ماذا يحصل في غزة المنسية؟!

إسرائيل تستفرد... و«حماس» تسترجع سيطرتها بقوة البطش

مقاتلون من «كتائب القسام» التابعة لـ«حماس» في قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)
مقاتلون من «كتائب القسام» التابعة لـ«حماس» في قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)
TT

ماذا يحصل في غزة المنسية؟!

مقاتلون من «كتائب القسام» التابعة لـ«حماس» في قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)
مقاتلون من «كتائب القسام» التابعة لـ«حماس» في قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بأسره بالحرب على لبنان، والأخطار التي تحملها، وُضِعت قضية غزة على الرف، ولم تَعُد تُذكَر سوى على هامش الأخبار، مع أن معاناتها مستمرة وتتفاقم، وعشية أمطار الشتاء التي بدأت ترشح نحوها تزداد مصاعبها وتشتدّ.

من جهة، تُواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي عملياتها الحربية، صحيح أن هذه العمليات خفّت بعض الشيء، لكنها لم تتوقف. وقد تحدثت وزارة الصحة الفلسطينية، الثلاثاء، عن ارتكاب الجيش الإسرائيلي 4 مجازر، أسفرت عن 23 شهيداً، و101 إصابة، خلال الـ24 ساعة الماضية، آخرها ارتُكِبت صبيحة الثلاثاء بحق النازحين في حي الفتاح، وخلّفت عشرات الشهداء والجرحى. ومع دخول الحرب على قطاع غزة يومها الـ361، ارتفعت حصيلة الحرب المتواصلة على غزة إلى 41.638 شهيد، و96.460 مصاب منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهذا عوضاً عن تفاقم الأوضاع الإنسانية.

ومع أن الجيش الإسرائيلي يؤكّد أنه قضى على 90 في المائة من قدرات «حماس» القتالية، ودمّر نصف عدد الأنفاق، واغتال غالبية القيادات، فإنه يعترف بأن «حماس» عادت لتتحكم في الأمور، ويقول إنها «تُدير منظومة بطش بالمواطنين، وتقمع أي انتقاد لها بشكل دموي»، ويدّعي الجيش الإسرائيلي أن «حماس» تسيطر على غالبية المساعدات الإنسانية التي تدخل إلى القطاع منذ عدة أسابيع، وتقوم بمصادرة جزء منها لخدمة كوادرها وقادتها، وتقوم بطرح البقية للجمهور بشكل تجاري، وبسبب ذلك ترتفع الأسعار بشكل جنوني، بحيث صار سعر السيجارة الواحدة 20 شيكلاً (6 دولارات)، وما زالت تتحكم في عمليات التهريب أيضاً للبضائع التي تتم من خلال عناصرها في الضفة الغربية.

دبابة إسرائيلية تعمل بالقرب من الحدود بين إسرائيل وغزة (رويترز)

وأما البضائع التي تصل إلى غزة عبر القطاع الخاص لتجار الجملة، فإن «حماس» تجبي ضرائب كثيرة عليها، وادّعى الجيش الإسرائيلي أن الحركة أقامت منظومة تبادل تجاري مع الضفة الغربية وتركيا تتيح لها دفع الرواتب لرجالاتها، فهي تُتيح للتاجر في غزة أن يشتري بضاعة من الضفة الغربية، وتقبض ثمنها أجهزة «حماس» في غزة، وهناك من يدفع للتاجر في الخليل أو نابلس وغيرهما من تجار الجملة في الضفة الغربية، بأموال تصل من تركيا، وهذه هي أموال «حماس».

وتقوم «حماس» بنشر إعلانات في «تلغرام» تدعو فيها عمال القطاع الصحي إلى القدوم لمستشفى ناصر في خان يونس، مثلاً، لقبض رواتبهم، أو لعمال قطاع التعليم للوصول إلى مدرسة معينة لقبض رواتبهم.

ويحرص قادة «حماس» الميدانيون على إقامة مقر قيادة لهم في العديد من التجمعات السكانية، والجمهور يعرف مكانها. فمن لا يصل إليها لغرض تقديم طلب مساعدة، يصل كمعتقل يتم التحقيق معه أو معاقبته، وربما قتله لمجرد قيامه بسرقةٍ ما أو أي مخالفة أخرى.

