آثار غزة تكابد حرباً لـ«دفن الذاكرة»

القصف الإسرائيلي دمر معالم تاريخية إسلامية ومسيحية ورومانية

TT

آثار غزة تكابد حرباً لـ«دفن الذاكرة»

الجامع العمري الكبير في مدينة غزة الشهر الماضي وتظهر عليه آثار عمليات القصف (أ.ف.ب)
الجامع العمري الكبير في مدينة غزة الشهر الماضي وتظهر عليه آثار عمليات القصف (أ.ف.ب)

لم يكن من المتوقع أن تكون آثار غزة أفضل حظاً من سكانها بعد عام وأكثر من الحرب الإسرائيلية غير المسبوقة؛ غير أن مستوى التدمير و«تعمد الاستهداف» يدفعان خبراء للاعتقاد بأن حرباً أخرى غير منظورة تستهدف «دفن الذاكرة» تحت الصواريخ والقذائف.

ووفق آخر حصر متاح لوزارة السياحة والآثار التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، نشرته عام 2019، فإن هناك 37 موقعاً أثرياً موثقاً، موزعة على امتداد غزة، وتنتمي لحقب تاريخية مختلفة وأنماط معمارية.

ويُقدّر خبراء أثريون، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحرب المدمرة في غزة دمرت أكثر من 70 في المائة من الآثار والمعالم التي شُيدت في حقب زمنية وتاريخية مختلفة، وقد تعرضت إما لتدمير أو أضرار بالغة وجزئية».

خريطة المواقع الأثرية المنتشرة في قطاع غزة حتى عام 2019 (السلطة الوطنية الفلسطينية)

يقول الخبير بالآثار الدكتور أحمد الأسطل إن الحرب استهدفت أيضاً معالم القطاع التي يصل تاريخ بعضها إلى 3500 قبل الميلاد، و2000 بعد الميلاد، ومن أهمها المسجد العمري الكبير في مدينة غزة، الذي تضرر بشكل بالغ، إلى جانب كنيسة القديس برفيريوس، التي يُعتقد أنها ثالث أقدم كنيسة في العالم، وأحد أهم الكنائس في الشرق الأوسط.

وأضاف الأسطل، الذي يدير «مركز إيوان للتراث الثقافي» التابع لكلية الهندسة بالجامعة الإسلامية في غزة، إن «غالبية المعالم والآثار والمتاحف الأخرى في غزة تعرضت لقصف إسرائيلي يستهدف دفن ذاكرة أبناء القطاع تحت الصواريخ والقذائف».

قبل 3 أشهر فقط من الحرب، كشفت وزارة السياحة والآثار أنها عثرت على 5 قبور جديدة في الجهة الشمالية من «المقبرة الرومانية» التي تقع شمال القطاع، تحديداً في جباليا، وبلغ إجمالي المقابر المكتشفة حينها (يوليو/ تموز 2023) 130 قبراً أثرياً رومانياً.

راهناً باتت جباليا إلى جانب بيت لاهيا وبيت حانون المجاورتين لها شمال غزة موقعاً لعمليات عسكرية مكثفة ضمن ما يُعرف بـ«خطة الجنرالات» التي تستهدف إقامة حزام إسرائيلي لعزل شمال القطاع.

بالعودة إلى الخبير الأثري الفلسطيني، أحمد الأسطل، فإنه يعتقد أن هناك ما وصفه بـ«استهداف شامل، طال إلى جانب الأماكن الدينية، المتاحف، والمقابر والمواقع الأثرية».

قائمة اليونسكو

خلال فترة ما قبل الحرب، استطاعت الكثير من المتاحف مثل: قصر الباشا، ورفح، جلب الكثير من الزوار، كما تم اكتشاف موقع دير القديس هيلاريون - تل أم عامر، في مخيم النصيرات وسط القطاع، ويعود تاريخه إلى 17 قرناً.

وفي يوليو الماضي، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، دير القديس هيلاريون - تل أم عامر على كل من قائمة التراث العالمي، وقائمة التراث العالمي المعرض للخطر، إقراراً بـ«القيمة التي يكتنزها هذا الموقع والحاجة إلى حمايته».

