مخاوف أممية من تكريس الواقع التقسيمي في سوريا

بيدرسن: «كل التطورات تسير في الاتجاه الخاطئ» أمنياً وسياسياً

سوريون يتطاهرون ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد بإدلب في 15 مارس الحالي (د. ب. أ)
سوريون يتطاهرون ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد بإدلب في 15 مارس الحالي (د. ب. أ)
TT

مخاوف أممية من تكريس الواقع التقسيمي في سوريا

سوريون يتطاهرون ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد بإدلب في 15 مارس الحالي (د. ب. أ)
سوريون يتطاهرون ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد بإدلب في 15 مارس الحالي (د. ب. أ)

أسف المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، غير بيدرسن، لعدم إحراز أي تقدُّم يعكس مسار الحرب في هذا البلد، محذراً من أنه بعد 13 عاماً من الواقع المأسوي للسوريين المتخوفين من تكريس الواقع التقسيمي، لا تزال «كل التطورات تسير في الاتجاه الخاطئ» أمنياً وإنسانياً وحقوقياً واقتصادياً وسياسياً.

وكان بيدرسن يقدم إحاطة لأعضاء مجلس الأمن في نيويورك حول الوضع في سوريا، في الذكرى السنوية الـ13 لبدء الأزمة، إذ أكد أنه «لا توجد طريق عسكرية لإيجاد حلول للتحديات التي لا تُعد ولا تُحصى»، قائلاً: «لن يُتمكن من تحقيق هذه الغاية سوى بالحل السياسي الشامل»، مشيراً إلى «العنف الشديد» على العديد من الجبهات، وامتداده على المستوى الإقليمي. وتطرق إلى أهمية وقف التصعيد في غزة؛ بدءاً من الوقف الفوري لإطلاق النار لأغراض إنسانية، مشدداً على أن «وقف تصعيد النزاع في سوريا نفسها أمر ملحّ بالقدر ذاته». ودعا إلى «البناء على ترتيبات الهدنة الحالية والسعي إلى وقف إطلاق النار على الصعيد الوطني، بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن رقم (2254)، فضلاً عن حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، وتطبيق الإجراءات ضد الجماعات الإرهابية المدرَجة في قائمة مجلس الأمن بشكل حازم وفقاً للقانون الدولي الإنساني».

المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسن يتحدث للصحافيين بدمشق في 17 مارس الحالي (أ.ف.ب)

وتحدث بيدرسن مجدداً عن «استمرار ورود تقارير مقلقة عن الاعتقالات التعسفية والاختطاف، فضلاً عن التعذيب، بما في ذلك العنف الجنسي في أماكن الاحتجاز بعدة أجزاء من سوريا». وقال إن «التقديرات تشير إلى أن أكثر من 100 ألف شخص محتجزون تعسفياً أو مختفون قسرياً أو مفقودون»، آسفاً لـ«عدم وجود أي تقدم في شأن عمليات إطلاق على نطاق واسع، أو توافر معلومات حول مصير المفقودين وأماكن وجودهم، والوصول إلى كل أماكن الاحتجاز». وأوضح أن نصف عدد السكان قبل الحرب لا يزالون يعانون التشرد أو المنفى لأكثر من عقد من الزمن في العديد من الحالات. وقال: «إنهم لا يعودون بعدد كبير، وعندما يُسألون عن السبب، فإنهم يشيرون إلى مخاوف تتعلق بالحماية وسبل العيش، ومن الواضح أنه لا يتم التعامل مع هذه المخاوف بشكل كافٍ». ونقل عن ناشطات في مجال حقوق المرأة أن «المضايقات والتهديدات بالعنف الجسدي تتزايد».

قوة تركية - روسية مشتركة قرب بلدة الدرباسية السورية (أرشيفية - أ. ب)

ولاحظ كذلك أنه بعد مرور 13 عاماً من الحرب «لا يزال المتظاهرون يخرجون إلى الشوارع في بعض المناطق للتعبير عن المظالم التي لم تُعالَج، بما في ذلك هذا الشهر في شمال سوريا ودرعا».

