مئات القتلى والجرحى في هجوم إسرائيلي واسع على لبنان

أكبر حصيلة دموية منذ الحرب الأهلية

عناصر في الدفاع المدني ينقلون أحد المصابين في قصف إسرائيلي استهدف جنوب لبنان (أ.ب)
عناصر في الدفاع المدني ينقلون أحد المصابين في قصف إسرائيلي استهدف جنوب لبنان (أ.ب)
TT

مئات القتلى والجرحى في هجوم إسرائيلي واسع على لبنان

عناصر في الدفاع المدني ينقلون أحد المصابين في قصف إسرائيلي استهدف جنوب لبنان (أ.ب)
عناصر في الدفاع المدني ينقلون أحد المصابين في قصف إسرائيلي استهدف جنوب لبنان (أ.ب)

دخلت المواجهات بين «حزب الله» وإسرائيل، الاثنين، مرحلة الحرب «رسمياً» مع اتساع رقعة القصف الإسرائيلي بشكل غير مسبوق لتصل إلى مناطق واسعة في عمق الجنوب والبقاع واستهداف أماكن ومبان ومنازل سكنية، حيث تجاوز عدد القتلى الـ274 شخصاً، وسقط أكثر من 1024 جريحاً حتى بعد الظهر من يوم الاثنين، في حصيلة غير مسبوقة منذ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول)، بحسب ما أعلنت وزارة الصحة.

الدخان يتصاعد من النبطية نتيجة القصف الإسرائيلي (أ.ب)

وبعد يوم طويل من الغارات التي أفيد بأنها تجاوزت الألف وشملت لبنان من أقصاه إلى أقصاه، نفذ الطيران الإسرائيلي غارة إسرائيلية مسائية على الضاحية الجنوبية لبيروت مستهدفاً المسؤول الرقم 3 في «حزب الله»، بعدما كانت غارة اسرائيلية أودت الجمعة بقائد «قوة الرضوان»، وحدات النخبة في الحزب مع عدد من قادة القوة.

وقال مصدر أمني لوكالة «رويترز» إن ضربة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت استهدفت مساء الاثنين علي كركي، قائد الجبهة الجنوبية، مشيراً إلى أن «مصيره غير معروف»، في حين أكد إعلام إسرائيلي، نقلاً عن الجيش الاسرائيلي، اغتيال كركي. كما أشارت معلومات في لبنان إلى سقوط قتلى وجرحى مدنيين في الغارة.

وقال وزير الصحة فراس الأبيض، في مؤتمر صحافي، إن حصيلة القصف الإسرائيلي هي «274 شهيداً بينهم 21 طفلاً و39 امرأة» علماً بأن «هناك بعض الشهداء لم يتم التعرف إليهم»، إضافة إلى «1024 جريحاً شاركت 27 مستشفى في استقبالهم». وأضاف: «نتج عن الاعتداءات نزوح الآلاف من العائلات من مناطق الاستهداف».

ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول لبناني، طلب عدم الكشف عن هويته، قوله إن «الاثنين هو الأكثر دموية في لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية التي استمرت 15 عاماً».

وأعلن الاثنين متحدث عسكري إسرائيلي أن «إسرائيل بدأت هجوماً جوياً واسع النطاق في لبنان»، بعدما كان قد استفاق اللبنانيون صباح الاثنين على التهديدات العسكرية التي انعكست ميدانياً واتخذت طابعاً تصاعدياً، «من خلال دعوة الجيش الإسرائيلي اللبنانيين إلى الابتعاد عن مواقع الحزب»، وذلك للمرة الأولى منذ بدء تبادل القصف بينهما قبل نحو عام.