جنود إسرائيليون يتخذون مواقعهم بجوار مدخل نفق يستخدمه مسلحو «حماس» في جنوب قطاع غزة (أرشيفية - أ.ب)

ويقول الجنرالات الإسرائيليون إن أحد أسباب فشل تجنيد قيادات محلية تتولى شؤون السلطة في القطاع هو الخوف من هذا البطش، وبما أن السلطة الفلسطينية رفضت تولّي مسؤوليات جزئية تُعيدها رويداً رويداً إلى القطاع، لم يبقَ مَن يتولى إدارة شؤونهم سوى «حماس»، وهذه من جهتها تعمل كل ما في وسعها لإعادة فتح الأسواق والحوانيت والمطاعم وبيع الكنافة والبقلاوة، وغيرها من الحلويات، ليس فقط في جنوب غزة، بل أيضاً في الشمال، وتنظيف الشوارع، وإزالة الردم، وفتح خطوط المجاري، وتصريف مياه المطر.

وبناءً على هذا الوضع، يستعدّ الجيش الإسرائيلي لتولي مسؤوليات إدارية في قطاع غزة، بتعيين «حاكم عسكري مؤقت». وهو يعرف أن الحكم العسكري يعني احتكاكاً يومياً مع الناس ومع عناصر «حماس»، واحتلال ومقاومة لفترة طويلة جداً.


مقالات ذات صلة

«كأنها رسالة تهديد»... ماذا تضمن أحدث مقترح لنزع سلاح غزة؟

خاص مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ) p-circle

«كأنها رسالة تهديد»... ماذا تضمن أحدث مقترح لنزع سلاح غزة؟

أكدت مصادر من حركة «حماس» لـ«الشرق الأوسط» تلقي وفدها مقترحاً بشأن نزع السلاح من قطاع غزة، من قبل الهيئة التنفيذية لـ«مجلس السلام»... وكشفت عن بعض بنوده.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تعد وجبة في مخيم النصيرات للاجئين شمال دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»... تحركات جديدة من الوسطاء لكسر الجمود

تحركات جديدة بشأن مسار اتفاق وقف إطلاق في قطاع غزة، الذي زاد تعثره منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا فلسطيني يحمل جثمان أحد أقربائه قتل في غارة جوية إسرائيلية بمدينة غزة (أ.ف.ب)

«سلاح حماس»... تحرك لـ«مجلس السلام» بغزة في توقيت مربك

حراك جديد لدفع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط تصاعد حرب إيران، مع تسريبات إعلامية بأن «مجلس السلام» قدم مقترحاً لحركة «حماس» لنزع سلاحها.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية (الهيئة العامة للاستعلامات)

مصر قلقة إزاء «المنحى التصاعدي» لأعمال العنف في الضفة

أعربت مصر عن بالغ قلقها إزاء «المنحى التصاعدي» لأعمال العنف التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق 
«صوت هند رجب» قد تتأخر حظوظه (مايم فيلمز)

الهند تمنع عرض فيلم «صوت هند رجب» كونه «مسيئاً» إلى علاقتها مع إسرائيل

منعت الهند عرضَ فيلم «صوت هند رجب» الذي يتناول مقتل طفلة فلسطينية تبلغ 5 سنوات برصاص القوات الإسرائيلية في غزة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

«كأنها رسالة تهديد»... ماذا تضمن أحدث مقترح لنزع سلاح غزة؟

مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ)
مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ)
TT

«كأنها رسالة تهديد»... ماذا تضمن أحدث مقترح لنزع سلاح غزة؟

مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ)
مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ)

أكدت مصادر من حركة «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، تلقي وفدها مقترحاً، قبل أيام، بشأن نزع السلاح من قطاع غزة، من قبل الهيئة التنفيذية لـ«مجلس السلام» الذي أسسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقال مصدر كبير في «حماس» يقيم خارج غزة إن «ما عُرض كأنها رسالة تهديد». وأفاد مصدران آخران من «حماس» وثالث من فصيل فلسطيني وجميعهم من داخل قطاع غزة بأن المقترح ينص على تسليم «جميع الأسلحة داخل قطاع غزة بلا استثناء».

