الهزّة الأرضية ترعب اللبنانيين: كل المباني القديمة معرّضة للسقوط

أكثر من 16 ألف مبنى مهدّد بالانهيار… والطيران الإسرائيلي يرفع المخاطر

تحذير من الاقتراب من مبنى مهدد بالسقوط في لبنان (أرشيفية)
تحذير من الاقتراب من مبنى مهدد بالسقوط في لبنان (أرشيفية)
TT

الهزّة الأرضية ترعب اللبنانيين: كل المباني القديمة معرّضة للسقوط

تحذير من الاقتراب من مبنى مهدد بالسقوط في لبنان (أرشيفية)
تحذير من الاقتراب من مبنى مهدد بالسقوط في لبنان (أرشيفية)

أثارت الهزّة الأرضيّة القوية التي ضربت سوريا ووصلت إلى لبنان الذعر في نفوس اللبنانيين، الذين استعادت ذاكرتهم الزلزال المدمّر الذي ضرب تركيا وسوريا في 6 فبراير (شباط) 2023، وخلّف آلاف القتلى والجرحى، وخشيتهم من سقوط آلاف المباني القديمة في العاصمة بيروت والمدن الكبرى، وهو ما حذرت منه «الهيئة اللبنانية للعقارات»، التي تحدّث بشكل علمي عن «خطر انهيار المباني المهددة بالسقوط، ولا يقلّ عددها عن 16 ألف مبنى، دون احتساب المباني التي تضررت جراء انفجار المرفأ في بيروت». وذكرت «الهيئة» بالمباني الأخرى في طرابلس التي «تضررت جراء الهزة الكارثية التي ضربت تركيا وسوريا، بالإضافة إلى المباني التي تضررت أو تهدمت مجدداً بفعل الحرب على المناطق الجنوبية».

وأعلنت «الهيئة» أن «المناطق الأعلى نسبة في وضع أبنيتها هي في محافظة بيروت ومنطقة الشمال وطرابلس... وهناك عوامل عدة، سبق أن تطرقت إليها (الهيئة)، بفعل التغير المناخي الذي انعكس على الخرسانة ومتانة الأبنية والإسمنت. بالإضافة إلى الأبنية قديمة العهد التي غابت عنها الصيانة الدورية بسبب قوانين الإيجارات القديمة أو بسبب تصنيف بعضها بـ(مبانٍ تراثية)، أو بسبب المخالفات والتعديات، وأبنية لم تعالَج بشكل تقني مدروس بعد الحروب الدامية التي استمرت سنوات»، مذكرة بـ«تمركز لبنان على خريطة فالق الزلازل، وهذا عامل موجود».

وتطرقت «الهيئة» أيضاً إلى «خطر النزوح الداخلي للمواطنين هرباً من المناطق غير الآمنة والخطرة بسبب العدوان، واللجوء إلى مناطق أخرى مفترض أن تكون آمنة»، وأيضاً إلى «وجود النازحين السوريين، ومعظمهم لجأوا إلى مناطق ذات اكتظاظ سكاني، وهي شعبية نوعاً ما، وذات أبنية متلاصقة، وهنا الخطورة؛ لأن معظم هذه الأبنية قنابل موقوتة، وفي كل مرة تزداد خطورتها لعدم إجراء أي ترميم أو تدعيم أو حتى معاينة العقار بشكل مدروس، ناهيك بأصوات (اختراق جدار الصوت) من الطائرات المعادية (الإسرائيلية)، التي تشكل خطراً وتساهم في زيادة حصيلة التصدعات والتشققات وانهيار بعض أجزاء المباني والشرفات والأسقف».

أما في مسألة المعالجة قبل وقوع الكارثة، فأكدت «الهيئة اللبنانية للعقارات» على «ضرورة إجراء مسح جدي من البلديات التي ما زالت متأخرة في إعطاء أرقام نهائية وجدية لعدد المباني المهددة بالسقوط، فهذا سيقلل من الخطورة، وسيسمح بتقييم وضع الأبنية من (الأكثر خطورة) إلى (الأقل خطورة)، وتحديد مدى قابليتها للترميم أو التدعيم»، معربة عن أسفها لـ«الفوضى والخلل الاقتصادي والمعيشي و(الانضباب) القانوني وغياب الرقابة لحماية المواطن وحقه في أدنى سبل العيش اللائق». ودعت المواطنين إلى «مراقبة أوضاع أبنيتهم، خصوصاً التصدعات والتشققات، وتجنب الوجود تحت الأسقف المتهرئة والناتئة بسبب انتفاخ الورقة الإسمنتية، وحماية أنفسهم من نظرية (كل مواطن خفير نفسه)، والاستعانة بذوي الخبرة من المهندسين والخبراء لحماية أنفسهم من المخاطر التي تحدق بهم».

ومنذ وقوع زلزال تركيا وانعكاساته على لبنان، لحظت بلدية بيروت الخطر المحدق بالأبنية القديمة والتراثية، واستعانت بمكاتب هندسة لتقييم الوضع. وأوضح رئيس بلدية بيروت، عبد الله درويش، لـ«الشرق الأوسط»، أن محافظ بيروت، القاضي مروان عبود، «كلّف في شباط 2023 مكاتب هندسة مختصة، وجرى مسح شامل للمباني القديمة في بيروت والمعرضة لخطر السقوط». وأشار إلى أنه «باتت لدى المحافظ الدراسات الهندسيّة، وهناك تنسيق بين المحافظة و(دائرة الهندسة) في بلدية بيروت، لمعالجة وضع المباني القديمة، حيث يجري التعاطي مع كلّ حالة على حدة، بسبب غياب القدرة على معالجةٍ واحدة وفتح ورشة شاملة». ولفت درويش إلى أن «مسألة النزوح الجديدة والخوف من وقوع حرب صعّبت المهمّة، لكن لم تلغِ الاهتمام بوضع المباني وإن بشكل تدريجي».

من جهته، دقّ أستاذ الهندسة الإنشائية بالجامعة الأميركية في بيروت، الدكتور بلال حمد، ناقوس الخطر، وأفاد بأن «أغلب المباني القديمة التي أنشئت قبل عام 2000 معرضة للسقوط في حال حصل زلزال مدمّر تفوق قوته 6 درجات على مقياس ريختر». وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «المباني القديمة أنشئت بدراسة لتحمّل الأوزان العمودية، لكن الزلزال يحمّل هذه المباني أوزاناً جانبية ومن كل الاتجاهات»، مشيراً إلى أن «كل زلزال تفوق قوته 6 درجات هو زلزال مدمر، خصوصاً إذا طالت مدته واستمر لدقيقة مثلاً»، لافتاً إلى أنه «كلما ارتفع المبنى زادت أوزانه الجانبية وارتفع خطر سقوطه بالكامل»، ونبّه حمد إلى أن «المباني التراثية لن يبقى منها شيء إذا وقع زلزال، وبالتالي لا بد من إقرار قانون موجود في مجلس النواب لترميم هذه المباني من قبل أصحابها شرط السماح لهم ببيع أجزاء من العقار الواقع عليه المبنى ليتمكنوا في ترميمه ويصبح مؤهلاً للسكن ومقاوماً للزلازل».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تتوغل لعزل جنوب لبنان والقبض على مرتفعاته

المشرق العربي لبنانية تحتضن نعش ابنها الذي قتل بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال تشييعه في مدينة صور (أ.ف.ب)

إسرائيل تتوغل لعزل جنوب لبنان والقبض على مرتفعاته

تقدمت القوات الإسرائيلية إلى بلدة دبين الاستراتيجية في قضاء مرجعيون بجنوب لبنان، وذلك في مسعى للوصول إلى ضفاف نهر الليطاني.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي امرأة توزع الحلوى على أطفال في مخيم للنازحين أُقيم بوسط بيروت (إ.ب.أ)

«يونيسف»: الحرب تصيب 11 طفلاً في لبنان خلال يوم

دقّت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) ناقوس الخطر بشأن أوضاع الأطفال في لبنان، كاشفة عن أرقام تعكس حجم الخسائر البشرية المتزايدة في صفوف القاصرين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

تحليل إخباري بين إسقاط الحكومات وفقدان السيطرة: «حزب الله» أمام معادلة سياسية جديدة

منذ دخوله العمل السياسي عام 1992، انتقل «حزب الله» مع مرور السنوات من لاعب نيابي محدود التأثير إلى طرف أساسي في معادلة الحكم اللبنانية.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي تشييع عدد من القتلى الذين سقطوا في غارات إسرائيلية بمدينة صور (أ.ف.ب)

التصعيد الإسرائيلي يعيد الاستهدافات إلى الضاحية الجنوبية لبيروت

تواصل إسرائيل تصعيدها العسكري في لبنان موسعة دائرة الاستهدافات من الجنوب إلى محيط الضاحية الجنوبية لبيروت

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد من قلعة الشقيف شرق مدينة النبطية جراء غارات إسرائيلية تستهدفها (رويترز)

إسرائيل تختبر دفاعات مدينة النبطية بجنوب لبنان وتعزلها عن محيطها

أحرز الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، تقدماً ميدانياً بمحيط مدينة النبطية في جنوب لبنان، ونقل توغلاته إلى شمال نهر الليطاني بيما وسّع الحزام الناري إلى 20 كيلومتراً.

نذير رضا (بيروت)

مفكر مقرّب من نتنياهو: «حزب الله» جر إسرائيل لحرب استنزاف

جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
TT

مفكر مقرّب من نتنياهو: «حزب الله» جر إسرائيل لحرب استنزاف

جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)

في الوقت الذي يطالب فيه الجيش الإسرائيلي بإطلاق يده لتصعيد أكبر في لبنان، خرج البروفسور إيال زيسر، الذي يعدّ اليوم عميد أحزاب اليمين، بموقف سياسي علني ضده؛ يشير فيه إلى أن العمليات الحربية في لبنان باتت خطأ استراتيجياً يلحق أضراراً جسيمة في المصالح الإسرائيلية، ويظهر إخفاقاً شديداً في إدارة الحرب.

وقال زيسر، في مقابلة مع إذاعة إسرائيلية، إن هذه العمليات التي تستهدف بالأساس البيئة الشيعية في لبنان، لن تعود بأي نتيجة إيجابية لإسرائيل، مثلها كمثل المساس بالمواطنين في قطاع غزة؛ فلا هذه أثرت على قيادة «حماس»، ولا تلك أثرت على قيادة «حزب الله». كلاهما عمق الشعور بأنهما ضحية. وهي تؤدي إلى التفاف جماهيري حول «حزب الله» يسهم في إنقاذه من السقوط، بعدما تلقى ضربات قاسية، وتعدّ أيضاً نجاحاً للحزب في جرّ إسرائيل إلى حرب استنزاف غبية لاصطياد جنودها. ويكلف احتلال الأراضي اللبنانية إسرائيل ثمناً باهظاً؛ فقْدها جنودها وأخْذها إلى أماكن بعيدة عن مصالحه.

انتقادات في الجبهة الإيرانية

انتقد زيسر الأداءين الأميركي والإسرائيلي في الجبهة الإيرانية أيضاً، لأنه لم يأخذ في الحسبان مفاهيم وعقائد النظام هناك؛ فقد وضعا هدفاً هو إسقاط النظام، وما دامت الحرب ستنتهي من دون إسقاطه، فإنه سيظهر لشعبه أنه صمد. وهذا الصمود بحد ذاته خطير لأنه يعيد للنظام ثقته بنفسه، رغم كل ما تعرض له من تصفيات وتدمير.

ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة، لأنه جاء مناقضاً بشكل صدامي مع قيادة الجيش الإسرائيلي، التي تتهم الحكومة بتقييد أيديها ومنعها من إكمال مهامها، وتطالب بمنحها فرصة القصف الجارف في بيروت، وعدم اقتصار العمليات على الاغتيالات. وينطلق الجيش في هذا الموقف من ردود الفعل التي تتسم بالنقد الحاد في الشارع الإسرائيلي، حيث يُتهم بالفشل في توفير الأمن لسكان الشمال.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نادي مارالاغو ببالم بيتش فلوريدا - 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

التزام برؤية ترمب

يزعج هذا الموقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لأنه يعارض التصعيد الأكبر؛ ليس بإرادته بل نتيجة لالتزامه بإرادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وهو يقول إن هذا الرئيس، الأفضل لإسرائيل، الذي أثبت أنه يدعمها أكثر من أي رئيس قبله، ويحتاجه نتنياهو لدعمه شخصياً في معركة البقاء التي يخوضها حتى على صعيد معركته القضائية في محاكمة الفساد.

ويدل خروج البروفسور زيسر بهذا الموقف الحاد ضد خطط الجيش، على أن نتنياهو بدأ يمهد لوقف الحرب؛ ليس لأنه يريد وقفها، فهو أكثر من يريد استمرار الحرب؛ لكنه مقتنع بأن الإدارة الأميركية حسمت أمرها لوقف الحرب، على الأقل في هذه المرحلة، عشية افتتاح المونديال والاحتفالات المقبلة في يوليو (تموز) لمناسبة مرور 250 سنة على تأسيس الولايات المتحدة. وهو لا يريد إحراج الرئيس ترمب، الذي يتعرض لحملة في الشارع الأميركي تتهمه بأنه يندفع لهذه الحرب بتأثير نتنياهو، ويفكر في الالتزام بما يريده الرئيس الآن، و«يثق في أن غرور القيادة الإيرانية سيجعلها تخرب أي اتفاق يتم التوصل إليه، وعندها تنفجر الحرب من جديد بسببها، وليس بسبب إسرائيل».

وفي هذه الأثناء، عاد نتنياهو إلى «عقيدة الشك» ليتهم الجيش والدولة العميقة بالتآمر عليه ومحاولة إسقاطه في الانتخابات القريبة، التي ستجري في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. ويرى أنه في هذا الوقت يجب التركيز على الإنجازات التي تحققت في الحرب على كل الجبهات، وليس التورط في مزيد من العمليات الحربية. وراح يستخدم تعابير يستخدمها اليسار الراديكالي في العادة؛ مثل «توسع الحرب يورط إسرائيل في حرب استنزاف»، و«لا يحقق أهداف الحرب». ويتحدث عن ضرورة وجود نفس طويل في إسرائيل، فالمعركة طويلة ولا تحسم بضربة واحدة، وغير ذلك من المواقف غير المألوفة بقاموس نتنياهو.


لبنان وإسرائيل يتقدمان نحو ترتيبات أمنية برعاية أميركية

الجدار الحدودي الفاصل بين لبنان وإسرائيل (أ.ف.ب)
الجدار الحدودي الفاصل بين لبنان وإسرائيل (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل يتقدمان نحو ترتيبات أمنية برعاية أميركية

الجدار الحدودي الفاصل بين لبنان وإسرائيل (أ.ف.ب)
الجدار الحدودي الفاصل بين لبنان وإسرائيل (أ.ف.ب)

أجرى الجيشان اللبناني والإسرائيلي الجمعة محادثات مباشرة لا سابق لها في وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)، ضمن مسار أمني موازٍ للمفاوضات السياسية التي بدأت قبل أسابيع، وتشهد جولة جديدة الثلاثاء والأربعاء المقبلين، رغم مضي إسرائيل في احتلال أجزاء واسعة من لبنان في ظل القتال مع مجموعات «حزب الله».

وكانت الولايات المتحدة استضافت مفاوضين لبنانيين وإسرائيليين في ثلاث جولات من محادثات «المسار السياسي» منذ إعلان وقف النار في منتصف أبريل (نيسان) الماضي. ويهدف الاجتماع إلى إحراز تقدم جوهري على اتفاق إطاري يشمل ترتيبات أمنية برعاية أميركية.

ومع بدء محادثات المسار الأمني في «البنتاغون» صباح الجمعة، حضر وفد لبناني رفيع بقيادة مدير العمليات في الجيش العميد الركن جورج رزق الله، وعضوية العميد الركن زياد رزق الله، والعميد الركن شادي أبو كروم، والعميد الركن وائل عباس، والعقيد مازن الحاج، والعقيد وديع رفول، بالإضافة إلى الملحق العسكري اللبناني في واشنطن العميد الركن أوليفر حاكمة. وحضرت السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض افتتاح هذه المحادثات. في المقابل، قاد الوفد الإسرائيلي رئيس القسم الاستراتيجي لمديرية التخطيط في الجيش عميحاي ليفين.

جنود لبنانيون يحملون نعش الجندي علاء مدلج الذي قتل بغارة إسرائيلية (أ.ف.ب)

وقف النار

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري لبناني أن الوفد «سيشدد على ضرورة وقف إطلاق النار، ويعرض خطة الجيش لحصر السلاح، وبسط سلطة الدولة على الأراضي اللبنانية». وخلال المحادثات، قدم الوفد اللبناني شرحاً مفصلاً عما أدت إليه الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الأراضي اللبنانية، والتي لم تقتصر على «حزب الله». واعتبر أحدهم أن «الهجمات لم تؤدِ إلى النتيجة التي تتوخاها إسرائيل. وبالتالي يجب أن تتولى الحكومة اللبنانية زمام الأمور للقيام بواجباتها فيما يتعلق بالحفاظ على السيادة اللبنانية باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة باحتكار حمل السلاح». وأضاف أن «المدخل إلى ذلك هو الوقف الثابت لإطلاق النار»، والشروع في عملية «خطوة مقابل خطوة».

جنود إسرائيليون يحملون نعش الجندي نوعام همبرغر الذي قتل بمسيرة أطلقها «حزب الله» (أ.ب)

ومع ذلك، واجه مطلب لبنان وقف النار «تحدياً كبيراً» في ظل الدعم الأميركي الواضح للعمليات العسكرية الإسرائيلية ضد «حزب الله». وكرر المسؤولون الأميركيون في الآونة الأخيرة أنه «من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها، وأن تتحرك بحرية لمواجهة تهديدات (حزب الله)».

ويركز الموقف الإسرائيلي على «ضرورة أن تباشر الدولة اللبنانية فوراً في عملية نزع سلاح (حزب الله)». وتطالب إسرائيل أيضاً بإنشاء لجنة تنسيق مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي. وعلمت «الشرق الأوسط» أن الوسطاء الأميركيين، بالإضافة إلى «معالجة الأوضاع الآنية»، يضعون «خططاً استراتيجية مفصلة» يمكن العمل عليها من الجانبين اللبناني، والإسرائيلي، ولا سيما لجهة العمل على «تفكيك» الجناحين العسكري والأمني لـ«حزب الله» باعتباره «أساساً لترتيبات أمنية مستقبلية» تضمن «استعادة لبنان سيادته على كامل أراضيه»، كما تكفل «الأمن التام لإسرائيل، ولا سيما في مناطقها الشمالية».

وناقش المجتمعون اقتراحات عرضت سابقاً على الطرفين، وتشمل إنشاء «آلية مراقبة» لتنفيذ الاتفاقات الأمنية على غرار القوة متعددة الجنسية التي أنشئت في سيناء بعد التوصل إلى اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل.

اتفاق الهدنة

ويأمل الجانب اللبناني اعتماد اتفاق الهدنة لعام 1949 بين لبنان وإسرائيل، فيما لم يؤكد أي مسؤول أميركي بعض التسريبات اللبنانية عن أن المحادثات شملت إنشاء «مناطق نموذجية» تنسحب منها القوات الإسرائيلية وتسليمها للجيش اللبناني، على سبيل الاختبار. فإذا نجحت، يجري الانسحاب من المزيد من المناطق.


إسرائيل تتوغل لعزل جنوب لبنان والقبض على مرتفعاته

لبنانية تحتضن نعش ابنها الذي قتل بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال تشييعه في مدينة صور (أ.ف.ب)
لبنانية تحتضن نعش ابنها الذي قتل بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال تشييعه في مدينة صور (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تتوغل لعزل جنوب لبنان والقبض على مرتفعاته

لبنانية تحتضن نعش ابنها الذي قتل بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال تشييعه في مدينة صور (أ.ف.ب)
لبنانية تحتضن نعش ابنها الذي قتل بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال تشييعه في مدينة صور (أ.ف.ب)

تقدمت القوات الإسرائيلية إلى بلدة دبين الاستراتيجية في قضاء مرجعيون بجنوب لبنان، وذلك في مسعى للوصول إلى ضفاف نهر الليطاني، وعزل المناطق المحتلة في الجنوب عن البقاع وجزين، والسيطرة على تلال ومرتفعات تمنع إطلاق النار باتجاه مناطق وجودها في شرق مدينة النبطية.

توغل خارج الخط الأصفر

ويُعد هذا التوغل، أوسع اندفاعة خارج «الخط الأصفر» الذي كان الجيش الإسرائيلي قد أعلنه في وقت سابق، إذ تخطى سهل مرجعيون انطلاقاً من نقاط وجوده في مدينة الخيام، بعدما انسحب الجيش اللبناني من مدخل الخيام الشمالي إثر التصعيد الإسرائيلي، حسبما أفادت وسائل إعلام محلية. ومَهّد الجيش الإسرائيلي للتوغل إلى دبين بعشرات القذائف المدفعية التي استهدفت البلدة، فضلاً عن غارات جوية.

وبدا ذلك التوغل متوقعاً، بعدما نفذت القوات الإسرائيلية توغلين سابقين إلى البلدة عشية دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 17 أبريل (نيسان) الماضي، أولهما من سهل مرجعيون باتجاهها، والثاني من أطراف بلدة إبل السقي باتجاه المرتفعات الشرقية للبلدة.

الدخان يتصاعد جراء غارة جوية استهدفت بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (د.ب.أ)

ويسعى الجيش الإسرائيلي من خلال هذا التوغل للوصول إلى مجرى نهر الليطاني في بلدة بلاط، التي تتصل وديانها بمجرى النهر في الخردلي، وإحكام الطوق تماماً على المنطقة التي يسيطر عليها، بما يعزل المناطق التي يحتلها بجنوب لبنان عن مناطق جنوب وشرق لبنان، وهي مناطق الإمداد بالمقاتلين إلى المنطقة المحتلة، حسبما تقول مصادر محلية، لا تستبعد أن يتوقف التقدم عند هذا الحد، وربما يتوسع باتجاه وديان برغز أو منطقة الدلافة التي استهدفت إسرائيل جسرها فوق نهر الليطاني، وتربط مناطق جزين والبقاع الغربي والجنوب في نقطة استراتيجية.

مجرى الليطاني

وقالت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط» إن هذا التقدم باتجاه دبين، «يشير إلى نية القوات الإسرائيلية الوصول إلى مجرى الليطاني في مرحلة أولى»، لافتة إلى أن ذلك «يعني أن هناك مساعي للإمساك بمناطق العيشية والخردلي وتلة المحمودية» التي تعرضت لقصف متكرر أسبوعياً خلال الأشهر الـ15 بين نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 و2 مارس (آذار) الماضي، وهو تاريخ تجدد القتال المتبادل. وقالت المصادر إن هذه المناطق «تتمتع بمرتفعات استراتيجية، وتتصل بمناطق جزين والبقاع الغربي عبر وديان وتلال»، علماً بأن تلك المناطق تقول إسرائيل إنها تتضمن أنفاقاً لـ«حزب الله»، ويُطلق منها صواريخ باتجاه إسرائيل.

وتعد مناطق المحمودية والعيشية ومجرى نهر الليطاني في بلاط، خط إطلاق الصواريخ والمسيرات باتجاه تموضعات القوات الإسرائيلية في أرنون ويحمر الشقيف الواقعة شرق النبطية. ويتضح أن التوغلات الجديدة تسعى لإطباق الاحتلال على المناطق المرتفعة لعزل المنطقة المحتلة بالنار عن العمق اللبناني، كما كان الوضع قبل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000.

إسرائيليون يشاركون في تشييع جندي إسرائيلي قتل في جنوب لبنان (رويترز)

ويتعزز هذا التقدير بقول المصادر الأمنية إن هذا التقدم الذي يمهد لمخطط الوصول إلى ضفاف الليطاني، «يعني محاولة للوصول إلى تلة علي الطاهر» التي تعرضت لقصف واسع في مرحلة سابقة، وهي أعلى التلال المشرفة من جهة الغرب على مدينة النبطية، أما من جهة الشرق فهي تشرف على خط الخردلي. وتشير المصادر إلى أن طريق النبطية - مرجعيون «قطعته إسرائيل بالنار من جهة الخردلي»، مما يهدد بتمدد إسرائيلي باتجاه تلة علي الطاهر، مما يوصل مناطق نفوذ القوات الإسرائيلية في قلعة الشقيف، بتلال شرق النبطية والخردلي.

محيط النبطية

وعلى جبهة قريبة، وبعد تقدم الجيش الإسرائيلي في بلدتي زوطر الشرقية ويحمر الشقيف، بات جزء من المناطق المشرفة على مدينة النبطية ساقطاً عسكرياً، وسط محاولة لإحكام السيطرة على تلك المرتفعات. ورُصدت نحو أربعين آلية عسكرية إسرائيلية في بلدة يحمر، تنوعت بين دبابات وآليات لوجستية وغيرها.

وقالت المصادر الأمنية إن هذا العدد من الآليات «لا يؤشر إلى استعدادات للتقدم باتجاه النبطية» التي تبعد نحو 5 كيلومترات عبر مسالك الطرقات، مما يعني أن الخطة الإسرائيلية، حتى الوقت الراهن، «تقتصر على استكمال السيطرة على التلال المرتفعة».

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت جنوب لبنان (رويترز)

في غضون ذلك، يتواصل إفراغ الجنوب من السكان، وأصدر الجيش الإسرائيلي الجمعة، إنذاراً بإخلاء مناطق واسعة بينها بلدتي الصرفند والبيسارية التي لا يزال يقيم فيهما عشرات الآلاف، ودعا السكان إلى إخلاء منازلهم فوراً والتوجه إلى شمال نهر الزهراني. ونفذ عدة ضربات في البلدات المستهدفة بالإنذارات، كما في مواقع أخرى، ومن بينها نقطة لفرق إسعاف الهيئة الصحية في معروب، كما أغار الطيران الحربي على أرنون ومركز الهيئة الصحية في دير قانون النهر قضاء صور، إضافة إلى غارات استهدفت النبطية وشوكين وكفررمان وزبدين ومحيط حبوش وميفدون وكفرجوز وعين قانا وطيردبا. كما طاول قصف مدفعي محيط قلعة الشقيف أرنون ودبين وكفرتبنيت وعبا وجبشيت وحرج علي الطاهر.