جزء من دير القديس هيلاريون في تل أم عامر بغزة وأدرجته اليونسكو على قائمة التراث العالمي (اليونسكو)

و«دير القديس هيلاريون» أحد أقدم المواقع في الشرق الأوسط، وأسسه القديس هيلاريون، واستقبل أول مجتمع رهباني في الأرض المقدسة. ويقع الدير على تقاطع طرق رئيسية للتجارة والتبادل بين آسيا وأفريقيا، وكان مركزاً للتبادل الديني والثقافي والاقتصادي، مقدماً بذلك مثالاً على الأديرة الصحراوية التي انتشرت في العصر البيزنطي.

وقد استندت لجنة التراث العالمي، بالنظر إلى التهديدات المحدقة بموقع التراث من جراء النزاع الدائر في قطاع غزة، إلى إجراءات إدراج المواقع في حالات الطوارئ المنصوص عليها في اتفاقية التراث العالمي.

مواقع عسكرية

وتظهر دراسة حديثة أجرتها مجموعة «التراث من أجل السلام» أن الهجوم الإسرائيلي على غزة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023 دمر أكثر من 100 موقع أثري وتاريخي. بينما يفيد المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة (التابع لحركة «حماس»)، بأن 206 من المواقع الأثرية والتراثية في القطاع دُمرت أو تضررت إما بشكل بالغ أو جزئي بفعل العدوان الإسرائيلي.

ويفيد خبراء «الشرق الأوسط» بأنه «لا يمكن حسم حجم الضرر بسبب أن بعض هذه المتاحف والمواقع تقع في مناطق تعدُّ عسكرية إسرائيلية يمنع الاقتراب منها، مثل تل أم عامر القريب من موقع تمركز تلك القوات في محور نتساريم وسط القطاع، وكذلك المقبرة الرومانية في شمال القطاع والقريبة من تمركز قوات أخرى عند الشريط الحدودي لتلك المناطق، التي يمنع على السكان الوصول إليها».

وتم استهداف جميع المواقع تقريباً على الرغم من أن بعضها مدرج على قائمة التراث العالمي.

أقدم مساجد غزة

يعد المسجد العمري أحد أكثر المواقع الأثرية تعرضاً لأضرار نتيجة القصف الإسرائيلي؛ فهو من أقدم المساجد بغزة، وحوله الصليبيون في سنة 1149م إلى كاتدرائية مكرسة ليوحنا المعمدان، لكن الأيوبيين دمروا معظمها عام 1187م، ثم أعاد المماليك بناء المسجد في وقت مبكر من القرن الثالث عشر الميلادي، قبل أن يدمره المغول عام 1260م، لكن سرعان ما استعاده المسلمون، ودُمر مرة أخرى بعد وقوع زلزال ضرب المنطقة في نهاية القرن الثالث عشر، وفي القرن السادس عشر أعاد العثمانيون بناءه، لكنه تعرض لأضرار بعد قصف بريطاني أثناء الحرب العالمية الأولى وتم ترميمه في 1925 من قبل المجلس الإسلامي الأعلى آنذاك.

عاملون بالقطاع الصحي يطهرون جدران مسجد العمري التاريخي في غزة عام 2020 (يمين)... وآثار الدمار على المبنى الأثري كما ظهرت الشهر الماضي (أ.ف.ب)

حمام السمرة

ومن بين المعالم الأثرية في قطاع غزة «حمام السمرة»، الذي يبلغ عمره 700 عام، وهو واحد من 13 حماماً أثرياً قديماً في فلسطين.

ويقع حمام السمرة في قلب مدينة غزة التاريخية قرب حي الزيتون، ويعد ثاني أقدم المعالم بعد المسجد العمري، وهو الوحيد المتبقي من الحمامات التاريخية في قطاع غزة، أنشئ في العهد العثماني على مساحة 500 متر مربع، ثم أعيد ترميمه وتجديده في العصر المملوكي، على عهد الملك سنجر بن عبد الله المؤيدي، وسُمي بهذا الاسم نسبة للسامريين الذين عملوا فيه لفترة من الزمن.

رجل يسترخي في حمام بخار تاريخي في مدينة غزة عام 2021 (يسار)... ومشهد دمار الحمام في سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

ويعد حمام السمرة مزاراً طبياً وسياحياً، إذ تتميز أرضيته بدفئها على مدار اليوم واستخدم في بنائه الحجر الرخامي لمقاومته رطوبة الماء، ويتميز الحمام بروعة التخطيط والبناء العمراني الذي يتجسد بتدرج درجات الحرارة عند الانتقال من غرفة لأخرى، إذ تبدأ بالغرفة الباردة فالدافئة ثم الساخن.