وفيما لم يغادر الطيران الحربي الإسرائيلي مختلف المناطق اللبنانية، بما فيها بيروت وجبل لبنان، قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي دانيال هاغاري: «ننصح المدنيين في القرى اللبنانية الواقعة في أو قرب مبانٍ ومناطق يستخدمها (حزب الله) لأغراض عسكرية، مثل تلك المستخدمة لتخزين أسلحة، للابتعاد فوراً عن دائرة الخطر من أجل سلامتهم»، معلناً أن الجيش «سيشنّ المزيد من الغارات المكثّفة والدقيقة ضد الأهداف الإرهابية التي زرعت بشكل واسع في مختلف أنحاء لبنان».

وتركزت الغارات في مختلف أنحاء جنوب لبنان، حيث نفذ الطيران الحربي أحزمة نارية في موجات قصف متتالية، بما في ذلك مناطق الزهراني وصيدا وصور والنبطية ومرجعيون وجزين وغيرها، ومحافظة البقاع الحدودية مع سوريا في شرق البلاد، وفق «الوطنية للإعلام» الرسمية، وأعلن الجيش الإسرائيلي مساء عن أنه هاجم نحو 800 هدف في جنوب لبنان ومنطقة البقاع.

الدخان يتصاعد من المنطقة الشرقية لمدينة بعلبك إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)

وصباحاً، كان قد أفيد عن سقوط صاروخ إسرائيلي في بلدة علمات قضاء جبيل في منطقة جبلية غير مأهولة في جبل لبنان الشمالي، للمرة الأولى، وقد توجّهت إلى المكان القوى العسكرية والأمنية، فيما لم يُفَد عن سقوط إصابات أو أضرار جرّاء هذا الصاروخ.

والتهديدات الإسرائيلية نفذت بعد وقت قصير من إطلاقها مع تسجيل غارات مباشرة على منازل ومبان في بلدات عدة في الجنوب، قبل أن تعود وتتجدد بعد الظهر، داعية سكان سهل البقاع إلى الابتعاد عن مواقع «حزب الله».

وأعلن الجيش الإسرائيلي بعد ظهر الاثنين أنه «يوسع نطاق» ضرباته على «حزب الله» في لبنان، محذراً السكان القريبين من مخازن أسلحة «حزب الله» في سهل البقاع، للابتعاد عنها.

وقال المتحدث باسم الجيش، الأميرال دانيال هاغاري، في تلخيص صحافي: «نواصل مراقبة استعدادات (حزب الله) في الميدان من أجل إحباط الهجمات ضد الأراضي الإسرائيلية بشكل استباقي، ونوسع نطاق ضرباتنا ضد (حزب الله) بشكل منهجي».

وحذر سكان البقاع، قائلاً: «هذا تحذير موجه إلى قرى البقاع، على السكان القريبين من المباني أو داخل المنازل التي توجد فيها صواريخ وأسلحة الابتعاد فوراً عنها. ابتعدوا من أجل سلامتكم وحمايتكم». واتهم هاغاري «حزب الله» بأنه «يخزن أسلحته الاستراتيجية في المباني المدنية، ويستخدم السكان دروعاً بشرية». وأوضح أن «المنازل في البقاع فيها صواريخ ومسيّرات سنهاجمها قبل أن تشكل تهديداً لسكان إسرائيل».

وأبرز ما أفادت به «الوكالة الوطنية للإعلام» تلك التي استهدفت بلدة الخرايب ودمرت أكثر من مبنى وعدد من السيارات، مما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى، قبل أن تتجدد بعد الظهر، مع إعلان الجيش الإسرائيلي أنه سيشن المزيد من الضربات «واسعة النطاق» على سهل البقاع شرق لبنان، وحذر السكان من الابتعاد عن مواقع «حزب الله» في المنطقة.

وأغار الطيران الحربي على منزل في بلدة برج رحال، وعلى منشأة صناعية في وسط منطقة تول، حيث سقطت إصابات، واستهدف مبنيين سكنيين في بلدات البابلية والصرفند، حيث أفيد أيضاً عن وقوع إصابات لتهرع فرق الدفاع المدني والإسعافات إليها.

