احتكار نقل الفوسفات السوري يعيد للواجهة ملف الهيمنة الإيرانية - الروسية

منجم خنيفس للفوسفات في محافظة حمص وسط سوريا
منجم خنيفس للفوسفات في محافظة حمص وسط سوريا
TT

احتكار نقل الفوسفات السوري يعيد للواجهة ملف الهيمنة الإيرانية - الروسية

منجم خنيفس للفوسفات في محافظة حمص وسط سوريا
منجم خنيفس للفوسفات في محافظة حمص وسط سوريا

أعاد الجدل المثار حول احتكار أحد المتنفذين في سوريا خطوط نقل الفوسفات، إلى الواجهة ملف الهيمنة الإيرانية - الروسية على الفوسفات السوري.

وسرَّب مصدر في وزارة النقل السورية معلومات تتعلق باحتكار أحد أصحاب رؤوس الأموال المعروفين في سوريا، ومن «المقربين جداً من مراكز القرار»، لخطوط نقل الفوسفات داخل الأراضي السورية، ودخل نحو 400 شاحنة جديدة لنقل الفوسفات إلى الخدمة، سيتبعها دخول نحو 600 شاحنة أخرى لاحقاً.

ونقل موقع «هاشتاغ» المحلي عن أحد مالكي الشاحنات العاملة منذ سنوات على خطوط نقل الفوسفات تعبير العاملين في هذا القطاع عن الاستياء من احتكار سوق نقل الفوسفات. والقول إن لهذا الأمر «آثاراً سلبية جمة، أهمها احتكار السوق في يد شخص واحد وتحكمه بها بشكل شبه تام».

وزير النفط والثروة المعدنية المهندس بسام طعمة في زيارة لمنجم الفوسفات (أرشيفية)

وبيَّن المصدر في وزارة النقل السورية لموقع «هاشتاغ» أن ألف شاحنة جديدة ستعمل في مجال نقل الفوسفات من الداخل السوري إلى ميناء طرطوس وميناء طرابلس في لبنان، ومنهما إلى «الدول الصديقة المستفيدة»، دون تسمية الدول المستفيدة.

وقال المصدر إن المستثمر الذي تتبع له تلك الشاحنات حصل على «جميع الموافقات والتسهيلات اللازمة التي ستتيح له تشغيل آلياته ضمن جميع أراضي البلاد»، فيما يشبه «احتكار» الاستثمار في نقل الفوسفات الذي كانت تنتفع منه عشرات رؤوس الأموال.

وعدّت مصادر محلية تلك «التسريبات» رسائل موجهة من أطراف في الحكومة تفيد بوجود خلاف على تقاسم عائدات خطوط نقل الفوسفات بين الأطراف المسيطرة على هذا القطاع، وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن تكلفة كل شحنة فوسفات تتراوح بين الألفين والألفين وخمسمائة دولار، وفضلاً عن أن أموالاً طائلة ستصب لدى طرف واحد، في حال الاحتكار، فإن ذلك لا شك سيلحق الضرر بسائقين سينقطع مورد رزقهم، لصالح آخرين يتبعون للطرف المحتكر، إلا أن الأهم في هذا التسريب صفة التحاصص الجديدة، التي قد لا تكون مرضية لأطراف أخرى تستفيد من عائدات نقل الفوسفات، منها الميليشيات المسلحة التي تحمي قوافل شحن الفوسفات في البادية وحواجز القوات الحكومية والجهات الأمنية السورية.

