مليار يورو من الاتحاد الأوروبي لاحتواء قوارب اللاجئين من لبنان… دون حل أزمتهم

رئيسة المفوضية تعول على التعاون لمكافحة تهريب المهاجرين

ميقاتي ورئيسة المفوضية الأوروبية والرئيس القبرصي خلال مراسم الاستقبال الرسمي في السراي الحكومي ببيروت (رويترز)
ميقاتي ورئيسة المفوضية الأوروبية والرئيس القبرصي خلال مراسم الاستقبال الرسمي في السراي الحكومي ببيروت (رويترز)
TT

مليار يورو من الاتحاد الأوروبي لاحتواء قوارب اللاجئين من لبنان… دون حل أزمتهم

ميقاتي ورئيسة المفوضية الأوروبية والرئيس القبرصي خلال مراسم الاستقبال الرسمي في السراي الحكومي ببيروت (رويترز)
ميقاتي ورئيسة المفوضية الأوروبية والرئيس القبرصي خلال مراسم الاستقبال الرسمي في السراي الحكومي ببيروت (رويترز)

شكّل إعلان رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين من بيروت عن مساعدات بقيمة مليار يورو دعماً «لاستقرار» لبنان، محاولة لاحتواء قوارب تهريب اللاجئين غير الشرعيين إلى أوروبا انطلاقاً من الشواطئ اللبنانية، لكنه لم ينجح في إيجاد حل سريع ومباشر لأزمة لبنان من اللاجئين السوريين الذين يناهز عددهم المليوني لاجئ، وتقول السلطات إنهم باتوا عبئاً على البلاد.

وحطت المسؤولة الأوروبية برفقة الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليديس في بيروت، بعد إعادة نيقوسيا في الفترة الأخيرة قوارب مهاجرين انطلقت بصورة غير نظامية من لبنان، وجاءت الزيارة على وقع تكرار بيروت مطالبة المجتمع الدولي بإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، بعد توقف المعارك في محافظات سورية عدة.

وقالت فون دير لاين خلال مؤتمر صحافي إثر لقائها والرئيس القبرصي رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي: «أستطيع الإعلان عن حزمة مالية بقيمة مليار يورو للبنان، ستكون متاحة بدءاً من العام الحالي حتى 2027» من أجل المساهمة في «الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي». وأضافت مخاطبة السلطات: «نعوّل على تعاونكم الجيد لمنع الهجرة غير النظامية ومكافحة تهريب المهاجرين»، في إشارة إلى قوارب الهجرة غير النظامية التي تنطلق من سواحل لبنان. وأكدت كذلك عزم الاتحاد الأوروبي على دعم الجيش والقوى الأمنية اللبنانية عبر «توفير معدات وتدريب على إدارة الحدود».

استقبال رسمي لرئيسة المفوضية الأوروبية والرئيس القبرصي في مقر إقامة رئيس البرلمان اللبناني (أ.ب)

تفعيل الهجرة الشرعية

ولم تترك الزيارة انطباعاً لدى معظم المسؤولين اللبنانيين بأنها أوجدت حلاً لمسألة اللاجئين التي يعاني منها لبنان، وانفجرت أخيراً على المستويين السياسي والأمني، كون المساعدة «تقنية»، وتمتد لأربع سنوات، بما يقارب الـ250 مليون يورو سنوياً، وتشمل تمكين الأجهزة العسكرية والأمنية، ما يعني أن اهتمامها ينصب على ضبط الحدود التي يتدفق منها السوريون إلى لبنان، كما ضبط البحر الذي يحاول السوريون النفاذ منه إلى الشواطئ الأوروبية.

غير أن رقم المساعدة المالية في هذا السياق، «ليس الأهم في الزيارة»، كما قال رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان النائب فادي علامة الذي شارك في اجتماعات فون دير لاين وخريستودوليديس مع ميقاتي ورئيس البرلمان نبيه بري، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المهم في الزيارة أن «هناك مقاربة جديدة للتعامل مع أزمة النازحين وهواجس لبنان، مختلفة عن السابق». وقال علامة: «للمرة الأولى هناك جدية أوروبية، وبراغماتية ونظرة مختلفة في التعامل مع الملف، حيث ظهرت لديهم قناعة بأن هذا الواقع لا يمكن أن يبقى من دون معالجة، وهو واقع غير مستدام».

