قصة تحوّل جندي أميركي مكلف بحراسة صدام حسين إلى «صديق للدكتاتور»

روجرسون روى كيف بكى يوم إعدامه وشعر بأنه «قاتل»

صدام حسين في إحدى المحاكمات (رويترز)
صدام حسين في إحدى المحاكمات (رويترز)
TT

قصة تحوّل جندي أميركي مكلف بحراسة صدام حسين إلى «صديق للدكتاتور»

صدام حسين في إحدى المحاكمات (رويترز)
صدام حسين في إحدى المحاكمات (رويترز)

بعد مرور نحو 20 عاماً على القبض على صدام حسين من قبل القوات الأميركية في ديسمبر (كانون الأول) 2003، روى أحد الجنود الذين كانوا يحرسونه لقناة «سكاي نيوز» قصة ولادة صداقة غير متوقعة بينهما.

في أغسطس (آب) 2006، كان الاختصاصي آدم روجرسون يقف على مسافة أمتار من صدام حسين، بينما كان نائماً في زنزانته أسفل مبنى المحكمة العراقية العليا في بغداد، وفقاً لشبكة «سكاي نيوز» البريطانية.

لم يكن الجندي الأميركي قد وضع عينه بعد على «الدكتاتور العراقي الذي كان يعد على نطاق واسع أحد أكثر الرجال شراً على هذا الكوكب»، على حد تعبير الشبكة.

وكانت الولايات المتحدة قد غزت العراق في مارس (آذار) 2003، حيث قال الرئيس جورج دبليو. بوش إنه يريد إنهاء «دعم صدام حسين للإرهاب».

فر الرئيس العراقي هارباً مع تساقط الغارات الجوية على البلاد التي يحكمها منذ عام 1979.

وبعد أشهر، عثر عليه جنود أميركيون مختبئاً في حفرة صغيرة لا تكاد تتسع لشخص واحد في الدور بوسط العراق.

الحفرة التي عُثر على صدام حسين فيها مختبئاً (سكاي نيوز)

وجرى تقديم صدام حسين للمحاكمة بتهم متعددة بما في ذلك جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وفقاً للقناة.

وقبل أن يكون صدام حسين محتجزاً في زنزانة أسفل مبنى المحكمة العراقية العليا، كان أحد قصوره السابقة سجناً له، وكان روجرسون من بين 12 جندياً أميركياً مكلفين بحراسته.

ومع صيت صدام حسين في القتل الجماعي والتعذيب والقمع الوحشي، لم يكن الجندي الشاب لأنه كان غير متحمس عندما اكتشف أنه سيقضي الكثير من الوقت مع ما يسمى «جزار بغداد»، وفقاً للقناة، التي روت أنه في الأشهر التي تلت ذلك، أقاما صداقة غير متوقعة، حيث انهار روجرسون بالبكاء عندما أُعدم صدام حسين في ديسمبر (كانون الأول) 2006.

وقال روجرسون في أحدث حلقة من برنامج «سكاي نيوز ديلي»: «قيل لي إنني سأكون أول من يتولى الحراسة. لقد كان الأمر مخيفًا للغاية بالنسبة لي لأنني كنت أعرف من هو».

أضاف: «في البداية كان الظلام سائداً، وكنت أسمعه نائمًا لكني لم أتمكن من رؤيته... وبعد قليل استيقظ ونظر إلي ونظرت إليه. كانت تلك بداية علاقتنا، كانت سريالية للغاية».

صديق جديد للجنود الأميركيين

وتابعت «سكاي نيوز» سرد قصة ولادة الصداقة بين صدام حسين والجنود الأميركيين، وقالت إنه آنذاك جرى تكليف روجرسون والحراس الآخرين، الذين أصبحوا يعرفون باسم «سوبر 12»، بحراسة حسين لمدة 24 ساعة في اليوم، 7 أيام في الأسبوع.

طُلب من الجنود عدم التعامل مع الرجل الذي ربما كان أشهر سجين في العالم، لكن الأمر لم يستغرق وقتًا طويلاً حتى كسروا هذه القاعدة.

