المساعدات الغذائية إلى غزة... تعثّر في الإدخال ومخاوف من مجاعة

مسؤول إغاثي فلسطيني تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن وفيات بسبب الجوع

فلسطينيون ينتظرون الطعام من مطبخ خيري وسط نقص الإمدادات الغذائية في رفح (رويترز)
فلسطينيون ينتظرون الطعام من مطبخ خيري وسط نقص الإمدادات الغذائية في رفح (رويترز)
TT

المساعدات الغذائية إلى غزة... تعثّر في الإدخال ومخاوف من مجاعة

فلسطينيون ينتظرون الطعام من مطبخ خيري وسط نقص الإمدادات الغذائية في رفح (رويترز)
فلسطينيون ينتظرون الطعام من مطبخ خيري وسط نقص الإمدادات الغذائية في رفح (رويترز)

10 في المائة فقط من احتياجات غزة الغذائية والطبية تجد طريقها إلى القطاع عبر نافذة شديدة الضيق، إثر إغلاق معبر «رفح»، منذ سيطرة إسرائيل على جانبه الفلسطيني في 7 مايو (أيار)، بينما تدفع الـ90 في المائة الغائبة، السكان إلى المجاعة، وفق ما يقول مسؤولون.

فبالتوازي مع العمليات العسكرية المستمرة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تشن إسرائيل حرباً من نوع آخر على المدنيين، إذ تعرقل إمدادات عربية دولية من المساعدات، وتهدد ما يزيد على مليون نسمة بالموت والمجاعة بحلول منتصف شهر يوليو (تموز) المقبل، وفق تقديرات أممية.

«آلة الحرب هي المستفيد الوحيد من الوضع الحالي، بينما يتضور سكان غزة جوعاً جراء القيود الإسرائيلية على إدخال المساعدات الغذائية»، كما يقول المدير التنفيذي لجمعية «الهلال الأحمر الفلسطيني» في قطاع غزة، الدكتور بشار مراد، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»، أن علامات المجاعة «تتضح يوماً بعد يوم».

يؤكد أيضاً هذا الوضع الصعب، المستشار الإعلامي لـ«الأونروا»، عدنان أبو حسنة، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، مطالباً بـ«حلول عاجلة لوقف شبح المجاعة بقطاع غزة».

هذه الحلول المطلوبة على وجه السرعة لتفادي الكارثة، وفق أبو حسنة، تتمثل في «وقف الحرب، وفتح إسرائيل المعابر وممرات إنسانية، وزيادة حجم المساعدات من نحو 40 شاحنة يومياً على الأقل، إلى الـ600 شاحنة التي كانت تمر قبل الحرب، مع الحاجة لزيادتها في ظل الظروف «الأسوأ بالتاريخ» في قطاع غزة.

ورسم مؤتمر الاستجابة الطارئة الدولية لغزة، الذي عُقد بالأردن قبل أيام، الوضع الكارثي على الأرض بعد 8 أشهر من الحرب، رقمياً، إذ تعرض 60 في المائة من المباني في غزة للتدمير، والأمر نفسه ينطبق على ما لا يقل عن 80 في المائة من المرافق التجارية، فضلاً عن تحوّل مرافق المؤسسات التعليمية والصحية إلى أنقاض.

فلسطينيون فارون من شمال غزة مع توغل الدبابات الإسرائيلية (رويترز)

وفيما يتعلق بالسكان، رصد المؤتمر في بياناته «نزوح أكثر من مليون و700 ألف فلسطيني في القطاع، أي 75 في المائة من السكان، منذ بداية الحرب».

خريطة «شح الغذاء»

تدمير البنى التحتية وإجبار الناس على ترك المنازل، وإغلاق ممرات المساعدات الإنسانية، خلق ما يمكن وصفه بـ«خريطة شح الغذاء» في القطاع، حيث تصبح المعاناة «أكثر قسوة» كلما تحوّل الاتجاه شمالاً، كما يقول أبو حسنة.

وبالتوازي مع شح الغذاء، يواجه سكان قطاع غزة نقصاً شديداً في المياه الصالحة للشرب بعد اجتياح مياه الصرف الصحي ومياه البحر الملحة للخزان الجوفي للقطاع وتلويثه، بجانب نقص شديد في الوقود، وفق أبو حسنة.

هذا الوضع خيم على وجوه وأجساد سكان غزة، إذ يقول أبو حسنة: «نرى هياكل بشرية ينقصها كل شيء. وبسبب شح الغذاء، 90 في المائة من الأطفال يعانون سوء تغذية، والأمهات ليست لديهن القدرة على الرضاعة».

