السعودية تقود تحالفاً عالمياً لتنفيذ حل الدولتين

بن فرحان يحذّر من التصعيد في لبنان و«خطر حرب إقليمية»

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتحدث إلى الصحافيين عقب اجتماع وزاري موسع ناقش الوضع في فلسطين على هامش اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك الخميس (د.ب.أ)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتحدث إلى الصحافيين عقب اجتماع وزاري موسع ناقش الوضع في فلسطين على هامش اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك الخميس (د.ب.أ)
TT

السعودية تقود تحالفاً عالمياً لتنفيذ حل الدولتين

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتحدث إلى الصحافيين عقب اجتماع وزاري موسع ناقش الوضع في فلسطين على هامش اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك الخميس (د.ب.أ)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتحدث إلى الصحافيين عقب اجتماع وزاري موسع ناقش الوضع في فلسطين على هامش اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك الخميس (د.ب.أ)

أطلق وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان «التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين» بين الفلسطينيين والإسرائيليين، الذي تشارك فيه مجموعة من الدول العربية والإسلامية والشركاء الأوروبيين المشاركين في الاجتماعات الرفيعة المستوى للدورة السنوية الـ79 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، داعياً كل دول العالم إلى الانضمام لهذا التحالف. وحذّر بن فرحان في الوقت ذاته من أن التصعيد الذي يطول لبنان «يقود إلى خطر اندلاع حرب إقليمية تهدد منطقتنا والعالم».

وكان الوزير السعودي يشارك في اجتماع خاص بفلسطين، بمشاركة عدد كبير من المسؤولين العالميين الكبار، على هامش اجتماعات نيويورك، حيث أشار الأمير بن فرحان إلى أن الحرب على غزة تسببت في حدوث كارثة إنسانية، إلى جانب الانتهاكات الخطيرة التي تقوم بها قوة الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، وتهديد المسجد الأقصى الشريف والمقدسات الدينية، تكريساً لسياسة الاحتلال والتطرف العنيف. وقال إن «الدفاع عن النفس لا يمكن أن يبرر قتل عشرات الآلاف من المدنيين وممارسة التدمير الممنهج، والتهجير القسري، واستخدام التجويع كأداة للحرب، والتحريض والتجريد من الإنسانية، والتعذيب الممنهج بأبشع صوره، بما في ذلك العنف الجنسي وغيره من الجرائم الموثقة، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة».

وزير الخارجية السعودي يتحدث للصحافيين في نيويورك (د.ب.أ)

وقف الحرب

وتطرق بن فرحان إلى التصعيد في المنطقة، فقال: «إننا نشهد في هذه الأيام تصعيداً إقليمياً خطيراً يطول الجمهورية اللبنانية الشقيقة ويقودنا إلى خطر اندلاع حرب إقليمية تهدد منطقتنا والعالم أجمع»، مطالباً بـ«الوقف الفوري للحرب القائمة، وجميع الانتهاكات المخالفة للقانون الدولي، ومحاسبة جميع معرقلي مسار السلام وعدم تمكينهم من تهديد أمن المنطقة والعالم أجمع». وتساءل: «ماذا تبقى من مصداقية النظام العالمي وشرعيته أمام وقوفنا عاجزين عن وقف آلة الحرب، وإصرار البعض على التطبيق الانتقائي للقانون الدولي في مخالفة صريحة لأبسط معايير المساواة والحرية وحقوق الإنسان». وشدد على أن «قيام الدولة الفلسطينية المستقلة حقٌ أصيل وأساس للسلام، وليس نتيجة نهائية يتم التفاوض عليها ضمن عملية سياسية بعيدة المنال». وعبّر عن تقدير المملكة للدول التي اعترفت بفلسطين أخيراً، داعياً كل الدول للتحلي بالشجاعة واتخاذ ذات القرار، والانضمام إلى الإجماع الدولي المتمثّل بـ149 دولة مُعترفة بفلسطين.