وأضاف: «ليس الهدف هو الدعم المالي الذي سيكون بمعظمه مساعدة تقنية للأجهزة الأمنية، بل الأهم هو الإنجاز الذي تحقق لجهة أنه باتت هناك قناعة بأن الوضع لا يُترك، وليست وظيفة لبنان أن يكون شرطياً لأوروبا»، لافتاً إلى أنه خلال الاجتماعات طُرحت مسألة تفعيل الهجرة الشرعية للأشخاص الذين لهم حق اللجوء من لبنان إلى أوروبا وتنظيمها، كما طُرح ملف وضع الضوابط التقنية لمنع التدفق عبر الحدود، وذلك لضبط حركة النازحين من سوريا باتجاه لبنان. وإضافة إلى ذلك، «كان هناك تحفيز للاتفاق مع صندوق النقد الدولي وإقرار القوانين الإصلاحية المطلوبة، كي يتمكن لبنان من الحصول على مساعدات تمكنه من النهوض من أزماته الاقتصادية».

وأشار علامة إلى أنه في الاجتماعات «كان هناك تمنٍّ بتشكيل لجنة مشتركة بين لبنان والاتحاد الأوروبي لاستكمال متابعة الملف، فيما أكد الرئيس بري ضرورة التواصل بين الاتحاد والحكومة السورية التي تعد المعنية أساساً بإعادة النازحين»، لافتاً إلى أن لبنان طلب «تجاوباً أكثر من قبل مفوضية اللاجئين لتسريع حل الأزمة، وتحويل المساعدات إلى الداخل السوري لضمانة وقف التدفق، ولتشجيع الآخرين على العودة إلى المناطق الآمنة»، وهي قضايا تحتاج إلى تواصل بين الاتحاد ودمشق.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال مؤتمر صحافي مشترك مع ميقاتي (رويترز)

فون دير لاين

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية بعد لقائها ميقاتي: «ناقشنا كيفية تعزيز علاقاتنا السياسية والاقتصادية، ودعم أمن لبنان واستقراره»، وأعلنت عن الحزمة المالية. وأكدت: «إننا نريد أن نسهم في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في لبنان، من خلال تعزيز الخدمات الأساسية، مثل التعليم والحماية الاجتماعية والصحة للشعب اللبناني، وسنواكبكم في المضي قدماً بالإصلاحات الاقتصادية والمالية والمصرفية» التي عدّتها أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي العام للبلاد في المدى الطويل كون لبنان «في حاجة إلى قوة دفع اقتصادية إيجابية لإتاحة الفرص لشركاته ومواطنيه».

وتشمل المساهمة الأوروبية بحسب فون دير لاين «الأمن والاستقرار»، موضحة أن البرنامج «سيركز على توفير المعدات والتدريب لإدارة الحدود». وقالت: «سيكون من المفيد جداً للبنان أن يبرم ترتيبات عمل مع الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس)، خصوصاً بشأن تبادل المعلومات والوعي بالأوضاع».

وأضافت: «لمساعدتكم في إدارة الهجرة، نحن ملتزمون بإبقاء المسارات القانونية مفتوحة إلى أوروبا، وإعادة توطين اللاجئين من لبنان إلى الاتحاد الأوروبي. في الوقت نفسه، نعوِّل على حُسن تعاونكم لمنع الهجرة غير الشرعية ومكافحة تهريب المهاجرين».

بري يصافح رئيسة المفوضية الأوروبية والرئيس القبرصي خلال زيارتهما إلى بيروت (إ.ب.أ)

رئيس قبرص

من جهته، قال الرئيس القبرصي في المؤتمر الصحافي: «لا يمكننا الاستمرار في العمل كما المعتاد، ويجب معالجة المشكلة التي طال أمدها بشكل فعال وحاسم»، مشدداً على أن «الوضع الحالي غير مستدام بالنسبة إلى لبنان وقبرص والاتحاد الأوروبي». وأعرب عن اعتقاده بأنّ حزمة المساعدات الأوروبية «ستعزز قدرة السلطات اللبنانية على التعامل مع تحديات عدّة، بما في ذلك مراقبة الحدود البرية والبحرية (...) ومكافحة تهريب الأشخاص».

