كيف هندست إدارة بايدن ضغوطها لحجب العضوية الكاملة في «الأمم المتحدة» عن فلسطين؟

تهديد بـ«الفيتو» واتصالات مع الدول المترددة… وغوتيريش يخشى «أي غلطة» في المنطقة

شاشة تظهر الممثل الخاص الفلسطيني زياد أبو عمرو يتحدث خلال جلسة مجلس الأمن الخميس (أ.ب)
شاشة تظهر الممثل الخاص الفلسطيني زياد أبو عمرو يتحدث خلال جلسة مجلس الأمن الخميس (أ.ب)
TT

كيف هندست إدارة بايدن ضغوطها لحجب العضوية الكاملة في «الأمم المتحدة» عن فلسطين؟

شاشة تظهر الممثل الخاص الفلسطيني زياد أبو عمرو يتحدث خلال جلسة مجلس الأمن الخميس (أ.ب)
شاشة تظهر الممثل الخاص الفلسطيني زياد أبو عمرو يتحدث خلال جلسة مجلس الأمن الخميس (أ.ب)

سعت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن بشكل محموم، الخميس، إلى عرقلة مشروع قرار قدّمته الجزائر بدعم عربي في مجلس الأمن للاعتراف بالعضوية الكاملة لفلسطين في «الأمم المتحدة»، من خلال الضغط حيث يمكنها، على بقية الدول الـ15، إما للتصويت ضده أو الامتناع عن التصويت، لئلا تجهضه باستخدام حق النقض «الفيتو». بينما حذّر الأمين العام للمنظمة الدولية أنطونيو غوتيريش من ارتكاب «أي غلطة» يمكن أن تعود بعواقب مدمرة على الشرق الأوسط والعالم.

وفي ضوء التعطيل المحتمل للجهد العربي الذي اكتسب كثيراً من الزخم خلال الآونة الأخيرة، خصوصاً في ظل استمرار حرب غزة، التي بدأت قبل 6 أشهر ونصف الشهر بعد هجمات «حماس» ضد المستوطنات والكيبوتسات الإسرائيلية المحيطة بالقطاع في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عملت الدبلوماسية الفلسطينية والعربية على خط موازٍ من أجل انتزاع مزيد من الاعترافات بدولة فلسطين، التي بلغت حتى الآن 138 من الدول الـ193 الأعضاء في الجمعية العامة للمنظمة الدولية. ويحتمل أن تتوجه المجموعة العربية إلى الجمعية العامة تأكيداً لهذا التوجه.

وتكثفت الاعتراضات الأميركية والإسرائيلية على إصدار توصية من مجلس الأمن بخصوص الطلب الفلسطيني المتجدد، الذي ورد في رسالة بعثها الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى الأمين العام للمنظمة الدولية، أنطونيو غوتيريش، في 2 أبريل (نيسان) الماضي، لتجديد النظر في الطلب المقدم في 23 سبتمبر (أيلول) 2011 إلى الأمين العام السابق بان كي - مون للحصول على العضوية الكاملة في «الأمم المتحدة».

وأحيل الطلب إلى رئيسة مجلس الأمن للشهر الحالي، المندوبة المالطية الدائمة، فانيسا فرازير، التي أحالته بدورها إلى لجنة قبول الأعضاء الجدد في المجلس. ولم تتمكن هذه اللجنة من الوصول إلى الإجماع الضروري من أجل دفع هذه العملية إلى الأمام.

سفير إسرائيل لدى «الأمم المتحدة» جلعاد إردان يصافح الممثل المناوب للولايات المتحدة روبرت وود في جلسة مجلس الأمن الخميس (رويترز)

وعلمت «الشرق الأوسط» أن الولايات المتحدة ضغطت منذ الأربعاء، لإرجاء موعد التصويت على مشروع القرار الجزائري الذي وضع بالحبر الأزرق، ما يعني أنه صار جاهزاً للتصويت عليه. وشارك في هذه الجهود الأميركية وزير الخارجية أنتوني بلينكن خلال محادثات أجراها مطلع الأسبوع مع نظيره المالطي إيان بورغ، الذي تتولى بلاده رئاسة مجلس الأمن للشهر الحالي، وكذلك في اتصالات أخرى أجراها نائب مستشار الأمن القومي الأميركي جون فاينر، بما في ذلك مع رئيس غويانا، عرفان علي، الذي تحتل بلاده مقعداً في مجلس الأمن.

وشملت الضغوط أيضاً كلاً من اليابان وكوريا الجنوبية وسويسرا، التي لم تفصح ما إذا كانت ستؤيد مشروع القرار الذي ينص على الآتي: «إن مجلس الأمن، بعد درس طلب دولة فلسطين للقبول في (الأمم المتحدة)، يوصي الجمعية العامة بقبول عضوية دولة فلسطين في (الأمم المتحدة)».

جلسة الصباح

وكان غوتيريش يتحدث في مستهل جلسة على مستوى وزاري عقدها مجلس الأمن، الخميس، في شأن «الحالة في الشرق الأوسط، بما في ذلك المسألة الفلسطينية»، فركّز على «الأخطار التي تشتد»، قائلاً إنه «يتعين ممارسة أقصى درجات ضبط النفس». وإذ كرر التنديد بـ«التصعيد الخطير» المتمثل في الهجوم الواسع من إيران ضد إسرائيل، وقبله الهجوم على القنصلية الإيرانية في دمشق. ورأى أن «إنهاء الأعمال العدائية في غزة سيقلص بشكل كبير التوترات بأنحاء المنطقة»، جدّد مطالبته بالوقف الإنساني الفوري لإطلاق النار والإفراج الفوري عن جميع الرهائن المحتجزين في غزة. وأكد أن «تجنب تفشي المجاعة في غزة، ومنع حدوث وفيات يمكن تجنبها بسبب الأمراض، يتطلبان قفزة نوعية في المساعدات الإنسانية».

فلسطينيون يتجمهرون لتلقي مساعدات من وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في غزة مارس الماضي (رويترز)

وإذ وصف الوضع بأنه «جحيم» في غزة، كرر أن عمل وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم في الشرق الأدنى (الأونروا) هو «العمود الفقري للعمليات الإنسانية» في القطاع. وشدّد أيضاً على أن المستوطنات في الضفة الغربية «غير قانونية»، مندداً بأعمال العنف ضد المدنيين هناك، داعياً إسرائيل إلى «القيام بخطوات فورية لإنهاء المستويات غير المسبوقة لعنف المستوطنين ومحاسبة الجناة».

وضع «الأونروا»

ووسط ترقب كبير لتقرير اللجنة المستقلة حول «الأونروا»، خلال الساعات القليلة المقبلة، عقد مجلس الأمن جلسة أخرى، مساء الأربعاء، للتركيز على عمل الوكالة، تحدث خلالها مفوضها العام فيليب لازاريني، الذي أشار إلى «مجاعة وشيكة من صنع البشر»، موضحاً أنه في شمال غزة «بدأ الرضع والأطفال الصغار يموتون بسبب سوء التغذية والجفاف».

وتطرق إلى ما تواجهه الوكالة من حملة لإبعادها عن الأرض الفلسطينية المحتلة، موضحاً أنه «في غزة، تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى إنهاء نشاطات الوكالة». وأكد أن «موظفينا ممنوعون من المشاركة في اجتماعات التنسيق بين إسرائيل والجهات الإنسانية. والأسوأ من ذلك، استهدفت منشآت الأونروا وموظفيها منذ بدء الحرب»، ما أدى إلى مقتل 178 موظفاً لدى «الأونروا» في غزة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وذكر أن الموظفين الأمميين الذي احتجزتهم اسرائيل «تحدثوا عن شهادات مروعة لسوء المعاملة والتعذيب في الاحتجاز».

مساعدات غذائية إلى غزة من «الأونروا» (رويترز)

ووجّه لازاريني نداء لأعضاء مجلس الأمن بأن «يعملوا أولاً بما يتوافق مع قرار الجمعية العامة رقم 302، الذي يُنشئ الأونروا»، وحضّ ثانياً على «التزام عملية سياسية حقيقية تكتمل بالتوصل إلى حل يحقق السلام للفلسطينيين والإسرائيليين»، وأكد ثالثاً «الإقرار بأن العملية السياسية وحدها لن تضمن السلام المستدام» لأن «الجروح العميقة في المنطقة لا يمكن أن تُداوى إلا بغرس التعاطف ورفض نزع الإنسانية».

تشييع جثمان شاب فلسطيني قُتل في هجوم المستوطنين على قرية المغير بالضفة الغربية 13 أبريل الحالي (رويترز)

وقال وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، إن «الأونروا» تتعرض «لهجوم سافر واستهداف مشين من الاحتلال الإسرائيلي الاستيطاني»، عادّاً أن هذا الاستهداف «جزء لا يتجزأ من المخطط الإسرائيلي الرامي لتصفية القضية الفلسطينية، وإفراغ المشروع الوطني الفلسطيني من محتواه، وهدم أركان ومقومات الدولة الفلسطينية».

وقال المندوب البديل للبعثة الأميركية الدائمة لدى «الأمم المتحدة»، روبرت وود، إن الكونغرس الأميركي أوقف تقديم مساهمات إضافية للوكالة في أعقاب «الادعاءات الخطيرة» بشأن المشاركة المزعومة لعدد من موظفيها في هجمات «حماس» ضد إسرائيل، وحضّ «الأونروا ومنظومة (الأمم المتحدة) الأوسع على اتخاذ الخطوات اللازمة كافة لتعزيز حياد المنظمة وتحسين استدامة الأونروا». إلا أنه أكد أن الولايات المتحدة تعترف بـ«الدور الذي لا غنى عنه» للوكالة في غزة.

وأشار إلى أن واشنطن تتطلع إلى التوصيات النهائية لمجموعة المراجعة المستقلة بشأن «الأونروا»، وستواصل العمل مع الوكالة وغيرها «لتنفيذ إصلاحات لـ(الأونروا) لتبقى عاملة طالما كانت هناك حاجة إليها».

الموقف الفلسطيني

وقال الممثل الخاص للرئيس الفلسطيني، زياد أبو عمر، إن الأونروا «ليست مجرد مشروع إنساني، إنما هي شاهد تاريخي على التزام المجتمع الدولي، بل واجبه تجاه اللاجئين الفلسطينيين الذين هُجروا من ديارهم بسبب نكبة عام 1948».

طفلة فلسطينية نازحة تتناول الطعام من علبة في مخيم للنازحين برفح جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وذكر بأن الحملات الإسرائيلية على «الأونروا ليست جديدة»، داعياً إلى الضغط على إسرائيل لكي «تتوقف فوراً عن عرقلة عمليات (الأونروا) وانتهاك ولايتها».

أما المندوب الإسرائيلي جلعاد إردان فعدّ أن «الأمم المتحدة» «مسؤولة بشكل مباشر عن إدامة» الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، عادّاً أن «أحد الأسلحة التي صنعتها لإطالة أمد هذا الصراع هي (الأونروا)».

وخاطب وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، أعضاء المجلس بأن «(الأونروا) تستحق دعمكم، لأنها الوحيدة القادرة على تقديم المساعدة الحقيقية للفلسطينيين الجائعين في غزة، وتوفير الخدمات الحيوية للاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها الخمس» في غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، والأردن، ولبنان، وسوريا.

وأكد دبلوماسيون لـ«الشرق الأوسط» أن الطلب الفلسطيني سيحصل للمرة الأولى على الأصوات التسعة المطلوبة لإحالة الطلب على الجمعية العامة. غير أن الفيتو الأميركي سيعطل هذه المحاولة على الأرجح.


مقالات ذات صلة

بزشكيان من فندق بنيويورك: لا نريد قتل ترمب... وخامنئي بصحة جيدة

العالم الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك (رويترز) p-circle

بزشكيان من فندق بنيويورك: لا نريد قتل ترمب... وخامنئي بصحة جيدة

في مشهد غير مألوف، عقد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان جلسة مع مجموعة من الصحافيين في أحد فنادق نيويورك.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الخليج جاسم البديوي يتحدث خلال الاجتماع الوزاري الثاني لـ«تحالف روما» في نيويورك الخميس (مجلس التعاون الخليجي)

البديوي: تداعيات أزمة المنطقة تمتد إلى اقتصادات العالم

أكد جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، أن تداعيات الأزمة الراهنة في المنطقة تمتد إلى اقتصادات الشرق الأوسط وأوروبا والعالم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية نتانياهو يهاجم أمام الأمم المتحدة منتقديه وأعداءه ودولا غربية

نتانياهو يهاجم أمام الأمم المتحدة منتقديه وأعداءه ودولا غربية

هاجم نتنياهو منتقدي إسرائيل أمام الأمم المتحدة، بعد انسحاب عشرات المندوبين من كلمته، ودافع عن سياسات بلاده تجاه إيران وغزة والضفة وسوريا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي خلال لقاء رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام مع رئيس الجمهورية الإيرانية مسعود بزشكيان في نيويورك يوم 24 سبتمبر 2026 (صفحة رئاسة مجلس الوزراء اللبناني على «إكس»)

سلام لبزشكيان: لبنان يتطلع إلى علاقة مع إيران تحترم سيادة البلدين

شدد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، خلال لقائه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، على بناء علاقة تحترم سيادة البلدين، مؤكداً أولوية حصر السلاح بيد الدولة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)

عمالقة الذكاء الاصطناعي يحذّرون من «أخطار وجودية»

قدّم الرؤساء التنفيذيون لشركات «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«هاغينغ فايس» إحاطات أمام أعضاء مجلس الأمن حول فوائد الذكاء الاصطناعي وأخطاره الوجودية.

علي بردى (نيويورك)

واشنطن ستسلّم العراق المركز الدبلوماسي واللوجستي في مطار بغداد

مسافرون يصلون إلى مطار بغداد الدولي (رويترز - أرشيفية)
مسافرون يصلون إلى مطار بغداد الدولي (رويترز - أرشيفية)
TT

واشنطن ستسلّم العراق المركز الدبلوماسي واللوجستي في مطار بغداد

مسافرون يصلون إلى مطار بغداد الدولي (رويترز - أرشيفية)
مسافرون يصلون إلى مطار بغداد الدولي (رويترز - أرشيفية)

ستقوم الولايات المتحدة بتسليم العراق المركز الدبلوماسي واللوجستي في مطار بغداد، الذي تعرّض للاستهداف مراراً من قبل مجموعات مسلحة موالية لإيران خلال الحرب في الشرق الأوسط، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية العراقية الخميس.

وأفادت الوزارة بأن وكيلها للعلاقات الثنائية والقائم بالأعمال الأميركي وقّعا الخميس «اتفاق تسليم الحكومة العراقية موقع الدعم الدبلوماسي التابع للسفارة الأميركية في مطار بغداد الدولي»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضحت أن الخطوة «تأتي... في إطار جهود الحكومة العراقية لاستكمال الإجراءات المتعلقة بإنهاء مهمة التحالف الدولي والوجود العسكري الأجنبي في العراق، وفق الجدول الزمني المحدد في 30 سبتمبر (أيلول) 2026».

ودعت الجماعات الحليفة لإيران على مدى أعوام إلى خروج القوات الأجنبية المنتشرة في العراق ضمن «التحالف الدولي» بقيادة واشنطن لمحاربة تنظيم «داعش». وهي لطالما استهدفت المنشآت والمصالح الأميركية في البلاد.

وخلال حرب الشرق الأوسط، استهدفت تلك الجماعات مواقع أميركية أكثر من 600 مرة، بما في ذلك منشأة مطار بغداد.

وأفاد مسؤول أمني عراقي ومصدر دبلوماسي «وكالة الصحافة الفرنسية» في وقت سابق من هذا الشهر بأن القوات الأميركية أخلت المنشأة.

واتفقت بغداد وواشنطن في عام 2024 على إنهاء مهمة التحالف التي بدأت قبل ذلك بعشرة أعوام عقب سيطرة التنظيم المتطرف على مساحات واسعة في شمال العراق وغربه.

ولا تزال قوات التحالف منتشرة حالياً حصراً في مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان.

ولطالما شكّل وجود التحالف، خصوصاً بعد هزيمة تنظيم «داعش» في أواخر عام 2017، مصدر توتر بين السلطات العراقية والفصائل.

منذ توليه منصبه هذا العام، تعهّد رئيس الوزراء علي الزيدي باحتكار الدولة للسلاح وتسليم الفصائل لترسانتها.

وتقول السلطات إن إنهاء مهمة التحالف يزيل مبرراً رئيسياً تستند إليه تلك الفصائل للاحتفاظ بأسلحتها.


السعودية تقود اجتماعاً دولياً موسعاً حفاظاً على «حل الدولتين»

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتوسط وزراء ومسؤولين دوليين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الخميس (د.ب.أ)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتوسط وزراء ومسؤولين دوليين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الخميس (د.ب.أ)
TT

السعودية تقود اجتماعاً دولياً موسعاً حفاظاً على «حل الدولتين»

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتوسط وزراء ومسؤولين دوليين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الخميس (د.ب.أ)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتوسط وزراء ومسؤولين دوليين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الخميس (د.ب.أ)

حضّ وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان المجتمع الدولي على الحفاظ على «حل الدولتين» لضمان تحقيق السلام في الشرق الأوسط. في حين رأى نظيره النرويجي أسبن بارث إيدي، والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية والأمن المشترك كايا كالاس، أن قيام دولة فلسطينية «ليس هدفاً بعيد المنال»، محذرين مع عشرات المسؤولين الكبار في العالم من أخطار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، واستمرار القتال في غزة.