وقال بن فرحان إن «تنفيذ حلّ الدولتين هو الحل الأمثل لكسر حلقة الصراع والمعاناة، وإنفاذ واقع جديد تنعم فيه المنطقة كافة، بها فيها إسرائيل، بالأمن والتعايش»، معلناً إطلاق «التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين». وقال: «إننا اليوم باسم الدول العربية والإسلامية وشركائنا الأوروبيين نعلن إطلاق التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين، وندعوكم للانضمام إلى هذه المبادرة، مؤكدين أننا سنبذل قصارى جهودنا لتحقيق مسار موثوق لا رجعة فيه لسلام عادلٍ وشامل. ونتطلع إلى سماع ما لديكم للإسهام في إنهاء هذا الصراع، حفاظاً على الأمن والسلم الدوليين».

وقال الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمن المشترك للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، إن أول اجتماعات لذلك التحالف ستعقد في الرياض وبروكسل.

المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني (أ.ف.ب)

دعم الأونروا

في غضون ذلك، عقد اجتماع وزاري استضافته الأردن والسويد للتأكيد على الدور الذي لا غنى عنه للأونروا في حياة اللاجئين الفلسطينيين، وخصوصاً في غزة. وخلال الاجتماع، جدّد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش التأكيد على أنه لا بديل لوكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم في الشرق الأدنى «الأونروا»، وأنه يجب العمل الآن على كل الجبهات لتعزيز الدعم لعمل الوكالة الحيوي. وقال إن مليوني فلسطيني يعيشون في مساحة بحجم مطار شنغهاي الدولي، مضيفاً أنهم «لا يعيشون، ولكنهم موجودون بين بحيرات الصرف الصحي وأكوام القمامة وجبال الأنقاض. اليقين الوحيد لديهم هو أن الغد سيكون أسوأ».

وعبّر المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني عن انزعاجه لأن «كبار المسؤولين الإسرائيليين وصفوا تدمير الأونروا بأنه هدف حرب». وأشار إلى مشروع قانون في الكنيست الإسرائيلي ينص على طرد الأونروا من القدس الشرقية وإلغاء امتيازاتها، وتصنيفها كمنظمة إرهابية، فضلاً عن التقليص التدريجي لموظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية. ودعا إلى حماية دور الوكالة في غزة، مؤكداً «رفض المحاولات الرامية إلى تشويه سمعة الأونروا وعملياتها. هذا الجهد لا يهدد اللاجئين الفلسطينيين فحسب، وإنما يهدد أيضاً النظام متعدد الأطراف، كما يهدد الحل السياسي المستقبلي».

كارثة غزة

وقال وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، إنه لم تكن هناك حاجة أكثر من أي وقت مضى للأونروا، ولا سيما أن «الكارثة في غزة تتكشف يوماً بعد يوم». ونبّه إلى أن اسرائيل «لا تريد أن تستمر الأونروا بسبب ما يحدث في غزة فقط. إسرائيل لا تريد للأونروا أن تستمر لأنها تريد قتل أمل الشعب الفلسطيني في معالجة قضية اللاجئين».

وحذّرت وزيرة الخارجية السويدية، ماريا مالمر ستينرجارد، من أن نقص التمويل للأونروا لا يزال مثيراً للقلق العميق. وقالت: «يجب اتخاذ مزيد من الخطوات نحو تمويل كافٍ وقابل للتنبؤ ومستدام للوكالة، بما في ذلك من خلال توسيع قاعدة المانحين. ولا بد أن يقترن الدعم السياسي القوي للأونروا بالتزامات مالية ملموسة بالتوازي». وأوضحت أن هناك حاجة إلى الشروع في محادثة صادقة حول حلول طويلة الأجل لضمان استمرار تقديم المساعدات الإنسانية للاجئين الفلسطينيين المحتاجين، فضلاً عن الحفاظ على وكالة أونروا مستدامة.

وقال رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد مصطفى، إن «الأونروا أكثر من مجرد مقدم خدمة. إنها ملاذ يفصل بين الحياة والموت لكثيرين. يجب علينا حقاً دعم الأونروا بأفضل طريقة ممكنة، الأونروا التي تجسد التزامنا تجاه اللاجئين وتحمي حقوقهم وتضمن حلاً عادلاً لمحنتهم».

وقال إن إسرائيل تتعامل مع حقوق اللاجئين بعداء صريح وتتجاوز الخطوط الحمراء. وتساءل مصطفى عن «كيف تقف الدول الأعضاء متفرجة، بينما تهاجم إسرائيل منظمة أممية وتنعتها بأنها منظمة إرهابية»، مضيفاً أنه «لا يمكننا السماح لإسرائيل بالإفلات من المساءلة على نشر مثل هذه الأكاذيب والتحريض. لا يمكننا السماح بمثل هذه السوابق الخطيرة».