ميقاتي يتوسط رئيسة المفوضية الأوروبية والرئيس القبرصي في السراي الحكومي ببيروت (د.ب.أ)

وجدّد ميقاتي الخميس في كلمة خلال المؤتمر الصحافي التأكيد على أن «الواقع الحالي لهذا الموضوع بات أكبر من قدرة لبنان على التحمّل، خصوصاً وأن عدد النازحين بات يناهز ثلث عدد اللبنانيين، مع ما يترتب على ذلك من أعباء وتحديات تضاعف من أزمة لبنان الاقتصادية والمالية وتهالك بناه التحتية».

وجدّد مطالبة الاتحاد الأوروبي بـ«دعم النازحين في بلادهم لتشجيعهم على العودة الطوعية ما يضمن لهم عيشاً كريماً في وطنهم». وأوضح: «إذا كنا نشدد على هذه المسألة، فمن منطلق تحذيرنا من تحوّل لبنان لبلد عبور من سوريا إلى أوروبا... ما الإشكالات التي تحصل على الحدود القبرصية إلا عينة مما قد يحصل إذا لم تعالج هذه المسألة بشكل جذري».

مقترح بري

ووصف رئيس البرلمان اللقاء بأنه «كان عملياً بامتياز»، مقترحاً تشكيل لجنة بين لبنان والاتحاد الأوروبي لمتابعة الزيارة والاجتماعات التي واكبتها، و«قد لاقى الاقتراح ترحيباً من رئيسة المفوضية الأوروبية»، حسبما أعلنت رئاسة مجلس النواب في بيان. وجدّد بري تأكيد «أهمية التواصل من سائر الأطراف المعنية بمقاربة ملف النازحين مع الحكومة السورية التي بات حضورها على معظم أراضيها».


مقالات ذات صلة

انفراج بملف الموقوفين السوريين في لبنان

المشرق العربي عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية إلى جانب الحدود مع إسرائيل (أرشيفية - رويترز)

انفراج بملف الموقوفين السوريين في لبنان

توقع مصدر وزاري بارز بداية انفراج في ملف المحكومين، والموقوفين السوريين في السجون اللبنانية يقضي بالإفراج عنهم على مراحل

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قمم جبل الريحان في جنوب لبنان... 9 يناير 2026 (أ.ف.ب)

مقتل شخصين في غارتين إسرائيليتين بجنوب لبنان

قُتل شخصان في غارتين إسرائيليتين على جنوب لبنان ليل الخميس وصباح الجمعة، بحسب ما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم العربي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)

عبد العاطي يؤكد لسلام دعم مصر لمؤسسات لبنان في الحفاظ على الأمن والاستقرار

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، دعم القاهرة للمؤسسات الوطنية اللبنانية للاضطلاع بمسؤولياتها الكاملة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي حاويات ورافعات استأنفت عملها بمرفأ بيروت بعد الانفجار عام 2020 (أرشيفية-رويترز)

اهتمام غربي بتعزيز الرقابة على المرافئ الحدودية اللبنانية

عاد أمن مرفأ بيروت إلى واجهة الاهتمام الدولي، من زاوية التكنولوجيا، والأمن، وضبط الإيرادات، بما يعكس تحوّلاً في المقاربة الدولية تجاه لبنان.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

الأردن يؤكد دعمه لسيادة لبنان وجهود بناء مؤسساته

جدد رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان تأكيده على دعم بلاده للبنان وأمنه واستقراره وسيادته، وللجهود الكبيرة التي تُبذل لبناء مؤسساته.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

القوات السورية تتقدَّم في الرّقة بعد حلب

جنود سوريون يدخلون على ظهر دبابة مدينة مسكنة في ريف حلب الشرقي بعد انسحاب قوات «قسد» منها أمس (أ.ف.ب)
جنود سوريون يدخلون على ظهر دبابة مدينة مسكنة في ريف حلب الشرقي بعد انسحاب قوات «قسد» منها أمس (أ.ف.ب)
TT

القوات السورية تتقدَّم في الرّقة بعد حلب

جنود سوريون يدخلون على ظهر دبابة مدينة مسكنة في ريف حلب الشرقي بعد انسحاب قوات «قسد» منها أمس (أ.ف.ب)
جنود سوريون يدخلون على ظهر دبابة مدينة مسكنة في ريف حلب الشرقي بعد انسحاب قوات «قسد» منها أمس (أ.ف.ب)

بدأ الجيش السوري، أمس، دخولَ محافظة الرقة في شمال البلاد، بعد انسحاب «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) من ريف حلب الشرقي، وسط تبادل للاتهامات بين الطرفين.

ودخل قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، على خط الأزمة، وقال في بيان: «ندعو قوات الحكومة السورية لوقف أي عمليات هجومية بين حلب والطبقة» جنوب الرقة. وتابع: «نرحّب بجهود جميع الأطراف في سوريا لمنع التصعيد والسعي للحل عبر الحوار».

وجاء موقفه عقب إعلان الجيش السوري سيطرته على حقلَي نفط بريف الرقة كانا بيد القوات الكردية المنضوية ضمن «قسد»، وذلك غداة دخوله مدينتَي دير حافر ومسكنة بريف حلب الشرقي.

وأعلنتِ القوات الكردية، السبت، فرض حظر تجوّل في الرقة، على وقع المعارك مع الجيش السوري الذي يتقدم في المنطقة. في المقابل، نشرت وزارة الدفاع السورية خريطة تحدّد مواقع داخل المحافظة، ودعتِ المدنيين للابتعاد عنها، مهدّدة بضربها «بشكل دقيق»، ومنها هدف قرب مدينة الرقة.

وقالت «قوات سوريا الديمقراطية» في بيان أمس: «تتواصل الاشتباكات العنيفة بين قواتنا وفصائل دمشق التي أقدمت على انتهاك الاتفاقات الأخيرة، وغدرت بقواتنا في أثناء تنفيذ بنود الانسحاب»، مؤكدة تعرّض الريف الغربي لمدينة الرقة لـ«قصف مدفعي وصاروخي متواصل».


تهم فساد تلاحق عيدروس الزبيدي

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
TT

تهم فساد تلاحق عيدروس الزبيدي

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)

أصدر النائب العام اليمني، القاضي قاهر مصطفى، أمس، قراراً بتكليف لجنة تحقيق خاصة للنظر في اتهامات واسعة بالفساد والإثراء غير المشروع وجرائم أخرى منسوبة لرئيس «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل عيدروس الزبيدي.

ونصَّ القرار على مباشرة اللجنة القضائية التحقيق في الوقائع المنسوبة إلى الزبيدي، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة حيالها وفقاً للقانون، مع إلزام الجهات المختصة بتنفيذ القرار بدءاً من تاريخ صدوره.

ويأتي هذا التطور على خلفية تقارير كشفتها قيادات جنوبية، تضمَّنت اتهامات للزبيدي باستغلال النفوذ والسيطرة غير القانونية على أراضٍ وعقارات عامة، والتدخل في قطاع النفط، إلى جانب إدارة شركات تجارية عبر مقربين، ما أسهم - حسب تلك التقارير - في تعميق الانقسام السياسي والاجتماعي بمحافظات الجنوب.

وتشمل الاتهامات الاستحواذ على مساحات واسعة من أراضي المنطقة الحرة وهيئة موانئ عدن، ومنشآت خدمية وتعليمية، إضافة إلى التحكم في عمليات استيراد المشتقات النفطية وتوريد شحنات عبر موانٍ محددة، فضلاً عن امتلاك شركات صرافة وتجارة كبرى.


الجيش السوري يعلن سيطرته على مدينة الطبقة الاستراتيجية وسد الفرات

قوات كردية عند مدخل مدينة الطبقة في محافظة الرقة شمال سوريا (ا.ف.ب)
قوات كردية عند مدخل مدينة الطبقة في محافظة الرقة شمال سوريا (ا.ف.ب)
TT

الجيش السوري يعلن سيطرته على مدينة الطبقة الاستراتيجية وسد الفرات

قوات كردية عند مدخل مدينة الطبقة في محافظة الرقة شمال سوريا (ا.ف.ب)
قوات كردية عند مدخل مدينة الطبقة في محافظة الرقة شمال سوريا (ا.ف.ب)

أعلن الجيش السوري، في وقت مبكر من اليوم (الأحد)، سيطرته على مدينة الطبقة الاستراتيجية وسد الفرات المجاور في شمال البلاد، في خطوة جديدة في مسار تقدمه بمواجهة القوات الكردية التي تمتعت بإدارة ذاتية منذ أكثر من عشر سنوات في المنطقة.

عناصر من القوات الكردية في شاحنة عند مدخل مدينة الطبقة (ا.ف.ب)

بعد أكثر من عام على توليه السلطة، يبسط الرئيس أحمد الشرع، سيطرته على أجزاء جديدة من البلاد، بعدما أصدر الجمعة مرسوماً ينصّ على اعتبار الكردية «لغة وطنية" والنوروز «عيداً وطنياً»، للمرّة الأولى منذ استقلال سوريا عام 1946، إضافة إلى منح كل الأكراد المقيمين في سوريا جنسيتها.

وكان الجيش السوري في بيان سابق أكّد سيطرته على مطار الطبقة العسكري بعد ساعات من بدء دخوله الى المدينة الاستراتيجية المجاورة لأكبر سدود البلاد، وأحد أكبر منشآت الطاقة الكهرومائية في سوريا. وتشكّل الطبقة عقدة مواصلات على محور يربط حلب بشرق سوريا، وتجاور المطار الذي تحول إلى قاعدة عسكرية استراتيجية.

وقبل ذلك أعلن الجيش صباح السبت أن قواته سيطرت على مساحات واسعة من ريف حلب الشرقيّ، غداة إعلان القوات الكرديّة موافقتها على الانسحاب منها، وهدد بقصف محافظة الرقة حيث فرضت الإدارة الذاتية حظرا للتجول.

ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن وزير الإعلام حمزة مصطفى قوله «يسيطر الجيش السوري على مدينة الطبقة الاستراتيجية في ريف الرقة، بما في ذلك سد الفرات، وهو أكبر سد في سوريا».

ونشرت «سانا» مقطع فيديو بدت فيه سيارات، وقالت إنه يظهر «لحظة دخول قوات الجيش العربي السوري إلى مدينة الطبقة الاستراتيجية في ريف الرقة».

وأعلنت «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد من جهتها أنها «اتخذت الإجراءات اللازمة وأعادت الأمن والاستقرار» إلى هذه المنطقة الواقعة على بعد حوالي أربعين كيلومترا من الرقة.

ودعمت الولايات المتحدة قوات سوريا الديموقراطية لسنوات طويلة، لكنها الآن تدعم أيضاً السلطة الجديدة في دمشق التي تشكلت عقب إسقاط حُكم عائلة الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024.

 

خرق الاتفاق

وحضّ قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر القوات الحكومية السورية، السبت، على وقف «أي أعمال هجومية» في المنطقة الواقعة بين مدينتي حلب والطبقة بشمال البلاد، مرحّبا بالجهود «لمنع التصعيد» بينها وبين القوات الكردية.

ومساء الجمعة، أعلن قائد قوات سوريا الديموقراطية «قسد» مظلوم عبدي، أن قواته ستنسحب صباح السبت من المناطق الواقعة إلى الشرق من مدينة حلب «بناء على دعوات من الدول الصديقة والوسطاء، وإبداء لحسن النية في إتمام عملية الدمج» مع السلطات السورية بناء على اتفاق وقّعه الطرفان في العاشر من مارس (آذار) الماضي.

وقال الجيش السوري في بيان بثّه التلفزيون الرسميّ «نعلن عن بسط سيطرتنا على 34 قرية وبلدة بريف حلب الشرقي»، من بينها دير حافر ومسكنة، إضافة إلى مطار عسكريّ.

لكنه اتهم قوات سوريا الديموقراطية بـ«خرق الاتفاق» وإطلاق النار على قواته ما أدى إلى مقتل جنديين وإصابة آخرين.

وقال أيضا إنه أمّن «خروج أكثر من 200 مقاتل من عناصر تنظيم قسد بسلاحهم».

قوات من الجيش السوري خلال عملية استعادة السيطرة على منطقة الطبقة شمال سوريا (ا.ف.ب)

في المقابل، اتهمت قوات سوريا الديموقراطية دمشق بـ«الإخلال ببنود الاتفاق» المبرم «برعاية دولية»، ودخول مدينتي دير حافر ومسكنة «قبل اكتمال انسحاب مقاتلينا ما أدى إلى وضع بالغ الخطورة» متحدثة في بيان لاحق عن «اشتباكات نتيجة الخروقات".

وقالت في بيان إن عددا لم تحدده من مقاتليها قُتل بنيران الجيش السوري.

وجاء هذا الانتشار بعدما تمكن الجيش السوري الأسبوع الماضي من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب، ثاني كبرى المدن السورية، وطلبه منها إخلاء المنطقة الممتدة حتى نهر الفرات على بعد 30 كيلومتراً إلى الشرق.

وأعلنت القوات الكردية، السبت، فرض حظر تجوّل في الرقة بشمال سوريا، على وقع معارك تخوضها مع الجيش السوري الذي يتقدم في المنطقة وأعلن عزمه قصف مواقع عسكرية في هذه المحافظة.

في المقابل نشرت وزارة الدفاع السورية خريطة تحدد مواقع داخل المحافظة، ودعت المدنيين للابتعاد عنها، مهددة بضربها «بشكل دقيق»، ومنها هدف قرب مدينة الرقة.

لكن سرعان ما أعلن الجيش السوري بدء الدخول الى مدينة الطبقة الاستراتيجية «من عدة محاور بالتوازي مع تطويق» مقاتلي حزب العمال الكردستاني «داخل مطار الطبقة العسكري».

وقبيل ذلك، أعلنت السلطات السورية سيطرتها على حقل صفيان النفطي (...) وحقل الثورة بالقرب من مدينة الطبقة في محافظة الرقة، فيما أعلنت الشركة السورية للبترول (حكومية) تسلمها الحقلين تمهيدا «لإعادة وضعهما بالخدمة».

 

اتفاق مارس وتبادل الاتهامات

تتبادل دمشق والإدارة الكردية منذ أشهر الاتهامات بإفشال تطبيق اتفاق مارس الذي كان يُفترض إنجازه في نهاية 2025، ونصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في الدولة السورية.

والتقى عبدي في أربيل، السبت، المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك ورئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني.

ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وبارزاني في اتصال السبت إلى «احتواء فوري للتصعيد» في سوريا و«الاتفاق على وقف دائم لإطلاق النار»، حسبما أورد قصر الإليزيه في بيان.

وإثر إطاحة حكم بشار الأسد، أبدى الأكراد مرونة تجاه السلطة الجديدة، ورفعوا العلم السوري في مناطقهم. إلا أن تمسّكهم بنظام حكم لامركزي وبتكريس حقوقهم في الدستور لم يلقَ استجابة في دمشق.

والجمعة، أصدر الشرع مرسوما يمنح أكراد سوريا حقوقا وطنية لأول مرة منذ استقلالها عام 1946.

وجاء في المرسوم «يُعد المواطنون السوريون الكرد جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، (...) وتُعد اللغة الكردية لغة وطنية (...) وتُمنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية جميعهم (...) ويُعد عيد النوروز (21 مارس) عيداً وطنياً».

وكان نحو 20 بالمئة من الأكراد حرموا من الجنسية إثر إحصاء مثير للجدل أجري في العام 1962.

ووصفت الإدارة الذاتية الكردية السبت المرسوم الذي أصدره الشرع بأنه «خطوة أولى» لكنه «لا يلبي طموحات الشعب السوري».

وقالت الإدارة الذاتية في شمال سوريا وشرقها إن «الحقوق لا تُصان بالمراسيم المؤقتة» بل «بالدساتير التي تعبّر عن إرادة الشعوب والمكوّنات كافّة».

ورأى البيان أن «الحلّ الجذريّ» لمسألة الحقوق والحريات هو «في دستور ديموقراطي لا مركزي»، داعياً إلى «حوار وطنيّ شامل» بهذا الشأن.