الواقع التقسيمي

وقال المبعوث الأممي إن «السوريين ينقسمون عبر مناطق السيطرة حيث تنشط 6 جيوش أجنبية، علاوةً على عدد كبير من الجهات المسلحة بالإضافة إلى الجماعات الإرهابية المدرجة في قائمة مجلس الأمن... كلما طال أمد هذا الوضع الراهن، أخشى أن تنجرف المناطق المختلفة إلى مزيد من التباعد، مما يؤدي إلى تعميق التحديات التي تواجه استعادة سيادة سوريا ووحدتها واستقلالها وسلامة أراضيها». وتكلم عن «قلق عميق بين السوريين بشأن تأثير تقسيم سوريا تحت سلطات مختلفة لمدة جيل كامل تقريباً»، مضيفاً: «إننا نسمع مطالب قوية بوقف الأعمال العدائية وتوفير الحماية للمدنيين وتحقيق الاستقرار وتوفير سبل العيش وفرص التعليم». ورأى أن «المستقبل السياسي لسوريا هو الذي يقرره السوريون»، لكن الخروج من الأزمة «يحتاج أيضاً إلى مساهمات الجهات الدولية الفاعلة التي تلعب دوراً كبيراً في سوريا اليوم، وتنازلات من كل اللاعبين السوريين والدوليين».

عربة عسكرية أميركية قرب مدينة القامشلي (أرشيفية - أ. ب)

وشدد بيدرسون على الحاجة إلى «محادثات تحضيرية لليوم الذي يصير فيه كل هؤلاء اللاعبين الرئيسيين على استعداد للعمل على التوصل إلى تسوية شاملة، عبر مجموعة كاملة من المسارات المترابطة»، عادّاً أن «السنوات الأخيرة من الدبلوماسية تظهر أنه لا يمكن لأي جهة فاعلة أو مجموعة من الجهات الفاعلة أن تقترب بمفردها من حل هذه الأزمة». ولذلك «كلما سارع جميع اللاعبين إلى قبول ذلك وأصبحوا مستعدين للجلوس إلى الطاولة، كان ذلك أفضل للشعب السوري المتعب الذي طالت معاناته».

ملايين المحتاجين

وكذلك استمع أعضاء المجلس إلى إفادة من مساعدة الأمين العام للشؤون الإنسانية نائبة منسق المعونة الطارئة، جويس مسويا، التي قالت إنه «لا يزال أكثر من 7 ملايين شخص نازحين من منازلهم» في سوريا، بينما «يحتاج أكثر من نصف السكان (ما يقرب من 13 مليون شخص) إلى المساعدات الغذائية». وأشارت إلى ارتفاع «معدل سوء التغذية الحاد بين الأطفال دون سن الخامسة بمقدار 3 أضعاف خلال السنوات الخمس الماضية. ولفتت إلى أنه بالنسبة لـ4.2 مليون شخص محتاج في شمال غربي سوريا «تستمر الاستجابة عبر الحدود من تركيا في لعب دور لا غنى عنه» في تقديم «الإغاثة المنقذة للحياة، وتوفير الحماية الأساسية، والخدمات الصحية والتعليمية، وإجراء بعثات تقييم ومراقبة منتظمة إلى إدلب وشمال حلب».


مقالات ذات صلة

وزير خارجية ألمانيا يقترح إرسال بعثة للاتحاد الأوروبي محل قوات الأمم المتحدة في لبنان

المشرق العربي يوهان فاديفول وزير الخارجية الألماني يتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماعه مع نظيره الفنلندي في العاصمة الفنلندية هلسنكي - 15 يوليو 2026 (د.ب.أ)

وزير خارجية ألمانيا يقترح إرسال بعثة للاتحاد الأوروبي محل قوات الأمم المتحدة في لبنان

اقترح وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول نشر قوة بتفويض من الاتحاد الأوروبي كبديل لبعثة الأمم المتحدة في لبنان التي تنتهي مهمتها بحلول نهاية هذا العام.