مقالات ذات صلة

السعودية تُشدد على أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية

الخليج شددت السعودية على حق الدول الأطراف في الاستخدام السلمي للطاقة النووية دون قيود إضافية (الشرق الأوسط)

السعودية تُشدد على أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية

شدَّدت السعودية على أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مؤكدة في الوقت ذاته أن تحقيق السلام في المنطقة يتطلب وقف إطلاق النار في غزة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)

إسرائيل تحجب أموال المقاصة عن الفلسطينيين... وأزمة السلطة تتعمق

قرر وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، عدم تحويل أي أموال من العوائد الضريبية (المقاصة) التابعة للسلطة الفلسطينية لهذا الشهر في تعميق للأزمة المستمرة.

كفاح زبون (رام الله)
الخليج أكدت 8 دول أن تصرفات إسرائيل في المسجد الأقصى تمثل استفزازاً غير مقبول للمسلمين في أنحاء العالم (أ.ف.ب)

إدانة عربية إسلامية لانتهاكات إسرائيل المتكررة في القدس

أدانت السعودية والأردن والإمارات وقطر وإندونيسيا وباكستان ومصر وتركيا انتهاكات إسرائيل المتكررة للوضع التاريخي والقانوني في المقدسات الإسلامية والمسيحية بالقدس.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي ابنتا الشاب الفلسطيني عودة عواودة (25 عاماً) الذي قُتل في هجوم استيطاني إسرائيلي خلال جنازته قرب رام الله في الضفة الغربية الخميس (رويترز) p-circle

حكومة نتنياهو صادقت على إقامة 103 مستوطنات منذ توليها السلطة

رفعت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عدد المستوطنات التي صادقت عليها منذ توليها السلطة قبل أكثر من 3 سنوات إلى 103 مستوطنات.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي أقارب المراهق الفلسطيني أوس حمدي النعسان يشاركون في جنازته شرق مدينة رام الله في الضفة الغربية (إ.ب.أ) p-circle

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية، اليوم (الأربعاء)، وهو الضحية الثالثة في غضون يومين.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)

مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
TT

مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)

قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً أجرته أخيراً، لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مؤكدة أن القيود التي فُرضت عليه عام 2024 جاءت على خلفية «أخطار تتعلق بالسمعة»، لا بسبب «تورط مثبت في عمليات غسل أموال».

يأتي هذا التوضيح في وقت يواجه فيه التكليف المفاجئ للزيدي تشكيل الحكومة في بغداد خلفاً لمحمد شياع السوداني تدقيقاً سياسياً في خلفيته، بعد إدراج مصرف يملكه ضمن قيود فرضها البنك المركزي العراقي على التعامل بالدولار، في إطار ما قيل حينها إنها «حملة لمكافحة التدفقات المالية غير المشروعة».

وقال ممثلون عن شركة «K2 Integrity»، طلبوا عدم الإفصاح عن هوياتهم لأنهم غير مخولين بالتصريح، إن تحقيقاً مستقلاً أجرته الشركة لم يجد «أي أدلة موثوقة» تربط الزيدي أو «مصرف الجنوب» بـ«فيلق القدس»، كما لم يرصد تدفقات مالية مباشرة من المصرف إلى جهات إقليمية مصنفة عالية المخاطر.

وأوضح أحد الممثلين، لـ«الشرق الأوسط»، أن الحظر الذي أوصت به وزارة الخزانة الأميركية و«الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك على «مصرف الجنوب» اقتصر على التعامل بالدولار الأميركي، وكان مدفوعاً بمخاطر تتعلق بالسمعة وملكية المصرف، وليس بسبب ثبوت مخالفات تتعلق بغسل الأموال أو تمويل كيانات مرتبطة بإيران.

يُعدّ الزيدي، وهو رجل أعمال يمتلك مع شقيقه وشركائه شركات، من بينها «الأويس» و«الجنوب» و«قناة دجلة»، شخصية غامضة في المشهد السياسي، وجاء تكليفه في ظل رفض أميركي علني أدى إلى استبعاد نوري المالكي من السباق، في حين أفيد بأن رفضاً غير معلن استبعد السوداني أيضاً.

رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)

قيود على إيران

وكان العراق قد فرض في فبراير (شباط) 2024 قيوداً على 8 بنوك محلية، من بينها «مصرف الجنوب الإسلامي»، مانعاً إياها من الوصول إلى الدولار عبر نافذة البنك المركزي. وجاءت تلك الخطوة ضمن جهود تقودها واشنطن للحد من تحويل الأموال إلى إيران.

وقال متحدث باسم وزارة الخزانة آنذاك إن الإجراءات تهدف إلى «حماية النظام المالي العراقي من إساءة الاستخدام»، في إشارة إلى مخاوف من توظيف العملة الأميركية في أنشطة غير قانونية.

وتسلط هذه القضية الضوء على التحدي المستمر الذي تواجهه بغداد في تحقيق توازن بين علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة وإيران، في ظل اعتمادها الكبير على الدولار الأميركي، حيث يتلقى العراق نحو 10 مليارات دولار نقداً سنوياً من «الاحتياطي الفيدرالي»، وفق تقديرات رسمية.

ورحبت السفارة الأميركية في بغداد بتكليف الزيدي، مؤكدة دعمها جهود تشكيل حكومة «تعكس تطلعات العراقيين». ويأتي ذلك بعد أشهر من الجمود السياسي، وفي ظل ضغوط مارستها إدارة دونالد ترمب هددت خلالها بقطع الدعم عن العراق إذا عاد المالكي إلى السلطة.

ويواجه الزيدي مهلة 30 يوماً لتشكيل حكومته، وسط انقسامات حادة داخل «الإطار التنسيقي»، وفي وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية منذ الضربات العسكرية على إيران في فبراير 2026، وما تبعها من استهداف جماعات مسلحة للمصالح الأميركية في العراق.


«حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
TT

«حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

الحرب الكلامية المشتعلة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون و«حزب الله» حول من يفاوض باسم لبنان، وتصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية، أديا إلى تعليق اجتماع رئيس الجمهورية مع رئيس البرلمان نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، وتأجيله ريثما تؤدي الاتصالات إلى تنفيس أجواء الاحتقان، وخلق المناخ المريح لاجتماعهم، واستعيض عنه باتصالات مفتوحة بينهم ريثما تنجح الولايات المتحدة الأميركية في وقف الاعتداءات بما يسمح بمعاودة اللقاء في أقرب فرصة.

لكن هذه الحرب الإعلامية التي اتسمت بسقوف سياسية عالية لن تحجب الأنظار عما حمله البيان الذي أصدره أمين عام الحزب نعيم قاسم في تبريره للأسباب الكامنة وراء رفضه الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

فالجديد في موقف قاسم الذي قال فيه: «ليعلم أصحاب السلطة أن أداءهم لن ينفع لبنان، ولن ينفعهم، فما يريده العدو الإسرائيلي-الأميركي منهم ليس بيدهم، وما تريدونه منه لن يمنحكم إياه»، قوبل باستغراب من قبل أكثرية القوى السياسية التي تقف خلف عون في خياره الدبلوماسي التفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أميركية.

رسالة إيرانية

وقالت مصادر لبنانية مطلعة على مجريات الاتصالات لـ«الشرق الأوسط» إن ما لم يقله قاسم هو الأهم بإيحائه بأن حزبه هو وحده من يملك في الميدان ما يعطيه، وليس في مقدور السلطة أن تعطي ما لا تملك. وأكدت أنه أراد تمرير رسالة لمن يعنيهم الأمر أن إيران هي الأقدر على التفاوض بالإنابة عن لبنان، وهذا ما يكمن وراء شكره لها على توصلها مع الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار في محادثات باكستان.

ولفتت المصادر إلى أن قاسم أغفل عن قصد تسمية الجهة التي سيوكل إليها المفاوضات غير المباشرة، رغم قوله إنه «لو أتى وقف النار من أي وسيط علينا أن نقبل به».