وأغار الطيران على منزل في وادي جيلو، وأصيبت سيارة إسعاف تابعة لكشافة الرسالة الإسلامية في بلدة حاريص، وقد نجا طاقمها، واستهدف مبنى في عرنابة قرب مغدوشة ودمره بالكامل، وعلى منازل في بلدة برج رحال، ما أدى إلى سقوط عدد من الجرحى وإلحاق أضرار جسيمة بالمنزل.

وفي البقاع الغربي كان قد استهدف الطيران الحربي منزلاً بين مشغرة وعين التينة، كما تعرضت مؤسسة السجاد التابعة لـ«حزب الله» في سحمر لأضرار بعد استهدافها بعدة صواريخ، وبعد الظهر استهدفت سيارة إسعاف تابعة لكشافة الرسالة الإسلامية في سحمر، كما استهدفت غارة إسرائيلية منزلاً في محيط نبع إبل في إبل السقي قضاء مرجعيون، مما أدى إلى اندلاع النيران فيه.

ومساء، أفيد عن استهداف محيط مدينة الهرمل، وتلال حرزتا قضاء زحلة، ومحيط الحسينية في بلدة شمسطار في بعلبك، حيث أشارت المعلومات إلى سقوط قتلى.

وأشارت «الوطنية» إلى «أن فرق الإسعاف والإغاثة والدفاع المدني تعمل على رفع الأنقاض وانتشال المواطنين العالقين تحت الأنقاض، ونقل الإصابات إلى المستشفيات»، لافتة إلى «تعرض بلدة بريقع لغارة جوية أدت إلى تدمير عدد من المنازل فيها ووقوع شهداء، وتعرض بلدة النميرية لغارة جوية دمر نتيجتها منزل، وأفيد بأن عائلة بأكملها قضت فيه».

واستهدفت غارة منزلاً في بلدة أرنون وتسببت بوقوع قتلى، كذلك تعرضت بلدة الدوير لعدد من الغارات أوقعت إصابات فيها، كما أفيد بوقوع إصابات في بلدة يحمر الشقيف بعد الغارات التي استهدفتها.

وأفادت المعلومات بمقتل رجال دين تابعين لـ«حزب الله» في الغارات الإسرائيلية على الجنوب والبقاع، منهم: الشيخ أمين سعد، والشيخ عبد المنعم مهنا، كما أفيد عن مقتل القيادي في الحزب علي أبو ريا بغارة إسرائيلية في منطقة البقاع.

رد «حزب الله»

في المقابل، ردّ «حزب الله» على الغارات الإسرائيلية مطلقاً أكثر من 130 صاروخاً على بلدات وقرى شمال إسرائيل، وقالت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» إن «حزب الله» أطلق الاثنين صواريخ بعيدة المدى للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب.

ومساء، قال الجيش الإسرائيلي إنه رصد نحو 30 صاروخاً انطلقت من لبنان تجاه الجليلين الأسفل والأوسط، وتم رصد حوادث تحطمها.

وأعلنت «المقاومة» قصف ثلاثة أهداف في شمال إسرائيل، وقالت في بيانات متفرقة إنها استهدفت «المقر الاحتياطي للفيلق الشمالي وقاعدة تمركز احتياط فرقة الجليل ومخازنها اللوجيستية في قاعدة عميعاد ومُجمعات الصناعات العسكرية لشركة رفائيل في منطقة زوفولون شمال مدينة حيفا بعشرات الصواريخ»، و«مقر الكتيبة الصاروخية والمدفعية في ثكنة يوآف بعشرات الصواريخ»، وذلك «رداً على اعتداءات العدو الإسرائيلي التي طالت مناطق الجنوب والبقاع».

وأفادت وسائل إعلام عن دوي صفارات الإنذار في حيفا وعكا عقب إطلاق رشقة صاروخية كبيرة من لبنان، وفي القطاع الجنوبي من المدينة والجليل الأوسط والكرمل.