ويضيف: «استمرار الأوضاع الحالية المتمثلة في إدخال مساعدات تشكل 10 في المائة فقط من الاحتياجات، وأحياناً لا تدخل مساعدات لأيام، يجعل الوضع بغزة الأسوأ في التاريخ، وجحيماً لا يطاق».

وتؤكد تصريحات أبو حسنة تقارير أممية متلاحقة، أحدثها صدر في 14 يونيو (حزيران) الحالي عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلّة، ويؤكد أن «جزءاً كبيراً» من السكان في جميع أنحاء غزة يعاني من «الجوع الكارثي».

التقرير لمس الأزمة الكبرى وهي صعوبة إدخال المساعدات المتوفرة بالفعل، في ظل القيود الإسرائيلية، إذ قال إن «نقص الوقود والقيود المفروضة على الوصول، يعرقلان بشدة إيصال المساعدات المنقذة للحياة».

كما تحدث المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، في 12 يونيو، عن «ظروف شبيهة بالمجاعة تواجه نسبة كبيرة من سكان غزة»، لافتاً إلى أن 8 آلاف طفل دون الخامسة «يعانون من سوء التغذية الحاد».

هذه التقديرات تتوافق مع تحذيرات صدرت في أوائل يونيو الحالي، في بيان ثنائي مشترك عن منظمة الزراعة العالمية «الفاو» وبرنامج الأغذية العالمي، بجانب المنسق الأممي، مارتن غريفيث، توقعت أن نصف سكان قطاع غزة «سيواجهون الموت والمجاعة بحلول منتصف يوليو».

فلسطينيون يتسابقون للحصول على أجولة الدقيق من شاحنة مساعدات (رويترز)

توالي البيانات الدولية المحذرة من الوضع في غزة، يرجعه المدير التنفيذي لجمعية «الهلال الأحمر الفلسطيني» في قطاع غزة، إلى «شح كبير في الغذاء ملموس في أرض الواقع».

يقول بشار مراد لـ«الشرق الأوسط»: «المساعدات الحالية 90 منها غذائية وأغلبها دقيق، ورغم ذلك فهي أقل كثيراً من المطلوب، وسط شح في اللحوم والدواجن والخضار».

ويتابع: «ظهرت علامات مجاعة في شمال غزة، وسُجلت وفيات بها، بالإضافة لمدينة دير البلح، بسبب النقص الشديد في المساعدات الغذائية، فضلاً عن صدور تقرير حكومي، الجمعة الماضي، يؤكد وفاة 33 طفلاً بسبب المجاعة، وظهور علامات سوء التغذية على 85 ألف طفل».

أكثر الفئات تضرراً في نقص الغذاء هم الأطفال والنساء خصوصاً الحوامل وكبار السن، وفق مراد، قبل أن يضيف أن «ظاهرة نقص الأوزان بدت واضحة لتفاقم سوء التغذية، وأبلغونا في شمال غزة بأن هناك أزمة كبيرة في الدقيق».

ويمضي قائلاً: «رغم الإنزال الجوي العربي والدولي للمساعدات، فكمياتها لا تكفي، والنقص بالغذاء يزداد»، معتقداً أن «إسرائيل تستخدم الغذاء سلاحاً بالمخالفة للقانون الدولي، وتعرض سكان القطاع للمجاعة عبر منع دخول المساعدات».

امرأة تقوم بإعداد الطعام بجانب أطفالها في رفح (رويترز)

مسار الإمدادات

يقترب المسؤول الإغاثي الفلسطيني من مسار الإمدادات ومنافذه، كاشفاً أن معدل دخول شاحنات المساعدات قبل الحرب كان يصل في حده الأدنى إلى 500 شاحنة يومياً، وكان يصل أحياناً إلى 1000 شاحنة، تضم مواد غذائية بجانب أخرى طبية، فضلاً عن مواد البناء.

وبعد اندلاع الحرب في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تراجع حجم المساعدات القادمة من معبر رفح الرئيسي لدخول المواد الإغاثية للقطاع، في ظل قيود إسرائيلية. وكانت تدخل أحياناً 20 شاحنة يومياً، وفي أيام أخرى يصل الرقم إلى 60 شاحنة، وبالحد الأقصى كانت تصل إلى القطاع 170 شاحنة يومياً، وهي كميات قليلة لا تكفي احتياجات المواطنين، على حد قول المسؤول الإغاثي الفلسطيني.

ويقول مراد في هذا السياق: «كان منفذ رفح هو المعبر الأساسي لدخول المساعدات، لكن مع بدء عملية جيش الاحتلال في رفح (6 مايو الماضي)، رأينا نقصاً شديداً في المواد الغذائية لم يعوضه افتتاح الميناء العائم الأميركي» الذي تم تفكيكه لعدم صموده أمام أمواج غزة، أو الإنزال الجوي أو المساعدات القادمة بحراً.

ويضاف لمعبر رفح، معبر إيرز الذي يديره الجيش الإسرائيلي، بجانب معبر آخر له في المنطقة الغربية من مدينة بيت لاهيا شمال القطاع وهو مخصص لنقل الدقيق، ومساعدات من «الأونروا» قادمة عبر ميناء أشدود، بمعدل متفاوت من الشاحنات، بين 15 إلى 60 شاحنة يومياً. لكن المساعدات القادمة عبر الضفة الغربية كانت تتعرض لاعتداءات مستوطنين متطرفين، وفق المسؤول الفلسطيني.

ويضيف مراد «تأثرت المساعدات بشدة بعد توقف معبر رفح، بعد سيطرة قوات الاحتلال على الجانب الفلسطيني في 7 مايو».

وبعد اتصال بين الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ونظيره الأميركي، جو بايدن، في 24 مايو، تقرر «دفع كميات من المساعدات الإنسانية والوقود لتسليمها إلى الأمم المتحدة في معبر كرم أبو سالم، وذلك بصورة مؤقتة، لحين التوصل إلى آلية قانونية لإعادة تشغيل معبر رفح من الجانب الفلسطيني».

إلقاء مساعدات جواً على شمال قطاع غزة في 13 مارس الماضي (د.ب.أ)

وعن تأثير هذا الاتفاق المؤقت، يقول المستشار الإعلامي لـ«الأونروا»، إن «هناك نقصاً شديداً في الإمدادات التي تدخل من معبر كرم أبو سالم وفي المتوسط يدخل من 40 إلى 60 شاحنة يومياً، وهذا لا يكفي»، لافتاً إلى أن هذه المساعدات الغذائية «أغلبها معلبات وبقوليات بجانب دقيق».

وبعد إعلان الجيش الإسرائيلي، الأحد، هدنة تكتيكية مؤقتة للسماح بمرور مساعدات بالاتفاق مع الأمم المتحدة ومنظمات دولية، قال المتحدث الأممي، ينس ليرك: «لم يُترجَم هذا بعدُ إلى وصول مزيد من المساعدات إلى المحتاجين».

ومع استمرار مسار التعثر المتعمد من إسرائيل لدخول المساعدات براً، لجأت دول عربية منها مصر والأردن والإمارات وأميركا وبريطانيا لعمليات إنزال جوي، بخلاف إمدادات بحرية سيرتها السعودية، وأخرى قادتها أبوظبي بشراكة دولية.

وكانت مصر دولة استقبال مساعدات دعم غزة عبر مطار وميناء العريش من مختلف أنحاء العالم لتمريرها عبر معبر رفح.

حلول عاجلة

وإزاء العوائق التي تواجه الإمدادات، يرى المسؤول الإغاثي الفلسطيني مراد أن «أفضل الحلول حالياً يتمثل بانسحاب إسرائيل من الجانب الفلسطيني لمعبر رفح، لعودة دخول المساعدات»، مؤكداً أن «المعبر هو الشريان الرئيسي لقطاع غزة».

ويتفق معه المستشار الإعلامي لـ«الأونروا»، ويقول «إن لم يحدث تدخل حقيقي بزيادة حجم المساعدات، وفتح المعابر سنكون أمام مجاعة منتصف الشهر المقبل».

ويعتقد أن الحلول العاجلة تتمثل في «وقف إطلاق النار، وفتح المعابر، وإدخال كميات كبيرة من المساعدات الغذائية والطبية، وإدخال مستشفيات ميدانية ومياه صالحة للشرب ووقود وفتح ممرات إنسانية».


مقالات ذات صلة

ديمقراطيون يعتزمون مقاطعة خطاب نتنياهو في الكونغرس بسبب غزة

الولايات المتحدة​ نشطاء مؤيدون للفلسطينيين يحتجون على وصول نتنياهو إلى فندق «ووترغيت» (د.ب.أ)

ديمقراطيون يعتزمون مقاطعة خطاب نتنياهو في الكونغرس بسبب غزة

قال عدد صغير، ولكن متزايد، من الأعضاء الديمقراطيين في مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين، إنهم يعتزمون مقاطعة خطاب نتنياهو المقرر اليوم (الأربعاء) أمام الكونغرس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي شرطة مبنى الكونغرس تقبض على نشطاء (رويترز)

القبض على نشطاء يهود خلال احتجاج على حرب غزة بالكونغرس الأمريكي (صور)

ألقت شرطة مبنى الكونغرس الأميركي القبض على نشطاء يهود خلال احتجاجهم على الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل داخل المبنى الثلاثاء

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (د.ب.أ)

غوتيريش يعدّ إعلان بكين «خطوة مهمة» لتحقيق الوحدة الفلسطينية

رحّب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء، بإعلان بكين، الصادر عن «حماس» والفصائل الفلسطينية، بشأن تشكيل «حكومة وفاق وطني».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي ناشط يلصق لافتة على عمود إنارة احتجاجاً على الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وخطابه أمام الكونغرس في واشنطن (رويترز)

نتنياهو يقول إن الاتفاق في غزة قريب

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لعائلات رهائن محتجزين في قطاع غزة إن التوصل إلى اتفاق مع حركة «حماس» أصبح قريباً.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي وزير الخارجية الصيني وانغ يي يتوسط موسى أبو مرزوق (يمين) القيادي في «حماس» ومحمود العالول القيادي في «فتح» (رويترز)

«اتفاق بكين»: عباس يريد ترسيخ الشرعية... و«حماس» تحتاج إلى مظلة

قبل توقيع فصائل فلسطينية اتفاقها الأخير في بكين، كانت هناك اتفاقات سابقة انتهت بشكل مشابه تقريباً؛ لكن ما صار جديداً هي حرب إسرائيلية قتلت أكثر من 39 ألف شخص.

كفاح زبون (رام الله)

«اتفاق بكين»: تأكيد شرعية لعباس... و«مظلة لحماس»


وزير الخارجية الصيني وانغ يي ونائب رئيس «فتح» محمود العالول وقيادي «حماس» موسى أبو مرزوق خلال توقيع الاتفاق في بكين أمس (أ.ب)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي ونائب رئيس «فتح» محمود العالول وقيادي «حماس» موسى أبو مرزوق خلال توقيع الاتفاق في بكين أمس (أ.ب)
TT

«اتفاق بكين»: تأكيد شرعية لعباس... و«مظلة لحماس»


وزير الخارجية الصيني وانغ يي ونائب رئيس «فتح» محمود العالول وقيادي «حماس» موسى أبو مرزوق خلال توقيع الاتفاق في بكين أمس (أ.ب)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي ونائب رئيس «فتح» محمود العالول وقيادي «حماس» موسى أبو مرزوق خلال توقيع الاتفاق في بكين أمس (أ.ب)

قدّرت مصادر فلسطينية تحدثت إلى «الشرق الأوسط» أن إعلان حركتي «فتح» و«حماس» و12 فصيلاً آخر، اتفاقاً في بكين على إنهاء الانقسام يمثل فرصة للسلطة الوطنية بقيادة الرئيس محمود عباس لتأكيد الشرعية، وكذلك «مظلة» لحركة «حماس» لمواصلة دورها بعد الحرب في غزة.

وتوصل المشاركون في مؤتمر بكين، أمس (الثلاثاء)، إلى اتفاق ينص على «تشكيل حكومة (وفاق وطني) مؤقتة بتوافق الفصائل الفلسطينية وبقرار من الرئيس عباس»، لكنّ مصدراً من «فتح» أفاد «الشرق الأوسط» بأن تنفيذ ذلك «ليس مسألة بسيطة».

من جهة أخرى، أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عائلات المحتجزين لدى «حماس» على هامش زيارته لواشنطن، بـ«قرب التوصل إلى اتفاق». غير أن خطابه المرتقب اليوم أمام الكونغرس أحيط بمقاطعة من النواب الديمقراطيين. وبدوره، قال دونالد ترمب، المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية، إنه سيلتقي نتنياهو الخميس في فلوريدا.

في غضون ذلك، أكد مجلس الوزراء السعودي، أمس، ضرورة اتخاذ خطوات عملية؛ للوصول إلى حلٍّ عادلٍ وشامل للقضية الفلسطينية؛ وفقاً لمبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية.