«روما الرباعي»... زخم يتصاعد نحو هدنة في غزة

بلينكن: واشنطن تعمل يومياً بشكل حثيث للوصول إلى اتفاق

فلسطينيون يحملون جريحاً في مستشفى «شهداء الأقصى» في أعقاب غارة إسرائيلية بدير البلح (رويترز)
فلسطينيون يحملون جريحاً في مستشفى «شهداء الأقصى» في أعقاب غارة إسرائيلية بدير البلح (رويترز)
TT

«روما الرباعي»... زخم يتصاعد نحو هدنة في غزة

فلسطينيون يحملون جريحاً في مستشفى «شهداء الأقصى» في أعقاب غارة إسرائيلية بدير البلح (رويترز)
فلسطينيون يحملون جريحاً في مستشفى «شهداء الأقصى» في أعقاب غارة إسرائيلية بدير البلح (رويترز)

في مسعى جديد لإقرار هدنة ثانية في قطاع غزة، وإنهاء الحرب المستمرة منذ 10 أشهر، يلتقي الوسطاء (قطر ومصر والولايات المتحدة)، في اجتماع رباعي، الأحد، بروما بمشاركة إسرائيلية، وسط مخاوف من «تجدد العراقيل الإسرائيلية». وأعد لـ«اجتماع روما الرباعي» خبراء ضمن زخم يتصاعد وحراك مكثف في مسار المفاوضات يشي بإمكانية أن يكون هناك جديد في مستقبل مفاوضات الهدنة.

ويتوقع الخبراء أن يكون اجتماع روما «إجرائياً» ويناقش «الخلافات» التي من بينها كيفية عودة النازحين وفتح معبر رفح الحدودي؛ لتنفيذ المرحلة الأولى من الهدنة الممتدة إلى 42 يوماً، من بين 3 مراحل تضمنها مقترح الرئيس الأميركي جو بايدن، في مايو (أيار) الماضي، لوقف إطلاق النار في غزة.

ويجتمع الأحد مسؤولون من مصر وقطر والولايات المتحدة وإسرائيل في روما، في «إطار استمرار جهود الوسطاء للوصول لاتفاق هدنة بقطاع غزة»، حسب ما نقلت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية عن مصدر مصري وصفته بـ«رفيع المستوى». ويبحث الوفد الأمني المصري تطورات مفاوضات الهدنة في قطاع غزة، وفق المصدر ذاته، الذي أكد تمسك مصر بضرورة الوصول لصيغة تحمل 4 بنود؛ هي: «وقف فوري لإطلاق النار، وضمان دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، وضمان حرية حركة المواطنين في القطاع، والانسحاب الكامل من منفذ رفح».

مشيعون يُصلّون على أشخاص قتلوا في غارة إسرائيلية في دير البلح وسط قطاع غزة (رويترز)

بلينكن والحراك المكثف

ذكر موقع «أكسيوس» الأميركي، نقلاً عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، أن «اجتماع روما» سيكون بمشاركة مدير وكالة المخابرات المركزية، ويليام بيرنز، ورئيس المخابرات المصرية، عباس كامل، ورئيس الوزراء القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ومدير الموساد، ديفيد بارنياع.

تلك التطورات تشي بـ«حراك مكثف» في طريق المفاوضات قد يؤدي إلى نتيجة، أو يعود إلى سلسلة جديدة من الجولات من دون الوصول لاتفاق، وسط استمرار الانتهاكات الإسرائيلية، وفق ما قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، لـ«الشرق الأوسط».

وقال وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، السبت، خلال اجتماع رابطة «آسيان» في فينتيان، إن واشنطن «تعمل يومياً بشكل حثيث» للوصول إلى اتفاق هدنة، بعد مطالبة الرئيس الأميركي جو بايدن ونائبته كامالا هاريس من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، خلال زيارته لواشنطن، تنفيذ الاتفاق في أقرب وقت ممكن ووقف الحرب، وذلك قبيل الإعلان عن عقد اجتماع بروما.