دورية لقوات «اليونيفيل» في جنوب لبنان قرب المنطقة الحدودية مع إسرائيل (أ.ب)

وسألت المصادر عن صحة ما يتردد على نطاق واسع في بيروت أن «حزب الله» انتدب مستشارين عنه لتمثيله بالوفد الإيراني في مفاوضاته مع الولايات المتحدة في باكستان يعود إليهم عند الضرورة للوقوف على رأيهم حيال ما تطرحه إيران من نقاط يعتبرها أساساً لإنهاء الحرب في الجنوب اللبناني، مع أنهم لا يجلسون على الطاولة، ويوجدون في غرفة محاذية للقاعة التي تستضيف المفاوضات؟

وقالت إنه إذا صح ما يقال في هذا الخصوص، كمل نقل عن مصدر دبلوماسي وثيق الصلة بإحدى الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، فإن إصرار الحزب على إيداع الورقة اللبنانية في السلة الإيرانية سيصطدم بموقف أميركي لا عودة عنه، ليس لرفضه ربط لبنان بإيران فحسب، وإنما لأنه من غير الجائز مصادرة القرار اللبناني بالتفاوض المباشر مع إسرائيل الذي هو من صلاحية عون، بحسب المادة 52 من الدستور، وبالتالي لا يحق لحزب مصنف أميركياً على لائحة الإرهاب أن ينوب عن الدولة بعد أن رتب على بلده أكلافاً بشرية ومادية لا تقدّر بتفرُّده بقرار السلم والحرب عندما قرر إسناد غزة، وإيران.

لماذا يرفض «حزب الله» التفاوض المباشر؟

كما سألت «حزب الله»: هل يرفض المفاوضات المباشرة بذريعة أن كلمة الفصل تبقى له على خلفية حضوره العسكري في الميدان، ويعود له تسمية الجهة التي ترعاها؟ وماذا سيقول للبنانيين في ظل الاختلال في ميزان القوى بينه وبين إسرائيل التي تستمر في تجريف البلدات، وتدميرها الممنهج للمنازل، وارتكابها للمجازر بذريعة القضاء على ما تبقى من بنيته العسكرية؟ وقالت إن إصرار الحزب على شراء الوقت برفضه المفاوضات المباشرة يعني حكماً أنه يوفّر الذرائع لإسرائيل، وإن كانت ليست في حاجة إليها للتمادي في تدمير البلدات التي لا تقتصر على تلك الواقعة في المنطقة المعروفة بالخط الأصفر، وإنما تمتد إلى بلدات الخط الأمامي في شمال نهر الليطاني، وتطل على جنوبه.

الدخان يتصاعد جراء قذائف مدفعية إسرائيلية تستهدف جنوب لبنان (إ.ب.أ)

وقالت إن عامل الوقت ليس في مصلحة لبنان، وهذا ما يتطلب من الحزب مراجعة حساباته باتخاذه قراراً جريئاً يقضي بوضع سلاحه بعهدة الدولة لتحسين شروطها في المفاوضات المباشرة، لإنقاذ ما تبقى من البلدات الواقعة في جنوب نهر الليطاني، وضفته الشمالية.

غطاء سياسي لعون

ودعت المصادر لإخراج الوضع من التأزّم بتوفير الغطاء السياسي لعون الذي كان قال كلمته، ولن يتراجع عن دعوته للتفاوض المباشر برعاية أميركية، خصوصاً أنه يشترط لبدئها إلزام إسرائيل بوقف أعمالها العدائية على قاعدة تمسكه بالثوابت الوطنية، وعدم التفريط بها تحت أي ضغط خارجي، وهو يلتقي في هذا السياق مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري من موقع الاختلاف معه برفضه المفاوضات المباشرة.

وشددت على ضرورة تنفيس الاحتقان المسيطر على البلد من جراء تصاعد الاشتباك بين عون، الذي يحظى موقفه بتأييد غالبية اللبنانيين، و«حزب الله» الذي يكاد يغرّد وحيداً في موقفه، وإن كان بري يحرص على مراعاته لاستيعابه، واحتضانه. وقالت إن الضرورة الوطنية تقضي باعتماد لغة الاعتدال في الخطاب السياسي للحفاظ على الاستقرار، وعدم تعريض السلم الأهلي لأي انتكاسة.

استحالة عودة سكان الجنوب

وأبدت المصادر مخاوفها من أن يتحوّل النزوح المؤقت للجنوبيين من بلداتهم، في حال استمرت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» التي تصاعدت وتيرتها مع تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع، إلى لجوء دائم لاستحالة عودتهم إلى قراهم التي سوّتها إسرائيل بالأرض، وحوّلت القسم الأكبر من جنوب الليطاني إلى منطقة محروقة يصعب العيش فيها. ولفتت إلى أن الخيار الدبلوماسي يبقى الوحيد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي بعد أن جرّب «حزب الله» الحرب بإسناده لغزة وإيران، ورتّب على البلد أثماناً غالية، وأن إصراره على رفع سقوفه السياسية سيواجه رفضاً بما يشبه الإجماع إذا ما اعتقد أنه يريد ثمناً سياسياً بادعائه، بخلاف ما هو حاصل في الميدان، أنه حقق انتصاراً على إسرائيل، وإذا كان هناك من ثمن فهو يقتصر أولاً وأخيراً على تسهيل عودة الجنوبيين إلى قراهم التي لن تكون ميسّرة ما لم تضع الحكومة خطة مدعومة عربياً ودولياً لإعادة إعمارها، وهذا ما يشكل إحراجاً للحزب إذا ما استمر على عناده بتمسكه بسلاحه الذي يصر المجتمع الدولي على وضعه بيد الدولة لبسط سلطتها على كافة أراضيها.


مصير الفصائل العراقية بين المراوغة والمواجهة مع واشنطن

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

مصير الفصائل العراقية بين المراوغة والمواجهة مع واشنطن

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

يفتح اتفاق «الإطار التنسيقي» على تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة البابَ أمام مزيد من التساؤلات بشأن الخطوة التالية التي قد تُقدم عليها الفصائل الموالية لإيران، لا سيما في ظل ترحيب البعثة الأميركية في العراق بقرار التكليف.

حتى في ظل غياب ترحيب أو دعم أميركي لافت على مستوى وزارة الخارجية أو البيت الأبيض، الذي سبق أن تدخّل برفض ترشيح نوري المالكي، فإن هذا التطور، حسب مراقبين، يحمل إشارة مرور حذِرة للمكلف علي الزيدي للشروع في تشكيل حكومة تراعي «اشتراطات واشنطن»، التي تكررت مراراً خلال الأشهر الأخيرة على لسان كبار المسؤولين الأميركيين، مع تشديدهم على تفكيك الفصائل المسلحة ومواجهة النفوذ الإيراني في العراق.

وليس من الواضح بعد قدرة المرشح علي الزيدي على الاستجابة للشروط الأميركية، لا سيما أنه مدعوم من قوى ترتبط بعلاقات وثيقة مع طهران، وقد طالت بعضها مؤخراً عقوبات أميركية مشددة، مثل «عصائب أهل الحق» التي تُعد إحدى القوى الوازنة في «الإطار التنسيقي»، إلى جانب «كتائب سيد الشهداء»، التي رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن زعيمها أبو آلاء الولائي.

وحتى مع تصريحات وبيانات سابقة لقادة الفصائل، خصوصاً «كتائب حزب الله»، بشأن رفضهم تمرير أي حكومة من دون موافقتهم، وهي رغبة تتقاطع مباشرة مع الموقف الأميركي، فإن مسألة الخطوة التالية لهذه الفصائل إزاء تشكيل الحكومة لا تزال موضع ترقب وتساؤل لدى بعض المراقبين.

تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» (رويترز)

تجديد «البيعة» لخامنئي

وتزامناً مع الترحيب الأميركي بتكليف علي الزيدي، جددت حركة «النجباء»، وهي واحدة من أبرز الفصائل المسلحة الموالية لإيران، «بيعتها» للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، في ردٍّ يشير إلى الترحيب الأميركي، غير أن مراقبين يستبعدون تأثيرها الجدي على مسار تشكيل الحكومة، باعتبار أنها لا تمتلك أي تمثيل في مجلس النواب، كما أنها لم تشر في بيانها إلى الاستحقاق الحكومي الجاري.

