وزير الدفاع اليمني يستبعد توقف الهجمات الحوثية حتى لو انتهت حرب غزة

قال لـ «الشرق الأوسط» إنه متفائل رغم الصعوبات أمام اللجان العسكرية

TT

وزير الدفاع اليمني يستبعد توقف الهجمات الحوثية حتى لو انتهت حرب غزة

وزير الدفاع اليمني الفريق ركن محسن الداعري (الشرق الأوسط)
وزير الدفاع اليمني الفريق ركن محسن الداعري (الشرق الأوسط)

لا يعتقد وزير الدفاع اليمني، الفريق ركن محسن الداعري، أن العمليات الحوثية ضد سفن الملاحة في البحرين الأحمر والعربي ستتوقف بمجرد توقف حرب غزة، كما يحذّر من خطورة الأوضاع في المنطقة واحتمال نشوب حرب إقليمية غير مسبوقة.

وتحدث الفريق الداعري، في حوار موسع مع «الشرق الأوسط»، عن تنسيق وصفه بأنه عالي المستوى بين القوات اليمنية وقيادة العمليات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في اليمن، مشيداً بالدور المحوري الذي تلعبه السعودية قائدة التحالف، وبيّن أنها لم تتوانَ يوماً عن تقديم أشكال الدعم كافة للجمهورية اليمنية على الصعد كافة.

وفي سياق حديثه عن جهود توحيد القوات العسكرية التابعة للشرعية، أشار وزير الدفاع اليمني، إلى أن اللجان التي شكَّلها مجلس القيادة الرئاسي حققت تقدماً ملموساً، حيث تم تشكيل هيئة للعمليات المشتركة، مبدياً تفاؤله رغم الصعوبات، بأن تستمر هذه الجهود لتوحيد القيادة العسكرية في مواجهة العدو المشترك، المتمثل في الميليشيات الحوثية.

الوزير اليمني شدد على أن استمرار الهجمات الحوثية على الملاحة الدولية في البحر الأحمر، يشكل خطراً على اليمن والمنطقة، وأن الميليشيا استغلت ذلك هروباً من الوضع السيئ الذي كانت تواجهه في الداخل، وعليه حاولت أن تبتدع فكرة المشاركة في دعم غزة لاستغلال تعاطف اليمنيين مع فلسطين.

ولفت الفريق محسن الداعري إلى أن الميليشيات الحوثية لن تتوقف عن استهداف الملاحة الدولية حتى في حال توقف الحرب في غزة، مشيراً إلى أنها تبحث دوماً عن تحالفات جديدة مع جهات إرهابية، وتستغل الصراعات في المنطقة لإثبات وجودها.

وزير الدفاع اليمني الفريق ركن محسن الداعري (الشرق الأوسط)

واتهم وزير الدفاع اليمني إيران بلعب دور سلبي في اليمن عبر دعم الميليشيات الحوثية منذ سنوات طويلة، من خلال تهريب السلاح والخبراء، محاولة إشعال الفوضى دون النظر إلى المصالح المشتركة أو استقرار اليمن والمنطقة.

وفيما يتعلق بالعلاقة مع واشنطن، أشار الفريق الداعري إلى أن العلاقات جيدة، إلا أن التعاون العسكري بين البلدين ما زال محدوداً، حيث توقفت المساعدات العسكرية الأميركية منذ عام 2014، ولم تعد إلى المستوى نفسه حتى الآن.

تنسيق وثيق

أكد الفريق ركن محسن الداعري، وزير الدفاع اليمني، أن زيارته للمملكة تأتي في إطار التنسيق والتشاور المستمرَين مع المسؤولين في قيادة العمليات المشتركة ووزارة الدفاع السعودية، وتعزيز التعاون المشترك بين البلدين.

ولفت الفريق محسن إلى أنه التقى خلال زيارته التي وصفها بـ«المثمرة»، الكثير من القيادات في العمليات المشتركة وهنأ قائدها الجديد الفريق فهد السلمان، بالإضافة إلى لقائه مسؤولين في وزارة الدفاع السعودية، وقيادة التحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب.

تعاون دفاعي

شدد الوزير على أن التعاون والتنسيق مع السعودية في أعلى المستويات، لا سيما خلال فترة الحرب التي عصفت باليمن خلال السنوات الماضية، وأضاف: «كل ذلك كان بمشاركة إخواننا في التحالف العربي في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات والدول الأخرى التي شاركت في هذه العمليات، كانت درجات التنسيق عالية، وإضافة نوعية لجاهزية القوات في المنطقة بشكل عام».

الفريق فهد السلمان قائد القوات المشتركة خلال استقبال وزير الدفاع اليمني الفريق محسن الداعري في الرياض (وزارة الدفاع السعودية)

الداعري أكد أن «هذه العلاقات تزداد تطوراً كل يوم، ونحن على أعلى درجات التنسيق، ونعمل على قدم وساق لتنفيذ المهام وإنجازها بالشكل الذي يجب في المنطقة».

