ما نعرفه عن انفجارات «بيجرز» ولاسلكي «حزب الله»

جهاز اتصال لاسلكي انفجر داخل منزل في بعلبك شرق لبنان (أ.ب)
جهاز اتصال لاسلكي انفجر داخل منزل في بعلبك شرق لبنان (أ.ب)
TT

ما نعرفه عن انفجارات «بيجرز» ولاسلكي «حزب الله»

جهاز اتصال لاسلكي انفجر داخل منزل في بعلبك شرق لبنان (أ.ب)
جهاز اتصال لاسلكي انفجر داخل منزل في بعلبك شرق لبنان (أ.ب)

في خرق أمني غير مسبوق، انفجرت الآلاف من أجهزة النداء (البيجرز) واللاسلكي التابعة لعناصر من «حزب الله» في مختلف أنحاء لبنان في تفجيرات متزامنة يومي الثلاثاء والأربعاء، مما أسفر عن مقتل 26 شخصاً على الأقل وإصابة الآلاف الآخرين.

وغصت المستشفيات في مختلف أنحاء لبنان بالمصابين بعد تفجيرات أجهزة النداء (البيجرز) يوم الثلاثاء، وتم إنشاء مستشفى ميداني في مدينة صور الجنوبية لاستقبال الجرحى.

وفي حين اتهم «حزب الله» إسرائيل بالتفجيرات وتعهد بالرد، لم تتبنَّ الدولة العبرية التفجيرات، ولكنها جاءت بعد ساعات من إعلان الجيش توسيع أهدافه في الحرب لتشمل قتاله ضد «حزب الله» على طول الحدود مع لبنان.

وفيما يلي ما نعرفه عن التفجيرَين حتى الآن:

كيف انفجرت أجهزة «البيجرز» واللاسلكي؟

بحسب ما قال مصدر أمني لبناني رفيع المستوى لوكالة «رويترز»، فإن كمية صغيرة من المتفجرات زُرعت داخل دفعة جديدة من 5 آلاف جهاز اتصال طلبها «حزب الله» لعناصره. وقال المصدر إن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية كانت مسؤولة عن ذلك.

وأشار إلى أن «الموساد وضع لوحة داخل الجهاز تحتوي على مادة متفجرة تتلقى شفرة. من الصعب للغاية اكتشافها بأي وسيلة. حتى باستخدام أي جهاز أو ماسح ضوئي».

وقال مصدر أمني آخر لـ«رويترز» إن ما يصل إلى 3 غرامات من المتفجرات كانت مخبأة في أجهزة الاتصال الجديدة، ولم يتم اكتشافها من قبل «حزب الله» لأشهر عدة.

وأشار إلى أن 3 آلاف من أجهزة الاتصال انفجرت عندما تم إرسال رسالة مشفرة إليها، مما أدى إلى تنشيط المتفجرات في الوقت نفسه.

وأدلى مسؤول أميركي، تحدّث إلى صحيفة «نيويورك تايمز» من دون الكشف عن هويته، بتصريحات مماثلة، مضيفاً أن الأجهزة تم العبث بها قبل وصولها إلى لبنان.

وورد أن المواد المتفجرة كانت مخبأة في كل جهاز اتصال بجوار البطارية، إلى جانب مفتاح يمكنه تفجير الجهاز عن بُعد.

وبحسب «نيويورك تايمز»، تلقت أجهزة الاتصال اللاسلكي رسالة في الساعة 3.30 بعد الظهر بالتوقيت المحلي، ويبدو أنها جاءت من قيادة المجموعة. ويعتقد بأن هذه الرسالة هي التي أدت إلى تفعيل المتفجرات. ويبدو أن عديداً من مقاطع الفيديو المتداولة للانفجارات تظهر الضحايا وهم يتفقدون أجهزة الاتصال اللاسلكي في الثواني التي سبقت انفجارها.

ولم تتكشف تفاصيل كثيرة عن انفجارات أجهزة الاتصال اللاسلكي أمس (الأربعاء)، لكن مصدراً أمنياً قال لـ«رويترز» إن «حزب الله» اشترى هذه الأجهزة قبل 5 أشهر، أي في الوقت نفسه تقريباً الذي تم فيه شراء أجهزة الاتصال اللاسلكي.