«الشرق الأوسط» (برلين)
شمال افريقيا خالد محمد علي الهيشري (متداولة)

«الجنائية الدولية» تقضي بإمكان توجيه اتهامات لمشتبه به ليبي

حكم قضاة المحكمة الجنائية الدولية، اليوم الخميس، بإمكان ​توجيه تُهم متعددة إلى الليبي خالد محمد علي الهيشري، المتهم بإدارة أحد أسوأ السجون سُمعة في ليبيا.

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
شمال افريقيا صورة أرشيفية تُظهر سودانيين يفرون من العنف في غرب دارفور ويعبرون الحدود إلى مدينة أدري في تشاد (رويترز)

السودان يدعو مجلس الأمن لتسريع إجراءات «الجنائية الدولية» بشأن جرائم دارفور

جدّد السودان التزامه الكامل بالتعاون مع «الجنائية الدولية»، داعياً مجلس الأمن لتسريع الإجراءات القانونية وإصدار أوامر قبض بحق المتهمين بارتكاب جرائم في دارفور.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
الخليج عبد اللطيف الزياني يستعرض أمام مجلس الأمن صوراً تُوثق اعتداءات إيران على مواقع مدنية وحيوية (بنا)

وزير خارجية البحرين: الاعتداءات الإيرانية مُمنهَجة وليست عشوائية أو عرضية

أكد عبد اللطيف الزياني، وزير الخارجية البحريني، أن اعتداءات إيران لم تكن عشوائيةً ولا عرضية، بل تنمّ عن استهدافٍ متعمَّد مخطَّط له سلفاً، ويجري وفق نهجٍ مُمنهج.

«الشرق الأوسط» (نيويورك-الرياض)
العالم العربي جنود من قوات حفظ السلام تابعون لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

أزمة التمويل تُهدد بعثة حفظ السلام في الصومال... و3 سيناريوهات محتملة

تعاني بعثة حفظ السلام الجديدة في الصومال أزمات تمويلية منذ تشكيلها قبل نحو عام، غير أن أفق عمل تلك القوات ينتظر تهديداً وجودياً أكبر مع تحركات أميركية جديدة.

محمد محمود (القاهرة)

تعقيدات أمنية وقانونية تواجه تنفيذ «المناطق التجريبية» بجنوب لبنان

دورية للجيش اللبناني في بلدة صريفا بقضاء صور في جنوب لبنان، بالتزامن مع اختتام جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في روما برعاية أميركية، والتي أسفرت عن الاتفاق على المضي في تنفيذ "المناطق التجريبية" (أ.ف.ب)
دورية للجيش اللبناني في بلدة صريفا بقضاء صور في جنوب لبنان، بالتزامن مع اختتام جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في روما برعاية أميركية، والتي أسفرت عن الاتفاق على المضي في تنفيذ "المناطق التجريبية" (أ.ف.ب)
TT

تعقيدات أمنية وقانونية تواجه تنفيذ «المناطق التجريبية» بجنوب لبنان

دورية للجيش اللبناني في بلدة صريفا بقضاء صور في جنوب لبنان، بالتزامن مع اختتام جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في روما برعاية أميركية، والتي أسفرت عن الاتفاق على المضي في تنفيذ "المناطق التجريبية" (أ.ف.ب)
دورية للجيش اللبناني في بلدة صريفا بقضاء صور في جنوب لبنان، بالتزامن مع اختتام جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في روما برعاية أميركية، والتي أسفرت عن الاتفاق على المضي في تنفيذ "المناطق التجريبية" (أ.ف.ب)

تفتح ترتيبات تنفيذ «المناطق التجريبية» في جنوب لبنان ملفات قانونية وأمنية تتجاوز الانسحاب والانتشار، لتشمل حرية التنقل والعودة، وصلاحيات الجيش اللبناني، وآليات التحقق من خلو المناطق من السلاح، والدور الخارجي في التنفيذ. وبينما يُفترض أن تشكل اختباراً لاستعادة الدولة سيطرتها، تثير تفاصيلها غير المحسومة تساؤلات حول الضمانات التي تمنع استخدام أي خلاف ذريعة لتأخير الانسحاب أو الإبقاء على الوجود العسكري الإسرائيلي.

