21 عاماً على سقوط نظام صدام... كيف العراق اليوم؟

وزير سابق ونائب وخبراء يلخصون لـ«الشرق الأوسط» عقدين من «العنف والفساد والتعافي»

صاحب متجر وابنه يتابعان خطاباً متلفزاً لصدام حسين في 17 يناير 1997 (أرشيفية - رويترز)
صاحب متجر وابنه يتابعان خطاباً متلفزاً لصدام حسين في 17 يناير 1997 (أرشيفية - رويترز)
TT

21 عاماً على سقوط نظام صدام... كيف العراق اليوم؟

صاحب متجر وابنه يتابعان خطاباً متلفزاً لصدام حسين في 17 يناير 1997 (أرشيفية - رويترز)
صاحب متجر وابنه يتابعان خطاباً متلفزاً لصدام حسين في 17 يناير 1997 (أرشيفية - رويترز)

بعد 21 عاماً على سقوط نظام صدام حسين في العراق، وتشكيل 8 حكومات، وانتخاب 6 دورات برلمانية، يرى نواب ومسؤولون سابقون في الحكومة أن تجربة «العراق الجديد لم يُكتب لها النجاح حتى الآن».

وفي مثل هذا اليوم، عام 2003، أعلنت الولايات المتحدة نجاح العمليات العسكرية التي حملت اسم «حرية العراق»، وانهيار نظام صدام حسين، بينما تبقى صورة إسقاط تمثال ضخم لصدام في وسط بغداد عالقة في الذاكرة.

وقالت واشنطن إنها غزت العراق عام 2003 لامتلاك البلاد «أسلحة دمار شامل»، ولأن نظام صدام حسين يشكل تهديداً للأمن العالمي، لكن لم يجرِ العثور على أي دليل على وجود أسلحة الدمار الشامل.

ولا يحتفل العراق رسمياً بهذا اليوم، رغم أن أعضاء في مجلس الحكم المؤقت دعوا إلى عدِّه «عيداً رسمياً»، كما أن الاهتمام الشعبي والسياسي بهذه المناسبة تراجع كثيراً خلال السنوات القليلة الماضية.

ورأت نخبة من صناع القرار السياسي في البلاد، تحدثت معهم «الشرق الأوسط»، أن 21 عاماً بعد التغيير لم تكن كافية لإنجاح التجربة الديمقراطية، بسبب «التنافس بين الزعامات السياسية والتدخلات الإقليمية في الشأن العراقي».

صورة أيقونية لجندي أميركي يلف رأس تمثال صدام حسين بعلم بلاده في بغداد عام 2003 (أرشيفية - رويترز)

اجتثاث العراق

وقال وزير الكهرباء الأسبق كريم حسن وحيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن «واشنطن كانت تهدف من غزو العراق إلى اجتثاثه من منظومة الدفاع القومي العربي، وإحداث اختلال في التوازن الإقليمي بزرع نظام جديد تتولاه قيادات ساذجة».

ورأى وحيد، الذي شغل منصباً وزارياً ضمن كابينة رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم الجعفري، أن الخلل في تركيبة النظام السياسي الجديد بدأت حينما تولت قيادات سياسية صناعة القرار تحت تأثير الرغبة في الانتقام»، وأشار إلى أن «هذه الطريقة لن يُكتب لها النجاح بعد عقود من الشمولية التي عبثت بالبلاد في مستويات مختلفة».

وخلال العقدين الماضيين، ضربت العراق أزمات أمنية وسياسية مركبة، بدأت بالعنف الطائفي عام 2005، والأعمال الإرهابية منذ نشوء تنظيمي «القاعدة»، و«داعش» لاحقاً، إلى جانب تفشي الفساد، وتعاظم التدخل الإقليمي وبروز ميليشيات تحظى بنفوذ سياسي واسع في البرلمان والحكومة.

جندي أميركي قرب صورة لصدام حسين على أحد جسور بغداد عام 2003 (رويترز)

وفي مارس (آذار) 2023، قال رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، إن حكومته تعمل على معالجة الفساد الذي تغلغل إلى أغلب مؤسساته بعد أن أصبح العراق في المرتبة 157 من بين 180 دولة من أكثر الدول فساداً في العالم، وفقاً لمنظمة الشفافية الدولية.

وقال النائب في البرلمان حسين عرب، وهو من الجيل السياسي الثاني، إن «ما حدث بعد عام 2003 احتلال بضريبة لا تزال تُدفع حتى اليوم»، وأوضح أن «الوصول إلى ديمقراطية راسخة يحتاج إلى وقت أطول».

وتابع عرب، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «أحزاب الإسلام السياسي حولت الديمقراطية إلى شكل مشوه يعتمد على الابتزاز والثراء غير القانوني».

ورجّح عرب أن «يخرج الجيل الأول الذي أسس عراق ما بعد صدام عن الخدمة في غضون دورة برلمانية واحدة»، على ما يقول.

حصيلة التغيير

وقال رئيس مركز «كلواذا للدراسات»، باسل حسين، لـ«الشرق الأوسط» إن «الحصيلة النهائية لتغيير النظام متواضعة، ولا تصب في صالح الأميركيين ومن جاء معهم»، كما أنها «أفسحت المجال للتدخل الإقليمي في العراق».

وأضاف حسين أن «المنطقة أصبحت أكثر اضطراباً الآن، بحالة لا يقين طاغية»، بينما «تزداد الأمور سوءاً مع التمدد الإيراني أكثر في العراق».

وقال حسين، إن «العراق تحول بعد الغزو الأميركي من دولة ند لإيران إلى تابع لها، وأداة في صراعها مع الغرب والمحيط العربي».

وبشأن مستقبل الديمقراطية في العراق، أوضح حسين، أن «النظام السياسي يترنح أمام أنماط سياسية وقانونية واجتماعية مناقضة ومتقاطعة، كما أن الصندوق الانتخابي أفرز نوعاً من الاستبدادية التنافسية الخالية من المضمون الديمقراطي المتعارف عليه في الدول الراشدة».

أعضاء في مجلس الحكم العراقي مع الحاكم المدني الأميركي بول بريمر 2004 (أ.ب)

منجز مهم

مع ذلك، رأى الباحث والأكاديمي عقيل عباس أن «المنجز الأهم المتحقق عام 2003 هو إنهاء الدولة الشمولية والاحتكار الحزبي للسلطة، وتحويل المجتمع إلى تابع وخائف».

وباستثناء ذلك، كما يقول عباس، فإن «النظام الجديد في فشل مستدام بسبب المنظومة السياسية - الحزبية الحاكمة التي اهتمت بمصالح أحزابها على حساب مصالح المجتمع، وأعادت تشكيل الدولة وأعرافها السياسية على هذا الأساس الخطأ وقصير النظر».

وكان ينبغي أن تهتم الطبقة السياسية التي تولت العراق بعد صدام حسين بتثبيت الفصل بين السلطات والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية، على حد وصف أستاذ السياسات العامة في جامعة بغداد إحسان الشمري.

وقال الشمري، لـ«الشرق الأوسط»، إن «النظام السياسي انتقل على مدى السنوات الماضية من ديمقراطية توافقية إلى زعاماتية، ما نسف جوهر التغيير».

ووفقاً للشمري، فإن «الحديث عن إصلاح النظام وتعديل الدستور بات مطلباً لكثير من القوى الوطنية»، لكن «هذه السلبيات لا تلغي أن العراق اكتسب بعد صدام حسين مبدأ الانتقال السلمي للسلطة الذي يجب أن يُنظر إليه بوصفه واحدة من علامات التعافي في البلاد».


مقالات ذات صلة

الزيدي يدافع عن خفض الدينار وسط انتقادات نيابية

المشرق العربي رجل يسير أمام مكتب للصرافة في بغداد يوم 7 أكتوبر 2026 بعد خفض البنك المركزي العراقي قيمة الدينار مقابل الدولار (أ.ف.ب)

الزيدي يدافع عن خفض الدينار وسط انتقادات نيابية

دافع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عن قرار تغيير سعر صرف الدولار، قائلاً إن الحكومة اتخذته في ظل أزمة مالية تفاقمت بسبب انقطاع صادرات النفط وإغلاق مضيق هرمز.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي مشهد عام لسوق الشورجة في بغداد 7 أكتوبر 2026 (رويترز)

بغداد تتحرك لاحتواء «صدمة الدولار»... ودعوات للاحتجاج

حاولت الحكومة العراقية احتواء خفض قيمة الدينار، من خلال تأجيل استيفاء رسوم وضرائب على سلع أساسية، بينما تتواصل ردود الفعل السياسية الغاضبة من القرار.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)

تحذيرات من عودة «داعش» بعد هجمات شمال بغداد

حذر مسؤولون عراقيون، الأربعاء، من استئناف تنظيم «داعش» نشاطه بعد هجمات استهدفت الأمن في مناطق ريفية شمال بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
خاص صراف عملات يقوم بعدّ رزم من أوراق الدينار العراقي خلال خدمة أحد الزبائن بمحل صرافة على جانب الطريق في بغداد (أ.ب)

خاص العراق يخفّض الدينار... والمواطن يتحمل تكلفة الضغوط المالية

استيقظ العراقيون، الأربعاء، على واقعٍ ماليٍ جديد مع خفض السلطات سعر صرف الدينار إلى 1520 مقابل الدولار، من 1320 ديناراً، في خطوة أثارت موجة غضب شعبي واسعة.

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد موظف يرتب أكواماً من الدينار العراقي في محل صرافة ببغداد (أ.ف.ب)

العراق يخفّض قيمة الدينار مع تراجع إيرادات النفط بسبب اضطرابات التصدير

خفّض العراق قيمة عملته، الأربعاء، ليرتفع سعر الصرف الرسمي من نحو 1300 دينار للدولار إلى 1500 دينار.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

وزير الثقافة السوري من بيروت: العلاقة مع لبنان ستُبنى على الأسس الصحيحة

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلامة يتوسط وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح ونظيره اللبناني غسان سلامة (وزارة الثقافة السورية)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلامة يتوسط وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح ونظيره اللبناني غسان سلامة (وزارة الثقافة السورية)
TT

وزير الثقافة السوري من بيروت: العلاقة مع لبنان ستُبنى على الأسس الصحيحة

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلامة يتوسط وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح ونظيره اللبناني غسان سلامة (وزارة الثقافة السورية)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلامة يتوسط وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح ونظيره اللبناني غسان سلامة (وزارة الثقافة السورية)

تعهّد وزير الثقافة السوري، محمد ياسين الصالح، بأن الشراكة بين بلاده ولبنان «ستُبنى على الأسس الصحيحة التي تليق بشعبي البلدين»، مشيراً إلى تعاون قضائي بين بيروت ودمشق حول ملف المعتقلين اللبنانيين المفقودين في سجون النظام السابق، مؤكداً أن «هذا الملف وُضع في مساراته الصحيحة».

وجاء تصريح الصالح، خلال زيارته وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة في المكتبة الوطنية في بيروت، على هامش دعوة الوزير سلامة لنظيره السوري لحضور افتتاح الدورة الـ67 لـ«معرض بيروت العربي والدولي للكتاب».

كما التقى الصالح، رئيس الحكومة اللبنانيية نواف سلّام، وتناولت المحادثات عدداً من القضايا الثقافية، حسبما أفادت وزارة الثقافة السورية.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلامة يستقبل وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح (رئاسة الحكومة اللبنانية)

الوزير سلامة

وفي مقر وزارة الثقافة اللبنانية، وبعد جولة محادثات تناولت العلاقات الثنائية، قال الوزير سلامة: «جعلنا من الزيارة مناسبة للتعارف والبحث في مختلف مجالات التعاون الممكنة بين البلدين. وأعتقد أن الوقت قد حان لكي نعطي لهذا التعاون بُعداً عملياً في مختلف المجالات، من الصناعات الثقافية إلى عالم الآثار وإلى التعاون في مجالات الثقافة عموماً».

وأضاف: «الثقافة العربية واحدة، وهي تجمعنا، والسوق العربية للكتاب والأغنية والفيلم هي سوق واحدة، ومن ثم علينا أن نعمل معاً في سبيل التعافي الاقتصادي لكلا البلدين، وأن نعطي زخماً لهذه الصناعات من خلال تعاون عملي ونشيط، فالعلاقة بين لبنان وسوريا لا تُقاس فقط بالزيارات المجاملة، بل تُقاس أساساً بالتعاون العملي».

وشدد سلامة على أن البلدين «بحاجة إلى نمو اقتصادي فاعل ولتعزيز الثقافة بين أبناء الشعبين»، مشيراً إلى «أننا سنعمل مع معالي الوزير أولاً على ردّ هذه الزيارة لدمشق التي أصبو إلى زيارتها، وأيضاً من خلال توقيع اتفاقية تعاون متكاملة بين البلدين».

وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح ونظيره اللبناني غسان سلامة (وزارة الثقافة السورية)

وزير الثقافة السوري

بدوره، قال وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح: «آن الأوان لهذه العلاقة المميزة بين الشعبين والبلدين أن تُبنى كما يجب أن تُبنى، بناءً على المحددات التي رسمتها السياسة التي عبر عنها القادة وعبرت عنها الحكومات. آن للمسارات الثقافية أن تُفتح في شتى التخصصات من النشر والكتاب»، مشيراً إلى أن «بيروت مدينة من مدن النور والنشر والكتاب، ودائماً ما فتحت فضاء الحرية للسوريين كما فتحته للبنانيين، خصوصاً في المرحلة التي كان فيها نظام الاحتلال الأسدي يكمم الأفواه، ويغلق السماء على المبدعين».

وتابع: «نأتي اليوم إلى لبنان ولا نشعر بأننا خرجنا من الحدود، لأن المشتركات الثقافية تعبر الحدود من دون جواز سفر. نأتي لنقول إن هذه الشراكة ستُبنى إن شاء الله على الأسس الصحيحة التي تليق بهذين الشعبين، ونبارك انطلاق الدورة الـ67 لمعرض الكتاب».

وحول طبيعة المشروعات المطروحة، أوضح الوزير الصالح أن «المشروعات الثقافية التي جرى طرحها كانت عابرة للحدود، ما بين النشر والموسيقى والدراما والسينما والتشبيك الضروري في موضوع الآثار والمتاحف، بهدف خلق نظام مستدام للثقافة»، مؤكداً أن «دور وزارة الثقافة ليس الاحتكار، وإنما فتح الفضاء أمام المبدعين».

وردّاً على سؤال حول الوثائق والصور المتعلقة بمعتقلين لبنانيين في سجون النظام السابق، أكد الوزير السوري أن «التعاون القضائي بين البلدين قائم، وأن زيارات وفدي وزارتي العدل كانت عديدة، وأن هذا الملف وُضع في مساراته الصحيحة».


قرى مسيحية حدودية في جنوب لبنان تخشى العزلة برحيل «اليونيفيل»

مدخل بلدة رميش في جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)
مدخل بلدة رميش في جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

قرى مسيحية حدودية في جنوب لبنان تخشى العزلة برحيل «اليونيفيل»

مدخل بلدة رميش في جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)
مدخل بلدة رميش في جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

تخشى القرى المسيحية الحدودية الثلاث، رميش ودبل وعين إبل، في جنوب لبنان، أن يؤدي انتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة (اليونيفيل) إلى فقدان أحد أبرز مقومات صمود سكانها، إذ تتولى القوات الدولية تنسيق قوافل تنقّلهم بين قراهم وصور وبيروت في ظل القيود الأمنية القائمة.

وإلى جانب احتمال عزل هذه البلدات، تبرز مخاوف من خسارة مئات العائلات مصادر رزقها المرتبطة بالقوات الدولية، وسط غموض بشأن البدائل التي ستضمن استمرار حركة الأهالي.

جنود فرنسيون من قوات الطوارئ الدولية خلال احتفال بعيد الميلاد في مدرسة بعين إبل القريبة من الحدود اللبنانية مع إسرائيل (أرشيفية - أ.ب)

دبل: قوافل تضم 30 سيارة

يشرح ابن دبل، شربل لوقا، لـ«الشرق الأوسط» أن «اليونيفيل» تنسّق قوافل الدخول والخروج بالتعاون مع بلديات دبل ورميش وعين إبل. ويقول إن «التنسيق يجري دائماً بين القرى الثلاث الصامدة»، موضحاً أن «القافلة تضم 30 سيارة»، وفق الآلية الحالية.

ويبدي لوقا قلقه من غياب جهة تتولى تنظيم القوافل وتأمين حركة السكان بعد انتهاء مهمة القوة الدولية، فضلاً عن خسارة عدد من أبناء البلدة وظائفهم المرتبطة بها، بما ينعكس على العائلات التي تعتمد على هذه المداخيل.

عين إبل: الخشية على حركة الأهالي

يحذّر رئيس بلدية عين إبل، أيوب خريش، من خسارة الوظائف المرتبطة بالقوات الدولية، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «رحيل (اليونيفيل) بالنسبة إلينا مصيبة، لأن نسبة كبيرة من أبناء البلدة يعملون لديها، فضلاً عن الحركة الاقتصادية والمداخيل التي يؤمّنها وجودها. لا أعرف ماذا سيحل بالعائلات الصامدة هنا إذا غادرت».

ويوضح أن دخول البلدة والخروج منها يجريان بمواكبة «اليونيفيل»، بعد طلب عبر «الميكانيزم» يحدّد السيارات والركاب، والتحقق من الموافقة لدى نقطة للجيش اللبناني، قبل أن ترافق القوات الدولية القافلة من محيط «المنطقة الصفراء» إلى البلدة.

ويقول: «بصراحة لا أعرف ماذا سيحدث لنا، وكلما فكرت في الأمر أشعر بقلق كبير»، مشيراً إلى حديث عن قوة بديلة غير أممية من دون معلومات مؤكدة.

ويناشد الدولة تأمين التنقّل، قائلاً: «نريد من الدولة أن تنظر إلينا، نحن الذين ما زلنا صامدين هنا. نحن لبنانيون ونعيش على أرض لبنانية، وببقائنا نحافظ على هوية هذه الأرض».

رجل يحمل خبزاً لبيعه في دكانه ببلدة رميش الجنوبية (أرشيفية - رويترز)

رميش: مئات العائلات مهددة بفقدان دخلها

وفي رميش، لا تزال هناك 85 عائلة يعمل أفراد منها بصورة ثابتة لدى «اليونيفيل»، ويتقاضون رواتب شهرية تعتاش منها أسرهم. ويقول الرئيس السابق لبلدية رميش، ميلاد العلم، لـ«الشرق الأوسط»: «نحو 70 في المائة من هؤلاء الموظفين لم يبلغوا الخامسة والخمسين، وهي سن استحقاق المعاش التقاعدي حسب النظام المعتمد لديهم، ما يعني أنهم مهددون بخسارة رواتبهم من دون الاستفادة من معاش تقاعدي في حال انتهاء خدماتهم».

ويضيف: «هناك أيضاً نحو 250 عائلة أخرى يعمل أفراد منها في شركات متعاقدة مع (اليونيفيل)، وهؤلاء سيفقدون بدورهم مصادر دخلهم الشهرية». ويشير إلى تراجع فرص العمل منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وإلى انعكاس رحيل العناصر الدوليين على المحال التي تعتمد على مشترياتهم.

ويوضح أن «اليونيفيل» تواكب تنقّلات الأهالي، خصوصاً بين رميش والقليلة وصور، بعد تقديم بيانات السيارات والركاب والتنسيق عبر آلية المراقبة.

ويتساءل: «مع اقتراب انتهاء مهمة (اليونيفيل) في 31 ديسمبر (كانون الأول)، من سيتولى مواكبة الأهالي في تنقلاتهم الضرورية إلى صور أو بيروت، سواء للعلاج أو العمل أو الدراسة أو قضاء احتياجاتهم اليومية؟ حتى الآن لا أحد يعرف ما البديل، ولا الجهة التي ستتولى هذه المهمة».

ويؤكد أن «رميش ودبل وعين إبل ليست محاصرة بالكامل في الوقت الحاضر، لكن الخشية الحقيقية هي أن يؤدي انسحاب القوات الدولية من دون توفير جهة بديلة للمواكبة إلى جعل الأهالي محصورين داخل قراهم، وغير قادرين على التنقل بصورة طبيعية». ويدعو إلى استمرار وجود الجيش ومؤسسات الدولة لتقديم الخدمات، مؤكداً أن «مطلبنا أن نعيش في أرضنا تحت سقف القانون والدولة والشرعية».

الانسحاب يهدد السيادة وحياة المدنيين

يحذّر النائب ملحم خلف من أن غياب «اليونيفيل» مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي «يكرّس الاحتلال، ويضعف الدولة اللبنانية، ويترك الأهالي أمام خيارات لا يريدون اللجوء إليها».

ويقول خلف لـ«الشرق الأوسط» إن «القرار الأممي 2790 لا يمكن اختزاله ببند انسحاب (اليونيفيل)، لأن هذه القراءة مجتزأة وتتجاهل الموجبات الأخرى التي نص عليها القرار»، موضحاً أنه «يدعو إلى الانسحاب الإسرائيلي من المواقع المحتلة، وانتشار الجيش اللبناني فيها، وبالتالي فإن هذه الموجبات مترابطة ولا يمكن فصل إحداها عن الأخرى».

ويتساءل: «كيف يمكن تسليم مواقع (اليونيفيل) إلى الجيش اللبناني في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي؟»، مشيراً إلى وجود 33 موقعاً للقوة الدولية على امتداد الخط الأزرق، ومعتبراً أن «استمرار الاحتلال يحول دون تنفيذ هذه الالتزامات بصورة متكاملة، ما يطرح إشكالية فعلية بشأن إمكان تنفيذ القرار».

ويشدّد خلف على أن «خطورة انسحاب (اليونيفيل) لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تطول بصورة مباشرة حياة المدنيين في القرى الحدودية المحاصرة»، متسائلاً: «إذا غابت (اليونيفيل) عن الخط الأزرق، فكيف يمكن تأمين التواصل بين هذه القرى والداخل اللبناني؟ ومن يحمي الأهالي ويمنع عزلهم عن بقية الأراضي اللبنانية؟».

ويرى أن «غياب القوة الدولية من دون توفير الحماية اللازمة سيؤدي عملياً إلى عزل الأهالي ودفعهم نحو اتخاذ قرارات لا يرغبون فيها، نتيجة شعورهم بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة الاحتلال والمخاطر الأمنية».

ويؤكد أن «الأمم المتحدة تتحمل مسؤولياتها بموجب ميثاقها والقرارات الدولية ذات الصلة، ولا سيما القرارات 425 و1701 و2790، سواء لجهة التثبت من الانسحاب الإسرائيلي أو الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وحماية المدنيين».

ويتساءل: «كيف يمكن للأمم المتحدة أن تنسحب من منطقة لا تزال تحت الاحتلال، وتتركها عرضة لمزيد من عدم الاستقرار، فيما تتمثل إحدى مسؤولياتها الأساسية في صون السلم والأمن الدوليين؟».

ثلاثة مخاطر

ويحدد ثلاثة مخاطر أساسية، قائلاً: «أولاً، تكريس الاحتلال الإسرائيلي، وثانياً، تكريس ضعف الدولة اللبنانية؛ وثالثاً، ترك القرى الحدودية أمام خيارات ذاتية نتيجة غياب الحماية وعدم قدرة الدولة على تأمين احتياجاتها الأمنية».

ويشدد على أن «المسألة لا تتعلق بمجرد انسحاب قوة دولية، بل بحماية الأرض اللبنانية والشعب اللبناني وسيادة الدولة»، مؤكداً أن «الأمم المتحدة مطالبة، بموجب المبادئ التي قامت عليها، بالإسهام في حماية السيادة اللبنانية ومنع تعريض المدنيين للخطر، وتأمين الظروف التي تحول دون عزل القرى المحاصرة أو ترك أهلها من دون حماية».


الاتحاد الأوروبي يمهد لبقاء قواته في لبنان بعد «اليونيفيل»

دورية لقوات «اليونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)
دورية لقوات «اليونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)
TT

الاتحاد الأوروبي يمهد لبقاء قواته في لبنان بعد «اليونيفيل»

دورية لقوات «اليونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)
دورية لقوات «اليونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)

يواصل الاتحاد الأوروبي تنفيذ التزاماته بدعم المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية، بعد انتهاء ولاية «اليونيفيل»، عبر استحداث بعثة جديدة لتقديم التدريب والاستشارات للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، لن تكون بديلاً عن «اليونيفيل»، وتضطلع بمهمة المساعدة لـ«تعزيز سيادة الدولة وبسط سلطتها» على كامل الأراضي اللبنانية.

وأعلنت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية كايا كالاس من بيروت الخميس، «التخطيط لبعثتنا الجديدة التابعة للاتحاد الأوروبي لتقديم التدريب والاستشارات للجيش اللبناني»، مشيرة إلى أنه «يوم الاثنين المقبل، أتوقّع أن ينشئ وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي البعثة رسمياً، مما سيشكل مساهمة أساسية في أمن لبنان».

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس (د.ب.أ)

وتقدم هذه البعثة الاستشارات والمساعدة للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي لتعزيز سلطاتهما على أراضي لبنان وأمن حدوده وأمنه الداخلي. وقالت كالاس: «سيتماشى كل ذلك مع قرار مجلس الأمن الدولي 1701»، مشيرة إلى أن هذه البعثة «لن تحل محل (اليونيفيل) ولن تحصر تركيزها بجنوب لبنان».

وتنتهي ولاية «اليونيفيل»، التي تتصدر الدول الأوروبية قائمة داعميها والمشاركين فيها، وفي مقدمتها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا وآيرلندا.. ومع قرب انتهاء ولايتها، طُرحت فكرة تشكيل قوة أوروبية بديلة تضطلع بالمهام نفسها، لكن هذا المسعى اصطدم برفض أميركي وإسرائيلي، ما أدى إلى تعثر المقترح.

عدة أدوار

وفي هذه البعثة الجديدة، يواصل الاتحاد الأوروبي التزاماته بدعم القوى المسلحة اللبنانية، وتمكين الدولة اللبنانية من تنفيذ تعهداتها، وخصوصاً الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتطبيق القرارات التي اتخذتها وتحديداً لناحية «حصر السلاح» وبسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها بقواها الشرعية حصراً.

وقال مصدر وزاري لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن هذه البعثة «غير مرتبطة بـ(اليونيفيل) ولا سواها»، لافتاً إلى أن مهمتها «غير عسكرية، ولن تتولى المهام التي كانت تضطلع بها (اليونيفيل)، بل ستكون مهمتها لوجستية، وستشمل تدريب القوى العسكرية اللبنانية، إضافة إلى مهام اجتماعية وصحية وتربوية، ما يعني أن لها أكثر من دور».

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كلاس في بيروت الخميس (الرئاسة اللبنانية)

وأكدت المصادر أن مهمة البعثة الأوروبية تتمثل في «تعزيز سيادة الدولة وبسط سلطتها وتمكين الأجهزة الأمنية اللبنانية على الانتشار وتنفيذ مهامها»، وهو ما يمكن استنتاجه من حديث كالاس عن أن مهمتها تتماشى مع قرار مجلس الأمن الدولي 1701 كعنوان سياسي للبعثة.

وخصص الاتحاد الأوروبي مبلغ 505 ملايين يورو للبنان لعامي 2026 و2027، تمثل الجزء الثاني من حزمة المليار يورو المعلنة عام 2024، لدعم التعافي الاقتصادي والإصلاحات والأمن والخدمات الأساسية.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي كايا كلاس (إ.ب.أ)

وبلغت قيمة المساعدات الأوروبية المقدمة للجيش عبر مرفق السلام الأوروبي 182 مليون يورو منذ عام 2022.

وأعرب الاتحاد عن استعداده لتقديم المساعدات اللازمة للبنان، ولا سيما للجيش وقوى الأمن الداخلي والمؤسسات الاجتماعية والإنسانية. كما يدعم قرارات الدولة اللبنانية لبسط سيطرة الدولة الكاملة على أراضيها، والمضي قدماً في نزع سلاح «حزب الله».

وإلى جانب هذا الدور، يدفع الاتحاد الأوروبي نحو تمديد ولاية «اليونيفيل» لتجنب أي فراغ أمني بعد مغادرة البعثة الدولية. وقالت كالاس من بيروت: «لقد أدّت (اليونيفيل) دوراً مهماً طوال نحو 50 عاماً. وإنَّ استمرار وجود الأمم المتحدة في جنوب لبنان قيد النقاش، ونحن سنبقى مستعدين للعمل مع لبنان والأمم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن بشأن المرحلة التالية».