العراق يداهم «جمهورية الخوف» في «البتاويين»

وكالات الشرطة والاستخبارات تلاحق عصابات المخدرات والاتجار بالبشر

وزير الداخلية العراقي مع مجموعة ضباط أمام مقر العملية الأمنية في البتاويين (إعلام حكومي)
وزير الداخلية العراقي مع مجموعة ضباط أمام مقر العملية الأمنية في البتاويين (إعلام حكومي)
TT

العراق يداهم «جمهورية الخوف» في «البتاويين»

وزير الداخلية العراقي مع مجموعة ضباط أمام مقر العملية الأمنية في البتاويين (إعلام حكومي)
وزير الداخلية العراقي مع مجموعة ضباط أمام مقر العملية الأمنية في البتاويين (إعلام حكومي)

شنّت القوات العراقية حملةً أمنيةً في «البتاويين»، أحد الأحياء القديمة وسط العاصمة بغداد، المعروف أنه يضم منذ عقود أوكاراً لتجارة المخدرات والجريمة المنظمة.

وقالت الداخلية العراقية، الخميس، إن العملية تستمر أياماً، وتجري بإشراف الوزير عبد الأمير الشمري، بمشاركة وكالات أمنية مختلفة، أبرزها مكافحة المخدرات والاتجار بالبشر.

وفي يومها الأول، أسفرت العملية عن اعتقال 200 شخص، بينهم أستراليون وسودانيون وسوريون مخالفون لقانون الإقامة العراقي.

لكن المصادر الأمنية أبلغت «الشرق الأوسط»، أن الضباط الميدانيين يستهدفون عصابات خطيرة متورطة بعمليات خطف ضمن الاتجار بالبشر، وزعماء شبكات المتاجرة بالمخدرات.

ما «البتاويين»؟

مع نهاية الثلاثينات من القرن الماضي كانت منطقة «البتاويين» أرضاً زراعية يقطنها فلاحون، قبل أن يبدأ اليهود العراقيون ببنائها مطلع الأربعينات، الذين نزحوا إثر عمليات النهب التي حدثت عام 1941، وفقاً لمؤرخين عراقيين.

ويتداول كثيرون أن «التباويين» أول حي بغدادي بُني بالطابوق، بعد قصر «شعشوع»، وهو دار فخمة تقع في بغداد وكانت قصراً للوالي في العهد العثماني.

وفي عام 1950، قرر رئيس الوزراء العراقي حينها، نوري السعيد، ترحيل اليهود إلى قبرص ومنها إلى إسرائيل.

وتعرضت المنطقة خلال السنوات اللاحقة إلى تغييرات عاصفة، اجتماعياً واقتصادياً، ومع نهاية الثمانينات استقرت فيها العمالة الوافدة من دول عربية.

لكن، وخلال فترة الحصار الاقتصادي الذي فُرض على العراق خلال التسعينيات، تحوّلت المنطقة التي تقع في قلب بغداد إلى بؤرة لأنشطة مشبوهة.

وكان من المعروف أن السلطات الأمنية في زمن نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين كانت تواجه مصاعب في تطهير المدينة من شبكات الجريمة.

وبعد عام 2003، تفاقم النشاط الإجرامي في الحي، رغم وقوعه قرب جسر الجمهورية المؤدي إلى المنطقة الخضراء، حيث مقار الحكومة والأجهزة الأمنية والبعثات الدبلوماسية.

وذاع صيت المدينة أكثر، حين استخدمها الروائي العراقي أحمد سعداوي في روايته «فرانكشتين في بغداد» مكاناً لأحداث قصته.

الشرطة العراقية تجري مسحاً في أحد أزقة منطقة البتاويين وسط بغداد (إعلام حكومي)

«جمهورية الخوف»

حتى يومنا هذا، يتجنب الكثير من العراقيين المرور بهذا الحي، بسبب الحكايات المرعبة التي تُساق حوله، من بينها حوادث القتل والخطف التي تحدث في الظلام، بعيداً عن أعين الشرطة.

ويقول أصحاب محال تجارية في شارع السعدون، الذي يفصل «البتاويين» عن شارع «أبي نواس» ونهر دجلة، إنهم غير قادرين على العمل مساء، حينها «يبدأ نشاط مريب في المنطقة».

ويقر ضباط في الشرطة العراقية بأن «البتاويين» تحولت على مدار سنوات إلى «وكر لعصابات القتل، ومافيات الخطف والاتجار بالمخدرات والجنس».

وشنت قوات إنفاذ القانون عمليات متكررة لمحاولة السيطرة على المنطقة، لكن المجموعات الخارجة عن القانون غالباً ما تتمكن من معاودة نشاطها في «البتاويين».

وفي العملية الأخيرة، تنفذ القوات الأمنية تنفيذ عمليات دهم وتفتيش للأهداف المطلوبة والأماكن المشبوهة بشكل دقيق، وفقاً لكلام وزير الداخلية.

وقالت الوزارة في بيان صحافي إن الوزير «استمع إلى شرح موجز من القادة والضباط الموجودين في العملية وأهم الإنجازات المتحققة خلال الساعات الأولى من تنفيذها».

أعلن المتحدث باسم الوزارة العميد مقداد ميري، في مؤتمر صحافي مشترك مع قائد شرطة الرصافة اللواء شعلان علي، الخميس، أن الحملة الأمنية في «البتاويين» ستستمر عدة أيام، وقال إن «أي مكان يمكن أن يقع تحت الشبهة ستصل إليه قوات وزارة الداخلية».

وتابع ميري: «القوات الأمنية اعتقلت أشخاصاً من جنسيات أسترالية وسورية وسودانية وبنغلاديشية ونيجيرية لمخالفتهم قانون الإقامة»، وشدد على أن «الداخلية لن تسمح بوقوع الجرائم وستطبق استراتيجية أمنية جديدة في بغداد».

وزير الداخلية العراقي في مقر العملية الأمنية في منطقة البتاويين وسط بغداد (إعلام حكومي)

وأكد ميري أن «هذه العملية هي الأولى منذ سنوات، وأن المئات من ضباط الوزارة ومنتسبيها شاركوا فيها لإلقاء القبض على المطلوبين المخالفين».

وأعلنت الوزارة عن «ضبط شركات وهمية وشبكات دعارة، ومخدرات، وتجارة بشر وشركات حوالة وهمية»، وقالت إن «العملية ستتم بمشاركة شرطة الأحداث وقيادة شرطة الرصافة واستخبارات الرصافة وشرطة الكرادة (أحد أحياء بغداد)».

وفي السياق، قال الخبير الأمني فاضل أبو رغيف لـ«الشرق الأوسط» إن «الحملة التي قامت بها وزارة الداخلية هي ذات شقين؛ الأول وفق معلومات استخبارية وقاعدة معلومات حول كل الأماكن التي يمكن أن تشكل علامات أو بؤراً تثير الارتياب، بمن في ذلك الدعارة والمروجون للمخدرات والمتعاطون لها وسواها من القضايا الخطيرة في هذه المنطقة».

وأوضح أن «الشق الثاني هو عمليات دهم للمطلوبين، وفق بيانات ومذكرات قبض، فضلاً عن بعض المناطق والمنشآت فيها، بما فيها بعض الفنادق غير المجازة، التي تعمل هناك بصورة غير مشروعة».

وأوضح أن «هذه العملية شملت أطواقاً أمنية ثلاثة وتحقيقات وتدقيقاً شاملاً باستخدام مستخدم الصيغ التي من شأنها الكشف والتدقيق بمن فيها أجهزة جديدة لم تستخدم سابقاً».


مقالات ذات صلة

مقاربة أميركية حذرة مع تشكيل حكومة عراقية جديدة

المشرق العربي الرئيس العراقي نزار آميدي يكلف علي الزيدي تشكيل الحكومة الجديدة يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

مقاربة أميركية حذرة مع تشكيل حكومة عراقية جديدة

قالت مصادر أميركية إن البيت الأبيض ينظر إلى تكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة بوصفه «بداية مرحلة اختبار، أكثر منه تحولاً حاسماً في العلاقات»...

هبة القدسي (واشنطن)
بروفايل المكلف تشكيل الحكومة العراقية علي الزيدي (واع)

بروفايل من الزيدي المكلف تشكيل الحكومة العراقية؟

رغم صلاته الوثيقة بقادة الأحزاب الشيعية في بغداد، والاستثمارات المالية للمرشح لرئاسة الوزراء، علي الزيدي، فإن ذلك لم يجعله معروفاً لدى غالبية العراقيين.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي لحظة تكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة (رئاسة الجمهورية)

العراق: انطلاق مشاورات لتوزيع حقائب الوزارة الجديدة

نجحت قوى «الإطار التنسيقي» في طرح علي الزيدي، مرشحاً لرئاسة الوزراء بعد يومين من دخول البلاد حالة الخرق الدستوري.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رئيس الجمهورية العراقي يكلف علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة

رئيس الجمهورية العراقي يكلف علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة

كلف رئيس الجمهورية العراقي نزار آميدي رجل الأعمال علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة.

«الشرق الأوسط» (بغداد )
المشرق العربي اجتماع قوى الإطار التنسيقي بحضور السوداني وأبو آلاء الولائي (وكالة الأنباء العراقية)

إخفاق «الإطار التنسيقي» يُدخِل العراق في حالة «الخرق الدستوري»

مع دخول حالة الخرق الدستوري يومها الأول، تواصل قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية إخفاقها في مسألة الاتفاق على اختيار شخصية مناسبة لشغل منصب رئاسة الوزراء.

فاضل النشمي (بغداد)

غارة إسرائيلية تقتل إياد الشنباري القائد البارز في «القسام» بغزة

فلسطينيون يشيعون ضحايا غارة إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيعون ضحايا غارة إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

غارة إسرائيلية تقتل إياد الشنباري القائد البارز في «القسام» بغزة

فلسطينيون يشيعون ضحايا غارة إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيعون ضحايا غارة إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

قتلت هجمات إسرائيلية 5 فلسطينيين في مدينتي غزة وخان يونس في قطاع غزة، الثلاثاء، رغم وقف إطلاق النار المعلن في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

وهاجمت طائرة مسيرة إسرائيلية بصاروخين مركبة في منطقة دوار حيدر عبد الشافي غربي مدينة غزة، والمكتظة بالنازحين من سكان شمال القطاع، ما أدى إلى تدميرها.

وقتلت الغارة إياد الشنباري أحد أبرز قادة «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس» في لواء الشمال بقطاع غزة، كما قُتل معه نجله الذي يعمل مرافقاً معه، وناشط آخر من «القسام»، كما أوضحت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط».

وأشارت المصادر إلى أنه كان برفقة الشنباري أيضاً، مسؤول جهاز الأمن الداخلي في قطاع غزة، نعيم أبو نحل، والذي أصيب بجروح حرجة، فيما قتل نجله (أي أبو نحل) في الهجوم ذاته الذي أسفر عن سقوط 4 قتلى.

وبحسب المصادر، فإن الشنباري وهو من سكان بلدة بيت حانون، كان مسؤولاً عن جهاز الاستخبارات العسكرية في «كتائب القسام» بشمال قطاع غزة، كما أنه كان مسؤولاً عن إعادة ترتيب الهيكلية التنظيمية في لواء الشمال، ويعمل مشرفاً على ترتيب عمل بعض الأجهزة الأمنية بشكل مؤقت ومنها «الأمن الداخلي».

عناصر من الدفاع المدني الفلسطيني يفحصون مركبة استهدفتها غارة جوية إسرائيلية غرب مدينة غزة (إ.ب.أ)

ووقع الهجوم الإسرائيلي على بعد عشرات الأمتار من مقر جهاز الأمن الداخلي غرب مدينة غزة، والذي كان قد دُمر بشكل كامل خلال الحرب، وتم إعادة ترميمه جزئياً.

وقبل ساعات طويلة من الهجوم المفاجئ بعد هدوء لم يعتد عليه سكان قطاع غزة مؤخراً، قُتل طفل يبلغ من العمر 12 عاماً، في قصف إسرائيلي استهدفه في منطقة دوار أبو حميد وسط خان يونس جنوبي قطاع غزة.

وذكر مسعفون أن طائرة مسيرة إسرائيلية قتلت الطفل عادل النجار في شرق خان يونس جنوب القطاع. وزعم الجيش الإسرائيلي أنه استهدف شخصاً شكل تهديداً ‌للقوات الإسرائيلية باقترابه من «الخط الأصفر» الذي يحدد ​الجزء ‌الذي ⁠تحتله إسرائيل ​من غزة. وفي مشرحة مجمع ناصر الطبي، وصل الأقارب لتوديع النجار الذي تم لف جثمانه الصغير بكفن أبيض. وبكت النساء بجانب الجثمان، الذي كان موضوعاً على نقالة طبية على الأرض، وأدى الرجال عليه صلاة الجنازة قبل ⁠نقله إلى المقبرة لدفنه.

مشيعون يحضرون جنازة الطفل الفلسطيني عادل النجار الذي قُتل في غارة إسرائيلية بخان يونس جنوب غزة (رويترز)

وقال الأقارب إن الطفل كان يجمع ‌الورق المقوى الذي تستخدمه الأسرة في الطهو. ​ولا توجد كهرباء في قطاع ‌غزة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، ويشتكي الفلسطينيون من ‌القيود الإسرائيلية المفروضة على دخول غاز الطهي. وقالت صابرين النجار، وهي إحدى أقارب الفتى: «بيلموا الكراتين عشان نخبز، فيش عنا غاز، عشان ياكلوا وبدهم يشربوا».

وارتفع عدد الضحايا الفلسطينيين منذ وقف إطلاق النار إلى أكثر من 820 شخصاً، وإصابة أكثر من 2300.

وقتلت إسرائيل العشرات من كبار نشطاء «حماس» وجناحها العسكري خلال فترة وقف إطلاق النار، بينهم قيادات بارزة تدير مناطق بأكملها مثل محمد الحولي الذي اغتيل في دير البلح قبل أشهر قليلة، وهو نائب قائد لواء وسط القطاع.


نقيب المحامين في سوريا: قانون العدالة الانتقالية قريباً في مجلس الشعب

متظاهرون يحملون لافتات في اليوم الذي يحاكم فيه عاطف نجيب في جلسة محاكمة بقصر العدل في دمشق الأحد (رويترز)
متظاهرون يحملون لافتات في اليوم الذي يحاكم فيه عاطف نجيب في جلسة محاكمة بقصر العدل في دمشق الأحد (رويترز)
TT

نقيب المحامين في سوريا: قانون العدالة الانتقالية قريباً في مجلس الشعب

متظاهرون يحملون لافتات في اليوم الذي يحاكم فيه عاطف نجيب في جلسة محاكمة بقصر العدل في دمشق الأحد (رويترز)
متظاهرون يحملون لافتات في اليوم الذي يحاكم فيه عاطف نجيب في جلسة محاكمة بقصر العدل في دمشق الأحد (رويترز)

شكلت انطلاقة محاكمة رموز النظام السوري السابق بداية مهمة في تحقيق مسار العدالة الانتقالية في سوريا بعد انطلاق محاكمة عاطف نجيب، وإلقاء القبض قبل أيام على أمجد يوسف المتهم بمجزرة حي التضامن في دمشق عام 2013.

وتعتبر هذه المحاكمة التاريخية استثنائية في سوريا باعتبار أن القانون السوري الحالي لا يتضمن مواد قانونية بمحاكمة عناصر النظام السابق.

واعتبر نقيب المحامين في سوريا محمد علي الطويل هذه المحاكمة «بداية الطريق للعدالة الانتقالية في سوريا، حيث إن القانون ما زال يدرس وسوف يعرض قريباً على مجلس الشعب ويقر كقانون».

وأضاف الطويل، في تصريح خاص لوكالة الأنباء الألمانية، أن «محاكمة عاطف نجيب جاءت بعد تحرك الدعوى العامة بحقه في أكثر من جريمة، ومنها القتل العمد وحجز حرية (اعتقال)».

وأكد نقيب المحامين في سوريا، أن «قاضي التحقيق استجوبه وعمل مواءمة ما بين قانون العقوبات السوري وبين القوانين والأعراف الدولية في جرائم الإرهاب وجرائم الحرب والإبادة الجماعية، ذلك لأن قانون العقوبات السوري الذي تعمل به المحاكم السورية غير منصوص عليه جرائم الحرب والإبادة الجماعية».

رئيس الأمن السياسي السابق في محافظة درعا جنوب سوريا عاطف نجيب يحضر الجلسة الأولى لمحاكمته في قصر العدل بدمشق 26 أبريل (أ.ف.ب)

وقال عضو فرع مجلس نقابة المحامين في حمص عمار عز الدين، إن «محاكمة رموز النظام السابق ومرتكبي الانتهاكات والجرائم بحق السوريين في سنوات الثورة، هي انتصار للعدالة وعمل النظام على تسييس القضاء واعتماده على محاباة النظام البائد وعدم الجرأة للقيام بأي محاكمة لأي من مرتكبي الانتهاكات خلال سنوات الثورة، علماً بأنه في القانون الدولي يعتمد أولاً على القضاء الوطني وذلك يعتبر حجر الأساس والزاوية التي تنطلق منها المحاكمات لأي انتهاكات».

وأكد عز الدين، في تصريح لـ«وكالة الأنباء الألمانية»: «في حال عجز القضاء الوطني يتم اللجوء إلى القانون الدولي والمحاكمات الدولية، وهذا ما عمدت إليه الحكومة السورية ممثلة بوزارة العدل بأن فعلت آلية القضاء الوطني وحرصت على أن تكون هناك شروط المحاكمة العادلة وذلك عن طريق العلنية التي قامت فيها المحاكمة».

وأضاف: «نأمل كحقوقيين ومختصين في القانون الدولي أن تستمر هذه المحاكمات وأن يحاكم رموز النظام البائد وذلك حتى لو لم يتم القبض عليهم في الوقت الحالي، لكن من المهم أن يسجل في سجلهم العدلي أنهم أشخاص قاموا بارتكاب انتهاكات بحق الشعب السوري، وتصدر أحكام غيابية بحقهم وهذا هام جداً أولاً بموضوع تسليم المجرمين مستقبلاً إن كانت هناك اتفاقيات مع الدول التي يقيم فيها هؤلاء المجرمون، الذين هربوا منها بعد تحرير سوريا».

جمهرة خارج قصر العدل في يوم محاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لدائرة الأمن السياسي في درعا خلال حكم الرئيس السوري الأسد المتهم بارتكاب جرائم حرب (رويترز)

واعتبر عضو مجلس نقابة محامي حمص «هذه المحاكمات لها أهمية قصوى بأنها أنصفت الضحايا وهذا هام جداً أنهم شعروا بعد 15 عاماً من الثورة أن هنالك محاكم تحاكم هؤلاء المجرمين الذين قاموا بالانتهاكات بحقهم، وهذا عامل أساسي في موضوع العدالة الانتقالية وجبر الضرر والتعويض ثم الانتقال إلى المصالحة الوطنية والسلم الأهلي».

من جانبه، طالب الدكتور تيسير الزعبي من محافظة درعا الحكومة بأن تكون المحاكمات سريعة. وأضاف: «حضرت إلى المحكمة كطبيب وشاهد على جرائم ومجازر عاطف نجيب، وخاصة التي وقعت بتاريخ 23 مارس (آذار) 2011 والتي تعرف بـ(مجزرة الكازية) عندما حاصر فرع الأمن السياسي المتظاهرين بين منزل المحافظ وفرع الأمن السياسي، وتم إطلاق الرصاص عليهم بشكل مباشر وقتل أكثر من 50 شهيداً، وليلة 24 مارس تم اقتحام الجامع العمري وقتل أكثر من 16 شخصاً وكان عاطف نجيب على رأس قواته وقوات مكافحة الإرهاب عند اقتحام الجامع».

وطالب الدكتور الزعبي بمحاكمة كل رموز النظام قائلاً: «عاطف نجيب لا يعادل واحداً في المائة مما فعله بشار الأسد وجميل حسن وعلي مملوك وباقي مجرمي النظام. وإعدام بشار الأسد وجميل حسن وعلي مملوك، هو مطلب كل ذوي الضحايا وأحرار سوريا».

سوريون في قاعة قصر العدل خلال جلسة المحاكمة الأولى لعاطف نجيب في دمشق الأحد (أ.ب)

من جهته، جدد عضو مجلس الشعب السوري عبد المولى الحريري مطالب أهالي محافظة درعا بإعدام عاطف نجيب في مدينة درعا، وقال: «عاطف نجيب قتل عشرات الشباب في درعا، لذلك نطالب بإصدار حكم الإعدام بعاطف نجيب. ويتم تنفيذ هذا الحكم في ساحة الجامع العمري».

وأضاف الحريري، لوكالة الأنباء الألمانية، أن «مسار العدالة الانتقالية بدأ ومحاكمة رموز الإجرام على العلن وتنفيذ الأحكام فيهم هو ترسيخ للحملة المجتمعية وتثبيت مبدأ العدل في المجتمع السوري الذي عانى كثيراً من القتل والإجرام، ونطالب بتوسيع المحاكمات وسماع للشهود واستحضار الأدلة والإثباتات التي تدين إجرام هؤلاء، وتنفيذ الأحكام الصارمة فيهم لأن هؤلاء هم المجرمون. وعلى رأسهم بشار الأسد وماهر الأسد. وعلى الدولة السورية الطلب من روسيا تسليم كل رموز النظام».

يذكر ان قائمة الاتهام في الجلسة الأولى من المحاكمة شملت كلاً من بشار الأسد وماهر الأسد وعاطف نجيب وفهد جاسم الفريج ومحمد أيمن عيوش ولؤي العلي وقصي مهيوب ووفيق ناصر.


مقاربة أميركية حذرة مع تشكيل حكومة عراقية جديدة

الرئيس العراقي نزار آميدي يكلف علي الزيدي تشكيل الحكومة الجديدة يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
الرئيس العراقي نزار آميدي يكلف علي الزيدي تشكيل الحكومة الجديدة يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

مقاربة أميركية حذرة مع تشكيل حكومة عراقية جديدة

الرئيس العراقي نزار آميدي يكلف علي الزيدي تشكيل الحكومة الجديدة يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
الرئيس العراقي نزار آميدي يكلف علي الزيدي تشكيل الحكومة الجديدة يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

قالت مصادر أميركية، الثلاثاء، إن البيت الأبيض ينظر إلى تكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة بوصفه «بداية مرحلة اختبار، أكثر منه تحولاً حاسماً في مسار العلاقات الثنائية».

وأوضحت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، أن واشنطن ستراقب بحذر التوقيت الحساس في بغداد، وترتكز على تقييم الأداء الفعلي للحكومة الجديدة، لا خلفياتها السياسية، مشيرة إلى أنها تنظر إلى الزيدي على أنه «مرشح تسوية» قد يفتح نافذة محدودة لإعادة ضبط العلاقة، خصوصاً بعد استبعاد أسماء أثارت تحفظات أميركية واضحة، على رأسها نوري المالكي.

ووفق صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن هذه المقاربة الجديدة تشهد تحولاً من الرهان على الأشخاص إلى التركيز على السلوك السياسي والأمني للحكومة العراقية. ويقول مايكل نايتس، الباحث في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى» إن «الإدارة الأميركية لا تبحث عن حليف تقليدي في بغداد، بل عن شريك قادر على ضبط التوازنات الأمنية، خصوصاً بشأن الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران».

ووصفت «نيويورك تايمز» اختيار الزيدي بأنه نتاج تسوية داخل «الإطار التنسيقي»؛ مما يعني أنه لا يمتلك قاعدة سياسية صلبة، مما قد يمنحه هامشاً من المرونة في التعامل مع الضغوط الخارجية.

لكن يبقى النفوذ الإيراني المحدِّد الرئيسي لموقف الإدارة الأميركية. فالعراق، في نظر واشنطن، ليس فقط شريكاً أمنياً، بل أيضاً ساحة مركزية في الصراع الإقليمي مع طهران.

وأشارت الصحيفة إلى أن تكليف الزيدي - وهو رجل أعمال يمتلك استثمارات في المصارف والإعلام - جاء متأخراً لأشهر وسط ضغوط متضادة من إيران والولايات المتحدة.

وأكدت الصحيفة أن حكومة الزيدي ستواجه تحدياً في معالجة قضايا الفساد، والسلاح المنفلت خارج سلطة الدولة، ومستقبل «الحشد الشعبي» المدعوم من إيران، إضافة إلى تحسين علاقات العراق إقليمياً ودولياً.

وأكدت سوزان مالوني، الباحثة في «معهد بروكينغز»، أن «أي إدارة أميركية، خصوصاً إدارة ترمب، ستقيس علاقتها ببغداد من خلال قدرة الحكومة العراقية على الحد من نفوذ إيران داخل مؤسسات الدولة».

وأوضحت مالوني أن واشنطن ستركز خلال الفترة المقبلة على مراقبة 3 ملفات: إجراءات الحكومة العراقية الجديدة في ضبط نشاط الفصائل المسلحة، خصوصاً «الحشد الشعبي» والفصائل الشيعية الموالية لإيران، وكيف ستتعامل حكومة الزيدي مع منع استخدام العراق على أنه قناة للالتفاف على العقوبات، وكيف ستحافظ على استقلال القرار الأمني العراقي.

رئيس الوزراء العراقي المكلف علي الزيدي حاضراً اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)

المعادلة العراقية

وترى ربيكا واسر، الباحثة في مؤسسة «راند»، أن «القادة التوافقيين في العراق غالباً ما يكونون أكبر انفتاحاً على التعاون مع واشنطن، لكنهم في المقابل يواجهون قيوداً داخلية تحدّ من قدرتهم على اتخاذ قرارات استراتيجية».

ويضع هذا التوصيف الزيدي في موقع دقيق، فهو مقبول نسبياً من الخارج، لكنه مقيّد بتوازنات الداخل، وستكون أمامه مهلة مدتها 30 يوما لتشكيل حكومته وعرضها على البرلمان العراقي وموافقة 167 صوتاً لنيل الثقة البرلمانية.

ويشير ستيفن كوك، الباحث البارز في «مجلس العلاقات الخارجية»، في مقال على موقع «المجلس»، إلى أن «واشنطن لا تحتاج إلى مواجهة مباشرة مع بغداد، بل تستطيع استخدام أدوات الضغط الاقتصادي لضبط سلوكها».

مع ذلك، فإن اتجاه الحكومة الجديدة نحو تعزيز علاقاتها بإيران، قد يجبر واشنطن على فرض عقوبات على شخصيات أو مؤسسات، وتقليص الدعم العسكري، وتصعيد الضغوط الدبلوماسية.

وأشارت صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن التحدي الأكبر أمام الزيدي لا يكمن فقط في إدارة العلاقة بواشنطن، بل كذلك في قدرته على المناورة داخل نظام سياسي معقد، تهيمن عليه قوى متباينة المصالح.

ويقول المحلل الاستخباراتي، كينيث بولاك، إن «أي رئيس وزراء عراقي يواجه معادلة شبه مستحيلة: إرضاء القوى الداخلية دون خسارة الدعم الدولي، أو العكس»؛ مما يفسر لماذا غالباً ما تتسم السياسة العراقية بالتوازن الحذر.

ويجمع المحللون على أنه لا يمكن فصل مستقبل العلاقات الأميركية - العراقية عن السياق الأوسع في الشرق الأوسط، خصوصاً في ظل التوتر مع إيران، وتقلبات أسواق النفط، والتنافس الأميركي - الصيني؛ مما يعزز أهمية العراق في الحسابات الأميركية، ليس فقط بوصفه ملفاً أمنياً، بل كذلك بصفته عنصراً مؤثراً في استقرار المنطقة.