وشرح المصدر من الفصيل الفلسطيني لـ«الشرق الأوسط»، أن «المطلوب نزعه هو سلاح جميع الفصائل، والعشائر، وحتى (الأسلحة) الشخصية، وبما يشمل القيادات من مختلف المستويات، حتى ولو كان الغرض منه توفير حماية أمنية لنفسه».

ونقلت وكالة «رويترز»، السبت الماضي، عن مصدرين، أن «مجلس السلام» قدم مقترحاً مكتوباً إلى حركة «حماس»، حول كيفية إلقائها أسلحتها.

ولفتت الوكالة إلى أن ذلك جاء خلال لقاء عقد في القاهرة بمشاركة نيكولاي ميلادينوف الممثل السامي لـ«مجلس السلام»، وأرييه لايتستون، المساعد الخاص للمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف.

ووفقاً لمصدر قيادي من «حماس»، فإن «وفد الحركة أكد خلال اللقاء على أن (فصائل المقاومة) بغزة ملتزمة بما تم الاتفاق عليه، وأنها جاهزة لتنفيذ الاتفاق بكل مراحله، وأن المطلوب حالياً الانتقال للمراحل المتفق تنفيذها، ثم التطرق لقضية السلاح والمفاوضات حوله».

مسلحون من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات وسط غزة (إ.ب.أ)

وتم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بموجب خطة قدمها ترمب تتضمن 20 بنداً ومقسمة إلى مراحل، غير أن إسرائيل تماطل حتى اللحظة في تنفيذ بند الانسحاب من الأراضي التي تحتلها في القطاع وتمثل 55 في المائة من مساحته، فيما يأتي بند نزع السلاح لاحقاً في الترتيب.

رسالة تهديد وليس مقترحاً

وفق تقييم المصدر من «حماس»، فإن «الخطة تهدف لربط إعادة الإعمار، وتغيير واقع حكم قطاع غزة بتسليم السلاح حصراً».

وقال المصدر إن اللقاء الذي شهد عرض المقترح فيه تطرق إلى العديد من القضايا الهادفة لدفع تطبيق المرحلة الثانية، مضيفاً: «ما عُرض كأنه رسالة تهديد، وليس مقترحاً يحمل فكراً سليماً وعقلانياً يتعامل مع واقع القضية من باب التفاوض والتعاطي مع إيجابياته والنقاش في سلبياته، وإنما هناك محاولات لفرض إملاءات مرفوضة بالنسبة لنا وللكل الوطني الفلسطيني».

ومع ذلك فإن المصادر من «حماس» أكدت أنه تم نقل المقترح للنقاش الداخلي على مستوى الحركة وكذلك الفصائل الفلسطينية، موضحة أن المقترح لم يحدد أياماً بعينها كمهلة للرد.

وحسب إفادات من شخصيات اطلعت على مقترح نزع السلاح؛ فإن الاتجاه السائد في أوساط «حماس» وفصائل غزة يذهب إلى رفض محاولة ربط نزع السلاح بإعادة الإعمار.

وقال مصدر من «حماس» داخل غزة لـ«الشرق الأوسط»، إن «هو مجرد مقترح ضمن مقترحات عدة طرحت سابقاً، وما تسلمته الحركة غير نهائي ولم يحمل تصوراً واضحاً وشاملاً لكل جوانب قضية السلاح وباقي القضايا المتعلقة بالمرحلة الثانية».

«موقف وطني جامع»

تعول «حماس» باعتبارها أكبر حركة مسلحة في القطاع على المشاورات مع الفصائل الفلسطينية بشأن المقترح للخروج بـ«موقف وطني جامع بشأن قضية السلاح تحديداً».

وقال المصدر القيادي من «حماس» والمقيم خارج القطاع: «ليس لدينا مانع في التوصل إلى اتفاق، وبما يضمن عدم التخلي عن الثوابت الوطنية والركائز المهمة لإبقاء القضية الفلسطينية في سلم أولويات العالم حتى إنهاء الاحتلال، حتى ولو كان عبر مسار سياسي واضح المعالم يمنح الفلسطينيين دولة ذات سيادة حقيقية».

وقال مسؤولون أميركيون إن حركة ‌«حماس» المدعومة من إيران قد يعرض عليها عفو ضمن أي اتفاق توافق بموجبه على إلقاء أي أسلحة ثقيلة وخفيفة مثل البنادق.

Your Premium trial has ended


فالح الفياض... «ماكر» نجا من صدام والأميركيين

أرشيفية لرئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه عبد العزيز المحمداوي (إعلام الهيئة)
أرشيفية لرئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه عبد العزيز المحمداوي (إعلام الهيئة)
TT

فالح الفياض... «ماكر» نجا من صدام والأميركيين

أرشيفية لرئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه عبد العزيز المحمداوي (إعلام الهيئة)
أرشيفية لرئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه عبد العزيز المحمداوي (إعلام الهيئة)

رغم المظهر «المتواضع والهادئ» الذي يبدو عليه رئيس هيئة «الحشد الشعبي» فالح الفياض، فإن كثيرين، من بينهم خصومه، ينظرون إليه بوصفه شخصية «ماكرة» وقادرة بشكل استثنائي على «انتهاز الفرص» وخوض معارك «شرسة» ضد أعدائه، ما مكّنه من البقاء في السلطة لأكثر من 10 سنوات، متربعاً على هرم هيئة «الحشد الشعبي»، رغم الاستقطاب وصراع الأجنحة الشديد في داخلها.

وكانت غارة جوية، الثلاثاء، يعتقد أنها أميركية استهدفت منزلاً يستخدمه الفياض في «الحي العربي»، بمدينة الموصل. وقالت «رويترز» نقلاً عن مصادر إن الرجل لم يكن في الموقع أثناء الضربة.

صورة وثّقها سكان محليون تظهر تصاعد دخان من موقعٍ قُصف في الموصل اليوم وقالوا إن الضربة استهدفت منزلاً تستخدمه قيادات في «الحشد الشعبي»

من فالح الفياض؟

ولد فالح الفياض في بغداد عام 1956، وحصل على درجة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية من جامعة الموصل عام 1977، وهو ينتمي إلى مشيخة البو عامر (البو خميس) الذين يمتلكون مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في مناطق الراشدية والطارمية شمال بغداد.

يشاع أن هذا الانتماء العشائري، أتاح له الإفلات من الإعدام خلال فترة حزب البعث، فقد كانت لعائلته حظوة لا بأس بها عند الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، الذي عفا عنه خلال زيارة للأسرة وخفف الحكم إلى السجن 20 عاماً بدلاً من الإعدام الصادر عام 1980 بتهمة انتمائه لحزب «الدعوة» المحظور وقتذاك.

والتحق الفياض في وقت مبكر بالعمل السياسي بعد عام 2003، وانخرط في تيار رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم الجعفري، لكنه لم يحقق حضوراً قبل أن يتنقل لإدارة الأجهزة الأمنية، عبر مستشارية «الأمن الوطني» ومن ثم «الحشد الشعبي».

وكُلف الفياض برئاسة «لجنة الحشد الشعبي» (التي سبقت تشكيل الهيئة رسمياً) عام 2014، بالتزامن مع صدور فتوى «الجهاد الكفائي» التي أصدرها المرجع الديني علي السيستاني لمواجهة «داعش»، ثم ثبت رسمياً عام 2016، مع إقرار مجلس النواب العراقي لـ«قانون هيئة الحشد الشعبي».

وكان الفياض يشغل منصب مستشار الأمن الوطني، قبل أن يقيله رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي من المنصب عام 2018.

وفي 2020، أصدر رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي أمراً ديوانياً بإعادة تكليف فالح الفياض بمهام رئيس «الحشد الشعبي» أصالة، بعد أن كان يشغله بالوكالة لفترات سابقة.

متربعاً على العرش

ورغم الصراعات داخل الهيئة على منصب الرئاسة، وخاصة المعارضة العلنية التي أبدتها «عصائب أهل الحق» للفياض، ورغم العقوبات الأميركية التي طالته بتهم تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان عام 2021، ما زال الفياض يتربع على عرش «هيئة الحشد».

وتقول مصادر عليمة بسيرة الفياض إنه استمد حضوره الأمني والسياسي من علاقاته الوثيقة بالإيرانيين، وبقائد «الحرس الثوري» السابق قاسم سليماني الذي قتل بغارة أميركية في بغداد مطلع عام 2020.