شكوك في النجاح

وإزاء توالي المواقف الأميركية الضاغطة بشكل أكبر، سواء من بايدن أو هاريس ثم اجتماع روما، يأمل الكثيرون أن يقود هذا الزخم الكبير، إلى اتفاق هدنة جديدة، شريطة أن تكون هناك رغبة إسرائيلية حقيقة في التوصل إلى اتفاق، وفق الخبير في العلاقات الدولية عمرو الشوبكي.

ولا يُتوقع أن يتضمن اجتماع روما «مفاوضات مفصلة حول الفجوات المتبقية، لكنه سيركز بشكل أساسي على الاستراتيجية للمضي قدمًا»، وفقاً لما نقله موقع «أكسيوس» عن مصدر مطلع. وقال المصدر «لم يكن المفاوضون الإسرائيليون متفائلين بأن الاجتماع في روما سيؤدي إلى انفراجة، وشككوا في أن ضغوط بايدن على نتنياهو قد أقنعته بتخفيف بعض مطالبه الصعبة الجديدة في الاقتراح الإسرائيلي المحدث»، في إشارة لما ذكره، الجمعة، مسؤول غربي ومصدر فلسطيني ومصدران مصريان لـ«رويترز» عن سعي إسرائيل إلى «إدخال تعديلات قد تعقّد التوصل إلى اتفاق».

وكانت أهم التعديلات، وفق حديث المصادر الأربعة، بند يتمثل في «مطالبة إسرائيلية بفحص النازحين الفلسطينيين لدى عودتهم إلى شمال القطاع، خشية أن يكون من بينهم مسلحون من حماس أو متعاطفون مع الحركة»، وهو ما ترفضه حماس. وبند آخر تمثل في «احتفاظ الجانب الإسرائيلي بالسيطرة على حدود غزة مع مصر»، وهو ما ترفضه القاهرة بوصفه «يتجاوز أي إطار لاتفاق نهائي ترضى به الأطراف».

فلسطينيون يجلسون بجوار مبنى دمره القصف الإسرائيلي على قطاع غزة في وقت سابق (أ.ب)

الانسحاب الكامل من غزة

ونقلت «وكالة الأنباء الألمانية» عن مصدر قيادي فلسطيني لم تسمه، السبت، أن «حماس» لا تزال على موقفها بضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزة، بما فيه ممر نتساريم ومحور فيلادلفيا، وعدم قبول أي صيغة جديدة لا تتضمن نصاً واضحاً على وقف إطلاق النار.

وإذا لم يتجاوز اجتماع روما عقبات الحكومة الإسرائيلية وشروطها الجديدة، فإن عملية تفاوض ستكون صعبة جداً، وفق تقدير رخا أحمد حسن، متوقعاً ألا يتجاوب نتنياهو مع الموقف المصري - الذي سيضع مطالب القاهرة الـ4 على الطاولة في اجتماع روما - أملاً في إطالة أمد التفاوض لما بعد الانتخابات الأميركية الرئاسية، رغم أن إسرائيل حققت قدراً من أهدافها العسكرية، لكنها تريد المزيد على صعيد الجانب السياسي.

كما يتوقع أن يبحث اجتماع روما نقاط الخلاف في الاتفاق، مثل الانسحاب الإسرائيلي من داخل المدن، واستمرار إسرائيل في السيطرة على معبر رفح وتفتيش النازحين، ودور «حماس» بعد الحرب، بجانب نقاط فرعية مثل أعداد الأسرى.

نصب فلسطينيون خيماً بالقرب من الحدود المصرية بعد فرارهم من المعارك العنيفة في غزة (د.ب.أ)

ويعتقد عمرو الشوبكي أن «المطالب المصرية سوف تنفذ حال الوصول إلى اتفاق، كونها بعضا من كل، ودون ذلك سيماطل نتنياهو ويواصل كسب الوقت». وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لكن هذه المرة الزخم كبير» نحو إقرار هدنة في غزة، وبالتالي فرصة إبرام اتفاق وتحقيق انفراجة قائمة، لكن «نتعامل معها بحذر» في ضوء تكرر تلك المؤشرات مع مسارات تفاوضية سابقة دون الوصول إلى صفقة جادة وحقيقية.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تقتل 16 فلسطينياً في غزة والضفة الغربية

المشرق العربي سيارة الشرطة التي استُهدفت قرب مدخل بلدة الزوايدة (أ.ف.ب)

إسرائيل تقتل 16 فلسطينياً في غزة والضفة الغربية

قال مسؤولون بقطاع الصحة إن القوات الإسرائيلية قتلت 16 فلسطينياً بقطاع غزة والضفة الغربية، في واحد من الأيام التي شهدت تسجيل أكبر عدد من القتلى منذ أسابيع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي عناصر من الشرطة الفلسطينية في أحد شوارع قطاع غزة (الداخلية الفلسطينية)

مقتل ثمانية عناصر شرطة بغارة إسرائيلية في غزة

أفاد مصدر طبي بمقتل ثمانية عناصر من قوات الشرطة في غارة إسرائيلية في قطاع غزة.

المشرق العربي مستوطنون مسلحون في بلدة حوارة بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

مقتل شاب في هجوم للمستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، السبت، مقتل شاب في هجوم للمستوطنين على قرية قُصرة في شمال الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي مقاتلان من «حماس» يحرسان موقعاً سلمت فيه الحركة جثث أربعة رهائن إسرائيليين إلى الصليب الأحمر في خان يونس بغزة (د.ب.أ)

​«حماس» تدعو إيران لعدم استهداف «دول الجوار»

دعت حركة «حماس» اليوم (السبت) إيران لعدم استهداف «دول الجوار» في منطقة الخليج رداً على الغارات الأميركية - الإسرائيلية التي تتعرض لها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيات يبكين أقارب لهن قُتلوا في غارات إسرائيلية على مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (رويترز) p-circle

مقتل 6 فلسطينيين في غارة إسرائيلية على مدينة غزة

قال مسؤولون في قطاع الصحة، إن غارةً جوية إسرائيلية وقصفاً بالدبابات أسفرا عن مقتل 6 فلسطينيين، بينهم امرأتان وفتاة في مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة - غزة)

جدل في لبنان بعد تهديد مسؤول في «حزب الله» للحكومة

الدخان يتصاعد في ضاحية بيروت الجنوبية من جرَّاء غارات جوية إسرائيلية استهدفتها (رويترز)
الدخان يتصاعد في ضاحية بيروت الجنوبية من جرَّاء غارات جوية إسرائيلية استهدفتها (رويترز)
TT

جدل في لبنان بعد تهديد مسؤول في «حزب الله» للحكومة

الدخان يتصاعد في ضاحية بيروت الجنوبية من جرَّاء غارات جوية إسرائيلية استهدفتها (رويترز)
الدخان يتصاعد في ضاحية بيروت الجنوبية من جرَّاء غارات جوية إسرائيلية استهدفتها (رويترز)

دفع التصعيد الكلامي الذي فجّره نائب رئيس المجلس السياسي في «حزب الله» محمود قماطي، المشهد السياسي اللبناني إلى واجهة التوتر مجدداً، في لحظة شديدة الحساسية تتقاطع فيها تداعيات المواجهة الإقليمية مع الانقسام الداخلي حول دور الدولة وسلاح الحزب.

وهاجم قماطي الحكومة اللبنانية متهماً إياها بـ«العجز عن تحقيق أي إنجاز من دون دور المقاومة»، واصفاً أداءها بـ«المتخاذل والمتواطئ». وشدد قماطي في حديث لقناة «الجديد» المحلية، الاثنين، على أنه «عندما تنتصر المقاومة وتفرض شروطاً أفضل في مواجهة العدو، سيكون أمام الحكومة خياران: الاعتذار من الشعب اللبناني ومن المقاومة، والتراجع عن قراراتها، أو مواجهة تسونامي شعبي قد يؤدي إلى إسقاطها وإسقاط شرعيتها».