وترأس الأمير فيصل بن فرحان اجتماعاً موسعاً مع إيدي وكالاس على هامش الاجتماعات الرفيعة المستوى للدورة السنوية الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، الخميس، وأكد أن «قيام الدولة الفلسطينية المستقلة حق أصيل وأساس للسلام، وليس نتيجة نهائية يتم التفاوض عليها ضمن عملية سياسية بعيدة المنال»، واصفاً تنفيذ حل الدولتين بأنه «الحل الأمثل لكسر حلقة الصراع والمعاناة».

وكانت المملكة العربية السعودية وفرنسا قد قادتا المؤتمر الدولي الأول حول التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وحل الدولتين عام 2025، مما أدى إلى تنامي الاعترافات الدولية بفلسطين كدولة. واتسع هذا الزخم هذا العام بانضمام كل من بريطانيا وكندا إلى قيادة هذا الجهد لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة.

التوسع الاستيطاني يغيّر الضفة

وقال وزير الخارجية السعودي إن التوسع الاستيطاني في الضفة يغيّر الواقع على الأرض، مؤكداً أن المملكة ستظل داعمة لتسوية عادلة للقضية الفلسطينية. ولفت إلى أن الحفاظ على حل الدولتين «لا يتعلق بالحفاظ على شعار دبلوماسي، بل بالحفاظ على إمكانية بناء مستقبل مختلف، وهو فلسطين دولة واحدة تنعم بالسلام، ذات سيادة، تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل في أمن واستقرار على خطوط 1967، وعاصمتها القدس الشرقية».

وعبّر فيصل بن فرحان عن تطلع المملكة إلى «مستقبل مشرق يُرى فيه أطفال المنطقة العربية يكبرون دون أن يرثوا مخاوف آبائهم، وعائلات من مختلف الأديان والأصول لا تشارك الأرض فحسب، بل تشارك مستقبلاً واحداً».

وكان وزير الخارجية النرويجي يتحدث خلال اجتماع وزاري للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين على هامش اجتماعات الدورة السنوية الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وأكد أن التحالف يعرف وجهته بالفعل، قائلاً إن «الهدف الأساسي لهذا التحالف العالمي هو تنفيذ حل الدولتين. نحن نعرف تماماً ما هو الهدف. لسنا بحاجة لمناقشة الهدف، بل نحتاج لمناقشة التنفيذ».

وأكد أن إعلان نيويورك، وخطة السلام الشاملة لغزة، وقرار مجلس الأمن رقم «2803»، تشكل الآن «نقطة مرجعية مشتركة وإطاراً لتحقيق حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة». لكنه حذر من أن شروط إقامة هذه الدولة تتلاشى؛ ولذلك «علينا أيضاً التأكد من منع اختفاء الشروط المسبقة تماماً، بحيث يصبح من المستحيل بناء حل الدولتين، وبناء فلسطين موحدة. وهذا يتطلب تحركاً فورياً». وأوضح أن أكثر من 90 دولة تعمل «على أساس دولتين: إسرائيل وفلسطين، قادرتين على العيش بسلام مع بعضهما».

وفي حديثه بصفته الوطنية، حدد إيدي أربع أولويات نرويجية: أولاً، كان اعتراف «أوسلو» بفلسطين يهدف إلى إنهاء ما وصفه بـ«حق النقض الفعلي» الذي نشأ عن انتظار المفاوضات بين الأطراف فقط، كما كان الحال خلال عملية «أوسلو». وأضاف: «أُلغي هذا الحق الآن». كما تحظر النرويج التجارة مع المستوطنات، وتُميز بين إسرائيل وفلسطين «وفقاً للقانون الدولي، والأحكام الأخيرة لمحكمة العدل الدولية، والسياسات المتبعة منذ زمن طويل».

وثانياً، أكد أنه لن تقوم دولة فلسطينية دون مؤسسات وطنية فاعلة. وتقدم النرويج دعماً مالياً للحكومة الفلسطينية، وأعلنت عن زيادة في هذا الدعم. ودعا ثالثاً إلى إحراز تقدم في المرحلة التالية من خطة غزة المكونة من 20 بنداً، بما في ذلك مسارها نحو إقامة دولة فلسطينية. وحدد رابعاً أن المنطقة بحاجة إلى إطار أمني أكثر شمولاً.

كالاس: حظر التأشيرات لم يمنع الدعم

وهذا ما قالته أيضاً الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، مشيرة إلى أن 142 دولة أيدت إعلان نيويورك قبل عام باعتباره «مظهراً من مظاهر دعم الأكثرية الساحقة من دول العالم، ليس فقط لإنشاء دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، بل أيضاً لتوفير الوسائل اللازمة لتحقيق ذلك».

وأشارت إلى عدم تمكن رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى من الحضور شخصياً بسبب حظر تأشيرات الدخول الأميركية، فانضم عبر الفيديو. وأكدت أن غيابه لم يُخفِ الثقل السياسي في القاعة، قائلة: «إذا نظرتم حولكم، سترون أن ثقل العالم يقف وراء بناء مستقبل أفضل للشعب الفلسطيني». وأشادت بالجهود الدبلوماسية الأميركية والإقليمية التي أثمرت خطة غزة الشاملة التي أُقرت لاحقاً في القرار «2803»، وقالت إن السلطة الفلسطينية أحرزت «تقدماً ملموساً في الإصلاح في ظل ظروف بالغة الصعوبة».

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)

وأضافت أن الممثل السامي لمجلس السلام في غزة نيكولاي ملادينوف أحرز تقدماً في العمل على نزع سلاح «حماس» والانسحاب الإسرائيلي. وحذرت من أن «طموح تحالفنا العالمي، بل إعلان نيويورك، يتعارض بشكل متزايد مع الحقائق الصعبة على أرض الواقع». وأضافت أنه في غزة «لا يزال التقدم على أرض الواقع محدوداً للغاية. فالضربات مستمرة، والحاجات الإنسانية لا تزال ملحّة، والعديد من الالتزامات لم تُترجم بعد إلى تحسينات ملموسة». وأشارت كذلك إلى أنه في الضفة الغربية «يستمر العنف المتواصل، فضلاً عن التوسع الاستيطاني»، في تقويض حل الدولتين. وتابعت أن «مهمتنا اليوم ليست إعادة تأكيد دعمنا لهدف هذه الحركة، بل سد الفجوة بين الالتزامات والإجراءات والواقع على الأرض، والانتقال من مجرد الحفاظ على الوضع الراهن إلى تحقيقه».

وأشارت كالاس إلى أن الاتحاد الأوروبي يعمل على استقرار اقتصاد الضفة الغربية، وإطلاق عملية إنعاش مبكرة في غزة من خلال مبادرة «فريق غزة»، وتنفيذ مشاريع تجريبية في مجالَي النفايات والمياه. وخلصت إلى أن مسؤولية التحالف تكمن في إثبات أن تعايش دولتين جنباً إلى جنب «يظل الخيار الأمثل لبناء سلام شامل وعادل ودائم لفلسطين وإسرائيل، وللمنطقة بأسرها».

وتحدث في الجلسة كل من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ونائب رئيس الوزراء الباكستاني وزير الخارجية محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ونظيره المصري بدر عبد العاطي، ونائب رئيس الوزراء الأردني وزير الخارجية أيمن الصفدي، ووزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريز، ووزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكنتي، ووزير خارجية فرنسا جان نويل بارو، ورئيس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ووزير الخارجية البحريني عبد اللطيف بن راشد الزياني، ووزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، ووزير الخارجية الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وغيرهم.


لقاء غير مألوف بين الزيدي وترمب يثير تساؤلات في بغداد

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي بغياب الوفد العراقي يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي بغياب الوفد العراقي يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)
TT

لقاء غير مألوف بين الزيدي وترمب يثير تساؤلات في بغداد

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي بغياب الوفد العراقي يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي بغياب الوفد العراقي يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)

أثار لقاء جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب برئيس الحكومة العراقية علي الزيدي في نيويورك تساؤلات بسبب غياب أعضاء الوفد العراقي بالكامل، بعد يوم واحد من الإعلان عن تأجيل إكمال خطة حصر السلاح إلى يونيو (حزيران) 2027.

وأظهرت صورة وزعها المكتب الإعلامي للحكومة العراقية، مساء الأربعاء، الزيدي بمفرده خلال اللقاء الذي حضره ترمب وافقه مسؤولون كبار في الإدارة الأميركية، من بينهم وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، ووزيرة الخزانة سكوت بيسنت.

وقال مكتب الزيدي، إنه بحث مع ترمب، الجهود التي يبذلها العراق والولايات المتحدة الأميركية لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

ولم تقدم الحكومة أي تفسير بشأن غياب الوفد العراقي الذي كان يضم وزراء الخارجية والمالية والكهرباء ومسؤولين آخرين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع متعدد الأطراف مع «مجلس التعاون الخليجي» إلى جانب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي والرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

عدم ارتياح أميركي

ربط معلقون عراقيون حضور الزيدي الاجتماع بمفرده إلى شكوك أميركية باحتمالات تسريب النقاشات بين الرئيسين من خلال أعضاء في الوفد لديهم تمثيل سياسي في تحالف «الإطار التنسيقي» المقرب من إيران.

وقال سياسي عراقي مقرب من قيادة «ائتلاف إدارة الدولة»، إن طريقة عقد اللقاء «تعبير عن عدم ارتياح أميركي خصوصاً من ترمب بشأن ما تبدو عليه خطوات متعثرة لحصر السلاح بيد الدولة حتى الآن».

وحسب تصريحات رسمية، فإن 30 سبتمبر (أيلول) الحالي لن يكون موعداً لاكتمال حصر السلاح في العراق، بل سيكون منطلقاً لبدء عملية جديدة تمتد إلى يونيو من العام المقبل.

ومن الواضح أن رئيس الحكومة علي الزيدي، الذي يزور نيويورك هذه الأيام، تمكن من إقناع الأميركيين بالحصول على مهلة إضافية لحصر السلاح، لا سيما بعد ما تبنى الموعد الجديد المبعوث الأميركي إلى العراق توم براك.

وقال صلاح العرباوي، وهو سياسي عراقي مستقل، إن «الوقت لا يزال مبكراً للحكم ما إذا كان الجدول الزمني الذي سيتم الإعلان عنه نهاية الشهر سيرجح كفة أي من أطراف الصراع السياسي على سلاح الفصائل».

ودعا العرباوي، في حديث مع «الشرق الأوسط»، القوى السياسية العراقية إلى «التعامل مع ملف السلاح بعقلانية وهدوء»، مفترضاً أن «الزيدي تمكن على الأقل حتى الآن من إعادة ضبط خطة حصر السلاح بعدما تعثرت خلال الأسابيع الماضية».

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في نيويورك (إعلام حكومي)

«هندسة العلاقات»

مع ذلك، يرى الخبراء أن النقاشات الأخيرة حول تعديل خطة حصر السلاح يمكن أن تتحول إلى فرصة لتحسين العلاقات العراقية الأميركية. وقال الباحث عباس عبود إن العلاقة العراقية - الأميركية تشهد إعادة هندسة من خلال المهمة التي يقوم بها مبعوث الرئيس الأميركي للعراق توم باراك عبر تبني الملفين العراقي والسوري.

وأوضح عبود في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «العلاقات العراقية مع حلفاء واشنطن في المنطقة أصبحت تمر من خلال البيت الأبيض على أساس فك الارتباط العراقي مع إيران».

وكان وجّه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تحذيراً مباشراً إلى بغداد، مشدداً على ضرورة «نزع سلاح الميليشيات لتفادي بلقنة العراق»، بالتزامن مع ضغوط متنامية على الحكومة العراقية لحصر السلاح بيد الدولة.

وأكد روبيو دعم الولايات المتحدة لحكومة علي فالح الزيدي في مساعيها من أجل ترسيخ سلطة الدولة، مشدداً على ضرورة تفكيك الفصائل المسلحة.

وحذر روبيو من أن استمرار تعدد مراكز القوة قد يقود إلى تفتيت الدولة العراقية وإضعاف مؤسساتها.

وتتزامن تصريحات الوزير الأميركي مع اقتراب انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، ومع إعادة بغداد ترتيب الجدول الزمني لعملية حصر السلاح.

وكان الزيدي عرض خطة تقضي ببدء مرحلة تمتد 90 يوماً تتوقف خلالها الفصائل عن تنفيذ الهجمات، على أن تستكمل عملية نقل السلاح إلى الدولة بحلول 30 يونيو 2027.