ونجح الفياض، بحسب المصادر واعتماداً على موقعه المحوري في «الحشد الشعبي»، في الاستفادة المالية عبر شراكات وتعاقدات مختلفة، كما أن نجاحه في تشكيل الحشود العشائرية (السنية) واحتكار ولائها، مكّنه من أن «يصنع له وجوداً سياسياً في المحافظات السنية، وبشكل خاص في محافظة نينوى، ومدينة الموصل على وجه الخصوص».

«حشد» العشائر

وتؤكد المصادر أن الفياض نجح في استثمار الحشود العشائرية التي غالباً ما تخضع لأحد النواب أو السياسيين السنة، حين تقوم الأخيرة بتقديم الولاء للفياض بوصفه الرجل القادر على جلب المنفعة لتلك الشخصيات.

وعبر شبكة العلاقات والولاءات التي نسجها داخل المدن ذات الأغلبية السنية وضمنها نينوى، صار الفياض اللاعب السياسي الأبرز هناك بتمثيل سياسي غير قليل في مجلسها المحلي.

إلا أن خصومه يوجهون له اتهامات بالهيمنة على معظم المشاريع والاستثمارات في الموصل، كما يتهم باستغلال «هيئة الحشد» لتوظيف معظم أبناء عشيرته في أماكن حساسة داخل الهيئة.


سحب اعتماد السفير الإيراني يختبر الدبلوماسية بين طهران وبيروت

السفير الإيراني في بيروت محمد رضا شيباني (المركزية)
السفير الإيراني في بيروت محمد رضا شيباني (المركزية)
TT

سحب اعتماد السفير الإيراني يختبر الدبلوماسية بين طهران وبيروت

السفير الإيراني في بيروت محمد رضا شيباني (المركزية)
السفير الإيراني في بيروت محمد رضا شيباني (المركزية)

تختبر العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وإيران مرحلة جديدة، مع تصعيد لبناني غير مسبوق تُرجم بسحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني المعيّن في بيروت محمد رضا شيباني، في خطوة تعكس تحولاً في مقاربة بيروت لعلاقتها مع طهران.

وأعلنت وزارة الخارجية والمغتربين أنها استدعت القائم بالأعمال الإيراني في لبنان توفيق صمدي خوشخو، حيث أبلغه الأمين العام للوزارة السفير عبد الستار عيسى قرار سحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني المعيّن محمد رضا شيباني، وإعلانه شخصاً غير مرغوب فيه، مع مطالبته بمغادرة الأراضي اللبنانية في مهلة أقصاها الأحد 29 مارس (آذار) 2026.

وزارة الخارجية والمغتربين في لبنان (الوكالة الوطنية)

تأزّم في العلاقات

وخلافاً لثلاثة عقود من العلاقات المستقرة، بدأ التأزم في العلاقات الدبلوماسية مع إيران، منذ فترة ما بعد الحرب في 2024، إذ أثارت تصريحات رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف أزمة معلنة في بيروت، قائلاً إن إيران مستعدة للتفاوض مع فرنسا بشأن تطبيق القرار 1701 في لبنان، وهو ما اعتبره رئيس الحكومة اللبنانية آنذاك نجيب ميقاتي تدخلاً سافراً في شأن سيادي لبناني. ورداً على ذلك، طلب ميقاتي من وزير الخارجية اللبناني استدعاء القائم بالأعمال الإيراني في بيروت لإبلاغه اعتراض لبنان الرسمي.

التبدل في العلاقة مع الإيرانيين، برز أيضاً مطلع عام 2025، إثر إخضاع حقائب السفير مجتبى أماني للتفتيش في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت.

وبعد تولي وزير الخارجية يوسف رجي الحقيبة الوزارية، تم استدعاء السفير الإيراني للمرة الأولى منذ التسعينات. وفي أبريل (نيسان) 2025، استدعت وزارة الخارجية اللبنانية السفير الإيراني مجتبى أماني، بشأن منشوراته حول السلاح، وقال فيها إن «مشروع نزع السلاح هو مؤامرة واضحة ضد الدول»؛ وهي الحادثة الأولى من نوعها منذ تسعينات القرن الماضي.

وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في بيروت يونيو 2025 (أرشيفية - إرنا)

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2025، أفادت وسائل إعلام مقرّبة من «حزب الله» بأن رجّي علّق إجراءات قبول السفير الإيراني الجديد في بيروت، ولم يستكمل المسار الرسمي لاعتماد أوراقه، وهو ما أكده المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي.

وفي الأسبوع الماضي، استدعى وزير الخارجية اللبناني القائم بالأعمال الإيراني في بيروت، على خلفية مواقف وتصريحات منسوبة إلى البعثة الإيرانية ومسؤولين إيرانيين اعتبرت مرتبطة بالتطورات الأمنية والعسكرية في بيروت ولبنان.

هذه الحوادث مع السفراء تمتد إلى علاقات متوترة بين وزيري الخارجية اللبناني والإيراني؛ فقد اعتذر وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي رسمياً عن تلبية دعوة نظيره الإيراني عباس عراقجي لزيارة طهران، مقترحاً عقد اجتماع بينهما في دولة ثالثة محايدة.

إجراءات سبقت التصعيد

يمثل سحب الاعتماد خطوة دبلوماسية عالية السقف، نادراً ما تلجأ إليها الدول، إذ تعني عملياً رفض استقبال ممثل دبلوماسي قبل مباشرته مهامه، وهو ما يعكس مستوى متقدماً من الاعتراض السياسي على سلوك الدولة المعنية.

لكن القرار، سبقته مجموعة إجراءات.

ففي 5 مارس الجاري، اتخذت الحكومة اللبنانية سلسلة قرارات عكست توجهاً متشدداً حيال العلاقة مع طهران، قبل أن تتوّج اليوم بسحب اعتماد السفير.

وأبرز هذه القرارات إعادة العمل بفرض تأشيرة دخول على الرعايا الإيرانيين، بعد أكثر من عقد على إعفائهم منها منذ عام 2011، حين كان الهدف تشجيع التبادل الاقتصادي والسياحي بين البلدين.

كما قرر مجلس الوزراء في الجلسة نفسها تكليف الوزارات والأجهزة الأمنية والعسكرية التحقق من وجود عناصر من «الحرس الثوري الإيراني» في لبنان، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي نشاط أمني أو عسكري قد يقومون به، وصولاً إلى توقيفهم وترحيلهم تحت إشراف القضاء المختص، استناداً إلى معلومات رسمية تحدثت عن تزايد هذه الأنشطة. وبالفعل، اتخذ قراراً في هذا الشهر بترحيل عشرات الإيرانيين، وإجلائهم عبر مطار بيروت الدولي بطائرة روسية.

مصافحة بين وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي ونظيره الإيراني عباس عراقجي في بيروت (وزارة الخارجية)

من تصويب العلاقات إلى توتر جديد

يأتي هذا التصعيد بعد عقود من تنظيم العلاقة الدبلوماسية بين البلدين وفق الأصول الدولية، منذ مطلع التسعينات، حين أطلق لبنان ما وصفه بـ«مرحلة إعادة ضبط العلاقات مع طهران»، وذلك بعد انتهاء الحرب الأهلية. وتولى وزير الخارجية اللبناني الأسبق فارس بويز، مطلع التسعينات، «إعادة تنظيم العمل الدبلوماسي وفق الأصول والتزاماً باتفاقية فيينا»، كما تقول مصادر لبنانية.

وكان الدبلوماسيون الإيرانيون خلال فترة الحرب الأهلية، يتنقلون إلى لبنان عبر دمشق، ويجرون لقاءات في بيروت مع «حزب الله»، وهو أمر عارضته السلطات اللبنانية.

وفي تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط»، تحدث بويز عن أن الوفود الإيرانية كانت خلال الحرب تصل إلى لبنان عبر سوريا من دون تنسيق رسمي مع الدولة اللبنانية، وتعقد لقاءات مع «حزب الله»، قبل أن يتم تصحيح هذا المسار لاحقاً عبر قنوات دبلوماسية رسمية.

حينها، أبلغ السفير الإيراني أن استمرار تجاهل الدولة اللبنانية لن يكون مقبولاً، وطلب منه نقل موقف لبنان إلى وزير الخارجية الإيراني علي أكبر ولايتي، وبعد يومين تلقت الخارجية اللبنانية موافقة على تصحيح العلاقة، ما أدى إلى تبادل زيارات رسمية وتوقيع اتفاقيات أعادت الانتظام إلى العلاقات الثنائية.