توضيح لاحتواء الجدل

وأثارت هذه التصريحات موجة واسعة من الجدل، ما استدعى توضيحاً من مكتب قماطي، قال فيه إن التصريح «يفتقد إلى الدقة وقد أُخرج من سياقه المقصود».

وقوبلت تصريحات قماطي برفض سياسي واضح؛ إذ قال عضو «كتلة الجمهورية القوية» النائب ملحم الرياشي لـ«الشرق الأوسط»: «هذا كلام مرفوض ومردود، وأي تهديد لأي لبناني في هذه الظروف خصوصاً هو معيب». أما عن الحكومة، فقال الرياشي: «إننا نعتبرها حكومة الاستقلال الثالث، وهي بأكثريتها مع رئيسها ورئيس الجمهورية تمثل معظم شعب لبنان الطامح إلى تحييد بلده عن حروب الآخرين، وإلى بناء دولة حديثة تخدم مصالح شعبها، لا مصالح دول أخرى».

حملة ممنهجة تعيد أجواء 2005

بدوره، أكد النائب وضاح الصادق لـ«الشرق الأوسط»، أن «الوقائع باتت واضحة ولا يمكن إنكارها؛ خصوصاً مع وجود تسجيلات مصوّرة تُظهر مضمون الخطاب وتحريض قماطي بشكل صريح»، معتبراً أن «ما نشهده اليوم هو بداية حملة منظمة تُعيد إلى الأذهان أجواء التخوين والتهديد التي سبقت عام 2005».

وقال الصادق إن «هذه الحملة تقوم على ترهيب سياسي وإعلامي، وقد طالت تهديداتها رئيس الحكومة وعدداً من النواب، وأنا من بينهم»؛ مشيراً إلى أن «التهديدات تصل عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل، إضافة إلى اتصالات مباشرة من أرقام معروفة، ما يعكس اتساع دائرة الضغط»، آملاً «ألا تتجه الأمور إلى تصعيد أخطر، ولكن المؤشرات الحالية تدل على وجود حملة ممنهجة هدفها إسكات الأصوات المعارضة وفرض واقع سياسي بالقوة».

متطوعون في سوق الطيب يحضرون وجبات للنازحين بسبب الحرب الإسرائيلية (رويترز)

وشدد على أن «الرد على هذه الضغوط يكون بالتمسك بالدولة ومؤسساتها، وفي مقدمتها الجيش اللبناني الذي نثق بقدرته على حفظ الأمن والاستقرار»، مؤكداً «الاستمرار في المسار السياسي الذي انطلق عام 2005، رغم ما واجهه من محطات صعبة وعنف سياسي في مراحل مختلفة»، معتبراً أن «لبنان يمر بمرحلة مفصلية مع التغييرات التي شهدتها السلطة خلال العامين الأخيرين. وهناك مسار يجب استكماله نحو ترسيخ سلطة الدولة».

وانتقد «محاولات فرض واقع سياسي من قبل جهات مسلحة خارج إطار الدولة»، قائلاً: «لا يمكن القبول بأن تفرض مجموعة مسلحة رؤيتها على كامل البلاد، بينما تتهم الآخرين بالخيانة، في وقت تعلن هي ارتباطها بجهات خارجية».

وكشف أن «تحركات قضائية بدأت بالفعل، وهناك إخبارات يتم تقديمها تباعاً»، مؤكداً: «نحن بصدد التحرك أمام القضاء؛ خصوصاً فيما يتعلق بالتهديدات المباشرة التي تصلنا، سواء عبر الاتصالات أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبعضها صادر عن جهات معروفة وغير مستترة».

دعوة إلى تحرّك قضائي

وفي سياق الردود أيضاً، كتب نائب رئيس مجلس الوزراء السابق، النائب غسان حاصباني، عبر حسابه على منصة «إكس»: «كلام محمود قماطي الذي يهدد الحكومة بمواجهة معها بعد انتهاء الحرب، ويتهمها بالخيانة، يكشف بوضوح نوايا الحزب الحقيقية بالتمرد على الدولة والانقلاب عليها».