ووصف الوزير اليمني التعاون الدفاعي بين بلاده والسعودية بأنه في أعلى مستوياته، مبيناً أن السعودية بكونها قائدة التحالف تعلب دوراً كبيراً وتقدم الإمكانات كافة، وقال: «المملكة لم تبخل يوماً من الأيام عن تقديم الدعم سواء العسكري أو المادي أو المعنوي، ولأنها القوة الأقوى في المنطقة لم تبخل على أشقائها في الجمهورية اليمنية بتقديم كامل الدعم، ليس فقط النواحي المادية، بل قدموا الخبرات والتجارب الاستراتيجية وشاركوا على الأرض وقدموا دماءهم وأرواحهم في سبيل نصرة القضية التي نقاتل من أجلها في اليمن».

وأشار وزير الدفاع إلى أن الميليشيات الحوثية استغلت فترة الهدنة وما بعدها بعد المبادرة السعودية التي تحولت أممية، لتقوم بأعمال عدائية ومحاولة إثبات وجودها على الأرض في حين عملت على تكوين سجن كبير لملايين اليمنيين الذين لا يريدون البقاء في مناطقها، على حد تعبير الوزير.

»حرب غير مسبوقة»

وصف الفريق الداعري الوضع في المنطقة بالخطير، مشيراً إلى أن الأحداث الأخيرة في غزة ولبنان تشير إلى تصاعد التوترات. وحذَّر من حرب إقليمية غير مسبوقة في ظل تصاعد العنف والصراعات.

الدخان يتصاعد من الضاحية الجنوبية لبيروت عقب غارة إسرائيلية في 8 أكتوبر 2024 (رويترز)

وقال: «ما يجري في المنطقة أصبح مقلقاً كثيراً، خصوصاً تسارع الأحداث في الفترة الأخيرة، بداية من ميليشيات إرهابية في اليمن، وحرب إبادة غير مقبولة في غزة منذ عام، وكذلك ما يجري الآن في جنوب لبنان، ما يجري في المنطقة ينذر بحرب غير عادية».

الحسم «سلماً أو حرباً»

تحدث الفريق الداعري عن جاهزية القوات اليمنية لجميع الخيارات، سواء الحرب أو السلام، مشيراً إلى أن هناك جهوداً كبيرة لتحقيق السلام، لكن لا يستبعد تجدد الحرب في أي لحظة. ولفت إلى استفزازات الميليشيات الحوثية المستمرة، والتي تسفر عن سقوط شهداء وجرحى.

وأضاف: «نحن جاهزون لكل الخيارات ولدينا خطط استراتيجية كاملة لاستخدام القوات بشكل عام، لكن السنتين الأخيرتين شهدتا الهدنة، وهنالك مساعٍ كبيرة من التحالف لتحقيق السلام أفضل من لغة الحرب، لكن لا يعني ذلك أن الحرب قد لا تتجدد، يمكن أن تتجدد في أي يوم من الأيام».

وتابع: «رغم هذه الهدنة وتواجد القوات ورغم توقف القوات الشرعية عن إطلاق النار، نجد الميليشيات تستفز كل يوم في اتجاه، ويسقط شهداء وجرحى ولكن الصبر ما زال شيمة السلطة الشرعية في اليمن بقيادة الدكتور رشاد العليمي القائد الأعلى للقوات المسلحة، وإخوانه أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، وقيادة وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان العامة، وهو صبر واستعداد وجاهزية إلى أن تحين ساعة الصفر، سواء للسلام أو للحرب نحن جاهزون».

توحيد القوات

أشار وزير الدفاع اليمني إلى أن لجان توحيد القوات العسكرية التي شكلها مجلس القيادة الرئاسي حققت تقدماً ملحوظاً، حيث تم تشكيل هيئة العمليات المشتركة. مبدياً تفاؤله رغم الصعوبات، بأن تستمر هذه الجهود لتحقيق توحيد القيادة العسكرية في مواجهة العدو المشترك، المتمثل في الميليشيات الحوثية.

وقال: «هذه اللجان بدأت أعمالها وقطعت شوطاً كبيراً، صحيح أنها لم تصل للمستوى المطلوب خلال فترة وجيزة، لكن رافقتها الكثير من الصعوبات واستطاعت أن تنجز الكثير ومن ضمنها تشكيل هيئة العمليات المشتركة التي تحوي كل المكونات، وهي ناجحة جداَ وفيها ضباط من أكفأ القيادات الموجودة في كل المكونات العسكرية».

وأضاف الداعري بقوله: «نحن في قيادة وزارة الدفاع نسعى إلى أن تكون هذه المكونات العسكرية كلها تحت قيادة واحدة بحيث تستطيع أن توحد قرارها، لا يوجد لدينا في المرحلة الحالية غير عدو واحد وهو الميليشيات الحوثية (...)، اللجنة أنجزت ما يصل إلى 70 في المائة ويبقى التنفيذ».

تهديدات الحوثيين للبحر الأحمر

وفي ملف البحر الأحمر، أوضح الفريق محسن الداعري أن استمرار الميليشيات الحوثية استهدافها الملاحة الدولية في البحر الأحمر، يشكل خطراً على اليمن والمنطقة.