وقال مصدر محلي في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن المرحلة التجريبية «لن تُختبر ميدانياً فقط، بل ستواجه تحديات قانونية وأمنية معقَّدة، لأن كثيراً من تفاصيلها لا يزال غير محسوم». وأوضح أن أبرز الإشكاليات يتعلق بكيفية التعامل مع المنتمين إلى «حزب الله» الذين يملكون منازل داخل المنطقة، وما إذا كان سيُسمح لهم بالبقاء ما داموا لا يمارسون نشاطاً عسكرياً.

وأضاف أن «الإشكاليات تمتد أيضاً إلى المنتمين للحزب القادمين من بلدات أخرى، وإلى المدنيين الراغبين في الاستئجار أو الإقامة، في ظل غياب آليات واضحة للعبور والتفتيش والإقامة».

ولفت إلى أن «تفتيش الأملاك الخاصة أو التحقق من خلوّها من السلاح يبقى من أكثر الملفات حساسية، لما يثيره من إشكاليات قانونية تستوجب، وفق الأصول، أذونات قضائية، فيما لا تزال آلية معالجته غير واضحة».

ليات تابعة للجيش اللبناني خلال دورية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الهدف إزالة المظاهر المسلحة لا السكان

بدوره، قال العميد المتقاعد بسام ياسين لـ«الشرق الأوسط»، إن الحديث عن «المناطق التجريبية» يجب ألا يُفهم على أنه منع لأبناء القرى من العودة إلى منازلهم بسبب انتماءاتهم السياسية، بل يقتصر على إزالة المظاهر العسكرية والسلاح.

وأوضح أن «المقصود أن تكون هذه المناطق خالية من المسلحين والمراكز العسكرية والمواقع القتالية ومخازن الأسلحة، وليست خالية من السكان»، مضيفاً: «لا أعتقد أن الهدف هو منع أصحاب الأرض وأبناء القرى من العودة إلى منازلهم، إذا كانوا من مناصري (حزب الله) أو منتسبين إليه؛ فهذا طرح غير واقعي، لأن عدداً كبيراً من أبناء الجنوب ينتمون إلى الحزب».

وأشار إلى أن «التجربة الأولى في فرون والغندورية لا يُتوقع أن تواجه صعوبات كبيرة، نظراً إلى وجود الجيش اللبناني فيها وانتشاره داخلها، بينما تختلف الظروف في المنطقة الثانية؛ حيث لا يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر عليها بالنار ويحتفظ بوجود ميداني فيها؛ ما يجعل دخول الجيش اللبناني إليها جزءاً أساسياً من مرحلة التنفيذ».

ورأى أن «الإشكاليات الفعلية قد تبدأ، إذا توسعت التجربة إلى مناطق تضم مواقع عسكرية أو بنى قتالية للحزب، مثل مرتفعات علي الطاهر وغيرها؛ حيث ستبرز أسئلة أكثر تعقيداً حول كيفية تسلّم الجيش اللبناني هذه المواقع ومعالجة ما قد يكون موجوداً فيها من بنى عسكرية أو مخازن أسلحة».

وفيما يتعلق بعودة السكان، أوضح ياسين أن «المشكلة لا تكمن في انتماءات الأهالي، بل في الآلية التي قد تعتمدها إسرائيل لربط العودة باستكمال الإجراءات الأمنية».

شرطان للتنفيذ

وقال النائب السابق والعميد المتقاعد، وهبي قاطيشا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «التحديات التي تواجه تنفيذ (المناطق التجريبية) في جنوب لبنان لا ترتبط بالترتيبات التقنية، بقدر ما ترتبط بسلوك طرفي الصراع، أي إسرائيل و(حزب الله)»، معتبراً أن نجاح التجربة مرهون بوجود إرادة فعلية لدى الجانبين للالتزام بما تم الاتفاق عليه.