منجم الفوسفات في حمص بسوريا (سانا)

ويعاني قطاع النقل عموماً في سوريا من شحّ الوقود وارتفاع أسعاره، بالإضافة إلى معاناة قطاع الشحن بشكل خاص من مخاطر أمنية على الطرق الدولية، بسبب انتشار المجموعات المسلحة، وخلايا تنظيم «داعش»، وانتشار الحواجز للقوى المسيطرة، حسب المناطق، الأمر الذي يضاعف تكاليف النقل، علماً بأن هناك شركات نقل خاصة تتولى بموجب عقود مع الشركات التي تستخرج الفوسفات لصالح إيران وروسيا، عمليات نقل الفوسفات من منجمي الصوانة وخنيفيس في بادية تدمر وسط سوريا إلى مرفأي طرطوس على الساحل السوري ومرفأ طرابلس اللبناني، وبراً إلى معبر البوكمال ثم العراق ثم إيران.

كما تقوم الميليشيات التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني و«حزب الله» اللبناني في سوريا بحماية عبور الفوسفات المتوجه إلى العراق ولبنان، حيث تم تركيز معظم القواعد العسكرية والميليشيات التابعة لإيران في البادية السورية ومناطق الحدود مع لبنان بريفي حمص ودمشق، ومروراً بالبادية شرق تدمر، وصولاً إلى دير الزور والحدود مع العراق، حيث تمر خطوط الإمداد التي تُعدّ شريان المصالح الإيرانية في المنطقة.

وتشرف إيران على استخراج الفوسفات من منجم «خنيفس» باحتياطي يبلغ 300 مليار طن، فيما تشرف موسكو على استخراجه من منجم «صوانة - الشرقية» باحتياطي يُقدَّر حجمه بـ1.5 مليار طن من صخور الفوسفات، وتقوم موسكو التي تحصل على 70 في المائة من الإنتاج مقابل 30 في المائة للحكومة السورية، بتسويق الفوسفات السوري إلى عدة دول أوروبية رغم العقوبات.

فيما تسعى إيران إلى زيادة واردتها من الفوسفات السوري من 400 ألف طن سنوياً، قبل الحرب والتدخل الإيراني في سوريا عام 2011، إلى 800 ألف طن من سنوياً، بحسب وثيقة إيرانية مسربة نشرها موقع «إيران إنترناشيونال» قالت إن «منظمة الطاقة الذرية الإيرانية» طلبت «زيادة كمية الفوسفات السوري المستوردة (لاستخراج اليورانيوم وصنع الكعكة الصفراء)».

وتُعدّ سوريا الأولى عالمياً في احتياطي الفوسفات المقدَّر بأكثر من 2.1 مليار طن، والقسم الأكبر منه في منجمَي «الصوانة - الشرقية وخنيفيس»، جنوب غربي مدينة تدمر، المنطقة الواقعة تحت السيطرة الإيرانية والروسية.


مقالات ذات صلة

قنابل ومفاوضات... نهج ترمب تجاه إيران يثير الارتباك

الولايات المتحدة​ دونالد ترمب (إ.ب.أ) p-circle

قنابل ومفاوضات... نهج ترمب تجاه إيران يثير الارتباك

بعد 3 أشهر من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحرب على إيران، يحير نهجه الذي يبدو عشوائياً تجاه الصراع الحلفاء في الداخل والخارج.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية السلطات الكويتية أعلنت في 12 مايو الحالي القبض على 4 متسللين تابعين لـ«الحرس ‌الثوري» الإيراني بعد محاولتهم دخول البلاد عن طريق البحر (كونا)

بغداد تدين هجمات صاروخية استهدفت الكويت

أدان العراق، الجمعة، استهداف دولة الكويت بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في موقف جاء عقب إعلان الكويت تعرض أراضيها لهجمات قالت إنها إيرانية.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية صواريخ إيرانية معروضة بمتحف الوحدة الصاروخية التابع لـ«الحرس الثوري» بطهران (رويترز)

تقارير: إيران استعادت جزءاً من منشآتها الصاروخية

أظهرت صور أقمار اصطناعية، وفق تحليل أجرته شبكة «CNN»، أن إيران قد تكون شرعت في إعادة تشغيل جزء واسع من منشآتها الصاروخية تحت الأرض.

شؤون إقليمية إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)

هل تعمل واشنطن وطهران على مسودة واحدة للاتفاق؟

يقول مسؤولون مشاركون في المحادثات إن مسودة مذكرة جديدة قيد النقاش أصبحت أقرب إلى نيل موافقة الجانبين رغم استمرار الخلافات حول بعض البنود

فارناز فاسيهي (نيويورك) إريكا سولومون (نيويورك)
شؤون إقليمية صورة جوية تُظهر سفناً راسية عند مضيق «هرمز» كما شوهدت من محافظة مسندم في سلطنة عمان 25 مايو (رويترز)

رهان «من يرمش أولاً» يختبر واشنطن وطهران في «هرمز»

الصبر الطويل ليس من خصائص القائد الأميركي، فكيف سوف يتحمل حصاراً أطول في مضيق «هرمز» مضاداً للحصار الإيراني؟

نيكولاس كوليش (نيويورك) جون إيسماي (نيويورك)

إسرائيل تحبط مسار المفاوضات الأمنية بالإصرار على التمدد العسكري

متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
TT

إسرائيل تحبط مسار المفاوضات الأمنية بالإصرار على التمدد العسكري

متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)

أحبطت إسرائيل مسار المفاوضات الأمنية مع لبنان، الذي انطلق في واشنطن الجمعة، بإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على مشارف الأراضي اللبنانية المحتلة، توسيع العمليات العسكرية في جنوب لبنان، وعبور قواته نهر الليطاني، فيما قال رئيس الأركان إيال زمير إن «الخط الأصفر لا يقيّدنا»، وإن جيشه سيعمل «في كل مكان نرصد فيه تهديداً».

وبالتزامن مع انطلاق المفاوضات الأمنية بين لبنان وإسرائيل في الولايات المتحدة الجمعة، تلقى الرئيس اللبناني جوزيف عون اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، جرى خلاله عرض للأوضاع العامة في لبنان والمنطقة والتطورات الراهنة. وأكد الرئيس عون، خلال الاتصال، ضرورة بذل كل الجهود الممكنة من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، باعتباره المدخل الأساسي للانتقال إلى أي خطوة أخرى، والممر الضروري لتهيئة الظروف المناسبة لمعالجة مختلف الملفات والقضايا المطروحة.

وقالت الرئاسة اللبنانية إن الوزير روبيو «جدّد التزام الإدارة الأميركية بالاستمرار في مساعيها لتثبيت مخرجات لقاءات واشنطن السابقة، كما دعمها استقرار لبنان واستقلاله وسيادته على كامل أراضيه، وحقّه الطبيعي والكامل في تقرير مصيره».

نتنياهو

وفيما كانت الجلسة تُعقد في واشنطن، بمطلب لبناني حاسم بوقف إطلاق النار، قال نتنياهو خلال زيارة للفرقة 36 على الحدود الشمالية إن «القوات الإسرائيلية تواصل عملياتها ضد (حزب الله) في جنوب لبنان والبقاع ومحيط بيروت»، مؤكداً أن الجيش الإسرائيلي «يعمل دون توقف على مختلف الجبهات».

وأضاف أن القوات الإسرائيلية «عبرت نهر الليطاني وتجاوزته»، مشيراً إلى أن الجيش يواصل تنفيذ ضربات مكثفة ضد أهداف تابعة لـ«حزب الله» ضمن ما وصفه بمنع التهديدات التي تستهدف المستوطنات الشمالية.

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زمير خلال زيارته جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

تخطي الخط الأصفر

بالموازاة، قام رئيس الأركان، الجنرال إيال زمير، بزيارة إلى الفرقة 210، حيث أجرى تقييماً للوضع من موقع رصد في المواقع المتقدمة في هار دوف (مزارع شبعا المحتلة) داخل الأراضي اللبنانية، المطلة على وادي عيون وعلى السلاسل الجبلية المسيطرة شمالاً وغرباً في جنوب لبنان، وذلك إلى جانب القادة في الميدان. كما شاهد تشغيل النيران من قبل القوات الإسرائيلية في الميدان، حسبما قال الجيش الإسرائيلي، في بيان.

وقال زمير: «هناك ضربات تراكمية وغير مسبوقة ضد (حزب الله)، من آلاف المخربين حتى قادة كبار وطبقات قيادية متوسطة. لا يوجد مكان يشكل حصناً لـ(حزب الله)، ولا يوجد مكان يتمتع فيه بالحصانة». وتابع: «الخط الأصفر لا يقيّدنا، في كل مكان نرصد فيه تهديداً وفي كل مكان نحتاج فيه إلى إزالة تهديد، سنعمل، وفي كل مكان توجد فيه حاجة عملياتية للمناورة، سنناور. كل ضربة لـ(حزب الله) هي أيضاً ضربة للمحور الإيراني والاستثمار الإيراني في المنطقة. نحن مستعدون لأي تطور، ونحافظ على جاهزية عالية أيضاً في مواجهة إيران».

وقال زمير إن «هدفنا واضح، تعميق ضرب (حزب الله)، وإبعاد التهديد، وتعزيز الدفاع عن بلدات الشمال. هذا هو الهدف المركزي الذي يوجّه كل عمل وكل قرار. حتى في هذه اللحظات قواتنا تتقدم وتعمل. كل إنجاز إضافي على الأرض يعزز أمن السكان ويساهم في خلق ظروف أفضل لترتيبات أمنية مستقبلية محسّنة من موقع قوة».

وإذ أعلن عن قتل 7500 مقاتل في «حزب الله»، بينهم 2500 منذ بدء الحرب الحالية، قال إن «تهديد الطائرات المسيّرة هو تحدٍ، لكننا سننتصر عليه. ساحة المعركة ليست نظيفة، ولن تكون كذلك، لكننا نستثمر فيها أفضل الموارد والعقول والقدرات في جيش الدفاع»، لافتاً الى «حلول عملياتية وتكنولوجية في مراحل التطوير والتطبيق، وسنواصل إدخالها إلى ساحة المعركة بسرعة».

قلق بريطاني

ويثير التصعيد الإسرائيلي قلقاً دولياً. وقال السفير البريطاني لدى لبنان هاميش كول: «نحن قلقون جداً إزاء الوضع في جنوب لبنان»، لافتاً إلى مقتل مدنيين، بينهم مسعفون، وهدم القرى والبنى التحتية المدنية والمخاطر التي تهدد مواقع التراث الثقافي ذات الأهمية العالمية.

وقال، في تصريح: «هناك حاجة ماسة إلى خفض التصعيد، كما على الأطراف جميعهم احترام وقف إطلاق النار والالتزام بالقانون الدولي الإنساني».

وتابع: «تُشكل المحادثات بقيادة الولايات المتحدة فرصة تاريخية للتوصل إلى اتفاق تفاوضي، وهو السبيل الوحيد الذي يُمكّن المجتمعات على جانبي الحدود من العودة بثقة إلى العيش بسلام. وستعمل المملكة المتحدة مع شركائها على دعم إنهاء هذا الصراع غير المرغوب فيه وغير الضروري بشكل دائم».

تداعيات إنسانية

ومع توسع الحرب، رفع منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان، عمران ريزا، مستوى التحذير من التداعيات الإنسانية للتصعيد، معتبراً أن المدنيين يتحملون العبء الأكبر للأعمال العدائية وأوامر التهجير.

وقال ريزا إن أوامر الإخلاء الواسعة وغير الواضحة في صور والنبطية ومناطق جنوب الزهراني تسببت بحالة واسعة من الذعر والمعاناة، وأجبرت أعداداً كبيرة من العائلات على النزوح مجدداً بحثاً عن الأمان.

وأشار إلى أن القطاع الصحي يتعرض لضغوط غير مسبوقة، موضحاً أن 182 هجوماً استهدفت مرافق وعاملين صحيين منذ الثاني من مارس (آذار)، وأسفرت عن مقتل 125 من العاملين في القطاع الصحي وإصابة 311 آخرين.

وأضاف أن مراكز الإيواء بلغت طاقتها القصوى، فيما لا تزال المدارس تُستخدم لاستضافة النازحين، ما يحرم آلاف الأطفال من حقهم في التعليم.

صورة مركبة لغارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

بالتوازي مع التحذيرات الإنسانية، حذّر وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة من المخاطر التي تهدد مواقع أثرية أساسية في لبنان نتيجة الغارات الإسرائيلية.

ودعا سلامة منظمة «اليونيسكو» إلى تعيين مفوض خاص، وإرسال لجنة تحقيق لتقييم الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية، فور التوصل إلى هدنة، مشيراً إلى أن لبنان وضع إشارات الحماية الدولية الخاصة بالمواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي، إلا أن القصف استمر رغم ذلك.


مفكر مقرّب من نتنياهو: «حزب الله» جر إسرائيل لحرب استنزاف

جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
TT

مفكر مقرّب من نتنياهو: «حزب الله» جر إسرائيل لحرب استنزاف

جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)

في الوقت الذي يطالب فيه الجيش الإسرائيلي بإطلاق يده لتصعيد أكبر في لبنان، خرج البروفسور إيال زيسر، الذي يعدّ اليوم عميد أحزاب اليمين، بموقف سياسي علني ضده؛ يشير فيه إلى أن العمليات الحربية في لبنان باتت خطأ استراتيجياً يلحق أضراراً جسيمة في المصالح الإسرائيلية، ويظهر إخفاقاً شديداً في إدارة الحرب.

وقال زيسر، في مقابلة مع إذاعة إسرائيلية، إن هذه العمليات التي تستهدف بالأساس البيئة الشيعية في لبنان، لن تعود بأي نتيجة إيجابية لإسرائيل، مثلها كمثل المساس بالمواطنين في قطاع غزة؛ فلا هذه أثرت على قيادة «حماس»، ولا تلك أثرت على قيادة «حزب الله». كلاهما عمق الشعور بأنهما ضحية. وهي تؤدي إلى التفاف جماهيري حول «حزب الله» يسهم في إنقاذه من السقوط، بعدما تلقى ضربات قاسية، وتعدّ أيضاً نجاحاً للحزب في جرّ إسرائيل إلى حرب استنزاف غبية لاصطياد جنودها. ويكلف احتلال الأراضي اللبنانية إسرائيل ثمناً باهظاً؛ فقْدها جنودها وأخْذها إلى أماكن بعيدة عن مصالحه.

انتقادات في الجبهة الإيرانية

انتقد زيسر الأداءين الأميركي والإسرائيلي في الجبهة الإيرانية أيضاً، لأنه لم يأخذ في الحسبان مفاهيم وعقائد النظام هناك؛ فقد وضعا هدفاً هو إسقاط النظام، وما دامت الحرب ستنتهي من دون إسقاطه، فإنه سيظهر لشعبه أنه صمد. وهذا الصمود بحد ذاته خطير لأنه يعيد للنظام ثقته بنفسه، رغم كل ما تعرض له من تصفيات وتدمير.

ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة، لأنه جاء مناقضاً بشكل صدامي مع قيادة الجيش الإسرائيلي، التي تتهم الحكومة بتقييد أيديها ومنعها من إكمال مهامها، وتطالب بمنحها فرصة القصف الجارف في بيروت، وعدم اقتصار العمليات على الاغتيالات. وينطلق الجيش في هذا الموقف من ردود الفعل التي تتسم بالنقد الحاد في الشارع الإسرائيلي، حيث يُتهم بالفشل في توفير الأمن لسكان الشمال.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نادي مارالاغو ببالم بيتش فلوريدا - 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

التزام برؤية ترمب

يزعج هذا الموقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لأنه يعارض التصعيد الأكبر؛ ليس بإرادته بل نتيجة لالتزامه بإرادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وهو يقول إن هذا الرئيس، الأفضل لإسرائيل، الذي أثبت أنه يدعمها أكثر من أي رئيس قبله، ويحتاجه نتنياهو لدعمه شخصياً في معركة البقاء التي يخوضها حتى على صعيد معركته القضائية في محاكمة الفساد.

ويدل خروج البروفسور زيسر بهذا الموقف الحاد ضد خطط الجيش، على أن نتنياهو بدأ يمهد لوقف الحرب؛ ليس لأنه يريد وقفها، فهو أكثر من يريد استمرار الحرب؛ لكنه مقتنع بأن الإدارة الأميركية حسمت أمرها لوقف الحرب، على الأقل في هذه المرحلة، عشية افتتاح المونديال والاحتفالات المقبلة في يوليو (تموز) لمناسبة مرور 250 سنة على تأسيس الولايات المتحدة. وهو لا يريد إحراج الرئيس ترمب، الذي يتعرض لحملة في الشارع الأميركي تتهمه بأنه يندفع لهذه الحرب بتأثير نتنياهو، ويفكر في الالتزام بما يريده الرئيس الآن، و«يثق في أن غرور القيادة الإيرانية سيجعلها تخرب أي اتفاق يتم التوصل إليه، وعندها تنفجر الحرب من جديد بسببها، وليس بسبب إسرائيل».

وفي هذه الأثناء، عاد نتنياهو إلى «عقيدة الشك» ليتهم الجيش والدولة العميقة بالتآمر عليه ومحاولة إسقاطه في الانتخابات القريبة، التي ستجري في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. ويرى أنه في هذا الوقت يجب التركيز على الإنجازات التي تحققت في الحرب على كل الجبهات، وليس التورط في مزيد من العمليات الحربية. وراح يستخدم تعابير يستخدمها اليسار الراديكالي في العادة؛ مثل «توسع الحرب يورط إسرائيل في حرب استنزاف»، و«لا يحقق أهداف الحرب». ويتحدث عن ضرورة وجود نفس طويل في إسرائيل، فالمعركة طويلة ولا تحسم بضربة واحدة، وغير ذلك من المواقف غير المألوفة بقاموس نتنياهو.


لبنان وإسرائيل يتقدمان نحو ترتيبات أمنية برعاية أميركية

الجدار الحدودي الفاصل بين لبنان وإسرائيل (أ.ف.ب)
الجدار الحدودي الفاصل بين لبنان وإسرائيل (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل يتقدمان نحو ترتيبات أمنية برعاية أميركية

الجدار الحدودي الفاصل بين لبنان وإسرائيل (أ.ف.ب)
الجدار الحدودي الفاصل بين لبنان وإسرائيل (أ.ف.ب)

أجرى الجيشان اللبناني والإسرائيلي الجمعة محادثات مباشرة لا سابق لها في وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)، ضمن مسار أمني موازٍ للمفاوضات السياسية التي بدأت قبل أسابيع، وتشهد جولة جديدة الثلاثاء والأربعاء المقبلين، رغم مضي إسرائيل في احتلال أجزاء واسعة من لبنان في ظل القتال مع مجموعات «حزب الله».

وكانت الولايات المتحدة استضافت مفاوضين لبنانيين وإسرائيليين في ثلاث جولات من محادثات «المسار السياسي» منذ إعلان وقف النار في منتصف أبريل (نيسان) الماضي. ويهدف الاجتماع إلى إحراز تقدم جوهري على اتفاق إطاري يشمل ترتيبات أمنية برعاية أميركية.

ومع بدء محادثات المسار الأمني في «البنتاغون» صباح الجمعة، حضر وفد لبناني رفيع بقيادة مدير العمليات في الجيش العميد الركن جورج رزق الله، وعضوية العميد الركن زياد رزق الله، والعميد الركن شادي أبو كروم، والعميد الركن وائل عباس، والعقيد مازن الحاج، والعقيد وديع رفول، بالإضافة إلى الملحق العسكري اللبناني في واشنطن العميد الركن أوليفر حاكمة. وحضرت السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض افتتاح هذه المحادثات. في المقابل، قاد الوفد الإسرائيلي رئيس القسم الاستراتيجي لمديرية التخطيط في الجيش عميحاي ليفين.

جنود لبنانيون يحملون نعش الجندي علاء مدلج الذي قتل بغارة إسرائيلية (أ.ف.ب)

وقف النار

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري لبناني أن الوفد «سيشدد على ضرورة وقف إطلاق النار، ويعرض خطة الجيش لحصر السلاح، وبسط سلطة الدولة على الأراضي اللبنانية». وخلال المحادثات، قدم الوفد اللبناني شرحاً مفصلاً عما أدت إليه الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الأراضي اللبنانية، والتي لم تقتصر على «حزب الله». واعتبر أحدهم أن «الهجمات لم تؤدِ إلى النتيجة التي تتوخاها إسرائيل. وبالتالي يجب أن تتولى الحكومة اللبنانية زمام الأمور للقيام بواجباتها فيما يتعلق بالحفاظ على السيادة اللبنانية باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة باحتكار حمل السلاح». وأضاف أن «المدخل إلى ذلك هو الوقف الثابت لإطلاق النار»، والشروع في عملية «خطوة مقابل خطوة».

جنود إسرائيليون يحملون نعش الجندي نوعام همبرغر الذي قتل بمسيرة أطلقها «حزب الله» (أ.ب)

ومع ذلك، واجه مطلب لبنان وقف النار «تحدياً كبيراً» في ظل الدعم الأميركي الواضح للعمليات العسكرية الإسرائيلية ضد «حزب الله». وكرر المسؤولون الأميركيون في الآونة الأخيرة أنه «من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها، وأن تتحرك بحرية لمواجهة تهديدات (حزب الله)».

ويركز الموقف الإسرائيلي على «ضرورة أن تباشر الدولة اللبنانية فوراً في عملية نزع سلاح (حزب الله)». وتطالب إسرائيل أيضاً بإنشاء لجنة تنسيق مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي. وعلمت «الشرق الأوسط» أن الوسطاء الأميركيين، بالإضافة إلى «معالجة الأوضاع الآنية»، يضعون «خططاً استراتيجية مفصلة» يمكن العمل عليها من الجانبين اللبناني، والإسرائيلي، ولا سيما لجهة العمل على «تفكيك» الجناحين العسكري والأمني لـ«حزب الله» باعتباره «أساساً لترتيبات أمنية مستقبلية» تضمن «استعادة لبنان سيادته على كامل أراضيه»، كما تكفل «الأمن التام لإسرائيل، ولا سيما في مناطقها الشمالية».

وناقش المجتمعون اقتراحات عرضت سابقاً على الطرفين، وتشمل إنشاء «آلية مراقبة» لتنفيذ الاتفاقات الأمنية على غرار القوة متعددة الجنسية التي أنشئت في سيناء بعد التوصل إلى اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل.

اتفاق الهدنة

ويأمل الجانب اللبناني اعتماد اتفاق الهدنة لعام 1949 بين لبنان وإسرائيل، فيما لم يؤكد أي مسؤول أميركي بعض التسريبات اللبنانية عن أن المحادثات شملت إنشاء «مناطق نموذجية» تنسحب منها القوات الإسرائيلية وتسليمها للجيش اللبناني، على سبيل الاختبار. فإذا نجحت، يجري الانسحاب من المزيد من المناطق.