فخري كريم: شكوت للسيستاني من الفساد فاقترح الاستعانة بوزير من عهد صدام

قال لي سليماني إن «المجلس الأعلى» سيتغير وفوجئنا بخروج العامري (2 من 3)

TT

فخري كريم: شكوت للسيستاني من الفساد فاقترح الاستعانة بوزير من عهد صدام

السياسي والناشر العراقي فخري كريم (الشرق الأوسط)
السياسي والناشر العراقي فخري كريم (الشرق الأوسط)

في عراق ما بعد صدام حسين انتقلت الصلاحيات الواسعة إلى منصب رئيس الوزراء. وكرس ميزان القوى عرفاً يقضي بأن يكون رئيس الوزراء شيعياً، ورئيس الجمهورية كردياً، ورئيس البرلمان سُنيّاً، خصوصاً بعدما ترسخت قصة المكونات على حساب المؤسسات. لم تنجح محاولات خرق هذا العرف حتى حين حاول الرئيس باراك أوباما ونائبه جو بايدن إسناد الرئاسة إلى إياد علاوي الفائز بالأكثرية النيابية لضمان بقاء نوري المالكي الذي حظي بدعم واشنطن وطهران معاً.

تأخر العرب في التعامل مع المتغيرات العراقية. سارعت إيران إلى ملء الفراغ. أيدت «مجلس الحكم»، الذي كان الأميركيون وراء إنشائه وعملت على تجميع القوى الشيعية وتشجيعها على المشاركة في العملية السياسية. وزاد من حضور إيران الدور الذي تقدمت له قوى سياسية وعسكرية احتضنتها طهران في عهد صدام. وهكذا عثرت طهران على موقع من داخل التركيبة العراقية الجديدة، وصار لها ما يشبه حق النقض على القرارات، وحق النظر في تشكيل الحكومات، مراهنة أن الانسحاب العسكري الأميركي آتٍ مهما تأخر.

يقول فخري كريم، كبير مستشاري الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، إن إيران تصرفت كدولة وجدت فراغاً في دولة مجاورة فسعت إلى ملئه وترسيخ دورها وحماية مصالحها. وهكذا صار الجنرال قاسم سليماني لاعباً كبيراً على المسرح العراقي يمتد دوره من متابعة استنزاف الوجود العسكري الأميركي، وصولاً إلى تشكيل الحكومات.

ويلاحظ أن دور دولة خارجية لا يكبر في دولة مجاورة إلا إذا عثرت على من يقبل بدورها. ويقول إن سليماني «كان يحاول أن يخدم بلاده ومصالحها بإخلاص، وكان حريّاً بالطرف الآخر أن يدافع عن دوره ومصالحه». ويتذكر أن سليماني كان «بارعاً وفعّالاً ويحاول أن يكتسب ثقة من يلتقيه وكان قادراً على الانتقال من المرونة الكاملة إلى التشدد الكامل»، كما هو الحال في الرسالة التي وجهها إلى طالباني حين قرر الأخير السير في اقتراح حجب الثقة عن حكومة المالكي. ويقول إن أبو مهدي المهندس، الذي قُتل مع سليماني كان موضع ثقة كاملة من الجنرال الإيراني.

كلّف طالباني كبير مستشاريه مهمات عدة في إيران كانت تتمحور حول تشكيل الحكومات العراقية والعلاقات بين إيران وإقليم كردستان. ذات يوم زار السياسي العراقي عادل عبد المهدي (من «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق») طهران، وقال لطالباني وكريم بعد عودته إن «ما يقوله سليماني عن أن إيران تؤيد نوري المالكي لرئاسة الوزراء غير صحيح، لأنني أُبلغت أن المرشد علي خامنئي يؤيدني».

شعر طالباني بالإحراج، رغم أنه لم يكن بعيداً عن عبد المهدي. طلب من كريم أن يزور طهران ففعل والتقى سليماني بحضور أبو مهدي المهندس. نفى سليماني صحة ما يقوله عبد المهدي وقال لكريم أستطيع أخذك إلى المرشد لتسمع منه شخصياً. لفته كريم إلى أن العقدة الأخرى هي أن «المجلس الأعلى» لا يؤيد المالكي، وهناك موقف السيد مقتدى الصدر وهو يزداد تشدداً. رد سليماني بالقول إنهم على اتصال بالصدر وسيواصلون الاتصالات معه «أما قصة المجلس الأعلى فاتركها لنا ونحن نعالجها». استفسر الموفد العراقي لكن سليماني اكتفى بالقول: «حين ترجع إلى بغداد ستجد المجلس قد تغير». وحين عاد كريم والتقى طالباني وبارزاني أُبلغ أن «منظمة بدر» برئاسة هادي العامري خرجت من «المجلس الأعلى» وانضمت إلى المالكي. وهكذا تغير التوازن ولم يعد باستطاعة المجلس عرقلة تشكيل الحكومة.