وفي حين دوت صفارات الإنذار في الجزء الشمالي من الضفة الغربية مع اتساع نطاق الصواريخ التي يطلقها «حزب الله» مبتعداً عن المناطق الحدودية في شمال إسرائيل التي كانت الأكثر استهدافاً في أحدث تبادل لإطلاق النار، قالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية إن قصف «حزب الله» الأخير للمستوطنات على مسافة 100 كيلومتر من الحدود يعادل المسافة إلى تل أبيب.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال الأحد: «نحن مصممون على جعل سكان الشمال يعودون إلى منازلهم بأمان. لا يمكن لأي دولة أن تتساهل مع الهجمات على مواطنيها وعلى مدنها. نحن، دولة إسرائيل، لن نتساهل مع ذلك أيضاً».

وسبق لمسؤولين في «حزب الله» أن أكدوا أن وقف التصعيد على جبهة لبنان هو رهن «وقف العدوان» على غزة.

وتصاعد النزاع بعد تأكيد إسرائيل أنها نقلت «ثقل» المعركة من الجنوب حيث قطاع غزة إلى الشمال مع «حزب الله».

وتلقّى الحزب سلسلة ضربات إسرائيلية في الأيام الأخيرة، شملت تفجير آلاف أجهزة الاتصال التي يستخدمها عناصره يومي الثلاثاء والأربعاء، وغارة جوية في ضاحية بيروت الجنوبية، استهدفت اجتماعاً لقيادة «قوات النخبة» التابعة له، أسفرت عن مقتل نحو 50 شخصاً بينهم قائدان عسكريان بارزان وعدد من رفاقهما، إضافة إلى ضربات جوية مكثفة من سلاح الجو الإسرائيلي على أهداف في جنوب لبنان خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وخلال تشييع إبراهيم عقيل، قائد «قوة الرضوان» النخبوية في «حزب الله»، الأحد، أكد نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم أن التنظيم دخل «مرحلة جديدة» من القتال مع إسرائيل، عنوانها معركة «الحساب المفتوح».

وشدد على أن التهديدات الإسرائيلية «لن توقفنا»، مضيفاً: «نحن مستعدون لمواجهة كل الاحتمالات العسكرية».


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

خاص الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

«حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الحرب الإعلامية التي اتسمت بسقوف سياسية عالية لن تحجب الأنظار عما حمله البيانان الأخيران للحزب، وتحديداً الذي أصدره أمينه العام نعيم قاسم

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد عقب انفجارات في جنوب لبنان (رويترز) p-circle

قتيلان بينهما عسكري في غارة إسرائيلية على جنوب لبنان

ندد لبنان بهجوم إسرائيلي على جنوب البلاد، الثلاثاء، أسفر عن مقتل 3 أفراد من الدفاع المدني اللبناني.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي 
عون مستقبلاً رياشي موفداً من جعجع (الرئاسة اللبنانية)

لبنان: دعم واسع لمواقف عون التفاوضية

حظي الرئيس اللبناني جوزيف عون بدعم داخلي واسع لمواقفه حول التفاوض مع إسرائيل وعقب موقفه الذي اتهم فيه «حزب الله» بأخذ لبنان إلى الحرب خدمةً لمصالح خارجية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مستقبلاً النائب ملحم رياضي موفداً من رئيس حزب «القوات» سمير جعجع (الرئاسة اللبنانية)

اتصالات داخلية لتوحيد موقف لبنان... ودعم واسع لمواقف عون

تتكثف الاتصالات الداخلية في لبنان لتوحيد الموقف حيال المفاوضات مع إسرائيل في ظل الخلاف في مقاربة الموضوع لا سيما مع اعتراض «حزب الله»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مشاركون في تشييع عدد من القتلى بينهم عناصر في «حزب الله» قتلوا خلال الحرب مع إسرائيل في بلدة المنصوري في جنوب لبنان (رويترز)

«حزب الله»... مسار طويل من الانقلاب على قرارات الحكومة اللبنانية

ليس جديداً على «حزب الله» الانقلاب على قرارات الحكومة اللبنانية أو تجاوزها عند تعارضها مع خياراته السياسية والعسكرية.

بولا أسطيح (بيروت)

«حماس» غاضبة من تواصل الخروقات... وتجهز تعديلات على خطة الوسطاء الجديدة

مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«حماس» غاضبة من تواصل الخروقات... وتجهز تعديلات على خطة الوسطاء الجديدة

مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)

كشفت 3 مصادر من حركة «حماس» عن أن الحركة أبدت غضبها للوسطاء من استمرار الخروقات الإسرائيلية في قطاع غزة، والتي كان آخرها اغتيال إياد الشنباري، القيادي البارز في كتائب «القسام» (الذراع العسكرية للحركة).

وبحسب المصادر الثلاثة التي تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن «(حماس) اعتبرت هذه الخروقات واغتيال قيادات أمنية بشكل خاص، ضربةً لجهود الوسطاء في محاولة إرساء اتفاق واضح يلزم إسرائيل بتنفيذ ما عليها، داعية إياهم للتدخل «الجاد والحازم» لوقف هذه العمليات التي أدت لقتل نحو ألف فلسطيني منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025. ووفقاً للمصادر، فإن الوسطاء أكدوا أنهم يواصلون جهودهم من أجل وضع حد للخروقات الإسرائيلية.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر فلسطيني على تواصل مع «لجنة إدارة غزة» أن الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف كان قد «طلب يوم الاثنين من إسرائيل وقف الهجمات الجوية في قطاع غزة لمدة 48 ساعة لمنح مفاوضات القاهرة فرصة للنجاح؛ إلا أنه لم يتلقَّ رداً منها». وقالت المصادر من «حماس» إنها لا علم لديها بهذا الطلب.

عناصر من الدفاع المدني الفلسطيني يفحصون مركبة استهدفتها غارة جوية إسرائيلية غرب مدينة غزة (إ.ب.أ)

وبعد يوم من مقترح جديد قدمه الوسطاء و«مجلس السلام» بشأن غزة والمضي في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، قالت المصادر من «حماس» إن الحركة تجهز رداً يحمل ملاحظات وطلبات تعديلات سيقدمها الوفد المفاوض لملادينوف والوسطاء.

وكانت «الشرق الأوسط» قد حصلت على تفاصيل المقترح الذي صاغه ممثلون لـ«مجلس السلام»، والوسطاء من الدول الثلاث؛ مصر وقطر وتركيا، إلى جانب الولايات المتحدة، بشأن قطاع غزة، خاصةً نزع السلاح منه. وأظهرت الوثيقة المعنونة بـ«خريطة طريق» لإتمام تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشاملة للسلام بغزة، 15 بنداً للتعامل مع تنفيذ بنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس».

وسيركز الرد، وفق المصادر، على مطالبات بجدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي، وإيجاد مقاربات وضمانات دولية واضحة لإلزام إسرائيل، وعدم ربط قضية إعادة الإعمار، بحصر ونزع السلاح، والتأكيد على حق الفصائل بممارسة دورها السياسي بشكل كامل دون قيود.

وتشير الورقة الجديدة إلى تشكيل لجنة سُميت «التحقق من التنفيذ»، سيتم إنشاؤها من قبل الممثل الأعلى لغزة، تتألف من الدول الضامنة، وقوة الاستقرار الدولية و«مجلس السلام»، لضمان تنفيذ الأطراف ما يقع على عاتقها، على أن يتم تدعيم هذه اللجنة من خلال آلية مراقبة معززة.

وتؤكد الوثيقة في أول بنودها أهمية التزام الأطراف كافة بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2803 بشكل كامل، وخطة ترمب الشاملة، بعدّهما يشكلان إطاراً دولياً متفقاً عليه وسيتم الاسترشاد بهما لتنفيذ هذه العملية، بما يضمن تحقيق الهدف الأهم باستعادة الحياة المدنية، وتمكين الحكم الفلسطيني، وإعادة الإعمار والأمن والتعافي الاقتصادي، وتوفير الظروف للوصول إلى مسار موثوق به لتحقيق تقرير المصير والدولة الفلسطينية بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن.


مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
TT

مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)

قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً أجرته أخيراً، لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مؤكدة أن القيود التي فُرضت عليه عام 2024 جاءت على خلفية «أخطار تتعلق بالسمعة»، لا بسبب «تورط مثبت في عمليات غسل أموال».

يأتي هذا التوضيح في وقت يواجه فيه التكليف المفاجئ للزيدي تشكيل الحكومة في بغداد خلفاً لمحمد شياع السوداني تدقيقاً سياسياً في خلفيته، بعد إدراج مصرف يملكه ضمن قيود فرضها البنك المركزي العراقي على التعامل بالدولار، في إطار ما قيل حينها إنها «حملة لمكافحة التدفقات المالية غير المشروعة».

وقال ممثلون عن شركة «K2 Integrity»، طلبوا عدم الإفصاح عن هوياتهم لأنهم غير مخولين بالتصريح، إن تحقيقاً مستقلاً أجرته الشركة لم يجد «أي أدلة موثوقة» تربط الزيدي أو «مصرف الجنوب» بـ«فيلق القدس»، كما لم يرصد تدفقات مالية مباشرة من المصرف إلى جهات إقليمية مصنفة عالية المخاطر.

وأوضح أحد الممثلين، لـ«الشرق الأوسط»، أن الحظر الذي أوصت به وزارة الخزانة الأميركية و«الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك على «مصرف الجنوب» اقتصر على التعامل بالدولار الأميركي، وكان مدفوعاً بمخاطر تتعلق بالسمعة وملكية المصرف، وليس بسبب ثبوت مخالفات تتعلق بغسل الأموال أو تمويل كيانات مرتبطة بإيران.

يُعدّ الزيدي، وهو رجل أعمال يمتلك مع شقيقه وشركائه شركات، من بينها «الأويس» و«الجنوب» و«قناة دجلة»، شخصية غامضة في المشهد السياسي، وجاء تكليفه في ظل رفض أميركي علني أدى إلى استبعاد نوري المالكي من السباق، في حين أفيد بأن رفضاً غير معلن استبعد السوداني أيضاً.

رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)

قيود على إيران

وكان العراق قد فرض في فبراير (شباط) 2024 قيوداً على 8 بنوك محلية، من بينها «مصرف الجنوب الإسلامي»، مانعاً إياها من الوصول إلى الدولار عبر نافذة البنك المركزي. وجاءت تلك الخطوة ضمن جهود تقودها واشنطن للحد من تحويل الأموال إلى إيران.

وقال متحدث باسم وزارة الخزانة آنذاك إن الإجراءات تهدف إلى «حماية النظام المالي العراقي من إساءة الاستخدام»، في إشارة إلى مخاوف من توظيف العملة الأميركية في أنشطة غير قانونية.

وتسلط هذه القضية الضوء على التحدي المستمر الذي تواجهه بغداد في تحقيق توازن بين علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة وإيران، في ظل اعتمادها الكبير على الدولار الأميركي، حيث يتلقى العراق نحو 10 مليارات دولار نقداً سنوياً من «الاحتياطي الفيدرالي»، وفق تقديرات رسمية.

ورحبت السفارة الأميركية في بغداد بتكليف الزيدي، مؤكدة دعمها جهود تشكيل حكومة «تعكس تطلعات العراقيين». ويأتي ذلك بعد أشهر من الجمود السياسي، وفي ظل ضغوط مارستها إدارة دونالد ترمب هددت خلالها بقطع الدعم عن العراق إذا عاد المالكي إلى السلطة.

ويواجه الزيدي مهلة 30 يوماً لتشكيل حكومته، وسط انقسامات حادة داخل «الإطار التنسيقي»، وفي وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية منذ الضربات العسكرية على إيران في فبراير 2026، وما تبعها من استهداف جماعات مسلحة للمصالح الأميركية في العراق.


«حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
TT

«حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

الحرب الكلامية المشتعلة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون و«حزب الله» حول من يفاوض باسم لبنان، وتصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية، أديا إلى تعليق اجتماع رئيس الجمهورية مع رئيس البرلمان نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، وتأجيله ريثما تؤدي الاتصالات إلى تنفيس أجواء الاحتقان، وخلق المناخ المريح لاجتماعهم، واستعيض عنه باتصالات مفتوحة بينهم ريثما تنجح الولايات المتحدة الأميركية في وقف الاعتداءات بما يسمح بمعاودة اللقاء في أقرب فرصة.

لكن هذه الحرب الإعلامية التي اتسمت بسقوف سياسية عالية لن تحجب الأنظار عما حمله البيان الذي أصدره أمين عام الحزب نعيم قاسم في تبريره للأسباب الكامنة وراء رفضه الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

فالجديد في موقف قاسم الذي قال فيه: «ليعلم أصحاب السلطة أن أداءهم لن ينفع لبنان، ولن ينفعهم، فما يريده العدو الإسرائيلي-الأميركي منهم ليس بيدهم، وما تريدونه منه لن يمنحكم إياه»، قوبل باستغراب من قبل أكثرية القوى السياسية التي تقف خلف عون في خياره الدبلوماسي التفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أميركية.

رسالة إيرانية

وقالت مصادر لبنانية مطلعة على مجريات الاتصالات لـ«الشرق الأوسط» إن ما لم يقله قاسم هو الأهم بإيحائه بأن حزبه هو وحده من يملك في الميدان ما يعطيه، وليس في مقدور السلطة أن تعطي ما لا تملك. وأكدت أنه أراد تمرير رسالة لمن يعنيهم الأمر أن إيران هي الأقدر على التفاوض بالإنابة عن لبنان، وهذا ما يكمن وراء شكره لها على توصلها مع الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار في محادثات باكستان.

ولفتت المصادر إلى أن قاسم أغفل عن قصد تسمية الجهة التي سيوكل إليها المفاوضات غير المباشرة، رغم قوله إنه «لو أتى وقف النار من أي وسيط علينا أن نقبل به».

دورية لقوات «اليونيفيل» في جنوب لبنان قرب المنطقة الحدودية مع إسرائيل (أ.ب)

وسألت المصادر عن صحة ما يتردد على نطاق واسع في بيروت أن «حزب الله» انتدب مستشارين عنه لتمثيله بالوفد الإيراني في مفاوضاته مع الولايات المتحدة في باكستان يعود إليهم عند الضرورة للوقوف على رأيهم حيال ما تطرحه إيران من نقاط يعتبرها أساساً لإنهاء الحرب في الجنوب اللبناني، مع أنهم لا يجلسون على الطاولة، ويوجدون في غرفة محاذية للقاعة التي تستضيف المفاوضات؟

وقالت إنه إذا صح ما يقال في هذا الخصوص، كمل نقل عن مصدر دبلوماسي وثيق الصلة بإحدى الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، فإن إصرار الحزب على إيداع الورقة اللبنانية في السلة الإيرانية سيصطدم بموقف أميركي لا عودة عنه، ليس لرفضه ربط لبنان بإيران فحسب، وإنما لأنه من غير الجائز مصادرة القرار اللبناني بالتفاوض المباشر مع إسرائيل الذي هو من صلاحية عون، بحسب المادة 52 من الدستور، وبالتالي لا يحق لحزب مصنف أميركياً على لائحة الإرهاب أن ينوب عن الدولة بعد أن رتب على بلده أكلافاً بشرية ومادية لا تقدّر بتفرُّده بقرار السلم والحرب عندما قرر إسناد غزة، وإيران.

لماذا يرفض «حزب الله» التفاوض المباشر؟

كما سألت «حزب الله»: هل يرفض المفاوضات المباشرة بذريعة أن كلمة الفصل تبقى له على خلفية حضوره العسكري في الميدان، ويعود له تسمية الجهة التي ترعاها؟ وماذا سيقول للبنانيين في ظل الاختلال في ميزان القوى بينه وبين إسرائيل التي تستمر في تجريف البلدات، وتدميرها الممنهج للمنازل، وارتكابها للمجازر بذريعة القضاء على ما تبقى من بنيته العسكرية؟ وقالت إن إصرار الحزب على شراء الوقت برفضه المفاوضات المباشرة يعني حكماً أنه يوفّر الذرائع لإسرائيل، وإن كانت ليست في حاجة إليها للتمادي في تدمير البلدات التي لا تقتصر على تلك الواقعة في المنطقة المعروفة بالخط الأصفر، وإنما تمتد إلى بلدات الخط الأمامي في شمال نهر الليطاني، وتطل على جنوبه.

الدخان يتصاعد جراء قذائف مدفعية إسرائيلية تستهدف جنوب لبنان (إ.ب.أ)

وقالت إن عامل الوقت ليس في مصلحة لبنان، وهذا ما يتطلب من الحزب مراجعة حساباته باتخاذه قراراً جريئاً يقضي بوضع سلاحه بعهدة الدولة لتحسين شروطها في المفاوضات المباشرة، لإنقاذ ما تبقى من البلدات الواقعة في جنوب نهر الليطاني، وضفته الشمالية.

غطاء سياسي لعون

ودعت المصادر لإخراج الوضع من التأزّم بتوفير الغطاء السياسي لعون الذي كان قال كلمته، ولن يتراجع عن دعوته للتفاوض المباشر برعاية أميركية، خصوصاً أنه يشترط لبدئها إلزام إسرائيل بوقف أعمالها العدائية على قاعدة تمسكه بالثوابت الوطنية، وعدم التفريط بها تحت أي ضغط خارجي، وهو يلتقي في هذا السياق مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري من موقع الاختلاف معه برفضه المفاوضات المباشرة.

وشددت على ضرورة تنفيس الاحتقان المسيطر على البلد من جراء تصاعد الاشتباك بين عون، الذي يحظى موقفه بتأييد غالبية اللبنانيين، و«حزب الله» الذي يكاد يغرّد وحيداً في موقفه، وإن كان بري يحرص على مراعاته لاستيعابه، واحتضانه. وقالت إن الضرورة الوطنية تقضي باعتماد لغة الاعتدال في الخطاب السياسي للحفاظ على الاستقرار، وعدم تعريض السلم الأهلي لأي انتكاسة.

استحالة عودة سكان الجنوب

وأبدت المصادر مخاوفها من أن يتحوّل النزوح المؤقت للجنوبيين من بلداتهم، في حال استمرت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» التي تصاعدت وتيرتها مع تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع، إلى لجوء دائم لاستحالة عودتهم إلى قراهم التي سوّتها إسرائيل بالأرض، وحوّلت القسم الأكبر من جنوب الليطاني إلى منطقة محروقة يصعب العيش فيها. ولفتت إلى أن الخيار الدبلوماسي يبقى الوحيد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي بعد أن جرّب «حزب الله» الحرب بإسناده لغزة وإيران، ورتّب على البلد أثماناً غالية، وأن إصراره على رفع سقوفه السياسية سيواجه رفضاً بما يشبه الإجماع إذا ما اعتقد أنه يريد ثمناً سياسياً بادعائه، بخلاف ما هو حاصل في الميدان، أنه حقق انتصاراً على إسرائيل، وإذا كان هناك من ثمن فهو يقتصر أولاً وأخيراً على تسهيل عودة الجنوبيين إلى قراهم التي لن تكون ميسّرة ما لم تضع الحكومة خطة مدعومة عربياً ودولياً لإعادة إعمارها، وهذا ما يشكل إحراجاً للحزب إذا ما استمر على عناده بتمسكه بسلاحه الذي يصر المجتمع الدولي على وضعه بيد الدولة لبسط سلطتها على كافة أراضيها.