وقالت الحركة في بيان «نجدد البيعة والعهد (لخامنئي)، فالعراق سيبقى أبداً هو القوة الضاربة في هذا المحور، وسنظل نحن أبناء (النجباء) جنودكم الأوفياء». وأضافت: «إننا اليوم، ومن موقع الإدراك العميق لسنن التاريخ، نجدد بيعتنا المطلقة لمشروع الولاية، معلنين أن تمسكنا بهذا الخط ليس خياراً سياسياً أملته الظروف، بل هو انصياع طوعي، فكل أمر يصدر عنكم هو عندنا تكليف مقدس». وذكرت، أن «كل تحدٍّ يرميه العدو في طريقنا يعد فرصة استراتيجية، نحن في قلب الصراع، ندرك مآلاته، فامضِ بنا حيث شئت».

«حَمْل السُّلَّم بالعَرض»

لا يستبعد الباحث والخبير في الجماعات الشيعية، نزار حيدر، أن تقوم الفصائل المسلحة بـ«حَمْلُ السُّلَّم بِالعَرض»، على حد وصفه عرقلة تشكيل الحكومة بعد استشعارها الدعم الأميركي.

وقال حيدر لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الموقف «ليس جديداً على الفصائل المسلحة التي لم تنخرط في العملية السياسية، إذ تعلن دائماً أن سلاحها وولاءها لطهران، وأن تجديد بيعتها للمرشد الجديد ما هو إلا تأكيد لموقفها الثابت والمعلن».

ويشير إلى أن «جماعات الفصائل لا تعتقد بمرجعية النجف التي لا تذهب مع نظرية ولاية الفقيه، كما أنها لا تعطي أي اعتبار للدستور والقانون ولسلطة مؤسسات الدولة، وعلى رأسها سلطة القائد العام للقوات المسلحة».

وقال حيدر إن الاتفاق على تكليف علي الزيدي والمباركة الأميركية «لم يكن هذه المرة نتيجة إمساك بالعصا من الوسط، بل ثمرة الإمساك بها من الطرف الأميركي».

ورأى حيدر أن «الفصائل سوف تحمل السلم بالعرض، كما يقال، لعرقلة عمل الحكومة الجديدة، خصوصاً أن من أبرز أولوياتها في برنامجها الحكومي حصر السلاح بيد الدولة، وتفكيك الميليشيات، بدعم من القوى السياسية والقضاء، فضلاً عن الإدارة الأميركية».

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

الفصائل لن تعترض

يختلف الأكاديمي والباحث عقيل عباس مع ما يذهب إليه نزار حيدر بشأن إمكانية عرقلة الفصائل لمسار تشكيل الحكومة، إذ يرى أنها «لن تعترض على هذا الترشيح، وستفعل ما دأبت عليه دائماً، أي تجنّب إظهار اعتراضات كبرى حيال مثل هذا القرار، حتى لا تضع نفسها في مواجهة علنية مع واشنطن».

وقال عباس لـ«الشرق الأوسط» إن الفصائل عادة «تعمل على التفاصيل لاحقاً، وهذه هي براعتها، من حيث كيفية تشكيل الحكومة ومنهاجها، وطبيعة اختيار الوزراء، ونوعية التنازلات التي يمكن أن تحصل عليها من الحكومة الجديدة».

ومع ذلك، لا يستبعد أن «تقدم الفصائل، في حال تبيّن لها أن المكلف بتشكيل الحكومة يمضي نحو تقديم تنازلات جدية لواشنطن بشأن تفكيكها، على اتباع أساليب أخرى، مثل عرقلة حصول الحكومة على الثقة في البرلمان أو تعقيد مفاوضات تشكيلها».

ورأى عباس أن السؤال الجوهري الذي يجدر أن يطرح هو: «هل ستستطيع الحكومة الجديدة أن تحميهم من الضغط الأميركي بخصوص تفكيكهم».

وقال إنه، ومع «عدم وجود اتفاق أميركي-إيراني بشأن الملفات الأساسية الثلاثة: النووي، والصواريخ الباليستية، وملف الوكلاء في المنطقة، فإن المشهد معقد، لكن السيناريو الأفضل للفصائل هو تفكيكها بموافقة إيرانية، بما يتيح لها البقاء داخل العمل السياسي والحكومي، أي الاستمرار في دائرة النفوذ والتمويل والتأثير، ولكن من دون دور عسكري».

وأشار عباس إلى أنه، ومع «عدم التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، فإن حل الفصائل قد يُطرح محلياً عبر مواجهة مع الحكومة المقبلة، وهو ما يُمثل الاختبار الأصعب للحكومة أمام واشنطن».