«ليس من الواضح ما إذا كان يحاول صدام التلاعب بنا، أو أنه كان صديقاً حقيقياً لنا. ولكن إذا كنت تعيش مع شخص ما، فسوف تتفاعل معه»، وفق روجرسون.

كان صدام حسين محتجزاً في أحد قصوره السابقة المسمى الصخرة، حيث كان على الحراس نقله بانتظام إلى المحكمة العراقية العليا لجلسات الاستماع إليه.

وقال روجرسون: «كنا نسمع أصوات قذائف (الهاون)، وإطلاق النار، وكنا نسمع كل أصوات الحرب. وكان صدام ينظر إلينا ويضحك. ولم تظهر عليه قط علامات القلق... في أكثر من مناسبة كان ينظر إلي ويقول مازحاً: سأخرج، إنهم قادمون للقبض علي».

لم يشك روجرسون قط في أن صدام حسين كان «دكتاتورًا مهووسًا مذنبًا بالجرائم التي اتُهم بارتكابها»، لكنه قال إنه عندما تعرف عليه وجد أن «الطاغية يمكن أن يتمتع بروح الدعابة حقاً».

تبادل الهدايا

وفق روجرسون فإن «طاغية القتل الجماعي» بدا كأنه يتمتع بجانب أكثر ليونة ما ساعد في تكوين صداقة مع مرور الأسابيع. واستذكر: «كنا نتبادل القصص. كنا نأخذه لرؤية عائلته، وكانوا يحضرون له المناديل والحلوى. كان يشاركنا الحلوى، ثم بدأنا نوعاً ما في تقديم الأشياء التي تلقيناها من عائلاتنا له».

وخلال المهمة، أرسلت زوجة روجرسون لزوجها بعض الشموع المعطرة، وقرر الجندي أن يعطي واحدة لصدام حسين، ونقش الرئيس الذي تحول إلى سجين قصيدة على جانبها باللغة العربية وأرسلها لابنته كهدية.

وتابع روجرسون: «لقد تمكنت من رؤية الجانب الذي لم يكن شريراً منه، على الرغم من أنني كنت أعرف أنه كذلك. ولم أر سوى الرجل البالغ من العمر 69 عاماً. لم يظهر أبدًا أنه متعجرف أو ديكتاتور، لقد كان مجرد شخص».

«سكاي نيوز» سرد قصة ولادة الصداقة بين صدام حسين والجنود الأميركيين (أ.ف.ب)

صدام حسين وعلاقته بفيدل كاسترو

وبين جلسات المحاكمة، كان صدام حسين يغلب الجنود في لعبة الشطرنج، ويستمع إلى الموسيقى الغربية على الراديو الخاص به، وفق «سكاي نيوز».

وفي إحدى الأمسيات، كان يجلس في الخارج في منطقة الترفيه الخاصة به، ويدخن السيجار عندما اتصل بروجرسون، وقال: «كان لديه كتاب صور، وكان يريني إياها... صور له وهو يقضي وقتاً ممتعاً مع فيدل كاسترو. وبالنسبة لي كان الأمر لا يصدق... أخبرني بأن كاسترو هو من علمه تدخين السيجار».

ويقول روجرسون إنه رغم إعجابه بصدام حسين، فإنه كان يبقي دائماً في ذهنه فكرة أن صدام حسين «متلاعب كبير».

وفق القناة، لن يُعرف أبداً ما إذا كان حسين يكنّ مشاعر حب حقيقية لروجرسون وبقية أفراد «السوبر 12»، ولكن من الواضح أن الجنود أنفسهم طوروا علاقة عميقة مع الرجل الذي كان من المفترض أن يكون عدوهم.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2006، انتهت محاكمة حسين وحكم عليه بالإعدام شنقاً.

«شعرت وكأنني قاتل»

وكان روجرسون من بين جنود «سوبر 12» الذين ذرفوا دموع الحزن بعد الإعدام، بينما احتفل الكثير من العراقيين أنفسهم «بالموت الوحشي لدكتاتورهم السابق»، وفق القناة.