يتذكر كريم أن إيران دعمت في البداية تولي إبراهيم الجعفري رئاسة الحكومة (2005 إلى 2006). بالغ الجعفري في الاعتقاد أنه الخيار الوحيد وأنه المنقذ، وسرّب قريبون منه شعاراً هو «نريد حاكماً جعفرياً». تحول الجعفري سريعاً عبئاً على العملية السياسية التي كانت في بداياتها. بعثت المرجعية الشيعية برسائل تعكس قناعتها بوجوب التغيير. نصح السفير الأميركي زلماي خليل زاد الجعفري بالاستقالة فلم يتجاوب. ذهب إليه لاحقاً وهدده بصريح العبارة: «سوف نتصدى لك إن لم تخرج. أخرج ولو خلافاً لإرادتك».

يقول كريم إن اسم المالكي لم يكن مطروحاً آنذاك وكان الاسم الذي يتردد هو علي الأديب من حزب «الدعوة»، وهو الحزب الذي ينتمي إليه المالكي. لم يحبذ المالكي السير في الأديب الذي لم ينجح في تعزيز حظوظه. عقد «الدعوة» اجتماعاً ثانياً لحسم الموضوع غاب عنه الأديب وتم طرح اسم المالكي وأيدته القيادة.

قائد فيلق القدس الراحل قاسم سليماني (أرشيفية - أ.ف.ب)

فطور مع سليماني

يتذكر كريم لقاء مع سليماني على فطور بحضور أبو مهدي المهندس. قال: «تحدثت عن سلوك المالكي في الدورة الثانية وشيوع الفساد. أجابني: دعنا ننتهي. نستطيع أنا وأنت أن نتحدث إلى الصباح عن مظاهر الفساد. اعطوني فرصة وأنا أتعهد بمعالجة هذه القضية بعد الدورة الثانية. أجبته أن الوضع لا يتحمل. وسألته: إذا كانت كل القوى - مقتدى الصدر و«العراقية» والحكيم - متفقة فلماذا لا نستطيع أن نغير؟ قال: التغيير والتكليف يتقرران في التحالف الشيعي. أجبته: التحالف الشيعي نصفه موجود؛ الصدر والحكيم وأحمد الجلبي، فرد قائلاً: التحالف الشيعي من يبقى فيه هو الذي يقرر. قلت: هل أفهم من هذا أنكم أنتم، فأجاب: فكر كما تريد.

خطأ مقتدى الصدر

في عراق ما بعد صدام حسين، برز في الساحة السياسية لاعب كبير صعب. إنه السيد مقتدى الصدر. تيار شعبي عريض واكبته قوة مسلحة. لم يكن التعامل مع الصدر سهلاً بالنسبة إلى القوى السياسية، خصوصاً الشيعية منها. وشهدت بعض الجولات احتكاماً إلى السلاح. لم تكن إدارة ظاهرة الصدر سهلة من الداخل، ولم تكن كثيرة السهولة أيضاً بالنسبة إلى الخارج الإيراني، خصوصاً أن الرجل كثيراً ما يفاجئ حلفاءه وخصومه.

سألت فخري كريم عن قرار الصدر الخروج من الحياة السياسية، فأجاب: «مع احترامي الكامل له، أنا أعتبر القرار خطأً كبيراً دفع العراق ثمنه. خطوة غير مسبوقة. أدى خروج الكتلة الصدرية إلى إفراغ البرلمان من أي قوة شيعية مؤثرة تستطيع تعطيل قرارات لا تنسجم مع التطلعات المشتركة. عندما يستقيل نائب أو اثنان أو ثلاثة أو خمسة يمكن تعويض ذلك، لكن حين تنسحب الكتلة الأكبر من البرلمان فهذا يغير المشهد ويطرح سؤالاً عن التفويض حتى ولو جرى ملء المقاعد بأساليب مستندة إلى نصوص معمول بها. إحلال مرشحين كانوا خاسرين محل هذا العدد الكبير من النواب بدا غريباً ومضحكاً. حوَّلت الأقلية نفسها إلى أكثرية. هذا انقلاب على الدستور والعملية السياسية. أطلقت الأقلية السابقة انقلاباً لا يزال مستمراً. يريدون الإفادة من هذه المرحلة لتصفية كل العناصر التي يمكن أن تتحدى هيمنتهم المطلقة على الوضع في العراق. من هنا نرى محاولات استهداف إقليم كردستان ومحاولة تفكيك المكون السُنّي أيضاً. لا بد من الالتفات هنا إلى المكون الشيعي نفسه. سُلبت إرادة قسم كبير من الشيعة. لم يشارك أكثر من 20 في المائة منهم في الانتخابات الأخيرة، وقد توزع المشاركون على الأطراف الشيعية. هذا يعني أن المجموعة الحاكمة هي أيضاً أقلية على مستوى الشيعة، الذين تعاني مناطقهم من البطالة والفقر ونقص الخدمات أسوة بالمناطق الأخرى. إن اعتقاد المجموعة الحاكمة أن المظلومين لن يعودوا إلى رفع الصوت وترداد الشعارات التي رفعت في الاحتجاجات والانتفاضات خاطئ تماماً».

المرجع الشيعي علي السيستاني (تويتر)

اقتراح مفاجئ من السيستاني

كان من الطبيعي أن أسأل فخري كريم عن دور المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني وهو التقاه ثلاث مرات. قال: «خرجت بانطباع أنه متقدم سياسياً بالمعنى الوطني العراقي على كل القيادات الشيعية أو على الغالبية المطلقة منها. وأعتقد أن خُطب الجمعة لوكلائه كانت تعبر عن هذا النهج. أريد التوقف عند ملاحظة أساسية تعطيك فكرة عن أسلوب تفكير السيستاني. تحدثت عن الفساد، ومن ضمن التلاعب بالحصة التموينية وإذ به يفاجئني بالقول: لماذا لا تأتون بوزير التجارة السابق إلى وزارة التجارة لأنه معروف كيف كان يتعامل مع هذه القضية أو لماذا لا تأتون بوزير مسيحي؟ قلت له: كيف؟ فأجاب: لم لا إذا كان نظيفاً ويخدم العراقيين. لماذا لا نأتي به؟ (كان السيستاني يشير إلى تجربة الوزير محمد مهدي صالح في السنوات الأخيرة لصدام والذي ابتكر برنامج البطاقة التموينية). ولم يكن بسيطاً أن يقول السيستاني لماذا لا تأتون بوزير من العهد السابق لأنه كان يضمن وصول الحصة التموينية كاملة.

ذهبت إليه لاحقاً وبعدما تكاثرت المظالم والتجاوزات وشاع الفساد. قلت له إن الناس ينتظرون موقفك. فأجاب: أنا دوري لم يعد كالسابق. تدخلت حينما لم يكن هناك دستور ولم تكن هناك حكومة وهيئات. الآن صار لديكم دستور مُقَرٌّ ورئاسة وحكومة. أنا لا أستطيع أن أتدخل. أنا ليس علي سوى الوعظ والإرشاد وعلى الآخرين أن يقبلوا أو لا.

هناك مسألة أخرى مهمة في موقف السيستاني وهي قناعته أن العراق الجديد لا يمكن أن يبنى على قاعدة استضعاف المكونات الأخرى، وتحديداً السُنّة والأكراد. كان يقول إنه لا يجوز تجاوز المكون السُنّي أو أي مكون آخر. أستطيع القول إنه كان يطالب أن يكون المكون السُنّي شريكاً وأن يأخذ حقوقه كاملة».

فتوى «الجهاد الكفائي» و«الحشد»

يرى كريم أن السيستاني أصدر فتوى «الجهاد الكفائي»، لاستنهاض الناس لمواجهة خطر كبيرهو «داعش». ومن الطبيعي أن المهمة تنتهي بزوال الخطر. لم يتحدث عن «الحشد» أو أي تنظيم آخر، بل تحدث عن متطوعين. ويضيف: «تجاوب كثيرون مع دعوة السيستاني وقدم قسم منهم تضحيات كبيرة إلى جانب القوات المسلحة والبيشمركة. وقد شارك المتطوعون في عملية تحرير الأراضي التي كان التنظيم يحتلها.

كانت هناك قناعة بأن من حق من قدموا هذه التضحيات أن يكونوا جزءاً من القوات المسلحة وأن يحظوا برعاية الدولة. فكرة دمج الميليشيات أو الكيانات العسكرية بالقوات المسلحة ليست جديدة. الحاكم الأميركي بول بريمر (أول حاكم للعراق بعد الغزو) اقترح شيئاً من هذا النوع على الفصائل والتنظيمات تحت شعار الدمج في الجيش ونُفِذَت خطوات على هذا الصعيد. كان الغرض إذن إزالة خطر «داعش» ولم يكن المطلوب إنشاء جيشٍ موازٍ للجيش أو قيام مؤسسة أخرى. لم يكن هناك تفكير بأن تقوم كيانات تعتبر جزءاً من القوات المسلحة لكن لدى بعضها أجندات خاصة ولا تخضع عملياً لأوامر القائد العام للقوات المسلحة وهو رئيس الوزراء. وربما يكون الحل عن طريق تشكيل قيادة عامة للقوات المسلحة تشارك فيها كل مفاصل هذه القوات وتأتمر بأوامر القيادة العامة وليس القائد العام الذي لا يستطيع أحياناً أن يفعل شيئاً».

صعوبة مهمة السوداني

وعما إذا كانت مهمة رئيس الوزراء الحالي محمد شيّاع السوداني تزداد صعوبة وما إذا كان التحالف الشيعي أو «الإطار التنسيقي» هو الحاكم الفعلي، قال كريم: «نعم، مهمة رئيس الوزراء الحالي تزداد صعوبة. هو، وبكل صراحة، لديه نوايا إيجابية ويريد أن يحقق ما يستطيع من البرنامج الحكومي لكنه محكوم بسور من الضغوطات. من ينظر إلى الانحدار الذي يضرب العملية السياسية يدرك حجم الصعوبات. عملياً الحاكم الفعلي هو القوى التي تشكل الإطار الشيعي أو الإطار التنسيقي، ولا يمكن للحكومة أن تخرج عن المسار المحدد من هذا الإطار».

«الإطار التنسيقي» هو القوة الحاكمة. وأعتقد أن أحد قادته قال كلاماً مؤسفاً ومزعجاً جداً حين سُئل عن دور رئيس الوزراء. قال: «نحن بالنسبة إلينا رئيس الوزراء هو مدير عام حين يتعلق الأمر بالقضايا الاستراتيجية والأساسية. أما فيما يتعلق بالإدارة اليومية للدولة فهو رئيس وزراء. هذا الكلام كان بمثابة إشارة لأنه قيل مع انطلاق الحكومة.

شاع في الآونة الأخيرة على لسان سياسيين وإعلاميين أن قادة في الإطار يسعون إلى إفراغ منصب رئيس الوزراء من أهميته خوفاً من «تفريخ زعامات جديدة». وثمة من يطرح أن يستقيل رئيس الوزراء من موقعه قبل ستة أشهر إذا كان ينوي خوض الانتخابات. وهناك من ينقل عن السيد نوري المالكي، وأنا لا أريد الخوض مجدداً في سجالات معه، أن السوداني يحاول الإفادة من موقعه الحالي لتعزيز فرصه في الانتخابات المقبلة».

الخروج الكبير إلى سوريا

في الشهر ما قبل الأخير من عام 1978 كلفت قيادة الحزب الشيوعي العراقي فخري كريم بإعداد خطة سرية لإخراج عدد من كوادر الحزب مع عائلاتهم في اتجاه سوريا ولبنان لإبعادهم عن التصفيات والملاحقات التي يمارسها حكم «البعث» ضد الحزب. وتفادياً للفت أنظار الأجهزة، تم اغتنام فرصة ذهاب وفد عراقي برئاسة نعيم حداد، عضو القيادة القطرية في «البعث» إلى دمشق للمشاركة في اجتماع عربي، فأدرج الحزب الشيوعي اسم كريم في عداد الوفد لتسهيل خروجه.

يروي كريم: «وصلنا إلى دمشق وكان هدفي أن ألتقي الرئيس حافظ الأسد. لجأت إلى وزير الإعلام أحمد إسكندر الذي كان مقرباً جداً منه إلى حد أن الأسد كان يعامله وكأنه ابنه. خلال استقبال الأسد الوفد العراقي لاحت فرصة فأخذني إسكندر إليه. قلت للأسد إنني سأختصر لأن الوضع لا يسمح بالإطالة. أنا جئت في هذه المهمة. فرد: من دون تفاصيل، كل شيء تحت تصرفكم. وهذا أخوكم (أحمد إسكندر) إذا احتجت أي شيء تخبره حينما تأتي. قلت له إنني باقٍ. فقال: علاقتك مع الدولة تكون مع عبد الحليم خدام ومع الحزب عبر عبد الله الأحمر ومع جهاز المخابرات لكي يؤمّن لكم أسلحة وتفاصيل أخرى مع اللواء علي دوبا. أنت مرحب بك في أي وقت وسوريا تحت تصرفكم».

طبعاً كان موضوع سوريا حيوياً بالنسبة إلينا للاعتبارات المعروفة. كان يأتينا سلاح من ليبيا واليمن الديمقراطي والمقاومة الفلسطينية، وكنا نمرره من الأراضي السورية إلى إقليم كردستان عبر ممر الخابور.

400 ألف دولار من حافظ الأسد

قلت لكريم: بلغني أنك حصلت للحزب على مساعدة مالية من سوريا وهذا كان قليل الحدوث. سوريا كانت توفر لأصدقائها إقامات وباسبورات لكنها لم تكن سخية في المساعدات المالية. أجاب: «للتاريخ أقول إن سوريا احتضنتنا وقدمت لنا كل الدعم. منذ البداية تحدثت مع الرئيس الأسد عن حرج موقف الحزب ووضعه وحرصه على استقلاليته»، فأجاب: «أنتم هنا أحرار. من يحاول أن يعيق أو يتحدث بلغة أخرى أنا موجود». والحقيقة أن هذه القاعدة احترمت باستثناء مرة واحدة لا أجد مناسباً الحديث عنها الآن.

كانت سوريا توفر كل أشكال الدعم أي الاحتضان والرعاية والإقامة لعشرات الآلاف من العوائل، بالإضافة إلى خط المواصلات بين سوريا وكردستان لمرور المتطوعين من البيشمركة والقيادات والأسلحة.

ذات يوم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية، كان الحزب يجتاز أزمة خانقة. كنا في زيارة للرئيس الأسد برفقة الأخ مسعود بارزاني ومشاركة أمين عام الحزب الاشتراكي. بعد انتهاء اللقاء طلبت التحدث إلى الأسد على انفراد. تنحينا جانباً وتناولت السبحة من يده. قال: سبح بها ثم أعدها لي. قلت له: أعرفكم وأعرف أن كلمتكم لا تصير اثنتين. قال: نعم. قلت: لكن للأسف تكرر الأمر ثلاث مرات وأنت تعد ولا تفي. استغرب وقال: ماذا؟ قلت: نحن وضعنا صعب جداً ونحتاج إلى دعم. تقول لنا نعم ثم نذهب وتروح القضية. ضحك الأسد وقال: إن شاء الله يصير. قلت له: هذه المرة سأبقى واقفاً معك حتى تقول لي أخرج وقابل فلاناً ومعه 200 ألف دولار. ضحك مجدداً، وقال: سيكون. قلت له: من ينتظرني؟ ضحك ضحكة كبيرة وقال: «أبو جهاد» ينتظرك (عبد الله الأحمر الأمين العام المساعد لحزب «البعث»). سألني مسعود عما قلت للأسد فأجبته أنه موضوع شخصي. قال: ماذا الشخصي؟ لقد أخذت سبحة الرجل. قلت له: هو لم يسترجعها فماذا أفعل؟

ذهبت إلى المكتب في دمشق فقالوا لي إن مكتب عبد الله الأحمر اتصل مرات عدة. اتصل الأحمر مجدداً وقال أين أنت؟ فقلت له: سأرسل لك المحاسب لتسلم المبلغ، وهكذا كان.

بعد نحو ثلاثة أشهر تدهورت أوضاع الحزب المالية مجدداً، وكان علينا أن نجمع مبلغ مليون دولار لنسد حاجات ملحة. حصلنا على جزء من اليمن الجنوبي وآخر من ياسر عرفات لكن ذلك لم يكن كافياً. ذهبت إلى عبد الحليم خدام وتمنيت عليه أن ينقل رسالة إلى الرئيس الأسد فسأل عن مضمونها. أجبت أننا نحتاج إلى دفعة أخرى. استغرب، وقال: دفعة ماذا؟ هل أخذت منه مصاري؟ فقلت: نعم. سأل عن المبلغ فقلت 200 ألف دولار. استغرب وقال: نحن نأخذ فكيف تأخذ أنت منا؟ كررت الطلب أن يوصل الرسالة إلى الرئيس. قال: أنا لا أوصلها. قلت: نحن في حاجة ماسة والرجاء أن تبلغه. قال: ماذا أقول له؟ قلت: قل له إننا محتاجون مثل المرة السابقة. أبلغه سلامي وأنه إن لم يستجب سأكسر عهدي معه. سأل عن العهد، فأجبت: هو قال لي في المرة السابقة أنه يشترط ألا يعرف أحدٌ. وإذا لم يوافق هذه المرة سأصدر بياناً أقول فيه إن الرئيس الأسد أعطانا 200 ألف دولار ووعدنا بمثلها لكنه لم ينفذ. ضحك خدام طويلاً. في اليوم التالي اتصل بي وقال: تعال. دفع لنا 200 ألف دولار، وقال: الرئيس يبلغك السلام لكن رجاء لا تحرجنا».

العلاقة مع القذافي

وعن المساعدة من ليبيا، قال: «الحقيقة نحن الحزب الوحيد الذي لم يحصل إلا على مساعدة بسيطة جداً من ليبيا. ومرة أخرى حصلنا على كمية لا بأس بها من السلاح في بيروت وعن طريق أبو عمار. حملت الباخرة أسلحة لنا ولمنظمات أخرى بينها الحزب الشيوعي اللبناني. لاحظ رفاقنا أن بعض الأسلحة تحمل تواقيع (أبو فلان) و(أبو فلان) من المقاتلين الفلسطينيين. أخبرت الرفيق جورج حاوي الأمين العام للحزب الشيوعي فتبين أنهم لاحظوا الأمر نفسه. أطلق حاوي تعبيراً لا أريد تكراره. لاحقاً حكيت القصة لعرفات فرد مبتسماً على طريقته وقال: عملوها معكم؟

بالنسبة إلى العلاقات مع ليبيا، دعيت بعد تولي القذافي ورفاقه إلى احتفالية وذهبت. بعدها تكررت اللقاءات. ذات يوم تلقينا دعوة من القذافي. ذهبت أنا وعزيز محمد السكرتير الأول للحزب. دخلنا إلى الخيمة فوجدنا حاوي جالساً مع العقيد. قال القذافي: أنا طلبتكم هذه المرة لشيء خاص كي تقوموا به لي ولليبيا. الأصدقاء السوفيات يضغطون علينا من أجل تسديد ديوننا. ونحن أعلنا استعدادنا لكن عن طريق كميات من النفط. وافقوا لكن شرط أن نحسب سعر النفط وفق السوق السوداء وهذا يضرنا كثيراً. أريدكم أن تذهبوا أنتم الثلاثة إلى موسكو باسمي وتطلبوا من السوفيات أن يعفونا من هذا الشرط.

رد حاوي: نحن بالتصرف وسنقوم بهذا الواجب. استأذنت من الرفيق عزيز وقلت: أخي العقيد، مع كامل احترامي للرفيق جورج، أنت رئيس دولة لها موقعها في (جبهة الصمود والتصدي) وصديق للاتحاد السوفياتي. إذا ذهبت أنت فإن القيادة السوفياتية ستحتفي بك ومن دون شك ستأخذ هواجسك ومطالبك في الاعتبار. نحن من؟ نحن أحزاب شيوعية معارضة. أعلى مسؤول يمكن أن نطلب مقابلته عضو مرشح للمكتب السياسي وقد يرسل نائبه لمقابلتنا. ثم إنهم سيستغربون أن يأتي عراقي ولبناني إليهم باسم القذافي. مكانتك ستلعب دوراً في حل الموضوع. عملياً اعتذرنا. بعد خروجنا كان حاوي غاضباً جداً وعاتبني عتاباً شديداً ووصفني بـ(المخرب)، وقال: نحاول ولا مشكلة إن فشلنا».

غداً حلقة ثالثة

خروج الصدر مَكّن الأقلية من الانقلاب على العملية السياسية والدستور.... وأطراف في «الإطار التنسيقي» تعتبر رئيس الوزراء «مجرد مدير عام»

فخري كريم


مقالات ذات صلة

تأجيل زيارة وفد نيابي إلى أربيل لإقناع «الديمقراطي» بالعودة إلى بغداد

المشرق العربي قلعة أربيل في كردستان (متداولة)

تأجيل زيارة وفد نيابي إلى أربيل لإقناع «الديمقراطي» بالعودة إلى بغداد

أرجأ وفد من البرلمان الاتحادي زيارة كانت مقررة، الأحد، إلى أربيل، في مسعى لإقناع كتلة الحزب «الديمقراطي» الكردستاني بالعودة إلى بغداد.

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد خط أنابيب بين العراق وتركيا داخل محافظة دهوك بإقليم كردستان العراق (رويترز)

العراق يدرس مشروعاً لتأمين نقل النفط عبر موانئ تركية وسورية وأردنية

صرح رئيس الحكومة العراقية بأن مشروع خط أنابيب النفط «بصرة - حديثة - متعدد الاتجاهات» سيضمن المرونة في نقل النفط باتجاه موانئ جيهان وبانياس والعقبة.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

العراق يدخل مرحلة الفراغ الدستوري حكومياً

دخل العراق في فراغ دستوري على مستوى الحكومة مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي من ذلك.

حمزة مصطفى (بغداد)
رياضة عالمية أمير العماري لاعب خط وسط نادي كراكوفيا البولندي والمنتخب العراقي (الاتحاد العراقي)

أمير العماري… نجم ضمن رموز جيل الحلم الذي أعاد العراق إلى المونديال

بعد أربعة عقود من الغياب، يعود منتخب العراق إلى المسرح العالمي من بوابة جيل جديد كتب اسمه في التاريخ، جيلٌ لم يكتفِ بالحلم بل حوّله إلى واقع.

فاتن أبي فرج (بيروت)
خاص السوداني يتوسّط رئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه أبو فدك (إعلام حكومي)

خاص مقاربة من 5 خطوات لـ«تفكيك الميليشيات» العراقية

رغم مطالب أميركية متواصلة للسلطات العراقية بكبح الفصائل، وتفكيكها، يلاحظ مراقبون الغياب شبه الكلي لهذا الملف عن اجتماعات قادة «الإطار التنسيقي».

فاضل النشمي (بغداد)

أطفال من درعا يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

أطفال من درعا يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.


الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
TT

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

أعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، مقتل أحد جنوده وإصابة آخرين في جنوب لبنان، في ظل وقف لإطلاق النار تتبادل الدولة العبرية و«حزب الله» الاتهامات بانتهاكه.

وقال الجيش، في بيان، إنّ رقيباً في التاسعة عشرة من عمره قُتل في حادثة أصيب خلالها ضابط وأربعة جنود آخرين، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

ومنذ سريان وقف إطلاق النار في 17 أبريل (نيسان)، أعلن «حزب الله» مراراً تنفيذ عمليات تستهدف قوات إسرائيلية في جنوب لبنان، أو إطلاق صواريخ ومسيّرات نحو شمال الدولة العبرية، قائلاً إنها تأتي رداً على قيام الأخيرة بتنفيذ غارات وعمليات قصف وتفجير مبانٍ.


«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)
فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)
TT

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)
فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

​أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي جرت في الضفة الغربية، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية والقروية وإقبالاً متوسطاً على التصويت، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة؛ وهي المدينة الوحيدة التي أجريت فيها انتخابات بالقطاع وسط معدلات مشاركة ضعيفة.

والانتخابات المحلية التي أجريت، السبت، هي الأولى وفق النظام الجديد الذي قررته السلطة الوطنية الفلسطينية، العام الماضي، ويُلزم المترشحين في كل الانتخابات ببرنامج «منظمة التحرير» أساساً للترشح؛ إذ تتعهد السلطة دولياً بمسار «حل الدولتين».

وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية، الأحد، النتائج النهائية للانتخابات المحلية، التي جرت في 183 هيئة محلية بالضفة الغربية، إلى جانب مدينة دير البلح في قطاع غزة، وقال رئيس اللجنة رامي الحمد الله، خلال مؤتمر صحافي، إن «الانتخابات جرت لأول مرة وفق قانون انتخابات جديد؛ يعمل بنظام القائمة المفتوحة، والنظام الفردي، وشمل ذلك دير البلح وسط قطاع غزة، باعتبار الوطن الجغرافي في الضفة الغربية وقطاع غزة وحدة واحدة».

فلسطينية تدلي بصوتها في الانتخابات المحلية ببلدة بيرزيت الفلسطينية شمال رام الله بالضفة الغربية يوم السبت (أ.ف.ب)

وبحسب الحمد الله، فإن «عدد الناخبين المقترعين بلغ نحو 522 ألف ناخب، فيما فازت 197 هيئة محلية بالتزكية، وبلغت نسبة الاقتراع في الضفة الغربية 56 في المائة، مقارنة بـ53.7 في المائة بانتخابات 2012، و53.8 في المائة في 2017، و58 في المائة في 2022».

وفيما سجلت محافظة سلفيت شمال الضفة، أعلى نسبة اقتراع بلغت 71 في المائة، سجلت دير البلح بقطاع غزة أقل نسبة بواقع 23 في المائة.

«فتح» تعلن فوزاً كاسحاً

مع نشر النتائج النهائية، يوم الأحد، أكّدت «فتح» التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، الفوز الكبير لقائمتها «الصمود والعطاء» في الانتخابات، معتبرة، في بيان لناطق باسمها، أن النتائج تمثل «استفتاءً شعبياً مؤيداً» لنهج الحركة وبرنامجها السياسي وخياراتها.

وأعلنت «فتح» فوزها في غالبية الهيئات المحلية؛ أبرزها الخليل وطولكرم وسلفيت والبيرة، وفي محافظة جنين وباقي المحافظات، وقالت إنها شكلت بالتوافق مع قوى العمل الوطنيّ والمؤسسات المحليّة 197 مجلساً بلدياً وقروياً بالتزكية؛ أبرزها بلديتا رام الله ونابلس الكبيرتان.

وجاء إعلان «فتح» بينما تغيب حركة «حماس» تماماً عن المنافسة؛ إذ لا تحظى بعضوية «منظمة التحرير» وكانت مشاركتها السابقة في الانتخابات تجري من دون الالتزام بكونها «ممثلاً شرعياً ووحيداً» للفلسطينيين، وفق ما تشدد السلطة.

وكانت «حماس» تشارك في الانتخابات التي كانت تجري في الضفة الغربية طيلة السنوات الماضية، إما عبر قوائم واضحة للحركة، أو من خلال دعم مرشحين آخرين غير رسميين؛ لكنها غابت هذه المرة عن الترشح، ولم تحشد للتصويت.

ومع غياب «حماس»، تنافست القوائم المدعومة من حركة «فتح» مع أخرى مستقلّة يقودها رجال أعمال، أو مرشحون من فصائل في «منظمة التحرير»؛ مثل «الجبهة الشعبية»، أو قوائم شكلتها عائلات كبيرة متحالفة، وفي بعض المناطق تنافست قوائم في المدينة الواحدة، تتبع كلها لحركة «فتح».

وتطالب «السلطة» حركة «حماس» بتسليم غزة والسلاح، والتحول إلى حزب سياسي والاعتراف بـ«منظمة التحرير» والتزاماتها، لكن «حماس» لم تعلن ذلك حتى الآن.

عام الانتخابات

وتعدّ الانتخابات المحلية تحضيراً لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والمجلس التشريعي، والرئاسة حال تقرر ذلك.

وروجت السلطة الفلسطينية للانتخابات المحلية في أعقاب «الإصلاحات» التي قالت إنها ستنفذها بوصفها جزءاً من «خطة السلام» للرئيس الأميركي دونالد ترمب لقطاع غزة، وقال عباس، الأحد، إن «هذا العام سيكون عام الانتخابات».

وتعهدت السلطة بإجراء انتخابات تشريعية وأخرى رئاسية بعد انتهاء الحرب على قطاع غزة.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته في الانتخابات المحلية بمركز تصويت بمدينة رام الله بالضفة الغربية يوم السبت (د.ب.أ)

وأضاف مهنئاً بالانتخابات المحلية: «هذا النجاح يشكل انتصاراً جديداً للإرادة الوطنية الفلسطينية، وتجسيداً حياً لتمسك شعبنا بخيار الديمقراطية». وأردف: «هذا الإنجاز يأتي في إطار عام الديمقراطية، الذي انطلق بانتخابات الشبيبة الفتحاوية، ويتواصل عبر الانتخابات المحلية، وسيتوج الشهر المقبل بعقد المؤتمر الثامن لحركة (فتح)، وانتخابات قيادتها، وصولاً إلى انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، بما يعزز الحياة الديمقراطية، ويكرس مبدأ (صوت المواطن هو الأساس لاختيار من يمثله)».

إقبال ضعيف في غزة

وفي قطاع غزة، شهدت الانتخابات المحلية التي أقيمت بمدينة دير البلح فقط، إقبالاً ضعيفاً، في أول منافسات من نوعها منذ عقدين.

وأظهرت معدلات التصويت أن دير البلح كانت الأقل مشاركة على مستوى الأراضي الفلسطينية (غزة والضفة)، حيث بلغت 23 في المائة.

وكان يحق لـ70449 ناخباً وناخبة المشاركة في العملية التي أشرف عليها 292 مراقباً. وأظهرت النتائج التي أعلنتها لجنة الانتخابات، أن أي قائمة من القوائم الأربع المتنافسة لم تحسم النتيجة لصالحها.

ويتشكل المجلس البلدي لدير البلح من 15 عضواً من الحاصلين على أعلى الأصوات، مع ضمان تمثيل نسائي لا يقل عن 4 سيدات. وحصدت قائمة «نهضة دير البلح» 6 مقاعد، و«مستقبل دير البلح» 5 مقاعد، فيما حصلت القائمتان «السلام والبناء» و«دير البلح تجمعنا» على مقعدين لكل منهما.

ووفقاً لمصدر مراقب على الانتخابات، فإنه قانونياً «لا بد أن تكون هناك تحالفات لتشكيل المجلس البلدي الجديد»، والتقديرات تشير إلى أن القائمتين الأضعف ستدعمان أو على الأقل إحداهما، القائمة الأكبر «نهضة دير البلح» المدعومة من شخصيات قيادية في حركة «فتح».

وأقر جميل الخالدي المدير الإقليمي للجنة الانتخابات المركزية، بأن «الوضع الميداني الأمني وما فرضته الحرب من آثار وأولويات بالنسبة للمواطن في غزة، من الأسباب المهمة التي أدت لانخفاض نسبة الاقتراع، بشكل غير متوقع».

فلسطينيون بمدينة دير البلح وسط غزة قرب مركز تصويت في الانتخابات المحلية يوم السبت (أ.ب)

واعتبر الخالدي في مؤتمر صحافي لإعلان النتائج، أن «مجرد مشاركة دير البلح في ظل هذه الظروف الصعبة التي يحياها قطاع غزة، بمثابة خطة مهمة في جوهر العملية الديمقراطية الحرة والنزيهة التي جرت في أجواء منظمة، من دون أي مشاكل تذكر رغم كل الأوضاع الصعبة».

وقال زين الدين أبو معيلق والفائز عن قائمة «نهضة دير البلح»، إن جميع القوائم المشاركة هدفها تحقيق الخدمات للمواطنين وتحسينها، مرجحاً أن تتم عملية تشكيل المجلس البلدي الجديد دون أي تعقيدات.

ورفض أبو معيلق كما آخرون من الفائزين، التعليق على قضية النسبة الضعيفة للمشاركين في الانتخابات. فيما أرجع أحدهم فضل عدم ذكر هويته، ذلك إلى الظروف التي تحيط بالسكان من حيث الوضع الاقتصادي والإنساني والأمني، معرباً عن أمله في أن تتحسن مشاركة سكان قطاع غزة في الانتخابات المقبلة.

وقال المحلل السياسي المقيم في غزة مصطفى إبراهيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الانتخابات المحلية التي جرت في دير البلح، ربما لا تعبر عن حقيقة وقناعة الفلسطينيين بضرورة الانتخابات، وهذا ما تدلل عليه النسب المتدنية للمشاركين»، مضيفاً: «قد يكون أحد أسباب ذلك أنه لم تكن هناك مشاركة فصائلية حقيقية، رغم أن هناك قوائم محسوبة أو مدعومة من حركة (فتح)، لكنها اتخذت الطابع العشائري».

ورجح إبراهيم أنه في حال شاركت «فتح» أو «حماس»، بشكل مباشر أو بدعم حقيقي لأي من القوائم، «لكانت نتائج المشاركة أعلى مما رأينا سواء على صعيد الحسم أو المشاركة».

وأضاف: «رغم عدم رضا الفلسطينيين عن النظام السياسي القائم؛ فهناك أمل لدى كثير من السكان بأن تستعيد حركة (فتح) دورها، وكذلك (حماس) ما زالت لديها القدرة على المنافسة، لكن الاعتقاد الأكبر أنها لن تحقق نتائج كما كانت في نتائج الانتخابات المحلية والتشريعية عامي 2005 و2006».