ورأى أنه «على النيابات العامة التحرّك فوراً، بناءً على هذا التصريح الصادر عن قيادي في منظمة خارجة عن القانون ومتمردة على الدولة، كما يجب على الوزراء الذين يمثلون هذه المصالح الانسحاب من الحكومة إذا كانت مرجعياتهم تصفها بـ(الخائنة)».

تحييد العمل الإنساني

وفي موازاة التصعيد السياسي، برزت دعوات رسمية إلى تحييد الجهد الإنساني عن التجاذبات. ونقلت وسائل إعلام محلية عن وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية، فادي مكي، تأكيده على «ضرورة تنحية السجالات جانباً، والتوجّه جميعاً لخدمة النازحين وتلبية احتياجاتهم».


بين الرسالة الإنسانية ونيران الحرب: المسعفون بمرمى الاستهداف في جنوب لبنان

أقارب وزملاء المسعف يوسف عساف من الصليب الأحمر اللبناني يحملون نعشه خلال جنازته في مدينة صور بجنوب لبنان 11 مارس 2026 (رويترز)
أقارب وزملاء المسعف يوسف عساف من الصليب الأحمر اللبناني يحملون نعشه خلال جنازته في مدينة صور بجنوب لبنان 11 مارس 2026 (رويترز)
TT

بين الرسالة الإنسانية ونيران الحرب: المسعفون بمرمى الاستهداف في جنوب لبنان

أقارب وزملاء المسعف يوسف عساف من الصليب الأحمر اللبناني يحملون نعشه خلال جنازته في مدينة صور بجنوب لبنان 11 مارس 2026 (رويترز)
أقارب وزملاء المسعف يوسف عساف من الصليب الأحمر اللبناني يحملون نعشه خلال جنازته في مدينة صور بجنوب لبنان 11 مارس 2026 (رويترز)

عندما توجّه يوسف عسّاف إلى مدينته صور لمباشرة عمله مسعفاً مع الصليب الأحمر اللبناني، لم تتوقع زوجته جندارك بطرس أن تكون تلك رحلته الأخيرة، بعدما توفي متأثراً بجروح أصيب بها جراء غارة إسرائيلية أثناء مهمة إسعاف في جنوب لبنان.

وتجد الطواقم الطبية نفسها في صلب المواجهات بين «حزب الله» وإسرائيل؛ إذ لم تعد بمنأى عن الضربات، إذ أحصت وزارة الصحة اللبنانية مقتل 38 من العاملين في القطاع الصحي منذ الثاني من مارس (آذار)، بينهم عسّاف.

وتروي جندارك (32 عاماً)، التي نزحت إلى أقصى شمال لبنان وتقيم لدى أقاربها، أنها لم تصدّق خبر إصابة زوجها في التاسع من مارس أثناء عمله.

وتقول بطرس التي تعمل مدرّسة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» عبر الهاتف: «اتصل بنا أحد من الدفاع المدني الساعة العاشرة والنصف ليلاً، وقال لنا إن يوسف في المستشفى لكنه بخير، شعرنا بالصدمة».

وتضيف: «لم أقم بأي ردّة فعل، بقيت أصلي وأقول بقلبي لن يصيبه مكروه». لكن الشاب البالغ 35 عاماً، فارق الحياة بغضون يومين.

ونعته وزارة الصحة التي قالت إنه قُتل «متأثراً بجراح أصيب بها إثر استهداف العدو الإسرائيلي سيارة الإسعاف التي كان يتوجه فيها مع زميله الذي جرح أيضاً للقيام بمهمة إنقاذية في بلدة مجدل زون قضاء صور».

تقول بطرس إن خبر وفاته جاءها كالصاعقة. تروي الأم لثلاثة أطفال بينهم رضيعة تبلغ أربعة أشهر: «أعطوني حقنة أو حبّة مهدئ، لا أعرف ماذا حصل معي، وقعت على الأرض وكنت أتخبط».

وتضيف: «ما حصل غير قانوني ولا أحد يقبل به في الأرض كلها»، متسائلة: «كيف يجرحون أو يقتلون مسعفين ينقذون الناس؟ ليسوا مسلحين ولا محزبين».

يؤكد الأمين العام للصليب الأحمر جورج كتانة في اتصال مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن فرقهم لا تتحرك في جنوب لبنان إلا بعد تبليغ الجيش اللبناني وقوة الأمم المتحدة، لكن يشدّد على ضرورة «تأمين مسار آمن» لتحرّك مسعفيهم على الأرض، «لأننا حياديون وغير متحيزين ومستقلون يهمنا أن يبقى هناك ممر آمن ومسار آمن».

وقال إن الصليب الأحمر أرسل كتاباً لوزارة الخارجية لتتواصل مع الأمم المتحدة «بخصوص حماية الطواقم الطبية وحماية الشارة وتأمين مسار آمن».

أعضاء من الصليب الأحمر اللبناني يعملون في مركز إغاثة طبية لمساعدة النازحين بيروت 16 مارس 2026 (رويترز)

«قصف متواصل»

وأثارت الضربات المتكررة على العاملين في القطاع الصحي مخاوف واسعة لدى كثيرين منهم، على غرار منى أبو زيد (59 عاماً) التي تدير مستشفى تابعاً لجمعية النجدة الشعبية في منطقة النبطية في جنوب لبنان، يضمّ 95 عاملاً من أطباء وممرضين ونحو 25 مسعفاً.

تقول: «نشعر بالخوف على مسعفينا الذين يتنقلون لنقل الجرحى، نخاف عليهم، نحن نأكل ونشرب معهم ونجلس ونتحدث معهم... الخوف موجود».

تضيف أبو زيد أن وتيرة القصف المتواصل تزيد عملهم صعوبة. وتقول: «الوضع صعب جداً... هناك قصف متواصل»، مؤكدة: «يسقط مدنيون، منذ أيام وصلتنا أشلاء طفلة، إلى أي مدى بإمكاننا تحمّل هذا الضغط؟».

وتفاقمت المخاوف بعد مقتل 12 عاملاً صحياً في غارة استهدفت مركزاً للرعاية في بلدة برج قلاويه في جنوب لبنان. وأعلنت الهيئة الصحية الإسلامية التابعة لجماعة «حزب الله» أن المركز تابع لها.

تقول فاطمة شومر (37 عاماً) النازحة في صيدا وأرملة ممرض قضى في الضربة: «لا أعرف لماذا استهدفوهم، لم يكونوا عسكريين...حتى ولو كانوا يدعمون (حزب الله)، لكنهم أطباء وممرضون يساعدون الأطفال وجميع الناس».

واتهم الجيش الإسرائيلي «حزب الله» باستخدام سيارات الإسعاف «استخداماً عسكرياً واسعاً»، في وقت تتهم وزارة الصحة اللبنانية الجيش الإسرائيلي باستهداف «مركّز للطواقم الإسعافية خلال أدائهم مهامهم الإنقاذية على خطوط النار».

ويقول الباحث في منظمة «هيومن رايتس ووتش» رمزي قيس إن القانون الدولي يحرّم استهداف الأطباء والممرضين والمسعفين وسيارات الإسعاف في ظلّ غياب دلائل دامغة على ارتكابهم أعمالاً خارج إطار مهامهم الإنسانية.

يشرح قيس لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أنه بموجب القانون الدولي، يتعيّن على الجيش الإسرائيلي «أن يوجه تحذيراً بوقف هذا الاستخدام» إن وجد، موضحاً أنه «لم يقدّم أي دليل يثبت» أن تلك المراكز أو السيارات التي استهدفها تُستخدم لأغراض عسكرية.

أقارب يوسف عساف المتطوع في الصليب الأحمر اللبناني الذي قُتل بغارة جوية إسرائيلية يشاركون في جنازته بمدينة صور الساحلية الجنوبية 11 مارس 2026 (أ.ب)

«لا محرمات»

منذ بدء الحرب، أحصت وزارة الصحة 53 هجوماً على الجمعيات الإسعافية و13 على مراكز طبية وإسعافية و30 آلية وخمسة مستشفيات.

