أصغر نازحي لبنان... رضيع بلا منزل وحياة داخل «مدرسة إيواء»

لم يتعرّف على بلدته أو منزله... ويستبدل أغراضه الجديدة بمساعدات متواضعة

الطفل أحمد الذي يبلغ من العمر 19 يوماً (الشرق الأوسط)
الطفل أحمد الذي يبلغ من العمر 19 يوماً (الشرق الأوسط)
TT

أصغر نازحي لبنان... رضيع بلا منزل وحياة داخل «مدرسة إيواء»

الطفل أحمد الذي يبلغ من العمر 19 يوماً (الشرق الأوسط)
الطفل أحمد الذي يبلغ من العمر 19 يوماً (الشرق الأوسط)

عند ولادة طفل جديد في معظم بلدان العالم تستقبله عائلته بالورود والبالونات الملوّنة، والحلويات الطازجة، والضحكات الممزوجة بدموع الفرح والامتنان، وكان هذا هو حال عائلات لبنان منذ زمن غير بعيد، أما الآن، وسط تدهور الوضع الأمني مع تصاعُد القصف الإسرائيلي، خصوصاً على جنوب البلاد وضاحية بيروت الجنوبية، بات حال الأهل الذين ينتظرون مولوداً جديداً مختلفاً.

«قلق وخوف وحزن وإحباط»... بهذه الكلمات تصِف منال، الشابة النازحة من بلدة الغازية بجنوب لبنان وضعها، حيث اضطرت إلى اللجوء لمركز إيواء بعد ولادة طفلها الثاني مباشرةً.

وضعت منال طفلها أحمد، البالغ من العمر 19 يوماً، في 20 سبتمبر (أيلول)، قبل بضعة أيام من تصاعُد حدة الضربات الإسرائيلية على مناطق لبنانية عدة، وتشرح في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «ولدتُ ابني أحمد في مستشفى الراعي في الغازية، بقضاء صيدا، وكانت قرى الجنوب تتعرض للقصف باستمرار».

وتابعت: «عندما خرجت من المسشتفى كان الوضع قد تأزّم بالفعل في منطقتنا، فعرفت حينها أن أحمد لن يتمكن من التعرّف جيداً على منزله أو بلدته للأسف».

وبعد 3 أيام من الولادة توجّهت منال رُفقةَ طفلَيها وزوجها وعائلته، إلى بلدة كفرحتى في الجنوب، ولكن تزامناً مع وصولهم إلى هناك بدأ القصف ينهمر، إلى جانب منزل أقاربهم حيث لجأوا.

وتوضح منال: «كنا جالسين وسمعنا أصوات القصف، وهنا بدأ الخوف يتغلغل في قلبي أكثر، فطلبت من زوجي التوجه إلى منطقة آمنة، في محاولة لحماية طفلَينا قدر الإمكان». ولدى منال طفل آخر يبلغ من العمر سنة و9 أشهر فقط.

ومن كفرحتى بدأت رحلة أحمد، أصغر نازحِي الحرب التي يعيشها لبنان، الصعبة والمتعبة للوصول إلى الوجهة التي يأخذ منها مسكناً آمِناً اليوم.

صف مدرسي تعيش داخله النازحة منال وابنها أحمد وعائلتهما (الشرق الأوسط)

انتظار لساعات... و«ألم»

تشرح منال: «خرجنا على عجَلة من أمرنا، وتوجّهنا نحو طريق الأولي في صيدا بانتظار سيارة أجرة لنقلنا إلى جبل لبنان، انتظرنا وصول السيارة لنحو ساعة من الوقت، بينما كان أحمد يبكي باستمرار بسبب الزحمة المحيطة بنا».

ففي يوم الاثنين 23 سبتمبر، توسّعَت أهداف إسرائيل في القصف، وبدأت تطول قرى وبلدات جنوبية غير حدودية، ووصلت الضربات إلى ضاحية بيروت الجنوبية، الأمر الذي سبّب موجة نزوح ضخمة وغير مسبوقة في يوم واحد، حيث علق المواطنون بسببها على الطرقات لساعات طويلة، وصلت أحياناً لأكثر من 12 ساعة.

وتضيف منال: «توجهنا من صيدا مباشرة إلى منزل صديق لزوجي في جبل لبنان، وقضينا نحو 5 ساعات على الطرقات. كان أحمد يشعر بالضيق طوال الرحلة، بسبب التوقف المستمر وسط الزحمة، والأصوات المرتفعة المحيطة، ويبدو أنه عانى من آلام المغص، ولم يكن بحوزتي أي دواء لعلاجه».

الطفل أحمد يجلس على فراش داخل مدرسة في جبل لبنان (الشرق الأوسط)

«تهديد... فنزوح آخر»

وصلت منال وطفلاها رُفقةَ زوجها وعائلته أيضاً إلى منزل صديقهم في بلدة بالمتن في جبل لبنان، ولاقوا ترحيباً من قِبل عائلة الصديق، حسب قولها. ولكن بعد مرور يوم واحد فقط تعرّض الرجل «لتهديد» من قِبل صاحبة المنزل الذي يستأجره في البلدة، حيث طلبت منه «التخلص من النازحين، أو مغادرة منزلها معهم».

ووسط هذه الحادثة اضطرت منال وعائلتها إلى النزوح مجدّداً، وتقول: «في منتصف ليل اليوم الثاني، وضّبنا أغراضنا مجدّداً، وخرجنا مع أحمد من المنزل وتوجّهنا إلى أقرب مركز إيواء، بسبب عدم قدرتنا على تحمّل تكلفة الإيجارات المرتفعة، ولم نجد إلا مدرسة رسمية تؤوينا».

ويعيش أحمد اليوم رفقةَ عائلته في مدرسة الخريبة الرسمية بجبل لبنان، داخل صف مدرسي لا يحتوي إلا على فراش ومساعدات متواضعة أمّنها لهم سكان البلدة، بينها مواد غذائية وحليب أطفال وألبسة وأغطية ملوّنة تساعدهم على الاحتماء من البرد، مع تدنّي درجات الحرارة على أبواب الشتاء.

وعن أغراضها وحاجاتها الخصوصية، تقول المرأة المنهكة بعد ولادة صعبة، وأيام أصعب لم تتمكن خلالها من الاستراحة: «كنا قد اشترينا أغراضاً كثيرة لأحمد لنستخدمها بعد ولادته، من الملابس إلى زجاجات الحليب والحرامات والألعاب، لكنني لم أتمكن من أخذ شيء معي إلا الأمور الأساسية بسبب النزوح المستعجل».

الطفل الأكبر لمنال ينام على فراش داخل صف مدرسي في المتن بجبل لبنان (الشرق الأوسط)

«انعدام الخصوصية»

تشرح منال لـ«الشرق الأوسط»: «لم أسترح منذ الولادة، وأشعر بإنهاك، الأم الجديدة في الحالات العادية يجب أن تهتم بنفسها، لكنني أعاني من قلة الخصوصية».

وبالرغم من أن بعض الجمعيات وسكان البلدة تمكّنوا من توفير المياه الدافئة والمستلزمات الشخصية لمنال وطفليها للاستحمام، فإنها تقول: «لا شيء مثل راحة منزلك، وهنا لا توجد أي خصوصية... كل شيء مُتعِب، والوضع النفسي صعب، لا يمكن لأحد أن يفرح وهو نازح، مهما كانت المناسبة».

وتضيف منال: «لا نعرف أي شيء عن وضع منزلنا في الغازية، هناك أخبار متناقلة تتحدث عن تعرّضه لأضرار كبيرة، والخوف الآن على مصيرنا بعد انتهاء الحرب».

300 ألف طفل نازح

قدّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) أن هنالك نحو 300 ألف طفل نازح في لبنان، من مناطق مختلفة.

ووصلت أعداد النازحين داخلياً في البلاد إلى أكثر من مليون شخص، تركوا منازلهم وممتلكاتهم وذكرياتهم، ولجأوا إلى أماكن أكثر أماناً لعلها تحميهم من القصف والدمار قدر الإمكان.

مناشدة من «انقذوا الأطفال»

حذّرت منظمة «انقذوا الأطفال» العاملة في لبنان، في بيانات على موقعها الإلكتروني من تزايُد عدد النازحين الأطفال جرّاء الحرب، مع تعرّض الكثيرين منهم لمخاطر على أصعدة مختلفة.

وقالت في أحد البيانات: «الأطفال في جنوب لبنان معرّضون لخطر شديد من فقدان حياتهم، والأذى الجسدي، والضيق العاطفي الشديد في أعقاب التوغل البرّي الذي شنّته القوات الإسرائيلية».

وتابعت: «تدعو منظمة (انقذوا الأطفال) إلى وقف فوري لإطلاق النار؛ لمنع المزيد من المعاناة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمِن، ومنع تصعيد الصراع في جميع أنحاء المنطقة».

كما أعرب فريق المنظمة في لبنان عن مخاوف متزايدة من التأثير النّفسي لهذا الوضع على الأطفال الذين «يُظهر معظمهم علامات من الحزن الشديد، بسبب النزوح والقصف المتواصلين»، حسب تعبيرهم.


مقالات ذات صلة

رئيس الحكومة اللبنانية يلتقي روبيو في واشنطن ويدعو لتفعيل الإطار الثلاثي

المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلتقي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (الوكالة الوطنية للإعلام)

رئيس الحكومة اللبنانية يلتقي روبيو في واشنطن ويدعو لتفعيل الإطار الثلاثي

وصف رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام لقاءه مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن، الاثنين، بأنه كان «تمام»، في أول تعليق مقتضب له بعد الاجتماع.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تصاعد الدخان من بلدة المنصوري في جنوب لبنان إثر سلسلة تفجيرات نفذتها القوات الإسرائيلية (أ.ف.ب) p-circle

عودة «الليطاني» إلى الخطاب الإسرائيلي... تكتيك سياسي أم «جولان» آخر؟

أعاد وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، طرح نهر الليطاني في الخطاب السياسي الإسرائيلي؛ إذ نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عنه أنه يريد ضم أراضٍ لبنانية...

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم متحدثاً في الذكرى الثانية لاغتيال الأمينين العامّين الأسبق حسن نصر الله والسابق هاشم صفي الدين (أ.ف.ب)

رفض لبناني لمواقف نعيم قاسم... وإيران تجدد دعمها «حزب الله»

لاقت المواقف الأخيرة للأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، رفضاً وانتقاداً في لبنان...

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي فتاة نازحة من جنوب لبنان في إحدى مدارس مدينة صور التي تحوّلت إلى مركز للنازحين (أ.ف.ب)

إخلاء مدارس صور لإطلاق العام الدراسي في لبنان يثير غضب النازحين

أثارت دعوة اتحاد بلديات صور النازحين المقيمين في المدارس داخل المدينة للتقدم إليه لنقلهم إلى مراكز أخرى تمهيداً لإطلاق العام الدراسي اعتراض العائلات.

بولا أسطيح (بيروت)
خاص دارة يوسف بك الزين في كفر رمان (أرشيف سعد الزين)

خاص إسرائيل تمحو الذاكرة السياسية لجنوب لبنان بتدمير البيوت الأثرية

خلال الحربين الواسعتين اللتين شنتهما إسرائيل على جنوب لبنان، قضت الغارات والتفجيرات على عشرات المعالم التراثية، وطالت البيوت السياسية في النبطية.

نذير رضا (بيروت)

الطيران الحربي يضاعف خسائر الحوثيين

دخان يتصاعد إثر ضربة جوية استهدفت مواقع للحوثيين في شرق مدينة تعز (رويترز)
دخان يتصاعد إثر ضربة جوية استهدفت مواقع للحوثيين في شرق مدينة تعز (رويترز)
TT

الطيران الحربي يضاعف خسائر الحوثيين

دخان يتصاعد إثر ضربة جوية استهدفت مواقع للحوثيين في شرق مدينة تعز (رويترز)
دخان يتصاعد إثر ضربة جوية استهدفت مواقع للحوثيين في شرق مدينة تعز (رويترز)

أعلنت القوات المسلحة اليمنية مقتل وإصابة 2316 عنصراً حوثياً خلال 3 أيام، في حصيلة قالت إنها نتجت عن 706 عمليات استهداف نفذتها القوات في 8 جبهات؛ هي كتاف والبقع وعلب والجوف ومأرب والبيضاء ولحج وتعز، مستخدمة الطيران الحربي والمسيّر والمدفعية والقناصة وراجمات الصواريخ.

وقالت القوات الحكومية إن عملياتها دمرت وأعطبت ناقلات جنود وعربات وتعزيزات ومنصات إطلاق صواريخ ومخازن أسلحة، في وقت تتركز فيه المواجهات الأشد في تعز ولحج، مع ثبات نسبي لخطوط التماس رغم استمرار الهجمات الحوثية.

وفي تعز، نفذ الطيران الحربي غارات على مواقع ومخازن وأسلحة حوثية شرق المحافظة، شملت مفرق ماوية ومحيط مدينة الصالح ومعسكر الاستقبال، بالتزامن مع وصول تعزيزات للجماعة. كما استهدفت غارة تعزيزات حوثية في المرزم بالربيعي غرب المدينة، وأدت وفق مصادر عسكرية إلى احتراق دبابة.

وتصدت القوات الحكومية لهجمات في جبل حبشي والعنين، واستهدفت مدفعيتها مواقع وتجمعات حوثية في عدد من الجبهات، فيما أسقطت الدفاعات الجوية طائرة مسيّرة للجماعة.

وفي حين تحاول الجماعة الحوثية الضغط على تعز من اتجاهات متعددة، استمرت المواجهات في الوازعية، وصولاً إلى جهات غرب لحج، حيث المضاربة ورأس العارة والأغبرة وكهبوب، مع ضربات مسيّرة استهدفت تجمعات وآليات الجماعة.


إسرائيل تمحو الإرث المعماري لجنوب لبنان


الدخان يتصاعد من قرية المنصوري في جنوب لبنان بعد سلسلة تفجيرات نفذتها القوات الإسرائيلية أمس (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من قرية المنصوري في جنوب لبنان بعد سلسلة تفجيرات نفذتها القوات الإسرائيلية أمس (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تمحو الإرث المعماري لجنوب لبنان


الدخان يتصاعد من قرية المنصوري في جنوب لبنان بعد سلسلة تفجيرات نفذتها القوات الإسرائيلية أمس (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من قرية المنصوري في جنوب لبنان بعد سلسلة تفجيرات نفذتها القوات الإسرائيلية أمس (أ.ف.ب)

قضت إسرائيل في الحربين الأخيرتين على جنوب لبنان، عشرات المعالم التراثية، وطالت البيوت والقصور التي توثق بعمارتها ومكتباتها ونمطها الهندسي حقبات من تاريخ سياسي واجتماعي في القرنين الماضيين.

ففي مدينة النبطية وحدها، دمر القصف الإسرائيلي 147 منزلاً يتراوح عمرها بين 80 سنة و150 عاماً، وبعضها منازل و«ديوانيات» بُنيت قبل 200 عام، وتعود لزعامات محلية، وعائلات عريقة في الجنوب اللبناني.

ولم يأت تدمير هذه المنازل التي شيّدت بنمط خاص، بوصفه ضرراً جانبياً للحرب ولمجاورتها مواقع عسكرية، وإنما كان جزءاً من خطة للقضاء على الإرث الحضري والعمراني والسياسي للمنطقة كتدمير وإحراق سوق تعود إلى العصر المملوكي في مدينة النبطية.

وتجمع الفعاليات الثقافية والاجتماعية في الجنوب على أن ما يجري هو عملية «تدمير ممنهج للذاكرة من دون أي مبرر فعلي»؛ فالقصف المركّز لبيوت عريقة تقف تاريخياً على النقيض السياسي من «حزب الله» ينفي ما يزعمه الجيش الإسرائيلي من أن القصف يطول منشآت الحزب ومقراته فقط.


ساعات تفصل العراق عن «يوم السيادة»

آليات لقوات الأمن العراقية في بغداد يوم الأحد (أ.ف.ب)
آليات لقوات الأمن العراقية في بغداد يوم الأحد (أ.ف.ب)
TT

ساعات تفصل العراق عن «يوم السيادة»

آليات لقوات الأمن العراقية في بغداد يوم الأحد (أ.ف.ب)
آليات لقوات الأمن العراقية في بغداد يوم الأحد (أ.ف.ب)

تفصل العراق ساعات عن «يوم السيادة» الذي سيشهد خروج آخر جندي من قوات «التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة من البلاد غداً. وبينما تستعد السلطات العراقية للاحتفال بـ«يوم السيادة»، فإن القلق يتصاعد في إقليم كردستان من عملية الانسحاب.

وتسلمت السلطات العراقية المقر الرئيسي للقوات الأميركية في «مطار بغداد الدولي»، وقال رئيس «خلية الإعلام الأمني» في العراق، الفريق سعد معن، إن الحكومة باتت «صاحبة الكلمة العليا» بتحديد طبيعة الوجود العسكري والأمني في البلاد.

وبعد استكمال انسحاب قوات «التحالف» من وسط البلاد، يجري وضع اللمسات الأخيرة على انسحابها النهائي من إقليم كردستان.

وبينما ينعكس الانسحاب فرحاً في بغداد، يتحول قلقاً في إقليم كردستان الذي قال رئيس حكومته، مسرور بارزاني يوم الأحد إن «ترك إقليم كردستان مكشوفاً دون توفير أي منظومات دفاعية تحميه، أمرٌ يبعث على القلق».