وعدّ الداعري الهجمات الحوثية على الملاحة هروباً من الوضع السيئ الذي كانت تواجهه الميليشيا في الداخل، وقال: «جاءت أحداث 7 أكتوبر بغزة في وقت كان الحوثي يعيش رمق المواجهة الأخير في أكثر من منطقة، سواء في ذمار وصنعاء وعمران وغيرها من المناطق، وعليه حاولت الجماعة أن تبتدع فكرة المشاركة في دعم غزة لاستغلال تعاطف اليمنيين مع فلسطين، لكنها كانت تضر الشعب اليمني ودول المنطقة وحتى الفلسطينيين أنفسهم».

الحرائق مستمرة على سطح ناقلة النفط اليونانية «سونيون» بسبب هجمات الحوثيين (المهمة الأوروبية أسبيدس)

وألمح وزير الدفاع اليمني إلى وجود أطراف «تريد تصوير الميليشيات الحوثية على أنها أصبحت قوة إقليمية في المنطقة، لكنها في الحقيقة لا تساوي شيئاً، نحن نعرفهم على الأرض لم يستطيعوا أن يتقدموا على الإطلاق، وهم يحاولون انتهاج سياسة الابتزاز للدول التي تمر في البحر الأحمر».

وأوضح الفريق الداعري أن الميليشيات الحوثية لن تتوقف عن استهداف الملاحة الدولية حتى في حال توقف الحرب في غزة، كما تصور هي للعالم، مشيراً إلى أنها تبحث دوماً عن تحالفات جديدة مع جهات إرهابية، وتستغل الصراعات في المنطقة لتحاول إثبات وجودها، لكنها في النهاية ستزول، بحسب وصفه.

وأضاف: «الميليشيا الإرهابية ليس لها حدود ولا أمان في توقفها يوماً من الأيام؛ فهي تبحث كل يوم عن التحالف مع أي جهات إرهابية أخرى، كانت تدعي أنها تحارب (داعش) و(القاعدة) وهما تنظيمان إرهابيان، لكننا وجدناها في الفترة الأخيرة هي من تتخادم معهما وتقدم لهما الدعم والتدريب والتجهيز، كما أن لهم علاقات بالتنظيمات الإرهابية في الطرف الآخر من البحر الأحمر، وأماكن أخرى».

صنعاء هي الهدف

أكد وزير الدفاع اليمني أن الجيش اليمني جاهز للتحرك باتجاه صنعاء في أي لحظة، مشيراً إلى أن الميليشيات الحوثية تضعف يوماً بعد آخر. وتابع: «نحن في الجيش والقوات المسلحة اليمنية ووزارة الدفاع وكل المكونات اليمنية والمقاومة هدفنا الأساسي هو صنعاء، هذه الميليشيات مشروع غير مستمر ووقتي يمكن أن ينتهي في أي لحظة، وبالتالي نحن جاهزون بأن نكون في تلك الأماكن اليوم أوغداً أو بعد غدٍ، هذه الميليشيات لا تلتزم بالعهود والاتفاقيات، وعندما تضعف تستخدم أساليب عدة للحصول على تعاطف الآخرين».

إيران وتصدير الموت

يرى الوزير الداعري أن إيران تلعب دوراً سلبياً في دعم الميليشيات الحوثية منذ سنوات طويلة، من خلال تهريب السلاح والخبراء، محاولة إشعال الفوضى دون النظر إلى المصالح المشتركة أو استقرار اليمن والمنطقة.

شحنة أسلحة صادرتها القيادة المركزية الأميركية في بحر العرب يعتقد أنها قادمة من إيران باتجاه الحوثيين في اليمن (القيادة المركزية الأميركية)

وقال: «إيران منذ القيادات السابقة في اليمن تقدم الدعم وتسلط الميليشيات لتنفيذ عمليات عدائية في المنطقة، ما هو مشروعهم وماذا يريدون لا نعلم، لم يأتوا إلينا يوماً من الأيام ويقولوا لدينا مصالح مشتركة، هم فقط يصدرون الموت لليمن وللمنطقة ويعتقدون أنهم بهذا المشروع سيسيطرون على كل شيء، لكن بالعكس، لا يمكن لشعوب المنطقة أن تستسلم».

توقف المساعدات العسكرية الأميركية

تحدث الوزير عن علاقات طيبة للحكومة اليمنية مع الدول الصديقة، مشدداً على أن السعودية والإمارات كانتا الداعمين الأساسيين لليمن في الحرب الأخيرة. في حين أشار إلى أن المساعدات العسكرية الأميركية توقفت منذ عام 2014، ولم تُستأنف بالوتيرة نفسها حتى الآن.

وأضاف: «دائماً نقول من يقف إلى جانبنا في قضية مثل هذه فهو صديقنا، ومن يتركنا نواجه مصيرنا بأنفسنا فليس صديقنا، وحقيقةً لم نجد من وقف معنا بصدق وقدَّم أرواحاً ودماءً وسلاحاً وكل أوجه الدعم كما كان أشقاؤنا في المملكة العربية السعودية والإمارات ودول الخليج ودول العربية مثل مصر والسودان وغيرهم».