وفي معرض حديثه عن اليوم التاريخي لإعدام صدام حسين، قال روجرسون: «لقد كان أمراً مؤثراً. كنا نشاهده وهو يمشط شعره ويتجول. كان يعلم ما سيحدث في ذلك اليوم، وكان من المحزن أن نرى ذلك. لقد كان حزيناً ومنزعجاً، وكلنا منزعجون من أنفسنا. لقد تعرفت عليه، وقضيت كل وقتي معه، ثم فجأة كان على وشك الموت».

وفي وقت لاحق، أخبر روجرسون المؤلف ويل باردينويربر أن إعدام صدام حسين «كان بمثابة فقدان أحد أفراد الأسرة»، وأضاف: «أشعر كأنني قاتل، كأنني قتلت رجلاً كنت قريباً منه».

روجرسون، الذي أصبح الآن في الأربعينات من عمره، ترك الجيش منذ ذلك الحين، ويعيش في أوهايو حيث يعمل مدرباً لكرة القدم الأميركية، وفقاً لـ«سكاي نيوز».

يعاني روجرسون، وهو أب لديه ابنة تبلغ من العمر 15 عاماً وابن يبلغ من العمر 9 سنوات، من اضطراب ما بعد الصدمة منذ عودته من العراق، ويقول إن السبب في ذلك هو تجربته في حراسة صدام حسين ثم كونه شاهداً على إعدامه.

وختم روجرسون سرد الأحداث بالقول: «في يوم من الأيام سيعلم أحفادي أنني فعلت شيئًا من أجل بلدي. وهذا يجعل الأمر يستحق كل هذا العناء».


مقالات ذات صلة

الشرع يستقبل رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي

المشرق العربي الرئيس أحمد الشرع يستقبل اليوم الخميس في قصر الشعب بدمشق رئيس مجلس القضاء الأعلى في جمهورية العراق القاضي فائق زيدان والوفد المرافق له

الشرع يستقبل رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي

استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم، في قصر الشعب بدمشق، رئيس مجلس القضاء الأعلى في جمهورية العراق القاضي فائق زيدان والوفد المرافق له، بحضور وزير الخارجية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي واجهة «مطار بغداد الدولي» (أرشيفية - رويترز)

تضارب بشأن طائرة عراقية غيرت مسارها بسبب «بلاغ نائبة»

تضاربت أنباء بشأن طائرة كانت متجهة من العاصمة العراقية إلى إسطنبول أُجبرت على العودة إلى «مطار بغداد الدولي»...

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي نيجيرفان بارزاني رئيس إقليم كردستان العراق في مبنى البرلمان يوم 14 مايو 2026 (د.ب.أ)

بارزاني يحذر من «عزلة العراق» بسبب سلاح الفصائل

حذر رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، مما سماها «عزلة دولية» سيتعرض لها العراق إذا لم يُحسم ملف الفصائل المسلحة التي لا تزال ترفض تسليم سلاحها...

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي محتجون يشعلون النار في أحد شوارع الكوت جنوب بغداد احتجاجاً على نقص الكهرباء (مواقع تواصل)

شح الكهرباء والمياه ينذر بأزمة في جنوب العراق

تُلقي أزمة الكهرباء المتفاقمة في العراق بظلالها على معظم السكان، في ظل ارتفاع الحرارة التي تجاوزت نصف درجة الغليان...

فاضل النشمي (بغداد)
خاص صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014 p-circle 02:31

خاص «الشرق الأوسط» تكشف ملامح خطة «حصر السلاح» في العراق

كشفت مصادر عراقية عن ملامح خطة حكومية بعد انتهاء مهلة حصر السلاح في 30 سبتمبر (أيلول) 2026، تتضمن «تفكيكاً تدريجياً لمواقع» فصائل يديرها «الحرس الثوري»

علي السراي (لندن)

