، يهبط بسرعة قياسية إلى قعر الهاوية، وفق توصيف رئيس «الهيئات الاقتصادية»، محمد شقير، مما ينذر بكوارث على مختلف المستويات، لا سيما على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، وفق ما تعكسه المؤشرات القطاعية في مختلف الأنشطة الإنتاجية، مع تقدير أن مجموع الخسائر المباشرة التي تكبدها لبنان جراء العدوان الإسرائيلي، حتى الآن، يتراوح بين 10 مليارات و12 مليار دولار، متضمناً خسائر القطاعات الاقتصادية، والأضرار التي لحقت بالمنازل ومختلف الأبنية والبنى التحتية.

والى جانب ما تخلّفه الحرب من تداعيات اقتصادية عميقة على المدى القصير، خصوصاً دخول قطاعات رئيسية، مثل السياحة والزراعة والصناعة والتجارة وغيرها، في حال انكماش حادة للأعمال اليومية والأنشطة المعتادة، يُرصَد ازدياد أعداد المؤسسات التجارية، لا سيما الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تضطر إلى إغلاق أبوابها أو تعليق نشاطاتها، إما نتيجة الأضرار المباشرة الناجمة عن الاعتداءات وانخفاض الطلب الاستهلاكي، وإما بسبب تعطيل المعابر التجارية وسلاسل التوريد والنقل والتغييرات الطارئة على الأسواق ربطاً بكثافة النزوح.

فتاة نازحة تغسل أطباقاً في مركز إيواء بمبنى «العازارية» وسط بيروت (إ.ب.أ)

وفي الترجمة الرقمية، تحذر مؤسسات مالية دولية من «سيناريو» استمرار النزاع والاعتداءات الإسرائيلية لأشهر إضافية تمتد حتى منتصف العام المقبل، حيث يتوقع «معهد التمويل الدولي» تسجيل انكماش إضافي للناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7 في المائة بنهاية العام الحالي و10 في المائة للعام المقبل، مما يفاقم مجموع نسب التراجع التراكمية إلى نحو 60 في المائة، من المستوى الأعلى المسجل بنهاية عام 2018 والبالغ نحو 53 مليار دولار.

انكماش لسنوات

وبالمثل، يشير تقرير محدث أصدره «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» إلى أن التداعيات الاقتصادية ستستمر طويلاً ولسنوات مقبلة، حتى في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار قبل نهاية العام الحالي، بما تشمل انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.28 في المائة خلال العام المقبل، وبنسبة 2.43 في المائة عام 2026، وتراجع إيرادات الحكومة بنسبة 9 في المائة، وانخفاض الاستثمارات بأكثر من 6 في المائة، خلال العامين المقبلين.

ويتوقّع أن تزيد نسبة البطالة بشكلٍ كبير في العام الحالي، مما قد يتسبّب في خسائر كبيرة بعدد الوظائف ونزوح اقتصادي، ناتج بغالبيّته عن تراجع الطلب على العمالة في مختلف القطاعات. كما أن الشركات الصغيرة جدّاً، والصغيرة، ومتوسّطة الحجم، التي يقدّر «مصرف لبنان» أنّها تشكّل نحو 90 في المائة من الاقتصاد اللبناني، سوف تتأثّر بشكل كبير؛ لأن البعض منها اضطر إلى اتخاذ قرار بالإقفال أو بتعليق النشاط إلى أمد غير محدّد.

خسارة الأعياد

وبالتماهي مع هذه التحذيرات الدولية، تعكس المؤشرات الأساسية التي رصدتها النقابات والهيئات القطاعية بنهاية الشهر الأول من الاعتداءات الإسرائيلية الواسعة، انزلاقاً متسارعاً لمجمل الأنشطة الاقتصادية صوب الركود شبه التام، مزخّماً بخسارات محققة جزئياً للموسم السياحي الصيفي، ومرجّحة بقوّة للموسم الأنشط تقليدياً في فترة الأعياد ونهاية العام، مما يعني تلقائياً خطر بلوغ حد الجفاف لأحد أهم موارد العملات الصعبة الذي يتراوح ما يضخه بين 4 و5 مليارات دولار سنوياً، والذي يحوز المرتبة الأساسية الثانية بعد بند التحويلات من العاملين في الخارج والمغتربين الذي يؤمن تدفق نحو 7 مليارات دولار سنوياً، وفق تقديرات «البنك الدولي».

تراجع القطاعات

ويسجل القطاع التجاري، تبعاً للرصد الميداني الذي تولته الجمعيات والنقابات المهنية، انخفاضاً كبيراً في أنشطته بنسبة تتراوح بين 80 و90 في المائة، باستثناء الطلب المرتفع على المواد الغذائية ومواد التنظيف والتعقيم، ربطاً بالإقبال العام على التموين الاحترازي وتلبية الاحتياجات الطارئة جراء موجات النزوح الداخلي. كما سجل النشاط الزراعي انخفاضاً بلغ أكثر من 40 في المائة، ويضاف إليه وجود خطر حقيقي بخسارة محاصيل زراعية كثيرة أساسية.

كما يقدر انخفاض نشاط القطاع الصناعي في الفترة الأخيرة بحدود 50 في المائة، نتيجة توقف نحو 30 في المائة من المصانع عن العمل بسبب وجودها بالمناطق الساخنة، والانخفاض الكبير في الطلب بالسوق الداخلية وعقود الطلبيات الجديدة إلى الخارج. في حين بلغت التداعيات ذروتها في قطاعات الفنادق والمطاعم وتأجير السيارات، التي سجلت انكماشاً في حركتها بلغ نحو 90 في المائة، مصحوباً بأضرار مادية جسيمة وبإقفال مئات المؤسسات في مناطق العمليات العسكرية.


مقالات ذات صلة

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

المشرق العربي آلية عسكرية إسرائيلية تعبر بين الدمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الأحد، إلى بلدة دير ميماس التي تسكنها أغلبية مسيحية في جنوب لبنان، في ثاني عملية من هذا النوع خلال يومين.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال قداس في بلدة إيليج بشمال لبنان (البطريركية المارونية)

البطريرك الماروني: جنوب لبنان ليس ورقة تفاوض

أكد البطريرك الماروني بشارة الراعي أن «الجنوب ليس ورقة تفاوض»، مشدداً على أن حماية لبنان «تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة وتكتمل بدولة واحدة وجيش قوي وسيادة كاملة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون واللبناني جوزيف عون يلتقطون صورة قبل اجتماع «مسار العقبة» لدعم القوات المسلحة اللبنانية بمجمع «ليزانفاليد» في باريس (أ.ف.ب)

لبنان يطلب التمديد لـ«يونيفيل» بتعذر التوافق على البديل الأممي

يعلق لبنان أهمية قصوى على الاتصالات الدولية والعربية لمنع حصول فراغ أمني في الجنوب بانتهاء المهمة التي أوكلها مجلس الأمن الدولي لقوات «يونيفيل» لتطبيق «1701».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة راميريز في وقت سابق (رئاسة الحكومة)

جهود حكومية لبنانية على خط الاستقرار ودعم المتضررين

تتواصل الجهود اللبنانية لتثبيت الاستقرار ومواكبة تداعيات الحرب، بالتوازي مع سعي لحشد الدعم الدولي للبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)

تقوية الجيش اللبناني... شرط إسرائيلي جديد للانسحاب من الجنوب

من حماية مستوطنات الشمال إلى نزع سلاح «حزب الله»، وصولاً إلى قدرة الجيش اللبناني على تولّي الأمن، تتعدَّد الشروط التي تربط بها تل أبيب انسحابها من لبنان.

كارولين عاكوم (بيروت)

الجيش الإسرائيلي يقتل 3 فلسطينيين بينهم طفل بقطاع غزة

رجل يبكي على جثمان بصير البرش الذي قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة السبت (أ.ب)
رجل يبكي على جثمان بصير البرش الذي قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة السبت (أ.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يقتل 3 فلسطينيين بينهم طفل بقطاع غزة

رجل يبكي على جثمان بصير البرش الذي قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة السبت (أ.ب)
رجل يبكي على جثمان بصير البرش الذي قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة السبت (أ.ب)

قتل الجيش الإسرائيلي ثلاثة فلسطينيين في مناطق مختلفة من قطاع غزة، حسب ما أفادت مصادر طبية والدفاع المدني.

وقال مسؤول في قسم الاستقبال والطوارئ في مستشفى ناصر في خان يونس لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الطفل إسماعيل البردويل وصل إلى المستشفى «مستشهداً بعدما أصيب برصاص أطلقته دبابات إسرائيلية باتجاه خيام للنازحين في منطقة المواصي»، بشمال غرب مدينة رفح في جنوب القطاع.

وأعلن مستشفى العودة في مخيم النصيرات بوسط القطاع «استشهاد السيدة فداء خضر طوطح (31 عاماً) متأثرة بإصابتها برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي صباح الاثنين، في حين كانت تسير في شارع صلاح الدين» شرق المخيم.

كذلك، توفي محسن أحمد بهجت متأثراً بإصابته بطلق ناري في الرأس من طائرة مسيّرة إسرائيلية، صباح الاثنين، في جباليا بشمال القطاع، وفق ما أفاد مدير مستشفى الشفاء في مدينة غزة محمد أبو سلمية.

من جهته، قال المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن طواقمه نقلت إلى مستشفيات القطاع تسعة مصابين، بينهم طفل على الأقل، جراء تعرضهم لنيران وشظايا قذائف أطلقتها دبابات إسرائيلية باتجاه مخيمات للنازحين في المناطق الشرقية من خان يونس ومخيم البريج.

وأدت الضربات الإسرائيلية التي تتكرر بصورة شبه منتظمة إلى مقتل أكثر من 1390 فلسطينياً منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حسب بيانات وزارة الصحة في غزة التي تعدّ الأمم المتحدة أرقامها موثوقة. في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل خمسة من عناصره ومتعاقد مدني خلال الفترة نفسها.


تقدم في تعز يُربك خطط الحوثيين

نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)
نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)
TT

تقدم في تعز يُربك خطط الحوثيين

نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)
نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)

استعادت القوات الحكومية اليمنية، أمس (الأحد)، جبل نعمان الاستراتيجي غرب محافظة تعز، بعد مواجهات مع الحوثيين.

وأكدت مصادر عسكرية أن سيطرة الجيش على الجبل أعادت وصل جبهة بني بكاري بجبهة الكدحة، وأمّنت طريق بني بكاري - الأشروح - البيرين. ورأت المصادر أن هذه التطورات أربكت خطط الحوثيين، وجعلت ما تبقى من مواقعهم في عزلة الشراجة مكشوفاً نارياً.

كما تصدّت القوات الحكومية لهجمات حوثية في الدمدم وشريرة والوازعية وراسن وبني عمر، في حين لم يطرأ تغيير على خطوط السيطرة في جرداد والمرتفعات المحيطة بها.


لبنان يراهن على لقاء روبيو لتجنب فراغ في الجنوب

جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)
جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)
TT

لبنان يراهن على لقاء روبيو لتجنب فراغ في الجنوب

جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)
جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)

يُراهن لبنان على لقاء رئيس الحكومة نواف سلام مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال لقائهما المرتقب في واشنطن، لتجنب فراغ في الجنوب يحدث بانسحاب قوات «يونيفيل»، في ظل غياب التوافق على المرجعية الدولية البديلة.

وفي السياق، كشف مصدر وزاري، أن الرئيس اللبناني جوزيف عون أثار المخاوف من حصول فراغ في الجنوب، لدى اجتماعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني. وقال المصدر إنهما أبديا تفهماً لمخاوفه.