مقالات ذات صلة

هيئة بحرية بريطانية: بلاغ عن هجوم على ناقلة جنوب شرقي عدن اليمنية

العالم العربي أرشيفية لسفينة شحن بريطانية تعرضت لهجوم صاروخي حوثي بخليج عدن (د.ب.أ)

هيئة بحرية بريطانية: بلاغ عن هجوم على ناقلة جنوب شرقي عدن اليمنية

قالت هيئة ​عمليات التجارة البحرية البريطانية اليوم الاثنين إن ‌زورقا ‌صغيرا ​اقترب ‌من ⁠ناقلة ​نفط وأطلق النار ⁠عليها على بعد 111 ميلا ⁠بحريا ‌جنوب شرقي ‌عدن.​

«الشرق الأوسط» ( عدن )
بروفايل سلطان العرادة... حارس الجمهورية الأخير (سبأ)

بروفايل سلطان العرادة... حارس الجمهورية الأخير

يرتبط اسم سلطان العرادة لدى مؤيديه بلقب «حارس الجمهورية الأخير»، فيما يعلّق هو على ذلك بالقول: «حراس الجمهورية الحقيقيون هم أبناء الوطن جميعاً من الشرفاء».

عبد الهادي حبتور (مأرب)
خاص أكد اللواء سلطان العرادة أن السعودية جنّبت اليمن حرباً أهلية جديدة (الشرق الأوسط) p-circle 01:33

خاص العرادة لـ«الشرق الأوسط»: السعودية جنّبت اليمن حرباً أهلية جديدة

قال اللواء سلطان العرادة، عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ مأرب، إن السعودية جنّبت اليمن وحمته من الانزلاق إلى حرب أهلية جديدة.

عبد الهادي حبتور (مأرب)
العالم العربي جهاز استخبارات الشرطة أصبح اليد الطولى للقمع الحوثي (إعلام محلي)

«استخبارات الشرطة»... الذراع الأمنية الأشد بطشاً للحوثيين

جرى توجيه اتهامات واسعة إلى جهاز «استخبارات الشرطة» الحوثي باعتقال مئات المدنيين وإخفائهم قسرياً وتعذيبهم داخل سجون سرية يديرها نجل مؤسس الجماعة.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (إعلام حكومي)

الحكومة اليمنية تدفع نحو اللامركزية وتعزيز الشراكات الدولية

الحكومة اليمنية تكثف تحركاتها لتعزيز اللامركزية، وتطوير الخدمات عبر مؤتمر وطني في عدن، بالتوازي مع مباحثات دولية لدعم التنمية، والصحة، والاستجابة الإنسانية

«الشرق الأوسط» (عدن)

سوريا... رفض عودة «الشبيحة» يتحول إلى حراك

سوريا... رفض عودة «الشبيحة» يتحول إلى حراك
TT

سوريا... رفض عودة «الشبيحة» يتحول إلى حراك

سوريا... رفض عودة «الشبيحة» يتحول إلى حراك

مع استمرار خروج مظاهرات في عدد من المحافظات السورية وتصاعدها احتجاجاً على عودة من يتم وصفهم في الأوساط الشعبية بـ«شبيحة» النظام السابق والمطالبة بمحاسبتهم، وتطورها إلى «حراك» يومي، دعت وزارة الداخلية السوريين إلى عدم الانجرار إلى أي أعمال انتقامية أو اعتداءات خارج إطار القانون، بينما أصدرت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بياناً، الاثنين، قالت فيه إن العدالة الانتقالية لا تقوم على مبدأ الانتقام والثأرية، واستيفاء الحق بالذات خارج إطار القانون.

وركزت وسائل الإعلام الرسمية، الاثنين، على تصريحات للرئيس أحمد الشرع كان قد أدلى بها خلال اجتماع مع وجهاء من ريف دمشق، الخميس الماضي، دعا فيها إلى عدم استخدام العدالة الانتقالية عنواناً للانتقام أو وسيلةً للتسلط؛ «لأننا عندها نكون قد واجهنا ظلماً بظلمٍ آخر» على حد تعبيره.

تجدر الإشارة إلى أن محافظات سورية مختلفة تشهد احتجاجات شعبية، مثل دير الزور، وحلب، وإدلب، وريف دمشق، رفضاً لإعادة تعويم وتدوير المرتبطين بالنظام السابق، مشددة على أن عودتهم تمثل إهانة لدماء الشهداء. وقد أظهر مقطع فيديو نشره نشطاء، بعض الأهالي وهم ينتقمون من أفراد تسببوا لهم بالضرر في ظل النظام البائد.

مظاهرات ليلية في حلب وإدلب مطالبة بملاحقة «الشبيحة» وأعوان نظام الأسد (متداولة)

بعد انطلاق الاحتجاجات، يوم الجمعة، في حيّ السكري بمدينة حلب، اتسع الحراك منذ مساء السبت، حيث شهدت أحياء كانت ضد النظام السابق، مظاهرات ليلية شارك فيها المئات.

ونقل «تلفزيون سوريا» أن محتجين خرجوا عقب صلاة المغرب من مساجد تلك الأحياء، رافعين شعارات تطالب بإخراج «فلول وشبيحة» نظام الأسد، وتدعو إلى تسريع مسار العدالة الانتقالية، ومحاسبة مرتكبي الجرائم بحق السوريين

وبينما خرجت مظاهرات مماثلة في محافظة حلب، شهدت تل رفعت توتراً أمنياً جرت السيطرة عليه من قبل قوى الأمن الداخلي، وذلك على إثر انتشار شعارات مؤيدة للنظام السابق على جدران المدارس والمساجد؛ ما اضطر الأمن العام في مدينة تل رفعت، الأحد، إلى الانتشار داخلها بعد هجوم نفذه عدد من الأهالي على منازل بتهمة أنها سكن «شبيحة» مع محاولة طردهم خارج المدينة، ونشرت على مواقع التواصل أنباء عن تنفيذ حملة اعتقالات طالت أشخاصاً متورطين في تأجيج الرأي العام.

وبالاضافة لمظاهرات مناطق مختلفة من محافظة إدلب في الشمال السوري، شهدت مناطق مثل كفر تخاريم تعرّضاً لمواطن من قبل عدد من الأهالي، قاموا بضربه قبل أن يفارق الحياة، على خلفية اتهامات تتعلق بتعاونه مع النظام السابق في حادثة أثارت تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل. وفي حادثة مشابهة في كفرعويد تعرّض شاب للاعتداء؛ ما أدى إلى إصابته بجروح خطيرة، وسط اتهامات تتعلق بالتعاون مع النظام السابق، بحسب ما أورد موقع «سوريا ألترا».

خيمة اعتصام الكرامة في دير الزور (فيس بوك)

عودة رموز «الحرس الثوري»

تشهد دير الزور في الشرق السوري، مظاهرات حاشدة يومية أبرزها وسط المدينة؛ حيث نصب الأهالي «خيمة اعتصام الكرامة» للتعبير عن تمسكهم برفض عودة شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، وطالبوا بتسريع مسار العدالة الانتقالية والمحاسبة.

الناشط السياسي «راغب التاية» المشارك في المظاهرات والاعتصام، بيّن أن الأهالي في المنطقة الشرقية، خصوصاً في دير الزور، لديهم احتقان كبير جداً جراء رؤية «شبيحة» نظام بشار الأسد القتلة يتحركون بشكل طبيعي في الشوارع.

وأوضح التاية لـ«الشرق الأوسط»، أن «هذا الأمر أدى إلى «انفجار المخزون القهري داخل كل مواطن ضحى في مواجهة نظام الأسد، ولم نكن نتمنى أن تٌوضع حكومتنا في هذا الموقف المحرج بمواجهة أهالي الشهداء والضحايا والفقراء، الذين يرون كرامتهم منتهكة».

وذكر أن من بين المعتصمين في الخيمة أمهات فقدن أبناءهن في سجن صيدنايا أو قٌتلوا برصاص جيش و«شبيحة» الأسد، وأبناء معاقين جراء كل ذلك.

ومن مطالب الاحتجاجات توظيف أبناء الثورة وعدم تهميشهم، وفي هذا الصدد قال التاية: «هناك شباب ناضلوا ضد نظام الأسد، وتُطلب منهم الآن شروط تعجيزية لتوظيفهم، من ذلك أن تكون أجسامهم سليمة!».

وكانت دير الزور قد شهدت مؤخراً عودة شيخ عشيرة «البقارة»، نواف البشير، المرتبط سابقاً بنظام الأسد والميليشيات المدعومة من إيران؛ ما أثار غضباً شعبياً واسعاً، كذلك الإفراج عن مدلول العزيز مؤسس ميليشيا بدعم إيراني، ويواجه اتهامات بأنه كان واجهة اقتصادية للمشروع الإيراني. وسبق ذلك تسوية وضع، فرحان المرسومي، المتهم بتهريب السلاح والمخدرات والعمل مع «الحرس الثوري» الإيراني.

الصحافي داود السيد من أبناء مدينة دير الزور، لفت إلى أن الاستقبالات التي جرت لهؤلاء رغم تاريخهم الدموي وعودة آخرين من «آل شويش» الذين كانت لهم علاقة مباشرة مع قيادة «فيلق القدس» الإيراني، شكلتا «استفزازاً للأهالي». وأوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «شبيحة» النظام السابق ومخبريه، لم يغيبوا عن المشهد، ولم تجر ملاحقتهم ومحاسبتهم، علماً أن «لواء الباقر» الذي كان يتزعمه نجل نواف البشير نكّل بالأهالي.

حقوق الضحايا لن تضيع

وفي سعي الحكومة إلى تخفيف الاحتقان الشعبي، التقى نائب محافظ دير الزور بدري المصلوخ وقائد الأمن الداخلي العميد حذيفة الصوا، عدداً من المشاركين في خيمة الاعتصام، يوم الأحد.

ووفق ما أعلنت المحافظة، فإنه تم الاطلاع على مطالب الأهالي ومقترحاتهم، وجرى التأكيد على متابعة القضايا المطروحة، والبدء باتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة ما أمكن منها بما يحقق المصلحة العامة، ويستجيب لاحتياجات المواطنين».

وفي تصريح له أكد الصوا أن «قوى الأمن الداخلي مستمرة في أداء واجبها بملاحقة المجرمين والخارجين عن القانون، وفق الأصول القانونية».

وفي بيان لها حول التوترات في إدلب، شددت وزارة الداخلية على أن تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات مسؤولية تتولاها الدولة عبر مؤسساتها المختصة، كما حثت كل من يمتلك معلومات أو أدلة موثقة عن أشخاص متورطين في جرائم أو انتهاكات، على المبادرة بتقديمها إلى الجهات المختصة عبر القنوات الرسمية المعتمدة مشددة على أن حقوق الضحايا لن تضيع.

امتداد لريف دمشق

الحراك الشعبي الغاضب من رموز النظام البائد امتد إلى ريف دمشق، وأظهر مقطع فيديو نشرته تنسيقية مدينة التل مجموعة من الشبان يطاردون «شبيحاً» في المنطقة المحيطة بالجامع الكبير، في وقت تحدث فيه نشطاء ومنصات إخبارية عن انتشار قصاصات ورقية في مدينة قارة تطالب «الشبيحة» بمغادرة الأحياء السكنية، أو الالتزام بالمنازل وانتظار الحساب.

ولا توجد أرقام دقيقة لعدد الذين جندتهم إيران والنظام السابق لقمع المظاهرات والقتال إلى جانبه، لكن تقارير تشير إلى أنهم بين 50 - 100 ألف عنصر في ذروة نشاطهم خلال سنوات الصراع.

حقوق للضحايا والمتهمين

الخبير القانوني السوري، المعتصم الكيلاني، يرى أن خروج هذه الاحتجاجات في هذا التوقيت ليس أمراً مستغرباً، إذ إن المجتمعات الخارجة من النزاعات أو من الأنظمة السلطوية تمر عادةً بمرحلة تُعرف بالعدالة الانتقالية، حيث يسعى الضحايا وذووهم إلى كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان عدم تكرارها.

وأوضح الكيلاني لـ«الشرق الأوسط»، أن المطالب قد تكون مؤجلة لسنوات بسبب الخوف أو غياب البيئة السياسية المناسبة، ثم تظهر بقوة عندما تتغير موازين السلطة، وتصبح إمكانية المساءلة أكثر واقعية.

ورأى أن التعامل مع هذه المطالب يجب أن يتم ضمن إطار سيادة القانون، وليس عبر الانتقام أو العقوبات الجماعية أو الاتهامات غير المستندة إلى أدلة؛ فالمبدأ القانوني الأساسي يقضي بأن المسؤولية شخصية، وأن أي شخص تُوجَّه إليه اتهامات بارتكاب جرائم أو انتهاكات يجب أن يخضع لتحقيقات مستقلة وإجراءات قضائية عادلة تكفل حقوق الضحايا وحقوق المتهمين في آن واحد.

ويرجح الكيلاني أن تدرك السلطات السورية الجديدة أن ملف المساءلة يمثل أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً على الاستقرار الداخلي؛ لذلك فإن نجاحها سيقاس بقدرتها على إيجاد آليات قانونية ومؤسساتية لمعالجة الانتهاكات السابقة. وفي المقابل، فإن تجاهل هذه المطالب أو تأجيلها لفترات طويلة قد يؤدي إلى تصعيد الاحتقان الشعبي وفقدان الثقة بمؤسسات الدولة.

ويرى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين العدالة والاستقرار، بل في تحقيق عدالة قانونية منظمة تسهم في ترسيخ الاستقرار والمصالحة الوطنية، بدلاً من فتح الباب أمام أشكال جديدة من الثأر أو الاستقطاب المجتمعي.

اقرأ أيضاً


عباس يفتح مساراً للانتخابات التشريعية الفلسطينية... ويعد بالرئاسية

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
TT

عباس يفتح مساراً للانتخابات التشريعية الفلسطينية... ويعد بالرئاسية

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)

مهّد الرئيس الفلسطيني محمود عباس لإجراء أول انتخابات تشريعية منذ 20 عاماً في الأراضي الفلسطينية، عبر تعديلات على قانون الانتخابات العامة، التي تجرى هذا العام بالتزامن مع انتخابات «المجلس الوطني» التابع لمنظمة التحرير، وقبل إجراء الانتخابات الرئاسية التي وعد عباس أيضاً بتنظيمها في عام 2027.

ولم تشهد الأراضي الواقعة تحت إدارة السلطة الفلسطينية انتخابات تشريعية منذ عام 2006، حين فازت «حماس» بأغلبيتها، وأعقبتها سنوات من الانقسام والاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني، وانتهت بسيطرة الحركة على القطاع.

وأكد عباس، خلال اتصال هاتفي مع رئيس إندونيسيا برابوو سوبيانتو، على المضي في «برنامج الإصلاح الوطني الشامل وتعزيز المسار الديمقراطي»، مشيراً إلى «الذهاب إلى الانتخابات البرلمانية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ويتبعها في العام المقبل الانتخابات الرئاسية».

وقالت وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) إنه من المقرر أن يصدر عباس مرسوماً بالدعوة لانتخابات المجلس التشريعي بالتزامن مع انتخابات «المجلس الوطني» (التابع لمنظمة التحرير)، التي كان قد حدد الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل موعداً لإجرائها.

ويتشكل أعضاء المجلس الوطني (350 عضواً) من الداخل والخارج، ويمثل أعضاء المجلس التشريعي نسبة الثلثين تقريباً من أعضاء «المجلس الوطني».

ما التعديلات الجديدة؟

ونصت التعديلات الجديدة على زيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني إلى 200 عضو (من 132)، وخفض نسبة الحسم اللازمة للفوز بالمقاعد إلى 1 في المائة بدلاً من 2 في المائة، ورفع الحد الأدنى لعدد المرشحين ضمن كل قائمة انتخابية إلى 20 مرشحاً بدلاً من 16 مرشحاً.

فلسطينية تدلي بصوتها في الانتخابات المحلية ببلدة بيرزيت الفلسطينية شمال رام الله بالضفة الغربية أبريل الماضي (أ.ف.ب)

وتضمن القرار تعزيز مشاركة المرأة في القوائم الانتخابية، واشتراط وجود سيدة واحدة على الأقل بين كل ثلاثة مرشحين في القائمة، إضافة إلى خفض سن الترشح لانتخابات المجلس التشريعي إلى 23 عاماً بدلاً من 28 عاماً.

وقرار إجراء انتخابات تشريعية جاء في وقت حساس، يعمل فيه عباس على ترتيب وضع السلطة الفلسطينية وضمان انتقال سلس لقيادتها، وهو ما قاده حتى الآن لإجراء انتخابات محلية وانتخابات لقيادة حركة «فتح»، على أن تجري لاحقاً انتخابات «التشريعي» و«الوطني» ثم الانتخابات الرئاسية.

«تعهدات... وضغوط لم تتوقف»

وقال مصدر فلسطيني مطلع لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يجري جزء من تعهدات فلسطينية رسمية للدول العربية والأوروبية وللأميركيين، بتجديد السلطة»، وأضاف: «الضغوط منذ حرب غزة لم تتوقف، وكلها تصب باتجاه أنه يجب تجديد السلطة عبر إجراء كل الانتخابات المطلوبة، وإدخال الإصلاحات اللازمة. كان هذا جزءاً من شروط التعامل مع السلطة وإبقائها ودعمها نحو مسار سياسي متعلق بالدولة، بما في ذلك اليوم التالي في قطاع غزة».

والعام الماضي، تعهد عباس بإعادة هيكلة الأطر القيادية للدولة، وضخ دماء جديدة في المنظمة وفتح وأجهزة الدولة، وأثناء ذلك دفع حسين الشيخ إلى منصب نائب الرئيس، وأجرى تغييرات على الأجهزة الأمنية وبدأ إصلاحات مالية وأخرى في المناهج الدراسية، ولاحقاً جرت انتخابات محلية وانتخابات في قيادة حركة «فتح».

وأكد المصدر من السلطة أن «التوجه هو إجراء الانتخابات التشريعية، لكن الظروف السياسية المتعلقة بإسرائيل والوضع في غزة، يمكن أن تُلقي بظلالها بلا شك».

«حماس تهاجم»

على الرغم من أن إجراء انتخابات عامة كان مطلباً رئيسياً لحركة «حماس» في أي محادثات مصالحة مع «فتح»، لكنها هاجمت بشدة مرسوم عباس.

وقال الناطق باسم «حماس» حازم قاسم، إن «القرارات التي يصدرها عباس حول الانتخابات هي استمرار لمنطق الاستفراد»، عاداً أنها «محاولة لتكييف كل الخطوات لتناسب فقط القيادة التي تحكم السلطة».

غير أن «حماس» تواجه معضلة انتخابية غير مسبوقة، إذ تعرقل التعديلات المتتالية التي أدخلها عباس على نظام الانتخابات مشاركة أعضائها السياسية وترشحهم في الانتخابات.

فلسطينيون بمدينة دير البلح وسط غزة قرب مركز تصويت في الانتخابات المحلية في أبريل الماضي (أ.ب)

وكان عباس قد أصدر مراسيم سابقة اشترطت على المرشّحين للانتخابات المحلية والوطني الالتزام بـ«منظمة التحرير الفلسطينية» والتزاماتها، التي من بينها الاعتراف بإسرائيل، وهو بند ترفضه «حماس». وقال المصدر إن ذلك «سيسري على الانتخابات التشريعية».

وأضاف: «السلطة لن تأتي بـ(حماس) في مواقع ممثلة للشعب الفلسطيني، قبل أن تنخرط وتكون جزءاً من النظام السياسي الفلسطيني أولاً».

وطالبت السلطة قبل ذلك «حماس» بتسليم غزة والسلاح والتحول إلى حزب سياسي والاعتراف بـ«منظمة التحرير» والتزاماتها، لكن «حماس» لم تستجب حتى الآن.

ولم تشارك «حماس» في الانتخابات الرئاسية التي جاءت بعباس عام 2005، لكنها سيطرت على الانتخابات التشريعية عام 2006، قبل أن تنقلب على السلطة وتستولي على غزة، ما أدى إلى تعليق عمل «المجلس التشريعي» حتى قرر عباس حله عام 2018.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


في مدينة النبطية… لبنانيون يتحسرون على منازلهم وأرزاقهم

أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان... 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان... 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

في مدينة النبطية… لبنانيون يتحسرون على منازلهم وأرزاقهم

أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان... 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان... 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

بعدما علم بتوصّل طهران وواشنطن إلى اتفاق ينهي الحرب في الشرق الأوسط ويشمل لبنان، عاد كمال كمال إلى مدينته النبطية، ليفاجأ بأن تعب العمر استحال ركاماً، بعدما سوّت إسرائيل مؤسسته ومستودعاته بالأرض.

فمدينة النبطية، مركز المحافظة التي تحمل الاسم ذاته في جنوب لبنان، شكّلت منذ الأسبوع الماضي هدفاً لهجمات إسرائيل، بعدما طالتها إنذارات إخلاء وغارات، وتقدَّمَ الجيش الإسرائيلي ميدانياً في محيطها، ما جعلها شبه مقفرة من سكانها البالغ عددهم قرابة تسعين ألفاً قبل اندلاع الحرب الأخيرة بين «حزب الله» وإسرائيل في الثاني من مارس (آذار).

أمام الشارع الذي يحمل اسم مؤسسته «بن الكمال»، لم يقوَ كمال على حبس دموعه وهو يعاين أكوام الركام متكئاً على عصا تعينه في خطواته الثقيلة.

يقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بتأثر شديد: «يا ضيعان العمر الذي أفنيناه هنا»، مشيراً إلى مؤسسته ومستودعاته التي لم تبقِّ الغارات الإسرائيلية أثراً لها.

ويضيف بينما يمسح عينيه بمنديل ورقي: «افتتحتها في السبعينيات حين كنت لا أزال شابا... لم يبقَ شيء»، موضحاً أن الشارع بأكمله «يحتاج إلى جرف» لرفع الركام.

على غرار الرجل المعروف ومؤسسته من أبناء مدينته، يتحسّر العائدون من السكان على الدمار الهائل الذي يلف أحياء في المدينة بينها سوقها التجارية المسقوفة التي انهار سقفها ولحقت أضرار جسيمة بمحالها جراء الغارات الإسرائيلية.

مواطنون يسيرون على أنقاض مبنى مدمر في مدينة النبطية جنوب لبنان... يوم 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

وقال إن الجيش اللبناني الذي أخلى موقعاً في محيط المدينة الأسبوع الماضي، أقام الاثنين حاجزاً على مدخلها، وتولى إرشاد السكان إلى الطرق التي يمكنهم سلوكها على وقع دوي قصف مدفعي إسرائيلي متقطع وتصاعد الدخان في محيط المدينة.

وحضّ الجيش اللبناني السكان في بيان، الاثنين، على «التريّث» في العودة إلى القرى والبلدات الحدودية الجنوبية. ودعاهم «حزب الله» إلى «انتظار توجيهات المعنيين بشأن العودة الآمنة إلى قراهم وبلداتهم، حرصاً على سلامتهم وتفادياً لأي مخاطر قد تنجم عن خروقات العدو الإسرائيلي المحتملة».

ورغم أن بلدية النبطية دعت السكان إلى عدم العودة في الوقت الراهن... «نظراً لاستمرار دقة الوضع الأمني وعدم استقراره»، فإن ذلك لم يحُل دون عودة السكان التي كانت خجولة صباحاً قبل أن تزداد وتيرتها لاحقاً.

في أحد أحياء المدينة المدمرة بالكامل، وقفت رنا نصرالله (45 عاماً) التي نزحت خلال الحرب الأخيرة مع عائلتها إلى مدينة صيدا الساحلية تعاين الدمار، حيث تناثرت ملابس وفرش وأحواض زهور وذكريات تستعيدها بفخر.

وتقول السيدة التي خسرت منزلها: «نشأنا في هذا الحي. هنا كنا نلعب ونحن أطفال، وهنا كانت النسوة الكبار يتسامرن، وأمامنا سوق النبطية الأثرية... هنا المعالم التي أرادوا ربما محوها».

وتوضح بينما تحمل كمامة طبية بيدها: «فور الإعلان عن وقف لإطلاق النار وقبل أن يصدر أي بيان رسمي... انطلقنا وجئنا إلى هنا، لم يعد بإمكاننا أن ننتظر أكثر».

وتضيف: «جئنا لنشمّ تراب بلدنا... حتى لو لم يكن ثمة منزل يؤوينا ولا عمل، لكن تشعر بفرج للروح».

ورغم الدمار الهائل الذي يلف المدينة، على غرار العشرات من البلدات والقرى الجنوبية التي دمرتها القوات الإسرائيلية كلياً أو جزئياً خلال الحرب الأخيرة، تعرب نصرالله عن أملها بإعادة بناء ما تدمّر.

وتقول: «رغم الحزن والأسى عند رؤية المدينة مدمرة... لكن يعترينا الأمل بأننا سنعيد البناء». وتتابع قائلة: «لم نشعر لمرة أننا مهزومون وأننا لن ننتصر وأننا لن نعود لنعيد بناء النبطية».

عاجل مونديال 2026: إسبانيا تستهل مشوارها بتعادل سلبي مفاجئ أمام الرأس الأخضر