من أين جاءت الأجهزة؟

يبدو أن المؤامرة كانت قيد الإعداد لأشهر عدة، بحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية، وعُرف أن أجهزة الاتصال اللاسلكي تم شراؤها في الوقت نفسه تقريباً مع أجهزة النداء، وأظهرت صور الأجهزة التي فحصتها «رويترز» لوحة داخلية تحمل علامة «ICOM»، و«صنع في اليابان».

وقالت «ICOM»، في بيان موجز على موقعها على الإنترنت، إنها على علم بتقارير إعلامية تفيد بأن أجهزة اتصال لاسلكي تحمل ملصقات تحمل شعارها انفجرت في لبنان.

وأضافت: «نحاول حالياً إثبات الحقائق، وسنقدم تحديثات على موقعنا على الإنترنت مع توفر معلومات جديدة».

لدى شركة الاتصالات اللاسلكية، ومقرها مدينة أوساكا الغربية، مكاتب في عديد من البلدان الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة وألمانيا والصين. وقالت الشركة سابقاً، إن إنتاج طراز «IC-V82»، الذي يبدو أنه النموذج في الصور، تم التخلص منه تدريجياً في عام 2014.

وفقاً لما نقلت «الغارديان» عن مسؤول لبناني، طلب «حزب الله» 5 آلاف جهاز اتصال لاسلكي تسوّقه شركة «Gold Apollo»، ومقرها تايوان، وكانت هذه الأجهزة الجديدة هي التي انفجرت. وقالت مصادر أخرى لـ«رويترز» إن «هذه الأجهزة تم جلبها إلى البلاد في ربيع نصف الكرة الشمالي».

كما حدد محللون في مجموعة الاستخبارات مفتوحة المصدر «بيلينغ كات» أن أجهزة النداء جاءت من «غولد أبولو».

وقال مصدر مقرب من «حزب الله» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «أجهزة النداء التي انفجرت تتعلق بشحنة استوردها حزب الله أخيراً، والتي يبدو أنها تعرضت للتخريب في المصدر».

إلى ذلك، أشار مصدر لبناني كبير لـ«رويترز» إلى أن الأجهزة، التي تم تحديدها على أنها طراز «AR-924»، تم تعديلها من قبل جهاز التجسس الإسرائيلي «على مستوى الإنتاج».

ولا يوجد ما يشير إلى أن شركة «غولد أبولو» ومقرها تايوان كانت على علم بأن أجهزتها قد تم العبث بها، بحسب «الغارديان».

وقال مؤسس الشركة، هسو تشينغ كوانغ، للصحافيين، يوم الأربعاء، إن أجهزة «البيجرز» المستخدمة في الهجوم لم تصنعها «غولد أبولو» بل شركة «BAC Consulting»، وهي شركة مقرها المجر ولها الحق في استخدام العلامة التجارية للشركة التايوانية.

لكن كريستيانا بارسوني أرسيدياكونو، الرئيسة التنفيذية لشركة «BAC»، قالت لشبكة «إن بي سي»: «أنا لا أصنع أجهزة النداء. أنا مجرد وسيط. أعتقد بأنك أخطأت».

وقال إيليغاه ماغنييه، وهو محلل أمني مقيم في بروكسل، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لكي تتمكّن إسرائيل من تضمين محفز متفجر داخل الدفعة الجديدة من أجهزة (البيجرز)، فمن المرجح أنها كانت بحاجة إلى الوصول إلى سلسلة توريد هذه الأجهزة».

تظهر هذه الصورة جهاز اتصال لاسلكي يحمل شعار شركة «Icom» في متجر بمنطقة أكيهابارا الكهربائية في طوكيو (أ.ف.ب)

لماذا يستخدم «حزب الله» أجهزة «البيجرز»؟

يُعرف «حزب الله» باستخدام الأجهزة ذات التقنية المنخفضة للتواصل، لأنها، على عكس الهواتف المحمولة، يمكنها التهرب من تتبع الموقع والمراقبة من قبل الاستخبارات الإسرائيلية.

وقال يوسي ميلمان، أحد مؤلفي كتاب «جواسيس ضد الكارثة»: «كان كثير من عناصر (حزب الله) يحملون أجهزة (البيجرز) هذه، وليس فقط كبار القادة».

يرى الخبراء أن خرقاً أمنياً بهذا الحجم محرج للغاية ومدمر للمعنويات في «حزب الله».

لماذا يمكن تعقب الهواتف المحمولة بهذه الدرجة؟

يدرك «حزب الله» تماماً التهديد الذي يشكّله استخدام الهواتف المحمولة. ففي فبراير (شباط)، حذّر الأمين العام للحزب، حسن نصر الله، أنصاره من أن هواتفهم أكثر خطورة من الجواسيس الإسرائيليين، قائلاً إنه يتعين عليهم «كسر أو دفن أو قفل الأجهزة».

يمكن استخدام الهواتف المحمولة لتتبع موقع شخص ما؛ لأنها «ترسل إشارات» بشكل منتظم إلى أبراج الاتصالات في أثناء تحركها، مما يسمح لإشاراتها بالانتقال إلى أبراج مختلفة في الشبكة.

وقال آلان وودوارد، أستاذ الأمن السيبراني في جامعة ساري: «يرسل الهاتف إشارات باستمرار للبقاء على اتصال بأي شبكة يستخدمها».

ولذلك، لجأ «حزب الله»، في خطوة من أجل السلامة، إلى أجهزة «البيجرز»، التي تستمع إلى إشارة من شبكات النقل من أجل تلقي رسالة، وأوضح وودوارد إن أجهزة «البيجرز» لا تجري أي اتصال لمراقبتها.

وأشار إلى أنه «لا يمكنك تحديد موقع جهاز النداء».

ومع ذلك، من الواضح أن «حزب الله» لم يتوقع استخدام الجهاز نفسه سلاحاً محتملاً.

أما عن انفجارات أجهزة الاتصال اللاسلكي، أمس، فقال وودوارد إن الأجهزة يمكن تعقبها لأنها تتواصل مع بعضها بعضاً عبر ترددات الراديو، ولكن هذا التعقب كان مهمة صعبة، فلم تكن عرضة للخطر مثل الهواتف المحمولة، وربما كان هذا هو السبب وراء استخدام «حزب الله» لها. ومرة ​​أخرى، لم يبدُ أن المجموعة كانت تشك في أنها ستُستخدَم أسلحةً متفجرةً.


مقالات ذات صلة

المشرق العربي بيان المكافأة التي نشرته الخارجية الأميركية لمن يدلي بمعلومات عن أحمد الحميداوي زعيم "كتائب حزب الله" العراقي.

أميركا تعرض 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن زعيم «كتائب حزب الله» العراقي

عرضت وزارة الخارجية الأميركية، اليوم (الثلاثاء)، مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن أحمد الحميداوي زعيم «كتائب حزب الله» العراقي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان اليوم (رويترز)

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل جندي في جنوب لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الثلاثاء، مقتل جندي في جنوب لبنان، وهو أول قتيل منذ دخول الهدنة الموقتة بين الولايات المتحدة وإيران حيز التنفيذ.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر (د.ب.أ) p-circle

وزير خارجية إسرائيل: نريد «سلاماً وتطبيعاً» للعلاقات مع لبنان

قال وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر، اليوم الثلاثاء، إن بلاده تريد «سلاماً وتطبيعاً» للعلاقات مع لبنان، وذلك قبيل محادثات بين مسؤولين من البلدين في واشنطن.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي صورة منشورة في 29 يوليو 2024 بالعاصمة الإيرانية طهران تظهر نائب أمين عام «حزب الله» حينها نعيم قاسم خلال اجتماع (د.ب.أ) p-circle

«حزب الله» يطالب بإلغاء مفاوضات الثلاثاء بين لبنان وإسرائيل

طالب «حزب الله»، الاثنين، بإلغاء المفاوضات المقرّرة، الثلاثاء، بين لبنان وإسرائيل، معتبراً على لسان أمينه العام نعيم قاسم أن مثل هذه المحادثات «عبثية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

عبدي وأحمد في دمشق لمتابعة مسار الدمج

العميد زياد العايش مع قائد «قسد» مظلوم عبدي بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد وعدد من القادة العسكريين والأمنيين (سانا)
العميد زياد العايش مع قائد «قسد» مظلوم عبدي بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد وعدد من القادة العسكريين والأمنيين (سانا)
TT

عبدي وأحمد في دمشق لمتابعة مسار الدمج

العميد زياد العايش مع قائد «قسد» مظلوم عبدي بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد وعدد من القادة العسكريين والأمنيين (سانا)
العميد زياد العايش مع قائد «قسد» مظلوم عبدي بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد وعدد من القادة العسكريين والأمنيين (سانا)

متابعةً لمسار عملية دمشق لدمج «قوات سوريا الديمقراطية» في مؤسسات الحكومة السورية، وصل قائد «قسد» مظلوم عبدي، ومسؤولة العلاقات في الإدارة الذاتية إلهام أحمد، إلى دمشق، الثلاثاء.

وقال المتحدث باسم الفريق الرئاسي المكلَّف بتنفيذ اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) الماضي، أحمد الهلالي، إن محادثات القياديين الكرديين في دمشق تهدف إلى متابعة مسار عملية الدمج، والاطلاع على ما تحقَّق حتى الآن، إضافة إلى بحث الخطوات التالية.

وكشف الهلالي، في تصريح نُشر عبر منصات الإعلام الرسمي، أن مظلوم عبدي اجتمع مع المبعوث الرئاسي زياد العايش، إلى جانب لقاءات منفصلة بين عبدي وكل من وزير الخارجية أسعد الشيباني، والرئيس أحمد الشرع، مشيراً إلى أن أهمية هذه اللقاءات تكمن في نقل ملف «قسد» من دائرة التأثيرات الدولية والإقليمية إلى مسار وطني داخلي.

وفي إطار تنفيذ بنود اتفاق 29 يناير، تستعد وزارة الداخلية السورية لتسلم جميع السجون في محافظة الحسكة، خلال الأيام المقبلة، وفق ما أعلنته مديرية إعلام الحسكة، الثلاثاء، نقلاً عن الفريق الرئاسي.

كان المتحدث باسم الفريق، أحمد الهلالي، قد قال، في وقت سابق، إن الحكومة السورية تتجه إلى تسلم ملف السجون من «قسد»، في خطوة تهدف إلى إنهاء الإخلاءات العشوائية وغير المنضبطة التي جرت خلال الفترة الماضية بين الطرفين. وأضاف الهلالي، في تصريح للإعلام الرسمي، أن الإشراف الرئاسي ساعد في تجاوز عدد من نقاط التعطيل وتسريع وتيرة الإفراج.

تجمُّع أهالي المعتقلين لدى «قسد» بعد إطلاق سراحهم بموجب اتفاق مع الحكومة السورية في الحسكة 11 أبريل (رويترز)

وأفرجت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، الثلاثاء، عن ستة معتقَلين في سجونها، في دفعة جديدة تُعدّ الرابعة، وفق مديرية إعلام الحسكة، وجرت بإشراف الفريق الرئاسي والعميد مروان العلي، ليبلغ عدد المُفرَج عنهم نحو 1500 معتقل من سجون الحكومة السورية وسجون «قسد»، وبقي نحو 500 معتقل في سجون «قسد» بتُهم مختلفة، إضافة إلى قرابة 300 معتقل من «قسد» سيُفرَج عنهم خلال الفترة القريبة المقبلة.

ونقلت شبكة «رووداو» الكردية عن الهلالي قوله إن إتمام هذا الملف وصل إلى مراحله النهائية، مشيراً إلى أنه لا يجري التعامل مع هذا الملف بمنطق الأرقام المعلَنة؛ لأن القوائم تخضع لتحديث مستمر نتيجة عمليات التدقيق المتبادل، وما يمكن تأكيده هو أن «هناك تقدماً ملموساً في عمليات الإفراج».

اجتماع وزير الخارجية أسعد الشيباني بعددٍ من أعضاء الكونغرس الأميركي على هامش أعمال «مؤتمر ميونيخ للأمن» بحضور القيادييْن مظلوم عبدي وإلهام أحمد («الخارجية» السورية)

المسؤول تحدّث أيضاً عن الهيكلية العسكرية، مبيناً أن عملية الدمج العسكري وصلت «إلى مراحل متقدمة من الناحية الفنية، وهي عبارة عن ثلاثة ألوية في محافظة الحسكة»، إلا أن الإعلان الرسمي مرتبط باستكمال التوافقات النهائية واعتمادها ضمن الأُطر المؤسسية المختصة.

وأعلنت الحكومة السورية، في 29 يناير الماضي، الاتفاق مع «قسد» على وقف إطلاق النار، ضِمن اتفاق شامل، مع التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين، ودخول قوات الأمن مركز مدينتَي الحسكة والقامشلي، وتسلّم الدولة جميع المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر والمنافذ.


«لأول مرة منذ شهرين»... 323 شاحنة تدخل غزة في يوم واحد

فلسطينيون في موقع حطام سيارة شرطة دمرتها غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
فلسطينيون في موقع حطام سيارة شرطة دمرتها غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

«لأول مرة منذ شهرين»... 323 شاحنة تدخل غزة في يوم واحد

فلسطينيون في موقع حطام سيارة شرطة دمرتها غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
فلسطينيون في موقع حطام سيارة شرطة دمرتها غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

للمرة الأولى منذ شهرين، شهد قطاع غزة زيادة ملحوظة في عدد الشاحنات التي تحمل مساعدات وبضائع تجارية، كما ارتفعت أعداد المسافرين عبر معبر رفح البري في اتجاهي السفر والعودة إلى القطاع.

وبلغ إجمالي الشاحنات التي دخلت قطاع غزة، يوم الاثنين، 323 شاحنة، منها 220 تجارية للقطاع الخاص، و103 مساعدات من مؤسسات دولية مختلفة، ومن إجمالي الشاحنات وصلت 234 شاحنة عبر معبر كرم أبو سالم (أقصى جنوب القطاع)، و89 عبر منفذ زيكيم (شمال القطاع) الذي أعيد فتحه، الأحد، لأول مرة منذ 44 يوماً.

وتشير تقديرات لبعض العاملين في القطاع المدني والخيري في غزة، أنه يوم الأحد المقبل سيتم فتح منفذ كيسوفيم (بين شمال خان يونس وجنوب دير البلح وسط القطاع) بهدف زيادة عدد الشاحنات المدخلة.

وقال مصدر في وزارة الاقتصاد بغزة لـ«الشرق الأوسط» إن «غالبية ما تم إدخاله هو بضائع تجارية، شملت مواد تموينية وأغذية من خلال أكثر من 270 شاحنة، إلى جانب مستلزمات إيواء وإغاثة، وسلع استهلاكية وأدوات منزلية ومحروقات ومعدات خاصة بشركة الاتصالات».

شاحنات محملة بالمواد الغذائية دخلت قطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم (أ.ب)

وأوضح المصدر أنه «لأول مرة منذ نحو شهرين يتم السماح بإدخال هذا العدد من الشاحنات»، مبيناً أنه «منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كان يُسمح بإدخال عدد أقل».

وكان الاتفاق ينص على إدخال 600 شاحنة يومياً، غير أن «حماس» ومؤسسات أممية اتهمت إسرائيل بإدخال أعداد محدودة من الشاحنات.

ولفت المصدر إلى أن «غالبية الشاحنات، التي يسمح بدخولها، منذ وقف إطلاق النار هي بضائع تجارية، بينما دخلت بعدد أقل مساعدات مقدمة من مختلف الدول العربية والإسلامية والدولية حتى المنظمات الأممية وغيرها»، مبيناً أنه «تم إبلاغهم من مسؤولين حكوميين في غزة أنهم تلقوا وعوداً بزيادة عدد الشاحنات والبضائع للمساعدة في انخفاض الأسعار».

وبدا لافتاً أن إسرائيل سمحت، الثلاثاء، بسفر 126 فلسطينياً (41 مريضاً و85 من المرافقين) وذلك بعد تنسيق من «منظمة الصحة العالمية» للسفر، كما خرج نحو 18 من حملة الجنسيات الأجنبية عبر المعبر، ضمن تنسيق من دولهم.

وأعادت إسرائيل تشغيل معبر رفح جزئياً ضمن اتفاق وقف إطلاق النار، بداية شهر فبراير (شباط) الماضي، وأعادت إغلاقه مع بدء الحرب على إيران نهاية الشهر ذاته، قبل أن تعيد فتحه في 19 مارس (آذار) الماضي.

فلسطينيون قادمون من معبر رفح من مصر يصلون إلى مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة (د.ب.أ)

وخلال فترتي تشغيل المعبر بعد وقف إطلاق النار، كان العدد الذي يسمح له بالدخول والعودة إلى القطاع محدوداً، لكنه كان يصل في مرات محدودة إلى 100 شخص، وسط توقعات بزيادة العدد إلى 150 يومياً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر فلسطيني داخل القطاع على تواصل مباشر مع لجنة إدارة غزة أن «هذه الانفراجة في ملف الشاحنات ومعبر رفح جاءت ضمن اتفاق، توصل إليه ممثل غزة في (مجلس السلام) نيكولاي ملادينوف مع إسرائيل للدفع في اتجاه الالتزام بما تم الاتفاق عليه ضمن اتفاق وقف إطلاق النار».

وأوضح المصدر أنه «في الوقت الحالي يتم السماح للمرضى فقط بالسفر عبر معبر رفح، لكن يتوقع في الأيام المقبلة، وربما بعد أسبوعين، أن يتم إضافة فئات أخرى، مثل الطلاب والعالقين وحالات أخرى بحاجة ماسة للسفر».

وطالبت فصائل فلسطينية، في مقدمتها «حماس»، ملادينوف والوسطاء، بالعمل على إلزام إسرائيل بتنفيذ كل ما تم الاتفاق عليه في المرحلة الأولى، قبل الانتقال للمرحلة الثانية، وسط اتصالات ولقاءات ما زالت مستمرة في القاهرة بهذا الشأن.

وعلى صعيد ميداني، قال مسؤولون بقطاع الصحة في غزة إن غارة جوية إسرائيلية قصفت سيارة شرطة في المدينة، اليوم (​الثلاثاء)، ما أدّى إلى مقتل 4 أشخاص على الأقل، بينهم طفل، وذلك في أحدث أعمال عنف تلقي بظلالها على اتفاق وقف إطلاق النار، الذي توسطت فيه الولايات المتحدة.

وقال مسعفون وشهود إن الهجوم الذي وقع في شارع ‌النفق بمدينة غزة ‌أدّى إلى اشتعال ​النيران ‌في ⁠سيارة ​شرطة، وهرع ⁠السكان وعناصر الإنقاذ للبحث عن ضحايا.

فلسطينيون في موقع حطام سيارة شرطة دمرتها غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

ويؤكد مسؤولو الحركة في غزة أن إسرائيل كثّفت هجماتها على الشرطة وقوات ‌الأمن التي تقودها «حماس» منذ الاتفاق على وقف النار، ما أسفر ⁠عن ⁠مقتل العشرات، متهمين إسرائيل بمحاولة إثارة الفوضى والانفلات الأمني، وتقول إسرائيل إنها تهدف إلى إحباط هجمات «حماس» والفصائل المسلحة الأخرى.

ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، قُتل أكثر من 750 فلسطينياً، في حين قتل مسلحون 4 جنود إسرائيليين. ويقول فلسطينيون أيضاً ​إن القوات ​الإسرائيلية توسع المنطقة التي تسيطر عليها. وتنفي إسرائيل ذلك.


مأزق «حزب الله»: ضغط سياسي وعسكري يهدد بارتداده على الداخل اللبناني

مقبرة جماعية لمقاتلي «حزب الله» في منطقة الشويفات بجبل لبنان (أ.ب)
مقبرة جماعية لمقاتلي «حزب الله» في منطقة الشويفات بجبل لبنان (أ.ب)
TT

مأزق «حزب الله»: ضغط سياسي وعسكري يهدد بارتداده على الداخل اللبناني

مقبرة جماعية لمقاتلي «حزب الله» في منطقة الشويفات بجبل لبنان (أ.ب)
مقبرة جماعية لمقاتلي «حزب الله» في منطقة الشويفات بجبل لبنان (أ.ب)

يواجه «حزب الله» مرحلة دقيقة مع تقاطع الضغوط العسكرية على الأرض والتحولات السياسية الداخلية والإقليمية المتسارعة؛ ففي حين أثبتت الحرب الحالية أن الحزب لم يصل إلى مرحلة الانهيار، فإن الوقائع تثبت أنه بات في «مأزق سياسي وعسكري»، ما من شأنه أن يعكس ردة فعل على الداخل اللبناني تصل إلى محاولة متجددة لإسقاط حكومة نواف سلام وقراراتها المرتبطة بنزع سلاحه.

مأزق «حزب الله»

ويرى مدير مركز «المشرق للدراسات الاستراتيجية»، الدكتور سامي نادر، أن «(حزب الله) يواجه مأزقاً عميقاً على أكثر من مستوى؛ إذ لم ينجح الخيار العسكري في تحقيق أهدافه، فيما لم يتمكن المسار الدبلوماسي الإيراني حتى الآن من إحداث خرق يُذكر»، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الفشل المزدوج وضع الحزب في حالة انسداد واضحة، رغم محاولاته إعادة تنظيم صفوفه وإظهار قدرته على الاستمرار في المواجهة».

وفيما يتحدث عن استمرار المواجهات العسكرية، لافتاً إلى استمرار التوغل الإسرائيلي، الذي يعكس عجزاً عن فرض توازن ردع جديد، يشير إلى واقع لـ«حزب الله» الداخلي، حيث «خسر الغطاء الشرعي الذي كانت تؤمّنه له الحكومة اللبنانية، كما أخفق في الضغط عبر الشارع؛ إذ لم تنجح التحركات في إسقاط الحكومة أو تعديل مسارها، ما يعني أن الأدوات السياسية لم تعد فعالة».

«المظلة الإيرانية»

بدوره، يتحدث الباحث في مؤسسة «كارنيغي» مهند الحاج علي عن «الأهداف الاستراتيجية لـ(حزب الله) في هذه الحرب التي تتمثل، أولاً بالانضمام إلى مظلة إيرانية لوقف إطلاق النار، في ظل إصرار إيران على ذلك كجزء من أي اتفاق مع الولايات المتحدة وإسرائيل»، أما الهدف الثاني فهو «إسقاط حكومة نواف سلام وقرارات نزع سلاح الحزب، لأن تغيير الحكومة يتيح له التأثير في مسار العهد»، مضيفاً: «وبالتالي، فإن هذين الهدفين يلتقيان مع الأهداف الإسرائيلية من حيث النتائج؛ إذ تسعى إسرائيل إلى احتلال الجنوب وفرض منطقة عازلة، وهو ما يتحقق في ظل عدم قدرة الحزب على الحفاظ على هذه المناطق. وفي المقابل، يمنح هذا الاحتلال الحزب مبرراً للاستمرار بصفته مقاومة. كذلك، تعمل إسرائيل على إضعاف الدولة اللبنانية عبر الاحتلال وفرض شروط كبيرة، وإظهار الحكومة كأنها خاضعة للحزب».

سيدة أمام مبنى مدمر تعرض لقصف إسرائيلي في منطقة كورنيش المزرعة في بيروت (رويترز)

الرهان على الوقت

في ضوء هذا المأزق، لم يعد أمام «حزب الله»، بحسب نادر، سوى اعتماد استراتيجية قائمة على الرهان على عامل الوقت. فالحزب يدرك أنه غير قادر حالياً على تغيير موازين القوى لصالحه، سواء عسكرياً أو سياسياً، لذلك يتجه إلى انتظار متغيرات خارجية قد تعيد خلط الأوراق. وبذلك، ينتقل من موقع المبادرة إلى موقع الترقب، في محاولة لإدارة الأزمة بدل حسمها، مع ما يحمله ذلك من مخاطر استمرار الاستنزاف.

«أزمة داخلية»

وبانتظار ما ستؤول إليه نتائج المفاوضات، يرى الحاج علي أن «(حزب الله) يستمد قوته من نتائج العملية الإسرائيلية؛ إذ إن دخول الحكومة في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل يضعها في موقع ضعيف، باعتبار أن الحكومة تفاوض على ورقة لا تملكها، فيما يربط الحزب موقفه بالموقف الإيراني، سواء من حيث التوقيت أو الشروط، وبالتالي قد نشهد أزمة داخلية في المرحلة المقبلة، وهو ما سيظهر عبر محاولة متجددة من جانب (حزب الله) لإسقاط الحكومة لما يوفره ذلك من راحة استراتيجية له على المدى المتوسط، مع احتمال حصول تحركات على الأرض وفتح ملف حصر السلاح».

ورغم ذلك، يرى الحاج علي «أنه يمكن للحكومة التي تتمتع بعلاقات عربية أن تحاول الوصول إلى حل وسط يقوم على حصر السلاح بشكل تدريجي، بالتوازي مع تعزيز دور الدولة، وهو أمر ليس بعيداً، وتوجد مؤشرات عليه».

مواطن نازح في مركز للنزوح في منطقة صيدا بجنوب لبنان (رويترز)

التصعيد العسكري: استنزاف وتراجع هجومي

كما في السياسة، كذلك على الأرض، يتعرض الحزب لضغط مستمر على الجبهة الجنوبية، خصوصاً في مناطق مثل بنت جبيل، مع خسائر بشرية ومادية وتدمير واسع، إلى جانب سيطرة الجيش الإسرائيلي على أراضٍ جنوب الليطاني.

وفي هذا الإطار، يرى اللواء المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي أن مسار المواجهة يشهد تحولاً نحو تراجع في العمليات الهجومية مقابل تصاعد منطق الاستنزاف، حيث لم يعد الهدف تحقيق اختراقات ميدانية كبيرة بقدر ما بات التركيز على إدارة المعركة ضمن سقف الإمكانيات المتاحة.

ويشير إلى أن القصف باتجاه الداخل الإسرائيلي تراجع، وأصبح يتركّز أكثر على استهداف القوات داخل الأراضي اللبنانية، مع اعتماد استهدافات محدودة، ما يعكس تراجع القدرة على الإسناد الناري المكثف.

كما يلفت إلى أن التقدم الإسرائيلي باستخدام وحدات مدرعة فرض تراجع الحزب إلى خطوط خلفية لتفادي خسائر كبيرة، من دون أن يعني ذلك خروجه من المعركة، بل تكيفه مع طبيعة المواجهة. ويؤكد أن الحزب لا يستطيع خوض حرب تقليدية، لكنه لا يزال قادراً على تنفيذ عمليات محدودة تُبقي الجيش الإسرائيلي في حالة استنزاف دائم، خصوصاً في القتال داخل المناطق المأهولة.

الحسم السياسي

في المحصلة، يؤكد شحيتلي «أن ما يجري هو حرب استنزاف مفتوحة من دون حسم، حيث يتكبد الطرفان خسائر مستمرة. إلا أن القرار الحاسم لا يبقى عسكرياً، بل سياسياً؛ إذ يرتبط وقف القتال بنتائج المفاوضات، ولا سيما بين الولايات المتحدة وإيران».

ويرى أن «(حزب الله) سيستمر في هذا النمط من القتال إلى حين صدور قرار سياسي من إيران بوقفه، أما في غياب هذا القرار، فسيبقى الاستنزاف هو المسار السائد».