وأضاف: «السؤال الأول هو ما إذا كانت إسرائيل تملك النية لإنجاح هذا المسار، سواء عبر المفاوضات التي تجري بوساطة أميركية أو على المستوى الميداني، لأنها تستطيع في أي وقت أن تبرر فتح النار أو تنفيذ عمليات عسكرية بذريعة وجود تهديد أو نشاط داخل المنطقة».

ورأى أن «التحدي الأهم يبقى موقف (حزب الله)؛ إذ يجب معرفة ما إذا كان يريد فعلاً إنجاح المناطق التجريبية، وما إذا كان مستعداً للتخلي عن الدور الذي يؤديه ضمن المشروع الإيراني، أو أنه سيعمل على عرقلة هذه التجربة، بما قد يؤدي إلى خلق إشكالات تعطل تنفيذها».

وأوضح قاطيشا أن «طبيعة المواجهة في جنوب لبنان تجعل تطبيق الترتيبات أكثر تعقيداً، لأنها ليست حرباً كلاسيكية بين جيشين نظاميين يلتزمان بقواعد واضحة، بل هي مواجهة مع تنظيم لا يعمل وفق الأساليب التقليدية؛ إذ يمكن لعناصره أن يكونوا مدنيين في وقت، ثم يعودوا إلى ممارسة العمل العسكري في وقت آخر، وهو ما يطرح تحديات كبيرة أمام أي آلية للتحقق من خلو المناطق من النشاط المسلح».

وأضاف: «الإشكالية الأساسية تكمن في كيفية ضمان عدم عودة السلاح بعد نزعه؛ فإذا تمكَّنت الدولة من إخلاء القرى من الأسلحة، ومنع إدخال أي سلاح إليها، فستكون تلك خطوة كبيرة يمكن البناء عليها وتوسيعها. أما إذا جرى تسليم السلاح شكلياً ثم عاد حمله مجدداً، فإن التجربة ستفقد جدواها، ولن يكون ممكناً تحقيق أهدافها الأمنية».

التجربة يجب أن تبدأ من أرض محتلة

وترى أستاذة العلوم السياسية، الدكتورة ليلى نقولا، أن تنفيذ «المناطق التجريبية» يواجه تحديات سياسية وأمنية وقانونية.

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «التحدي الأول يتمثل في التشكيك الإسرائيلي بقدرة الجيش اللبناني، رغم انتشاره في هذه المناطق، والثاني في استمرار الحرب وغياب ضمانات تمنع استئناف العمليات الإسرائيلية، فيما يكمن التحدي الثالث في مكان تنفيذ التجربة؛ إذ يُفترض أن تبدأ من أراضٍ تحتلها إسرائيل فعلياً، تنسحب منها وتسلمها للجيش اللبناني، لا من مناطق غير محتلة تُفرض عليها ترتيبات أمنية استثنائية».

آليات للجيش اللبناني تنفذ دورية في جنوب لبنان، بالتزامن مع اختتام جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في روما برعاية أميركية (أ.ف.ب)

إقامة المدنيين وإشكالية الأملاك الخاصة

وفيما يتعلق بالحديث عن منع وجود أشخاص مرتبطين بـ«حزب الله» داخل المناطق التجريبية، أكدت نقولا أنه «لا يوجد في القانون اللبناني أو القانون الدولي ما يمنع المواطن من الإقامة في أرضه أو العودة إلى منزله، حتى لو كان من أبناء بلدة أخرى أو يملك منزلاً أو عقاراً فيها». كما اعتبرت أن «دخول الأملاك الخاصة يطرح إشكالية قانونية، لأن دخول المنازل والعقارات يحتاج، وفق الأصول، إلى إذن من النيابة العامة».


لبنان «النصر التالي» في السياسة الخارجية للولايات المتحدة

آليات للجيش اللبناني خلال دورية في الجنوب (أ.ف.ب)
آليات للجيش اللبناني خلال دورية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

لبنان «النصر التالي» في السياسة الخارجية للولايات المتحدة

آليات للجيش اللبناني خلال دورية في الجنوب (أ.ف.ب)
آليات للجيش اللبناني خلال دورية في الجنوب (أ.ف.ب)

شكل لبنان، لعقود طويلة وأسباب كثيرة، نقطة ضعف للطموحات الأميركية في الشرق الأوسط. غير أن التحولات الجيوسياسية العميقة التي طرأت خلال السنوات القليلة الماضية، يمكن أن تقدم فرصة لتحقيق «النصر التالي» في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، إذا خصصت إدارة الرئيس دونالد ترمب الموارد الضرورية، سواء بالحرب أو بالدبلوماسية، أو بهما معاً لتحييد قدرة إيران على بسط نفوذها في المنطقة، وخصوصاً عبر «حزب الله» في لبنان.

وخلال حلقة عقدها معهد الشرق الأوسط في واشنطن حول تقرير أصدره بعنوان «استراتيجية للفوز في لبنان» ليكون بمثابة «خطة سياسية» لإنقاذ هذا البلد المشرقي، عرض السفير الأميركي السابق في بيروت، ديفيد هيل، الذي أمضى عقوداً في درس الديناميكيات الإقليمية، نمطاً تاريخياً يشهد على تدخل أميركي يتحرك تقليدياً على شكل «ذروات من الانخراط» تليها فترات من التراجع، مضيفاً أن ذلك يمكن الخصوم من «استعادة مواقعهم» وتحويل لبنان إلى ساحة لصراعاتهم.

ورأى هيل أن المشهد الجيوسياسي يبدو مختلفاً تماماً الآن. فبعد الحملة العسكرية الإسرائيلية التي دمرت قيادة «حزب الله»، يمكن القول إن التنظيم الموالي لإيران «لم يختفِ، ولكنه صار مجرد ظل لما كان عليه» قبل الحرب. واعتبر أن الأهم من ذلك يتمثل في أن لبنان يمتلك الآن قيادة ترغب فعلاً في ما تريده واشنطن، وهذا أمر «لا سابق له تاريخياً». وإذ دعا إلى دعم لبنان، قال إن الانتصار هناك يعني «تأمين دولة لبنانية ذات سيادة، وإنهاء الصراع اللبناني - الإسرائيلي نهائياً، وتفكيك نموذج إيران بالوكالة من جذوره»، معتبراً أن تحقيق ذلك «سيُطلق العنان لتحول أوسع في بلاد الشام، وسيرسخ نظاماً إقليمياً جديداً بقيادة شركاء أميركا قبل أن تُتاح لإيران فرصة لعكس خسائرها». ورأى أن هذه النتيجة ستُمثل «خسارة لا رجعة فيها لطهران، مما يُضعف كلاً من التهديد الإقليمي للنظام واستبداده الداخلي».

«استئصال حزب الله»

ناشطون لبنانيون يوزعون سندويتشات أمام بيوت دمرتها الغارات الإسرائيلية في بلدة فرون بجنوب البلاد (أ.ب)

واتفق المحللون على أنه «إذا واجه (حزب الله) دولة لبنانية حازمة بدعم أميركي حاسم، فيمكن استئصاله». ومع ذلك، فإن هذه الفرصة حرجة للغاية، ولن تدوم لأن «طهران تضخ مواردها في لبنان لإعادة بناء جوهرة تاج شبكتها الوكيلة»، وفقاً للزميل الرفيع لدى معهد الشرق الأوسط، فادي نيكولاس نصار، الذي وصف هذه اللحظة الحاسمة بأنها «جائزة عظيمة لم تنلها الولايات المتحدة وحلفاؤها بعد». وحدد ثلاثة معايير واضحة للنصر: دولة لبنانية ذات سيادة، وإنهاء دائم للصراع اللبناني - الإسرائيلي، وتفكيك «حزب الله» باعتباره «نموذجاً لمحور المقاومة».

ولتحويل هذه اللحظة إلى نصر دائم، تحدد الخطة السياسية مساراً يستوجب أولاً القيام بحملة موحدة بقيادة اللبنانيين أنفسهم.

وتؤكد الخطة ضرورة أن يُنظم صناع القرار «الجهود بوصفها حملة واحدة تركز على استعادة السيادة اللبنانية»، لأن الحزب الموالي لإيران «يصوّر كل تحرك ضده على أنه مؤامرة أجنبية»، وبالتالي فإن «الحملة التي يعترف بها اللبنانيون باعتبارها حملتهم الخاصة هي وحدها القادرة على هزيمته».

وهذا الإطار الاستراتيجي بالغ الأهمية لأنه «يُحدد إيران و(حزب الله) باعتبارهما العقبة الرئيسية أمام استعادة البلاد»، وفقاً للسفير هيل الذي يشدد على أن اللبنانيين «يجب أن يكونوا هم مَن يصنعون هذا التغيير».

«قتال» لنزع السلاح

وكذلك يستوجب الأمر تمكين الجيش اللبناني. وركز نائب رئيس المعهد للسياسة، كينيث بولاك، على جوهر الخطة، ومسألة ما إذا كانت القوات المسلحة اللبنانية قادرة فعلاً على نزع سلاح «حزب الله»، الذي لن يحدث من خلال الإقناع وحده. وقال إن «ضمان سيادة الدولة اللبنانية يتطلب نزع سلاح (حزب الله)، و(حزب الله) لن يتخلى عن ترسانته من دون قتال». وأضاف أنه إذا كان الجيش اللبناني سينجح في إكراه «حزب الله» على نزع سلاحه، «فسيتطلب ذلك دعماً أكبر من الولايات المتحدة مما هو متصور حالياً».

ورغم وجود خيارات عسكرية مختلفة، فإن الخطة تفيد أن «النهج الأمثل يستلزم نشر مستشارين ومدربين أميركيين لتحسين قدرات الجيش اللبناني، مدعومين بالاستخبارات واللوجستيات والقوات الخاصة والدعم الناري» مثل الجو والمدفعية وطائرات الهليكوبتر. ورأى أن من شأن هذه الاستراتيجية أن «تكرر النموذج الذي استخدمته الولايات المتحدة لمساعدة القوات المسلحة العراقية على تدمير (داعش) بين عامي 2014 و2017 من دون نشر قوات قتالية أميركية».

ولمنع «حزب الله» من إعادة تشكيل نفسه بمرور الوقت، يجب على واشنطن أن تستهدف بشكل منهجي شرايين حياته المالية. ويدعو التقرير الولايات المتحدة إلى «فرض عقوبات على شركات الصرافة والميسرين الذين ينقلون الأموال الإيرانية إلى (حزب الله) والقضاة المتورطين الذين يحمون الجماعة من الملاحقة القضائية».

ولكن يجب أن يقترن هذا الضغط المالي بإصلاحات اقتصادية عميقة، لأن هذه الجماعة «تتغذى على الفساد المستشري في لبنان». ووفقاً للتقرير، يجب على الولايات المتحدة وشركائها أن يتعهدوا بتقديم مساعدة كبيرة للبنان، نقداً وعيناً، «لإظهار مزايا استعادة سيادة لبنان» بعد نزع سلاح «حزب الله».

خطة إنعاش لبنانية

ولضمان المساءلة، يجب على واشنطن وشركائها أن يصطفوا وراء خطة إنعاش واحدة «تمتلكها الحكومة اللبنانية ومصممة لتمويل إعادة الإعمار من خلال المؤسسات اللبنانية»، مع إنشاء «صندوق استئماني متعدد المانحين» يضم «مجلس إدارة مستقل، وتمثيلاً للمجتمع المدني، وقواعد مشتريات أكثر حزماً مما يتطلبه القانون اللبناني».

ويشير التقرير إلى أن «حزب الله» لطالما برر ترسانته بادعاء استمرار إسرائيل في احتلال الأراضي اللبنانية. ولذلك، فإن «استعادة سيادة الدولة اللبنانية» تتطلب «ترسيم حدودها»، علماً أن «حل النزاع على الخط الأزرق من شأنه أن يعزز الثقة اللازمة للتفاوض على تسوية نهائية للنزاعات الإقليمية المتبقية مع كل من إسرائيل وسوريا». وهذا يتطلب تنفيذ مهمة التحقق المنصوص عليها في الاتفاق الإطاري الثلاثي لشهر يونيو (حزيران) 2026، بما يضمن «انسحاب الجيش الإسرائيلي» مقابل منع الجيش اللبناني لـ«حزب الله» من العودة.

وسيؤدي تحقيق هذين الشرطين إلى «بناء الثقة التي يحتاج إليها كل طرف لنجاح نزع السلاح والانسحاب، بما يضمن سيادة لبنان وأمن إسرائيل».

وخلص المشاركون في الحلقة إلى أن نجاح هذه الخطوات سيمكن من تحقيق اختراق دبلوماسي استثنائي. ولذلك، «يملك الرئيس ترمب فرصة لتحقيق ما لم يسبقه إليه أي رئيس أميركي: اتفاق سلام دائم بين إسرائيل ولبنان».


توغل إسرائيلي جديد بريف درعا

توغل إسرائيلي جديد في حوض اليرموك جنوب سوريا (أرشيفية)
توغل إسرائيلي جديد في حوض اليرموك جنوب سوريا (أرشيفية)
TT

توغل إسرائيلي جديد بريف درعا

توغل إسرائيلي جديد في حوض اليرموك جنوب سوريا (أرشيفية)
توغل إسرائيلي جديد في حوض اليرموك جنوب سوريا (أرشيفية)

توغلت قوات إسرائيلية، صباح الجمعة، في محيط قرية عابدين بمنطقة حوض اليرموك في ريف محافظة درعا الغربي.

وأفادت وكالة «سانا» الرسمية بـ«أن أربع آليات عسكرية وجرافة توغلت في القرية، وأزالت حجارة كانت تغلق الطريق المؤدي إلى منطقة العارضة، حيث تقيم قوات الاحتلال حاجزاً مؤقتاً بشكل متكرر، بالتزامن مع إطلاق الرصاص باتجاه منازل المدنيين في المنطقة».

وأوضحت «أن طائرة مسيّرة إسرائيلية ألقت قنبلة بالقرب من مجموعة من الأهالي كانوا يحاولون إغلاق طريق معرية - عابدين بالحجارة، دون أن يسفر ذلك عن وقوع إصابات أو أضرار مادية».

ولفتت إلى «أن قوة الاحتلال انطلقت من ثكنة الجزيرة الواقعة على أطراف قرية معرية، التي تحتلها منذ نهاية عام 2024، وتُعد القاعدة الوحيدة لها في محافظة درعا».

أهالي قرية عابدين في حوض اليرموك بريف درعا الغربي يمنعون الجنود الإسرائيليين من دخول القرية (أرشيفية - درعا 24)

وكانت قوات الاحتلال المتمركزة في تلك الثكنة أطلقت الخميس النار من أسلحتها الرشاشة باتجاه منازل الأهالي في قرية معرية، من دون وقوع إصابات أو أضرار مادية، فيما تسببت خلال توغلها في القرية الثلاثاء الماضي بأضرار في ممتلكات مدنية، وأعاد الأهالي بعد انسحابها إغلاق الطريق بالحجارة، قبل أن تعمد قوات الاحتلال إلى فتحه مجدداً خلال توغلها الجديد.

وتواصل إسرائيل انتهاك «اتفاق فضّ الاشتباك» لعام 1974، من ‏خلال ‌‏توغلاتها في الجنوب السوري، والاعتداء على المواطنين من خلال ‏المداهمات ‌‏‌‏والاعتقالات، وتجريف ‌‏‌‏الأراضي ‏وإطلاق القذائف.

وتطالب سوريا باستمرار «بخروج الاحتلال الإسرائيلي من ‏أراضيها»، مؤكدةً ‌‏أن جميع الإجراءات التي يتخذها، باطلة ‏ولاغية، ولا يترتب عليها أي أثر ‌‏قانوني وفقاً للقانون الدولي، ‏كما تدعو المجتمع الدولي «إلى الاضطلاع ‌‏بمسؤولياته، وإلزام إسرائيل بالانسحاب الكامل من الجنوب ‏السوري».