تأجيل الانتخابات المحلية يفاقم أزمات اللبنانيين ويزيد تداعي المؤسسات

شغور في عشرات البلديات نتيجة الاستقالات والخلافات

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري أعلن رفضه إجراء الانتخابات البلدية (د.ب.أ)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري أعلن رفضه إجراء الانتخابات البلدية (د.ب.أ)
TT

تأجيل الانتخابات المحلية يفاقم أزمات اللبنانيين ويزيد تداعي المؤسسات

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري أعلن رفضه إجراء الانتخابات البلدية (د.ب.أ)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري أعلن رفضه إجراء الانتخابات البلدية (د.ب.أ)

يضاعف التأجيل الثالث للانتخابات المحلية، المخاوف من أن يفاقم أزمات اللبنانيين، بالنظر إلى الشغور القائم في 164 بلدية من نحو ألف بلدية قائمة، يتولى تسيير أمورها القائمقام أو المحافظ، إضافة إلى عشرات البلديات المشلولة نتيجة خلافات بين أعضائها، وسط توقعات بازدياد البلديات المستقيلة في حال تأجيل الانتخابات.

وعشية جلسة تشريعية يتوقع أن تنتهي بتمديد ولاية المجالس المحلية، رفع القيمون على عدد من البلدات والقرى، خصوصاً تلك التي حُلت مجالسها في السنوات الماضية، الصوت نظراً للتداعيات الكبيرة لتأجيل جديد للاستحقاق على المواطنين وشؤونهم اليومية في ظل التداعي المستمر والمتواصل لمؤسسات الدولة.

ويصف معنيون بالملف المبررات التي تقدمها السلطة السياسية للتمديد بـ«الواهية»، في حين يطرح بعضهم، في حال تعذر إجراء الانتخابات في كل لبنان، إجراءها حيث البلديات منحلة وبحاجة ماسة لمجالس جديدة.

وكانت السلطة السياسية اللبنانية قد لجأت لتمديد ولاية المجالس البلدية والاختيارية مرتين، الأولى في عام 2022 بحجّة تزامنها مع الانتخابات النيابيّة واستحالة إجرائهما معاً، والثانية في عام 2023 بذريعة الصعوبات المالية.

«الثنائي الشيعي»: لا انتخابات قبل توقف الحرب

وأخيراً، عبّر رئيس مجلس النواب نبيه بري بشكل صريح عن رفضه إجراء الانتخابات البلدية التي يفترض أن تحصل الشهر المقبل من دون إجرائها في الجنوب، مؤكداً أن جبهة الجنوب لا يمكن فصلها عن جبهة غزة. وقد دُعيت الهيئة العامة للمجلس لجلسة لإقرار اقتراح قانون التمديد الخميس المقبل.

وبالرغم من قيام وزارة الداخلية بكل ما يتوجب عليها إجرائياً وتقنياً، وتحديدها مواعيد لإجراء الانتخابات، إضافة إلى نقل مبلغ ألف مليار ليرة من احتياطي الموازنة لحساب «الداخلية» لضمان إجراء الاستحقاق، فإن قوى السلطة، وعلى رأسها «الثنائي الشيعي» المتمثل بحركة «أمل» و«حزب الله»، يبدو حاسماً في رفضه إجراء الانتخابات ما دامت الحرب قائمة في الجنوب.

3 قوانين يجب إقرارها

ويعد الناشط السياسي المحامي ربيع الشاعر، أن «هذه الطبقة السياسية لا تريد تفعيل العمل البلدي لأسباب بنيوية، وبالتحديد لأن البلديات أداة لخلق نخب جديدة تنافس النخب التقليدية على السلطة. وبالتالي، ما دام القانون الحالي يحيل مهام البلديات المنحلة إلى القائمقام أو المحافظ، فبذلك يكونون قد أمنوا مركزية القرار ووضعوا أيديهم على البلديات وأموالها بشكل مباشر أو غير مباشر»، لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى عوامل أخرى تجعل قوى السلطة غير متحمسة للانتخابات، أبرزها ضعفها على الأرض، والخشية من انقسام بين مناصريها. ويضيف الشاعر: «حتى لو افترضنا أن هناك ظروفاً تحتم التمديد، وأنا لا أؤيد المبررات التي تساق راهناً، فالأحرى أن يتم تخصيص الجلسة التي خصصت للتمديد لبحث وإقرار 3 قوانين أساسية جداً لتقليص التداعيات السلبية لتأجيل الانتخابات، وهي: قانون اللامركزية الموسعة الذي تستمر المماطلة ببحثه منذ 8 سنوات، إضافة لقانونين مرتبطين بقيمة الرسوم وتفعيلها، وتطوير إجراءات التحصيل»، مشيراً إلى أن «الموازنة الحالية لحظت تعديل القيمة التأجيرية، وهذا جيد وسيؤدي لتحسين المخصصات البلدية، ولكن الأمر غير كافٍ».

وكانت «الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات» (لادي) قد وصفت الأسباب التي سيقت لتمديد أول وثانٍ للمجالس البلدية والاختيارية بـ«الواهية»، عادّة أن إرجاء الانتخابات للمرة الثالثة على التوالي لا يخدم الجنوبيين بأي شكل من الأشكال، بل يحرمهم وسكان لبنان جميعاً من المشاركة الفاعلة في تشكيل تلك المجالس، ترشيحاً واقتراعاً.

البلديات... بالأرقام

وبحسب الباحث في الشركة «الدولية للمعلومات»، محمد شمس الدين، يبلغ عدد البلديات حالياً 1064، 34 منها مستحدثة بعد عام 2016، لافتاً إلى وجود 164 بلدية يتولاها القائمقام أو المحافظ، إضافة لعشرات البلديات المشلولة نتيجة خلافات بين أعضائها وعدم توافر الإمكانات. ويبلغ عدد بلديات الجنوب اللبناني 271.

ويرجح شمس الدين في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن يؤدي التمديد الثالث إلى أن «يستقيل حكماً أعضاء جدد، فيرتفع بذلك عدد البلديات المنحلة لأنها غير قادرة على مواجهة الكثير من المشاكل التي تواجهها»، مشدداً على وجوب السعي لإجراء الانتخابات «مهما كانت الاعتبارات؛ لأن هناك مهام كثيرة ملقاة على عاتق البلديات لا تقوم بها، كضمان الأمن، وحل أزمة النفايات، وتوفير الخدمات الأساسية، وتحسين الطرقات الداخلية، كما ضبط النزوح السوري».

ويضيف شمس الدين: «البلدية بنهاية المطاف هي حكومة محلية، والشلل البلدي أمر خطير جداً».

الانتخابات للبلديات المنحلة حصراً

وتعد بلدية عرسال الحدودية (شرق لبنان) أبرز البلديات المنحلة، باعتبار أنها تؤوي آلاف النازحين السوريين منذ عام 2011، ما يفاقم المشكلات والاحتياجات فيها.

وتوضح ريما كرنبي، نائبة رئيس بلدية عرسال، التي تقدمت باستقالتها إلى جانب النصف زائداً واحداً من الأعضاء، بسبب ما تقول إنه أداء رئيس البلدية «السيئ»، أن «محافظ بعلبك الهرمل هو الذي يحل محل المجلس البلدي راهناً، ويساعده كاتب البلدية. لكن، وباعتبار أن هناك عدداً كبيراً من البلديات المنحلة التي يتولى مهامها المحافظ، فالبلدة تحتاج لا شك لمن يتابع مشاكلها الصغيرة والكبيرة عن كثب، لذلك قد يكون من المناسب في حال تأجيل الانتخابات مرة جديدة أن تتولى مجموعة من الأشخاص مساعدة كاتب البلدية، بما يشبه الإدارة المحلية التي تضم مجموعة من المخاتير والناشطين». وتشدد كرنبي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أنه «لا مبرر على الإطلاق للتمديد اليوم، والموضوع هو في السياسة ولا علاقة له بأي شأن آخر»، مقترحة على وزارة الداخلية «في حال ظلت القوى السياسية على موقفها، إجراء انتخابات استثنائية للبلديات المنحلة حصراً».

وفي إطار سعيها لتنظيم الوجود السوري في لبنان، أصدرت وزارة الداخلية في سبتمبر (أيلول) الماضي، مجموعة تعاميم لتنظيم الوجود السوري في القرى والبلدات والمدن، وكلفت المحافظات والبلديات بإحصاء النازحين السوريين الموجودين ضمن نطاقها، والتشدد في موضوع مواقع إقامتهم وعمالتهم، ورفع تقارير دورية كل 15 يوماً بالإجراءات التي قامت بها على صعيد قمع المخالفات وإزالة التعديات. وبالتالي، فإن تمديداً جديداً للمجالس البلدية في ظل وجود عدد كبير من البلديات المنحلة، سيؤثر تلقائياً على ملف النزوح، بحيث أن جمع «الداتا» بشكل مناسب قد لا يكون ممكناً، وكذلك اتخاذ الإجراءات المناسبة بحق المخالفين من النازحين السوريين.


مقالات ذات صلة

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

المشرق العربي جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

لا تبدأ الحكاية هنا من غارة، ولا تنتهي عند وقف إطلاق نار. في جنوب لبنان، تُقاس الحرب بقدرتها على التكرار، لا بمدّتها.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الضفة الإسرائيلية من الحدود مع لبنان (رويترز)

خروقات كبيرة تهدد اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع 4 مقاتلين من الحزب قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)

اتصالات لخفض التصعيد في جنوب لبنان ونتنياهو يتهم «حزب الله» بتقويض الهدنة

تكثفت الاتصالات الدبلوماسية، الأحد، لتطويق التصعيد الكبير في جنوب لبنان، على وقع اتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لـ«حزب الله» بـ«تقويض الهدنة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)

قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

شهدت بيروت توتراً أمنياً، بعد ظهر السبت، على خلفية إشكال في منطقة ساقية الجنزير مرتبط بتسعيرة المولدات الكهربائية، تخلله إطلاق نار ووقوع إصابات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شعار مؤيد لقرارات الرئيس اللبناني جوزيف عون مكتوب على صورة عملاقة له في أحد شوارع بيروت (أ.ف.ب)

لبنان: المفاوضات الجدية مع إسرائيل رهن بتثبيت وقف النار

في ظل الحراك القائم على خط المفاوضات الإسرائيلية – الأميركية، يسود ترقّب حذر في لبنان، مع تضارب المعلومات حول إمكان عقد لقاء مرتقب بين عون ونتنياهو

كارولين عاكوم (بيروت)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.