يشير قيس إلى أن المنظمة وثَّقت في 2024 «هجمات متكررة على سيارات إسعاف ومراكز للدفاع المدني ومستشفى؛ ما أدى إلى مقتل عاملين في المجال الطبي، وهي أفعال ترقى إلى جرائم حرب».

يضيف: «النمط الذي نشهده اليوم يثير القلق؛ لأنه يشبه إلى حد كبير ما حدث بين أكتوبر (تشرين الأول) 2023 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2024» حين أحصت المنظمة مقتل 220 من العاملين في القطاع الصحي.

وبغضّ النظر عن توجههم «لا ينبغي أن يكون المدنيون العاملون في القطاع الصحي هدفاً»، وفق قيس.

يعتري القلق المسعف ناصر عجرم من الجمعية الطبية الإسلامية وهي جمعية أهلية في مدينة صيدا، على الرغم من إصراره على مواصلة رسالته الإنسانية. ويقول: «أول أمس ضربوا مركزاً، قتلوا أطباء وممرضين... لم يعد هناك محرمات».

ويضيف الرجل البالغ 57 عاماً والذي بالكاد يرى عائلته وأحفاده منذ أسبوعين: «هذا مسعف، ينبغي أن تفتح الطريق له وتؤمّن له الحماية، لكن يبدو أن لا حماية الآن».

أما جندارك، فلا تزال تعيش وقع الخسارة التي تقول إنها لا تعوّض، في حين يسأل طفلها ذو السنوات الأربع عن موعد عودة والده.

تقول الأرملة التي تحتفظ بآخر صورة أرسلها زوجها لها قبل وفاته، مرتدياً بزته الحمراء: «كنت أحلم دائماً كيف سنكبر معاً، وأقول له كيف سيصبح كبيراً في السن وأنا أيضاً».

وتتذكّره الآن بحسرة: «كان يحب كرة السلة والتزلج والصيد والبحر. كان يحبّ أن يساعد الناس... قام بالكثير خلال حياته، ورحل».


منخفض جوي يعرقل الحركة في مدن غرب ليبيا

فرق الطوارئ والدعم تواصل نزح المياه من مناطق بغرب ليبيا (مركز طب الطوارئ والدعم)
فرق الطوارئ والدعم تواصل نزح المياه من مناطق بغرب ليبيا (مركز طب الطوارئ والدعم)
TT

منخفض جوي يعرقل الحركة في مدن غرب ليبيا

فرق الطوارئ والدعم تواصل نزح المياه من مناطق بغرب ليبيا (مركز طب الطوارئ والدعم)
فرق الطوارئ والدعم تواصل نزح المياه من مناطق بغرب ليبيا (مركز طب الطوارئ والدعم)

واجهت العاصمة الليبية طرابلس ومدن المنطقة الغربية موجة من الطقس السيئ، والتقلبات الجوية الحادة إثر منخفض جوي عميق، تسبب في هطول كميات قياسية من الأمطار، ما أدى إلى غرق طرق رئيسية وشلل في حركة المرور، وسط استنفار كامل لكافة أجهزة الدولة والفرق الفنية والميدانية.

وقال رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، في بيان مقتضب، مساء الاثنين، إنه يتابع مع الوزارات والهيئات المعنية آلية التنسيق لمجابهة تداعيات سوء الأحوال الجوية، وضمان سرعة الاستجابة للبلاغات الميدانية.

محاولات شفط مياه الأمطار في ترهونة (مركز طب الطوارئ والدعم)

ودعت وزارة الداخلية ومديرية أمن طرابلس، المواطنين، إلى توخي الحيطة والحذر، وتجنب الخروج إلا للضرورة، كما طالبتا السائقين بالقيادة بحذر والالتزام بالسرعة الآمنة، خصوصاً في الطرق التي قد تشهد تجمعات لمياه الأمطار.

بدوره، أعلن وزير الموارد المائية، حسني عويدان، رفع درجة الجاهزية القصوى مع التأكيد على أن وضع السدود والوديان في المنطقة الغربية مستقر حتى الآن، وفق التقارير الميدانية، بينما وجه وزير الإسكان والتعمير، عصام التموني، بفتح قنوات اتصال فورية مع الدفاع المدني والإسعاف لمراقبة المباني المتهالكة، والمشاريع القائمة وضمان سلامة المارة.