ويفيد سمير البيك (53 عاماً)، الذي يقيم بجوار منطقة حمام السمرة، أن موقعه تعرض لأضرار بالغة لم يعد بعدها صالحاً.

ويقول البيك لـ«الشرق الأوسط»: «كان الحمام جزءاً من حياتنا هنا وحياة الكثيرين، الذي قصدوه كموقع للتطبيب الشعبي الذي يعتمد على استخدام المياه الباردة والدافئة».

ويخلص الخبير الفلسطيني في الآثار إلى أن «غالبية تلك المناطق تعرضت إما للتدمير الكامل أو الضرر الجزئي؛ وتم قصفها لأنها تمثل الهوية التاريخية وجذور الشعب الفلسطيني وتنوع الحضارات والحقب التاريخية في غزة».


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نائب رئيس فلسطين مستجدات الأوضاع في غزة والضفة

الخليج وزير الخارجية السعودي ونائب رئيس فلسطين (واس)

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نائب رئيس فلسطين مستجدات الأوضاع في غزة والضفة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، ونائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية نائب رئيس فلسطين، حسين الشيخ، آخر المستجدات في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص نازحون فلسطينيون يمشون إلى جانب خيامهم التي غمرتها مياه الأمطار في مدينة غزة يوم الخميس (د.ب.أ)

خاص «الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

حذرت وزارة الخارجية الأميركية من عدم التزام حركة «حماس» بنزع سلاحها كما تنص خطة الرئيس دونالد ترمب لوقف إطلاق النار في غزة مشيرة إلى أن ذلك سيواجه بتبعات صعبة.

محمد الريس (القاهرة)
الخليج تأتي امتداداً للجهود الإغاثية والإنسانية التي تقدمها السعودية للمحتاجين والمتضررين داخل قطاع غزة (واس)

قافلة إغاثية سعودية جديدة تصل إلى غزة

وصلت إلى قطاع غزة، الأربعاء، قافلة إغاثية سعودية جديدة، محمّلة بكميات كبيرة من السلال الغذائية، مقدمة من «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية».

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص أعضاء من كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة «حماس» وكتائب القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي ينتشرون عند التقاطعات في غزة (أ.ف.ب) p-circle

خاص مصدر لـ«الشرق الأوسط»: القاهرة ستستقبل وتدرب آلاف المرشحين للعمل بشرطة غزة

ترتيبات جديدة تفرضها خطة الممثل السامي لقطاع غزة في مجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، بشأن مستقبل القطاع، وفق آليات تبادلية وتدريجية.

محمد محمود (القاهرة)
أوروبا وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)

وزيرة الخارجية البريطانية قلقة من صرف الحرب الدائرة مع إيران الأنظار عن غزة والضفة

أعربت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، الثلاثاء، عن «قلق بالغ» إزاء صرف النزاع الدائر في الشرق الأوسط الأنظار عن خطة السلام في غزة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

عون: اليد التي ستمتد إلى السلم الأهلي في لبنان ستُقطع

وفد من بلدة دبل الحدودية عرض أمام الرئيس جوزيف عون واقع البلدة طالباً مساعدات عاجلة لدعم صمود الأهالي (الرئاسة اللبنانية)
وفد من بلدة دبل الحدودية عرض أمام الرئيس جوزيف عون واقع البلدة طالباً مساعدات عاجلة لدعم صمود الأهالي (الرئاسة اللبنانية)
TT

عون: اليد التي ستمتد إلى السلم الأهلي في لبنان ستُقطع

وفد من بلدة دبل الحدودية عرض أمام الرئيس جوزيف عون واقع البلدة طالباً مساعدات عاجلة لدعم صمود الأهالي (الرئاسة اللبنانية)
وفد من بلدة دبل الحدودية عرض أمام الرئيس جوزيف عون واقع البلدة طالباً مساعدات عاجلة لدعم صمود الأهالي (الرئاسة اللبنانية)

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أنه «يواصل إجراء اتصالات دولية متعددة لدفع الأمور باتجاه تحقيق التفاوض ووقف الحرب»، في ظل التصعيد المستمر جنوباً، مشدداً في الوقت نفسه على أن «الأجهزة الأمنية تتخذ خطوات حازمة لمنع أي خلل أمني بين اللبنانيين، وتقوم بتوقيفات، ومصادرة للأسلحة»، محذراً من أن «اليد التي ستمتد إلى السلم الأهلي ستُقطع».

وفي الإطار نفسه، أكد رئيس الحكومة نواف سلام خلال استقباله وفداً من بلدة البرغلية في قضاء صور أنه «لا يجوز أن يبقى مصير اللبنانيين رهناً بحسابات تتجاوز مصلحة لبنان، وشعبه».

«لا مبرر للخوف على السلم الأهلي»

جاء كلام عون خلال سلسلة لقاءات عقدها في القصر الرئاسي، حيث استقبل وفداً من «منتدى غسان سكاف الوطني»، ووفداً من أندية «الروتاري» في لبنان، ووفداً من بلدة دبل الحدودية.

وخلال اللقاءات، شدد عون على أن «التقارير الأمنية تؤكد عدم وجود خطر فعلي على السلم الأهلي»، لافتاً إلى أن «بعض الجهات تثير هذا الموضوع، سعياً منها إلى تعويم نفسها»، ومؤكداً أن «الأجهزة الأمنية تتابع الوضع بدقة، وتتخذ الإجراءات اللازمة لمنع أي توتر».

وأضاف أنه «لا أحد في لبنان يرغب باندلاع حرب أهلية»، وأن «من يسعى إلى الاصطياد بالمياه العكرة لن تنجح مساعيه»، مشيراً إلى أن «الإشكالات التي حصلت سابقاً خلال حرب 2024 على خلفية النزوح لم تتكرر في الحرب الحالية»، ما يعكس قدرة أفضل على ضبط الوضع، واستيعاب التداعيات.

«لا أحد يأخذ مكان الدولة»

إلى ذلك، شدد رئيس الجمهورية على أنه «لا أحد يأخذ مكان الدولة، رغم صعوبة الظروف، والإمكانات التي نعمل من خلالها»، مؤكداً أن «الحكومة منذ تشكيلها اتخذت عدداً كبيراً من القرارات، والخطوات الجريئة لإصلاح الأوضاع في البلاد».

وأشار إلى الجهود المبذولة لمعالجة ملف النازحين، معتبراً أن «الدولة تمكنت من تحقيق استيعاب سريع وفعال لهذه الأزمة».

وعلى الصعيد الخارجي، جدد عون التأكيد على أنه «يواصل القيام باتصالات دولية متعددة لدفع الأمور باتجاه التفاوض مع» إسرائيل، لافتاً إلى أن «المبادرات المطروحة لم تلقَ حتى الآن التجاوب المطلوب»، في وقت «تستمر فيه الانتهاكات الجسيمة، والدمار في القرى الجنوبية».

مصطفى إبراهيم السيد نازح من قرية بيت ليف يوزع أرغفة الخبز على بناته في أحد مراكز الإيواء في مدينة صور (رويترز)

وفي الشق الإنساني، تناولت لقاءاته أوضاع النازحين، والاحتياجات المعيشية، حيث استمع إلى مطالب من وفد من بلدة دبل الحدودية تتعلق بتأمين المساعدات، والخدمات الأساسية، مؤكداً متابعة هذه الملفات، والعمل على دعم صمود المواطنين، لا سيما في المناطق الحدودية.

وختم عون بالتأكيد أن «المرحلة الحالية تتطلب تضافر الجهود للحفاظ على الاستقرار»، مشدداً على أن «لبنان قادر على تجاوز هذه التحديات بوعي أبنائه، وتمسكهم بالسلم الأهلي، وباستمرار العمل السياسي، والدبلوماسي لفتح أفق الحلول».

اجتماع وزاري وفجوة بين المساعدات والحاجات

في موازاة ذلك، عقد الاجتماع الوزاري اليومي برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، حيث تصدّر الاجتماع التحذير من اتساع الفجوة بين حجم المساعدات المتاحة، والحاجات المتزايدة، بالتوازي مع تصاعد الخطاب التحريضي، وتفاقم الأوضاع الأمنية، والإنسانية، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وتزايد موجات النزوح، ما دفع الحكومة إلى التشديد على الإجراءات الأمنية، وضبط توزيع المازوت، وملاحقة المخالفين.

عمّال «وحدة إدارة الكوارث» التابعة لاتحاد بلديات صور يتابعون عملهم وسط تصعيد عسكري إسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

وخلال الاجتماع جرى عرض الأوضاع العامة، والتطورات العسكرية، والأمنية، إلى جانب متابعة حاجات النازحين، ومتطلبات الإيواء، والإغاثة، وبحث الخطوات الحكومية لمواكبة التحديات الراهنة. وأعلن وزير الإعلام بول مرقص أن رئيس الحكومة شدّد على أن «حجم المساعدات الحالية أقل بكثير من الحاجات المتزايدة»، محذّراً في المقابل من تصاعد الخطاب الفتنوي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومن استمرار الركود الاقتصادي.

كما طرح مرقص قضية الاعتداءات المتكررة على الصحافيين، والتي أدّت إلى استشهاد عدد منهم، معتبراً أن المعالجة تتطلب تحرّكاً حكومياً متكاملاً بالتنسيق مع وزارة الخارجية.

بدوره، عرض وزير الدفاع اللواء ميشال منسى التطورات الميدانية، ولا سيما التوغّل الإسرائيلي، والوضع على الحدود اللبنانية-السورية، مشيراً إلى سقوط 1238 قتيلاً، و3543 جريحاً جراء الاعتداءات الإسرائيلية، إضافة إلى سقوط قتيل من قوات الأمم المتحدة، وعدد من الجرحى.


سفير يرفض إبعاده! هل من سوابق في العلاقات بين الدول؟

مؤيدون لـ«حزب الله» في مظاهرة داعمة لإيران أمام سفارتها ببيروت يوم 26 مارس (أ.ف.ب)
مؤيدون لـ«حزب الله» في مظاهرة داعمة لإيران أمام سفارتها ببيروت يوم 26 مارس (أ.ف.ب)
TT

سفير يرفض إبعاده! هل من سوابق في العلاقات بين الدول؟

مؤيدون لـ«حزب الله» في مظاهرة داعمة لإيران أمام سفارتها ببيروت يوم 26 مارس (أ.ف.ب)
مؤيدون لـ«حزب الله» في مظاهرة داعمة لإيران أمام سفارتها ببيروت يوم 26 مارس (أ.ف.ب)

تبدو قضية إبعاد سفير إيران المعتمد في لبنان، ورفضه الالتزام بالقرار اللبناني، واحدة من حالات قليلة مشابهة في العلاقات الدبلوماسية بين الدول. حصلت سوابق مماثلة إلى حدٍّ ما، على غرار الأزمة الدبلوماسية بين لبنان وإيران عام 1983، وبين المملكة المتحدة وليبيا (في عامَي 1984 و2011)، وبين النيجر وفرنسا (عام 2023). وغالباً ما تنتهي مثل هذه الأزمات باستدعاء الدبلوماسي إلى بلده الأصلي، أو ترحيله، أو التوصل إلى تسوية بين البلدين.

هذه جولة على بعض الأزمات الدبلوماسية وطريقة حلها:

لبنان وإيران

أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية، يوم الثلاثاء الماضي، إبلاغها سفير إيران المعيّن في بيروت محمّد رضا شيباني بـ«سحب الموافقة على اعتماده، ومطالبته بالمغادرة في مهلة أقصاها الأحد (أمس)». لكن قرار إبعاد شيباني الذي باشر مهامه في أواخر فبراير (شباط) الماضي، قوبل برفض شيعي لبناني قاده «حزب الله» و«حركة أمل». وأعلنت إيران، الاثنين، أن سفيرها سيبقى في لبنان برغم إعلانه من جانب الحكومة اللبنانية شخصاً غير مرغوب فيه. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، خلال مؤتمر صحافي أسبوعي: «سيواصل سفيرنا عمله سفيراً لإيران في بيروت، وسيبقى موجوداً هناك»، مضيفاً أن السفارة في بيروت «لا تزال تعمل».

السفير شيباني... قرار بإبعاده من بيروت (أ.ف.ب)

وهذه المرة الثانية التي يحصل فيها مثل هذا الإشكال الدبلوماسي بين لبنان وإيران. ففي عام 1983، قررت حكومة الرئيس الراحل شفيق الوزان (خلال حكم الرئيس أمين الجميل)، قطع العلاقات مع إيران وطرد القائم بالأعمال محمود نوراني. لكن قرار طرده قوبل أيضاً برفض شيعي لبناني. بقيت الأزمة حتى فبراير 1984 عندما تغيّرت الحكومة اللبنانية وأعادت العلاقات مع إيران.

بريطانيا وليبيا

شهدت العلاقات بين المملكة المتحدة وليبيا أزمات دبلوماسية شبيهة إلى حدٍّ ما. ففي عام 2011 خلال الثورة على حكم العقيد معمر القذافي، نقلت حكومة المملكة المتحدة الاعتراف الدبلوماسي من نظام القذافي إلى المجلس الوطني الانتقالي، وتم إبعاد دبلوماسيين ليبيين في نهاية المطاف، لكن بقي في السفارة موظفون موالون للقذافي ظلوا يرفعون لفترة علم «الجماهيرية»، قبل انتقال البعثة الدبلوماسية لسلطة المجلس الانتقالي.

العقيد الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)

لم تكن تلك الحادثة الدبلوماسية الوحيدة بين لندن وطرابلس. فعقب مقتل الشرطية إيفون فليتشر بالرصاص في 17 أبريل (نيسان) 1984، خلال مظاهرة أمام المكتب الشعبي الليبي في العاصمة البريطانية، قطعت حكومة مارغريت ثاتشر علاقاتها الدبلوماسية مع ليبيا وطردت 30 دبلوماسياً ليبياً. أدى الحادث إلى حصار دام 11 يوماً للمكتب الشعبي، وانتهى بمغادرة الموظفين وترحيلهم في 27 أبريل 1984.

فرنسا والنيجر

في عام 2023، شهدت العلاقات بين فرنسا والنيجر أزمة دبلوماسية مرتبطة أيضاً بقرار يتعلق بطرد السفير. فعقب انقلاب عسكري، أمر المجلس العسكري السفير الفرنسي، سيلفان إيتيه، بمغادرة البلاد. رفضت فرنسا في البداية الامتثال، بحجة أن المجلس العسكري ليس حكومة شرعية تملك صلاحية طرد ممثلها. بقي السفير داخل السفارة لعدة أسابيع قبل أن يغادر في نهاية المطاف.

إيران - المملكة المتحدة (1989)

بعد فتوى المرشد الإيراني الأول الخميني ضد الروائي البريطاني، الهندي المولد، سلمان رشدي، نشبت أزمة دبلوماسية بين لندن وطهران. أدت الأزمة إلى تقليص العلاقات ومغادرة دبلوماسيين، لكن بعض الدبلوماسيين الإيرانيين تأخروا أو لم يمتثلوا فوراً لقرار إبعادهم. لم تكن تلك حالة رفض علني لقرار بالإبعاد، لكنها كانت عبارة عن مماطلة وعدم امتثال فوري.

نيكولاس مادورو (أ.ف.ب)

فنزويلا - الولايات المتحدة (2019)

شهدت العلاقات بين واشنطن وكاراكاس أزمة دبلوماسية عقب اعتراف الحكومة الأميركية بخوان غوايدو رئيساً للبلاد عام 2019. فقد أمر الرئيس نيكولاس مادورو الدبلوماسيين الأميركيين بمغادرة البلاد. رفضت الولايات المتحدة الأمر بحجة أن مادورو «غير شرعي». بقي الدبلوماسيون الأميركيون في كاراكاس لفترة قبل سحبهم، علماً أن مادورو نفسه اعتُقل مطلع عام 2026، ونُقل إلى الولايات المتحدة للمحاكمة بتهم الاتجار بالمخدرات.

ماذا يحدث في حال رفض قرار بطرد دبلوماسي من بلدٍ ما؟

وفقاً لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (المادة 9)، إذا أُعلن دبلوماسي شخصاً غير مرغوب فيه ورفضت الدولة المُرسِلة استدعاءه، يجوز للدولة المُضيفة رفض الاعتراف به كعضو في البعثة. وهذا يعني فقدان الحصانة الدبلوماسية، ما يجعله، من الناحية القانونية، مواطناً عادياً خاضعاً للقوانين المحلية مع إمكان اعتقاله.

حقائق

أزمات طرد دبلوماسيين

حالات تكررت بين بيروت وطهران عامَي 1983 و2026... وبين لندن وطرابلس عامَي 1984 و2011... وبين باريس ونيامي عام 2023... وبين لندن وطهران عام 1989... وبين واشنطن وكاراكاس عام 2019


إسرائيل تطلق رسائل بالنار تتجاوز خطوط القتال في جنوب لبنان

عسكريان في الجيش اللبناني بعد استهداف مركزهما بغارة إسرائيلية ما أدى إلى مقتل جندي (أ.ف.ب)
عسكريان في الجيش اللبناني بعد استهداف مركزهما بغارة إسرائيلية ما أدى إلى مقتل جندي (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تطلق رسائل بالنار تتجاوز خطوط القتال في جنوب لبنان

عسكريان في الجيش اللبناني بعد استهداف مركزهما بغارة إسرائيلية ما أدى إلى مقتل جندي (أ.ف.ب)
عسكريان في الجيش اللبناني بعد استهداف مركزهما بغارة إسرائيلية ما أدى إلى مقتل جندي (أ.ف.ب)

في تحوّل يتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، بدأت الضربات الإسرائيلية في جنوب لبنان تتخطى الأهداف العسكرية المباشرة لتطول مؤسسات يفترض أنها محيّدة بموجب القوانين الدولية، من مسعفين وصحافيين وصولاً إلى الجيش اللبناني الذي لا يشارك في الحرب وقوات «اليونيفيل». هذا النمط من الاستهدافات الذي يذكّر بـ«سيناريو غزة» يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة ويطرح تساؤلات حول الأهداف وعما إذا كانت تمهّد لإعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض وقائع جديدة على الأرض.

استهداف الجيش: رسالة إلى الدولة

في رسائل ضغط تتكرر في الفترة الأخيرة ضد الجيش والدولة اللبنانية، أعلنت قيادة الجيش، الاثنين، عن «تعرّض حاجز للجيش في بلدة العامرية على طريق القليلة – صور لاعتداء إسرائيلي، ما أدى إلى استشهاد أحد العسكريين وإصابة آخرين بجروح».

وتضع مصادر وزارية الاستهدافات المتكررة للجيش اللبناني في خانة «رسائل ترهيب وتهديد» لإبعاد الجيش اللبناني عن كل المناطق التي تنوي إسرائيل التقدم نحوها، مذكرة بأنه ليس الاستهداف الأول للمؤسسة العسكرية»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «يطالبون بسيطرة الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية ويستهدفون عناصره ومراكزه، في رسالة مزدوجة إلى الدولة اللبنانية والمؤسسة العسكرية كما إلى الأهالي الذين لا يزالون صامدين في الجنوب ويطالبون ببقاء الجيش في قراهم بأن الجيش اللبناني لن يكون قادراً على حمايتهم».

عسكريون عند حاجز الجيش اللبناني الذي استهدف في منطقة العامرية في صور جنوب لبنان (أ.ف.ب)

استهداف «اليونيفيل»

وفي اعتداء ليس الأول من نوعه، كانت قوات «اليونيفيل» هدفاً إسرائيلياً لمرتين خلال 24 ساعة في جنوب لبنان، حيث «قُتل جندي حفظ سلام وأُصيب آخر بجروح خطيرة ليل الاثنين، إثر انفجار مقذوف في موقع تابع لليونيفيل بالقرب من عدشيت القصير»، بحسب بيان صادر عن «اليونيفيل».

وبينما قالت «اليونيفيل»: «لا نعرف حتى الآن مصدر المقذوف وقد بدأنا تحقيقاً لتحديد ملابسات الحادث»، جددت دعوتها «لكل الأطراف إلى الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، وضمان سلامة وأمن أفراد وممتلكات الأمم المتحدة في كل الأوقات».

وأكد البيان أن «الهجمات المتعمّدة على جنود حفظ السلام تعد انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وقرار مجلس الأمن الدولي 1701، وقد ترقى إلى جرائم حرب».

وبعد ظهر الاثنين، أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بـ«استهداف دورية لليونيفيل على طريق بني حيان طلوسة وتدخل مروحية من الناقورة لنقل الإصابات».

وأدان رئيس الجمهورية جوزيف عون الاعتداء على القوات الدولية العاملة في الجنوب، وأجرى اتصالاً بقائدها مقدماً له التعازي ومجدداً إدانته للتعرّض لها، ومنوّهاً بتضحيات عناصرها.

بدوره، أجرى وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي اتصالاً هاتفياً بالمنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جينين بلاسخارت، وطلب منها إطلاع وزارة الخارجية اللبنانية على جميع المعطيات والمعلومات فور انتهاء التحقيقات التي تجريها «اليونيفيل».

جندي لبناني في موقع استهداف المركز في منطقة العامرية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

رسائل نارية حاسمة

يرى العميد المتقاعد حسن جوني أن «العمليات التي تستهدف جهات خارج سياق المعركة المباشرة تندرج في إطار رفع مستوى الشراسة بالقتال»، واصفاً إياها بـ«الرسائل النارية الحاسمة».

ويقول جوني لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الاستهدافات هي مؤشر خطير ويعكس نية إسرائيلية لتوسع العمليات»، موضحاً أن «حاجز الجيش الذي استهدف في صور هو أول نقطة للجيش من جهة الحدود وأتى الاستهداف وكأنه عملية دفع للجيش باتجاه الداخل وإخراجه من المنطقة على اعتبار أن العمليات الإسرائيلية تتقدم لتصل إليها».

وفي إطار «التعبير أيضاً عن شراسة القوة المراد استخدامها في هذه المنطقة»، جاء استهداف قوات «اليونيفيل» بحسب جوني، مشيراً إلى أنها «رسالة تحذير لقوات الأمم المتحدة بإخلاء مراكزها واستعجال رحيلها، وإنهاء مهامها التي تتعلق بالمراقبة والرصد ورفع التقارير، وهو ما يزعج إسرائيل من جهة توثيق الاعتداءات الإسرائيلية والخروق وغيرها».

استهداف القطاع الصحي: انتهاك للقانون الإنساني

في سياق الاستهدافات غير العسكرية، شنّ الطيران الحربي غارة على مركز الدفاع المدني التابع لـ«الهيئة الصحية الإسلامية» في بلدة المنصوري، ما أسفر عن وقوع عدد من الإصابات، بحسب «الوكالة الوطنية للإعلام».

خلال تشييع اثنين من المسعفين بعد استهدافهما في غارة في منطقة النبطية في 25 مارس الحالي (رويترز)

وأتى ذلك بعدما أعلنت وزارة الصحة العامة اللبنانية، الأحد، عن «جريمة مزدوجة» تمثّلت باستهداف سيارة إسعاف تابعة للهيئة الصحية، ما أدى إلى مقتل مسعف، إضافة إلى استهداف مخزن الأدوية واللوازم في مستشفى بنت جبيل الحكومي، ما أدى إلى احتراقه بالكامل.

وجددت الوزارة إدانتها «لاعتداءات العدو المتكررة على القطاع الصحي بما يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الإنساني الدولي».

في المقابل، برّر الجيش الإسرائيلي استهدافه للمسعفين بالقول إنهم «كانوا متنكرين بزيّ مسعفين»، معلناً أن «جيش الدفاع هاجم خلية تابعة لـ(حزب الله) عملت إلى جانب سيارة إسعاف في جنوب لبنان».

جاء ذلك أيضاً بعد استهداف صحافيين في الجنوب، أول من أمس (السبت)، في غارة إسرائيلية على طريق كفرحونة - جزين، وأدت إلى مقتل 4 أشخاص، بينهم 3 إعلاميين، هم مراسل قناة «المنار» علي شعيب، والمراسلة فاطمة فتوني، وشقيقها المُصوِّر محمد فتوني من قناة «الميادين»، وبرّر ذلك الجيش الإسرائيلي بالقول إنه استهدف شعيب لارتباطه بـ«قوة الرضوان» في «حزب الله».

خلال تشييع الصحافيين الثلاثة الذين قُتلوا في غارة إسرائيلية يوم السبت في جنوب لبنان (د.ب.أ)

وينص القانون الدولي الإنساني، خصوصاً اتفاقيات جنيف، على أن المسعفين والصحافيين يُعتبرون من الأشخاص المدنيين المحميين أثناء النزاعات المسلحة، وبالتالي يُحظر استهدافهم بشكل مباشر أو غير مباشر. كذلك تتمتع الطواقم الطبية بحماية خاصة تضمن لها العمل بحرية لمعالجة الجرحى دون تمييز، كما تُعدّ المستشفيات وسيارات الإسعاف أهدافاً مدنية لا يجوز ضربها.