الإدارة الاميركية تزوّد «آيس» بقفازات قادرة على صعق المهاجرين

ضباط ملثمون بينهم عناصر من إدارة الهجرة والجمارك (آيس) يدخلون محكمة الهجرة في فينيكس أريزونا (رويترز)
ضباط ملثمون بينهم عناصر من إدارة الهجرة والجمارك (آيس) يدخلون محكمة الهجرة في فينيكس أريزونا (رويترز)
TT

الإدارة الاميركية تزوّد «آيس» بقفازات قادرة على صعق المهاجرين

ضباط ملثمون بينهم عناصر من إدارة الهجرة والجمارك (آيس) يدخلون محكمة الهجرة في فينيكس أريزونا (رويترز)
ضباط ملثمون بينهم عناصر من إدارة الهجرة والجمارك (آيس) يدخلون محكمة الهجرة في فينيكس أريزونا (رويترز)

قررت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تزويد عملاء إدارة الهجرة والجمارك (آيس) بقفازات يمكنها إطلاق صعقات كهربائية لاستخدامها في عمليات قمع المحتجين أو المهاجرين الذين يمكن أن يقاوموا عمليات توقيفهم.

وتعتزم «آيس» إنفاق ما بين 10 ملايين و20 مليوناً من الدولارات على جهاز «سي تي جي 5 غلوف» لتوليد الطاقة الكهربائية المنخفضة، والذي يوُصف بأنه «جهاز موصل لتشتيت الانتباه وتهدئة الموقف»، وفقاً لإشعار بخطط المشتريات لدى وزارة الأمن الداخلي.

وتصنع هذه القفازات شركة «كومبلاينت تكنولوجيز»، التي تدعي أن منتجاتها «تمكن الضباط من تهدئة المواقف المتوترة بسرعة». وهي غير مجربة، ولا تعتمد على نطاق واسع من الشرطة، بل إن بعض خبراء الأمن لم يسمعوا به حتى قبل انتشار خبر عقد إدارة «آيس».

وعبّر المنتقدون عن قلقهم من تزويد عناصر الهجرة بأداة إضافية يمكن أن تؤدي إلى تصعيد استخدامهم القوة. كما أثارت مخاوف بعض المسؤولين السابقين في إدارة «آيس»، الذين شككوا في جدوى استخدام هذه القفازات ضد المتهمين بانتهاك قوانين الهجرة، وهي في معظمها مخالفات مدنية.

ووُجّهت انتقادات لإدارة «آيس» بسبب أساليبها العدوانية في تنفيذ حملة الترحيل الجماعي التي يقودها الرئيس ترمب. فاستخدم عناصرها بخاخات الفلفل ضد المتظاهرين، وأخرجوا أشخاصاً من سياراتهم بالقوة، وأطلقوا النار على 6 أشخاص على الأقل منذ عودة ترمب إلى منصبه، ما أدّى إلى مطالبات بمزيد من المساءلة.

ولم تُجب الإدارة عن أسئلة حول كيفية استخدام القفازات، مثل ما إذا كانت ستُستخدم لاعتقال الأفراد خلال عمليات الهجرة أو أثناء التعامل مع المتظاهرين. ولكنها قالت في بيان: «تُجري إدارة الهجرة والجمارك تقييماً مستمرّاً لحاجات ضباطها الميدانيين لضمان حصولهم على الأدوات والمعدات اللازمة لاعتقال وترحيل المهاجرين غير الشرعيين المجرمين من بلادنا بأمان». وأضافت: «يجري اتخاذ كل قرار بعناية فائقة، ومراجعته بشكل مناسب لضمان توافق أي تقنية تستخدمها إدارة الهجرة والجمارك مع كل سياسات ومعايير إنفاذ القانون المعمول بها».

قوات «آيس» تعتقل متظاهراً في مينيابوليس 15 يناير 2026 (أ.ب)

وصُممت هذه القفازات عمداً لتكون، حسب الشركة، «غير ظاهرة للعيان»، أي أنها تُشبه قفازاً عادياً، و«تبدو أفضل في الفيديو» من وسائل القوة الأخرى التي تستخدمها الشرطة، وفقاً لما ذكره رئيس شرطة كيب جيراردو في ميسوري، آدم غلوك، الذي يستخدم هذه القفازات.

وأوضح أنه كان مشككاً في البداية، نظراً لكثرة الأدوات الجديدة المُسوّقة لوكالات إنفاذ القانون، لكنه اقتنع بعد تجربة عملية استُخدم فيها القفاز عليه.

وقال غلوك: «بمجرد أن وضعته على ذراعي اقتنعت تماماً. سقطتُ أرضاً على الفور. لم أفكر في أي شيء سوى رغبتي في التخلص من هذا الألم».

وتُشير الشهادات المنشورة على موقع الشركة إلى أن استخدام هذه الأداة في السجون أصبح أكثر شيوعاً من استخدامها من ضباط الدوريات.

وقالت نائبة مدير مشروع شؤون الشرطة في الاتحاد الأميركي للحريات المدنية، جين رولنيك بورشيتا، إن «تزويد عملاء إدارة الهجرة والجمارك، الذين استخدموا القوة بتهور خلال العام الماضي، بقفازات قادرة على إيصال صدمات كهربائية أمرٌ مُرعب».

وشكك المسؤول الكبير السابق في «آيس» في ضرورة تزويد الضباط بالقفازات لملاحقة الأشخاص المتهمين بانتهاك قوانين الهجرة، والتي هي في الغالب جرائم مدنية، على الرغم من أن إدارة الهجرة والجمارك تلاحق أيضاً الهاربين المعروفين بأنهم خطرون، إلا أنه ليس من المتوقع بشكل معقول أن يبدي معظم الأشخاص الخاضعين للترحيل «مقاومة قوية».


بعد استنزاف الذخائر… حرب إيران ترهق بحارة أميركا

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس أبراهام لينكولن» تواصل عملياتها في بحر العرب ضمن إنفاذ الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس أبراهام لينكولن» تواصل عملياتها في بحر العرب ضمن إنفاذ الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
TT

بعد استنزاف الذخائر… حرب إيران ترهق بحارة أميركا

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس أبراهام لينكولن» تواصل عملياتها في بحر العرب ضمن إنفاذ الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس أبراهام لينكولن» تواصل عملياتها في بحر العرب ضمن إنفاذ الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)

تواجه «البحرية» الأميركية ضغوطاً متزايدة بسبب الإرهاق الجسدي والنفسي بين أفراد طاقم حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لنكولن»، بعد تمديد انتشارها في الشرق الأوسط، خلال الحرب مع إيران، بالتزامن مع استهلاك ذخائر متطورة بوتيرة مرتفعة.

وكشفت صحيفة «ستارز أند سترايبس» العسكرية، استناداً إلى مقابلات مع بحارة وعائلاتهم، عن تصاعد المخاوف بشأن الصحة النفسية لنحو خمسة آلاف بحار ومشاة بحرية على متن الحاملة، التي تجاوز انتشارها ثمانية أشهر.

وغادرت «أبراهام لنكولن» سان دييغو، في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، في مهمة كانت مخصصة للمحيط الهادئ، قبل تحويلها إلى الشرق الأوسط مع اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران.

وكان مقرراً أن تنتهي مهمتها في مايو (أيار) الماضي، لكنها مددت أكثر من مرة. ووفق مسؤولين في «البحرية»، سجل الطاقم 250 يوماً متتالياً في البحر، ودعم 40 يوماً من العمليات القتالية المستمرة في نطاق الأسطول الخامس.

ويعمل على متن الحاملة آلاف البحارة ومشاة البحرية والطيارين والفنيين، وسط عمليات طيران متواصلة تشمل إقلاع وهبوط المقاتلات والتعامل مع الوقود والذخائر. وأثارت فترات العمل الطويلة وقلة الراحة مخاوف بشأن تأثير الإرهاق في سلامة الطواقم أثناء العمليات.

ولم يحصل أفراد الطاقم سوى على فترات محدودة للغاية خارج الحاملة، بينها توقفان قصيران في غوام، خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسلطنة عُمان في يوليو (تموز) الماضي، ولم يتمكن جميع البحارة من النزول إلى البر.

وأفادت «ستارز أند سترايبس» بأن عائلات البحارة طرحت مخاوفها مباشرة أمام القائم بأعمال وزير البحرية هونغ كاو ومسؤولين كبار، خلال اجتماع في سان دييغو، الأسبوع الماضي.

حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» (يسار) والمدمرة البريطانية للدفاع الجوي «إتش إم إس ديفندر» خلال عبور مضيق هرمز (أ.ب)

وقالت زوجة أحد أفراد الطاقم إن زوجها أرسل إليها في اليوم نفسه رسالة كتب فيها أنه «يأمل ألا يستيقظ غداً». وتحدّث بحارة وعائلاتهم عن إنهاك شديد وتراجع المعنويات وأفكار مرتبطة بإيذاء النفس.

في السياق نفسه، نقلت صحيفة «نافي تايمز» العسكرية عن زوجة بحار قولها إن زوجها حاول القفز من الحاملة بعد تمديد مهمته مراراً. كما تحدثت زوجة أخرى عن واقعة منع خلالها أحد أفراد الطاقم زميلاً من القفز.

وقالت «البحرية» الأميركية إنها لم ترصد زيادة في حالات الإبلاغ عن الأفكار الانتحارية أو محاولات الانتحار على متن الحاملة.

وأضافت أن خدمات الدعم تشمل مختصين في الصحة النفسية وأطباء ومرشدين وقساوسة، وأن القيادة تُجري تقييماً مستمراً للجاهزية النفسية لأفراد الطاقم.

وتحدّث بحارة وعائلاتهم عن مشكلات شملت تقنين الطعام، ونقص المياه، وتعطل خدمات الغسيل والبريد، وفترات طويلة من العمل مع وقت محدود للراحة.

وقال النائب الديمقراطي عن كاليفورنيا مايك ليفين إن أفراد الطاقم واجهوا «حمامات متعفنة، ومراحيض معطلة، وتوقف الغسيل لأسابيع، وفترات طويلة بلا مياه ساخنة»، إضافة إلى نقص مستلزمات النظافة.

وانتقد ليفين وزير الدفاع بيت هيغسيث، بعدما وصف تقارير سابقة عن الظروف على الحاملة بأنها «أخبار كاذبة»، قائلاً إن البحارة يستحقون «مياهاً ساخنة ومرحاضاً يعمل ووجبة حقيقية».

وحذّر النائب الديمقراطي جيسون كرو، وهو ضابط سابق خدم في أفغانستان والعراق، من أن الضغوط على أفراد الخدمة وعائلاتهم «تتراكم أسبوعاً بعد أسبوع».

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس أبراهام لينكولن» تَعبر بحر العرب أثناء دعمها الحصار الأميركي المفروض على إيران (سنتكوم)

وبدأ مشرّعون ديمقراطيون يطالبون وزارة الدفاع و«البحرية» بتقديم إجابات بشأن ظروف الانتشار الطويل، والخدمات النفسية المتاحة لأفراد الطاقم، ومدى كفاية أعداد المختصين بالصحة النفسية على متن الحاملة.

وقالت «البحرية» إن العمليات القتالية عطّلت مراكز الإمداد التقليدية في المنطقة، ما فرض تعديلات على عمليات التموين، لكنها أكدت توافر المياه النظيفة والتكييف ووجبات تحتوي على مصدرين للبروتين.

وتحاول «البحرية» الأميركية، منذ سنوات، تعزيز خدمات الصحة النفسية في الأسطول، بعدما أثارت حالاتُ انتحار وصعوبات في الوصول إلى الرعاية داخل بعض الوحدات تساؤلات بشأن الدعم المتاح للبحارة، خلال فترات الانتشار الطويلة.

وأشارت دراسة، نشرتها دورية «ميليتري ميديسن» في عام 2025، وشملت 956 بحاراً، إلى أن نقص الراحة وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية والتواصل المحدود مع العائلات من أبرز مصادر الضغط أثناء الانتشار البحري.

وتتزامن أزمة الطاقم مع تقارير أميركية عن استهلاك كميات كبيرة من صواريخ «توماهوك» والصواريخ الاعتراضية المستخدمة في منظومتيْ «باتريوت» و«ثاد» خلال الحرب.

وضغط «البنتاغون» على شركات الصناعات الدفاعية لتسريع الإنتاج والتسليم وزيادة الطاقة التصنيعية لتعويض المخزونات المستهلَكة.

ولم تعلن «البحرية» موعداً لعودة «أبراهام لنكولن»، مستندة إلى اعتبارات أمن العمليات. وأشارت تقارير إلى تجهيز مجموعة حاملة الطائرات «ثيودور روزفلت» لتولّي جزء من المهام، دون تحديد موعد علني لعملية الاستبدال.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


تشكيك أميركي في صدقية إسرائيل حول خطة إيرانية لاغتيال ترمب

شاحنة ترفع حاوية تموين بمحاذاة طائرة «إير فورس وان» حيث يقترب موكب الرئيس الأميركي دونالد ترمب لمغادرة قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا (أ.ب)
شاحنة ترفع حاوية تموين بمحاذاة طائرة «إير فورس وان» حيث يقترب موكب الرئيس الأميركي دونالد ترمب لمغادرة قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا (أ.ب)
TT

تشكيك أميركي في صدقية إسرائيل حول خطة إيرانية لاغتيال ترمب

شاحنة ترفع حاوية تموين بمحاذاة طائرة «إير فورس وان» حيث يقترب موكب الرئيس الأميركي دونالد ترمب لمغادرة قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا (أ.ب)
شاحنة ترفع حاوية تموين بمحاذاة طائرة «إير فورس وان» حيث يقترب موكب الرئيس الأميركي دونالد ترمب لمغادرة قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا (أ.ب)

شكك مسؤولون في وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» في صحة معلومات مخابراتية إسرائيلية عن تهديد إيراني باستهداف طائرة «إير فورس وان» التي كانت ستقل الرئيس دونالد ترمب من تركيا، ما دفع المسؤولين الأمنيين إلى القيام بعملية تمويه استثنائية لمغادرته سرّاً على متن طائرة عسكرية بديلة.

ويعكس هذا التشكيك تراجع ثقة أجهزة الاستخبارات الأميركية بالمعلومات التي ترد من نظائرها الإسرائيلية، وفقاً لتقرير مثير نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، التي نقلت عن أحد المسؤولين أن محللي «سي آي إيه» لم يروا في المعلومات المخابراتية الإسرائيلية دليلاً قاطعاً على التهديد الإيراني، ونقلوا هذا التشكيك إلى مسؤولي إدارة ترمب.

ووصف مسؤول آخر «التهديدات» بأنها «إسرائيلية المصدر، وليست أميركية، وتُعدّ غير موثوقة».

وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» أول من نشر الشهر الماضي تقريراً يُفيد بأن إسرائيل شاركت معلومات مخابراتية مع الحكومة الأميركية حول التهديد الإيراني.

ورأى مسؤولان أميركيان، أحدهما حالي والآخر سابق، أن بعض مسؤولي الاستخبارات الأميركية رأوا أن مشاركة إسرائيل للتحذير في شأن التهديدات ضد حياة ترمب لم تكن تهدف إلى التوعية، بل إلى التأثير على قرارات الرئيس ترمب والسياسة الأميركية في المنطقة.

صاروخ على الكتف

وقال المسؤول السابق المطلع على الأمر: «يتماشى هذا مع نمط أوسع من تقارير المخابرات الإسرائيلية التي يرى بعض المسؤولين أنها تهدف إلى التأثير على قرارات الرئيس بقدر ما تهدف إلى التوعية». وأضاف أن وزير الخارجية، ماركو روبيو، اطلع على المعلومات الإسرائيلية بشأن التهديد، إضافة إلى عملية التمويه التي خططت لها الخدمة السرية، ومع ذلك اختار الصعود على متن طائرة الرئاسة الأميركية القديمة التي يفترض أنها كانت هدفاً لإيران.

أرشيفية للرئيس الأميركي دونالد ترمب وهو يصعد إلى طائرة «إير فورس وان» الرئاسية في قاعدة «سانت أندروز» الجوية بميريلاند (أ.ب)

وامتنعت وكالة «سي آي إيه» عن التعليق.

وتُضيف الشكوك التي تساور بعض الجهات حول وجود تهديد وشيك للرئيس ترمب بُعداً جديداً لقرار البيت الأبيض الشهر الماضي إخفاء مكان وجود ترمب أثناء مغادرته قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة.

ونسبت شبكة «سي إن إن» الأميركية إلى مصدر مطلع قولَه إن جهوداً مكثفة بُذلت لوضع خطة لإجلاء ترمب من أنقرة في 8 يوليو (تموز) الماضي، على متن طائرة نقل عسكرية بديلة من طراز «سي-32 إيه» تابعة لسلاح الجو الأميركي، ردّاً على «التهديد» الذي استهدف الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» بصاروخ محمول على الكتف.

وكان التهديد دقيقاً، لدرجة دفعت المسؤولين إلى التخوف من أن تكون حياة ترمب في خطر جسيم إذا غادر البلاد على متن الطائرة الرئاسية القديمة نفسها أو حتى الطائرة التي تبرعت بها قطر، والتي استخدمها للوصول إلى القمة.

ووصف مصدر مطلع التهديد بأنه «خطير» بسبب معرفة الإيرانيين بتفاصيل ترتيبات زيارة ترمب في أنقرة؛ حيث أمضى ترمب ليلة واحدة في فندق فاخر، وتنقّل مرات عدة بين الفندق وموقع انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو).

«ضرب من الخيال»

ووضع مسؤولون، بينهم عسكريون وجهاز الخدمة السرية، خطة لنقل ترمب إلى طائرة أخرى بواسطة شاحنة تموين، ليغادر تركيا في غضون ساعات. وأظهر تحليل أجرته «سي إن إن» أن المسؤولين في مطار أنقرة بدأوا بوضع شاحنة التموين بجانب الطائرة الرئاسية قبل وصول موكب ترمب إلى المدرج. وبعد صعود ترمب إلى الطائرة، أنزلت حاوية شاحنة التموين، وانطلقت الشاحنة مبتعدة عن الطائرة الأكبر حجماً، متجهةً نحو طائرة «سي 32 إيه» الأصغر.

واتضح أن الطائرة الأكبر، التي لم يكن الرئيس ترمب على متنها، أقلعت نحو الساعة 8:44 مساءً بالتوقيت المحلي، مروراً مباشرة بالطائرة الأصغر التي كان ترمب بداخلها. وبعد دقيقة، تحركت الطائرة الأصغر على المدرج.

وبدا ترمب مشغولاً بالتهديدات الإيرانية لحياته خلال يومه الأخير في قمة «الناتو»؛ حيث أشار إلى الموضوع مراراً مع الصحافيين. وحذّرت الحكومة الأميركية منذ فترة طويلة من أن إيران قد تحاول اغتيال ترمب رداً على مقتل قائد «فيلق القدس»، الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري»، الجنرال قاسم سليماني عام 2020.

وفي الأيام التي سبقت زيارة ترمب لتركيا هتفت حشود من الإيرانيين بقتله خلال مراسم جنازة المرشد علي خامنئي، الذي قُتل في بداية الحرب ضد إيران.

وضغط الديمقراطيون على الإدارة الأميركية لتقديم مزيد من التوضيحات حول عملية التضليل الاستثنائية. وقال السيناتور كريس فان هولين: «أشعر بفضول كبير لمعرفة مدى صدقية المعلومات المخابراتية التي قدمتها إسرائيل، ومدى إمكانية التحقق منها بشكل مستقل. لا شك لديَّ في أن إيران ترغب في رحيل الرئيس، لكن كل هذا يبدو ضرباً من الخيال».