كما رفعت وزارة الصحة درجة الاستعداد في المستشفيات والمراكز الطبية كافة، وخصصت أرقام طوارئ للتواصل مع غرفة العمليات المركزية على مدار الساعة.

وأعلنت بلدية طرابلس المركز، الثلاثاء، عطلة رسمية في كافة الدوائر الحكومية والخدمية داخل نطاق البلدية، باستثناء الجهات الحيوية والأمنية، بالتنسيق مع بلديات طرابلس الكبرى ولجنة الأزمة. كما قررت رئاسة جامعة طرابلس بالتنسيق مع اتحاد الطلبة تعليق الدراسة في الجامعة إلى ما بعد عطلة عيد الفطر المبارك نتيجة هذه الظروف الجوية الصعبة.

وشهدت الساعات الماضية تدهوراً ملحوظاً في الوضع الميداني بطرابلس، حيث رصدت فرق الإنقاذ غرق عدد من المركبات عند «كوبري 11 يونيو» والطريق الدائري الثاني والثالث، ما استدعى تدخلاً عاجلاً من جهاز طب الطوارئ والدعم.

وأكد الناطق باسم الجهاز، مالك مرسيط، تلقي نداءات استغاثة عديدة لعالقين داخل سياراتهم في أماكن متفرقة من العاصمة، مشيراً إلى أن الفرق تعمل حالياً على إخراج العائلات العالقة في النقاط الحرجة، وتأمين وصولهم إلى مناطق آمنة.

ورصدت وسائل إعلام محلية توقف حركة المرور في معظم مناطق العاصمة طرابلس، ومحاولات عناصر من جهازي الردع والشرطة القضائية إنقاذ سيارات مواطنين عالقين، بعد غرق الطريق السريع بالمدينة، تزامناً مع حديث مديرية أمن طرابلس عن جهود مشتركة لتصريف المياه، وفتح الطرقات بطريق «عين زارة» بين قوة المهام الخاصة وجهاز دعم الطب والطوارئ.

كما سجلت عدة مناطق أخرى، من بينها عرادة وجزيرة الفرناج، تجمعات مائية ضخمة أدت إلى توقف كامل لحركة السير، بينما شهدت مدينة الزاوية ارتفاعاً كبيراً في منسوب المياه، مما دفع فرع الهلال الأحمر الليبي لإعلان حالة الطوارئ القصوى لدعم السلطات المحلية.

وواصلت فرق شركتي المياه والصرف الصحي والخدمات العامة بطرابلس العمل لشفط المياه، وفتح مسارات التصريف ومعالجة المختنقات المائية في الشوارع الرئيسية والفرعية.

وأصدرت مديرية أمن صرمان تنبيهات عاجلة للسائقين بضرورة تجنب القيادة على الطرق الساحلية والسريعة، نظراً لارتفاع الأمواج وغزارة الأمطار، والابتعاد عن مجاري الأودية والمنخفضات حفاظاً على الأرواح والممتلكات.

فرق الطوارئ والدعم تنزح المياه من مناطق بغرب ليبيا (مركز طب الطوارئ والدعم)

وكان المركز الوطني للأرصاد الجوية قد حذر من استمرار المنخفض الجوي المصحوب برياح قوية، وخلايا رعدية وسقوط حبات البرد، لافتاً إلى أنه من المتوقع أن يتحرك المنخفض تدريجياً خلال يومي الأربعاء والخميس باتجاه مناطق الشمال الشرقي، مما يستوجب الحيطة والحذر في تلك المناطق أيضاً واتباع إرشادات السلامة الصادرة عن الجهات المختصة.

وتوقع المركز سقوط أمطار غزيرة في مناطق الساحل من طرابلس إلى مصراتة، مما قد يؤدي إلى تجمع المياه في المناطق المنخفضة وجريان بعض الأودية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended