فنزويلا... النقلة الأولى على رقعة «دونرو»

صورة عملاقة للرئيس الأميركي خارج مقر وزارة العمل في واشنطن 5 يناير 2026 (أ.ف.ب)
صورة عملاقة للرئيس الأميركي خارج مقر وزارة العمل في واشنطن 5 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

فنزويلا... النقلة الأولى على رقعة «دونرو»

صورة عملاقة للرئيس الأميركي خارج مقر وزارة العمل في واشنطن 5 يناير 2026 (أ.ف.ب)
صورة عملاقة للرئيس الأميركي خارج مقر وزارة العمل في واشنطن 5 يناير 2026 (أ.ف.ب)

يمكن القول إن العملية العسكرية الأخيرة على فنزويلا كالنقلة الأولى في لعبة مزدوجة، تجمع ما بين لعبة الشطرنج الغربي (Chess)، ولعبة «وييتشي» (Go) الصينية. المهم في اللعبتين هو: التموضع، والسيطرة على المساحة، وخنق العدو، واستعمال أكبر قدر من القوة في الوقت المناسب، حتى ولو اقتضى الأمر تقديم بعض التضحيات.

من قال إن الرئيس الأميركي، جيمس مونرو، أعلن عقيدة عام 1823؟ فحسب بعض المصادر هو صرح (Statement) خلال الرسالة السنوية للكونغرس الأميركي بما يريده من أوروبا، وكيف ينظر إلى منطقة البحر الكاريبي، أو إلى كامل نصف الكرة الغربي. لكن الرئيس الحادي عشر، جيمس بولك، هو من أطلق تسمية «عقيدة مونرو» كأساس للسيطرة على ولاية كاليفورنيا من المكسيك، واستباق الإمبراطورية البريطانية. وعليه، أصبحت هذه العقيدة أساساً لكل القرارات الجيوسياسية في المحيط المباشر للولايات المتحدة الأميركية. وإلا فما معنى أن يبرر الرئيس دونالد ترمب سلوكه على أنه عقيدة «دونرو»؟

صورة نشرها البيت الأبيض للرئيس الأميركي وأعضاء في إدارته وهم يواكبون العملية العسكرية في فنزويلا يوم 3 يناير 2026

أتت العملية العسكرية بعد بناء تراكمي جيوسياسي، استراتيجي وحتى عملاني، وصولاً إلى المستوى التكتيكي - التنفيذي. فمن الحشد، إلى استهداف قوارب التهريب، كما قيل، إلى حظر الطيران المدني فوق فنزويلا، إلى مسخ صورة مادورو، وذلك وصولاً إلى استراتيجية الأمن القومي الأخيرة. كلها تدل على تحول أميركي (Transformative) جيوسياسي في النظرة إلى النظام العالمي القديم، وما أنتج من مؤسسات دولية. هذا مع التذكير بأن العم سام هو من بنى ذلك النظام. فلماذا تخلق أميركا مؤسسات دولية؛ كالأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتمول نسبة كبيرة من أكلافها، فقط كي يعمل ويعيق الولايات المتحدة الأميركية عن تحقيق أهداف أمنها القومي؟

في الظروف الموضوعية لـ«دونرو»

إذا كانت عقيدة الرئيس مونرو قد استهدفت إمبراطوريات القارة العجوز. فإن الظروف الحالية مختلفة جداً؛ فبدل أن تسعى تلك الإمبراطوريات الأوروبية للسيطرة على العالم الجديد، وتثبيت أقدامها فيه في ذلك الوقت، تسعى أوروبا القرن الحادي والعشرين إلى التمسك بالوجود العسكري الأميركي على أرضها من ضمن حلف الناتو. وبدل أن تكون أوروبا القديمة هي الخطر المحدق على أميركا، تبدلت موازين القوى الجيوسياسية في العالم الحالي، خاصة مع صعود الصين والحرب الروسية على أوكرانيا.

عناصر شرطة مكافحة المخدرات يصطحبون رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو عقب نقله إلى نيويورك في 3 يناير 2026 (لقطة من فيديو - رويترز)

لكن الثابت في هذه التحولات هو أهمية الجغرافيا والسيطرة عليها، وما تملك هذه الجغرافيا من ثروات مهمة وحيوية لصناعات القرن الحادي والعشرين. أما المتغيرات فهي في اللاعبين والوسائل كما التحولات في موازين القوى العالمية. وإلا فما معنى العودة إلى سلوك أميركي قديم تجاه أميركا اللاتينية؟ فعلى سبيل المثال، احتلت أميركا في عام 1847 عاصمة المكسيك. كما أجبرت المكسيك، وحسب معاهدة 1848، على أن تتخلى عن 55 في المائة من أراضيها، مثل كاليفورنيا، نيفادا، يوتاه، نيو مكسيكو، كولورادو ووايومنغ؛ أي ما مساحته 1.744.170 كيلومتراً مربعاً. لكن أهمية السيطرة على هذه المناطق الجديدة، في أنها غيرت جذرياً الجغرافيا السياسية للولايات المتحدة الأميركية، وجعلتها دولة في قارة تطل على محيطين في الوقت نفسه، ولها مصالح في كل الشرق الأقصى كما أوروبا. ألم تؤسس هذه الجغرافيا الجديدة لبناء قناة بنما (1904 – 1914)، بناء على اقتراح المفكر الاستراتيجي البحري الأميركي، ألفريد ماهان، وبقرار من الرئيس الأميركي آنذاك تيودور روزفلت، وهو من اعتمد في قراره على عقيدة مونرو كركيزة جيوسياسية؟ ألم تؤسس هذه الجغرافيا الجديدة للهيمنة البحرية الأميركية على محيطات وبحار العالم على الأقل حتى الآن؟

جانب من اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع قادة أوروبا حول حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم 15 أغسطس 2025 (إ.ب.أ)

ماذا بعد؟

إقليمياً:

سمى بعض المحللين سلوك الرئيس ترمب بأنه يقع تحت شعار «الضرب والإكراه»، (Strike & Coerce). ليزيد الأمر زئبقية سلوك الرئيس؛ إذ هو يريد وقف الحروب، لكنه يهاجم الحوثيين، وإيران، والآن فنزويلا. لكن ماذا بعد فنزويلا؟

تعتبر أميركا اللاتينية الخلفية الاستراتيجية المباشرة للولايات المتحدة الأميركية. فما يحصل فيها يؤثر مباشرة على الأمن الأميركي. من هنا جعلها من ضمن القيادة الجنوبية (USSOUTHCOM).

هي رسالة لكل دول أميركا اللاتينية، خاصة إلى السياسيين، وبالطبع إلى العسكر، لإعادة التموضع السياسي، أو تحضير استراتيجيات عسكرية جديدة، خاصة في ظل وقوف الصين وروسيا في موقع المتفرج خلال القبض على الرئيس مادورو.

إذا أراد الرئيس ترمب نفط فنزويلا، فهو حتماً يريد ثروات كل من الأرجنتين، وبوليفيا وتشيلي من الليثيوم.

ولاستكمال صورة نصف الكرة الغربي، صرح مؤخراً ستيفن ميللر، وهو من كبار مساعدي الرئيس ترمب، وخلال مقابلة على محطة «سي إن إن» قائلاً: «نحن نعيش في عالم تسوده القوة. إن غرينلاند تابعة لأميركا، وهي قادرة على ضمها. لن يخوض أحد حرباً عسكرية ضد أميركا من أجل غرينلاند».

علما أميركا والصين (رويترز)

أما فيما يخص كندا، فقد يمكن القول إن الرئيس ترمب قد يعتمد «الإكراه»، مع التهديد بالقوة؛ لأن كندا تختلف عن فنزويلا بالعديد من الأمور، خاصة القدرة العسكرية، هي في حلف الناتو، وهي دولة مجاورة.

قد يكون التحدي الأكبر للرئيس ترمب في كيفية التعامل مع كوبا، والتي كانت ولا تزال الشوكة في خاصرة العم سام.

دولياً:

في جلسة استماع عام 2019 لفيونا هيل، المسؤولة آنذاك عن الملفين الروسي والأوروبي، قالت فيونا: «إن روسيا عرضت أن تسمح لأميركا بالقيام بما تريده في فنزويلا، مقابل أن تسمح الولايات المتحدة الأميركية لروسيا بأن تفعل ما تشاء في أوكرانيا». لكن مع العملية الأخيرة في فنزويلا، وتلكؤ روسيا والصين في مساعدة مادورو، لن تسمح أميركا لأية دولة منافسة أو عدوة أن يكون لها موطئ قدم في نصف الكرة الغربي.

يبقى السؤال: هل نحن أمام ديناميكية جيوسياسية جديدة، انتقلت من المبدأ والمفهوم والإعلان اللفظي إلى مرحلة التنفيذ الفعلي؟

هل بدأنا رصد تشكل ثلاث كتل جيوسياسية في العالم؟ ترتكز الكتلة الأولى على الولايات المتحدة الأميركية مع محيطها المباشر. كانت بشائر هذه الكتلة تنفيذياً في العملية على فنزويلا، وترتكز الكتلة الثانية على الصين ومحيطها المباشر، أما الكتلة الثالثة فهي في أوروبا ومحيطها المباشر.

لكن تشكل هذه الكتل يحتم الأسئلة التالية: ماذا عن مصير أوكرانيا؟ ماذا عن مصير تايوان؟ ولماذا تبيع أميركا تايوان أسلحة مؤخراً؟ ماذا عن حلف الناتو وأوروبا؟ ماذا عن اليابان بوصفها حليفاً في وجه الصين؟ رداً على هذه الأسئلة، يحلل بعض المفكرين أن أميركا فعلاً تعود إلى محيطها المباشر، لكنها لا تزال على تماس مع المشاكل الجيوسياسية في العالم، حيث سيكون الصراع المستقبلي، وذلك بعد تأمين البيت الأميركي ومحيطه.

وأخيراً وليس آخراً، قد يمكن التأكيد والجزم بأن معالم الجغرافيا السياسية، كما ديناميكية اللعبة الجيوسياسية سوف تظهر أكثر في عام 2026. كانت نقلة ترمب الشطرنجية في فنزويلا... ونحن بانتظار النقلة الصينية «وييتشي».


مقالات ذات صلة

«إف بي آي» يعلن إحباط مخطط لمهاجمة فعالية رياضية في البيت الأبيض

الولايات المتحدة​ صورة عامة للبيت الأبيض في واشنطن 20 يوليو 2025 (رويترز)

«إف بي آي» يعلن إحباط مخطط لمهاجمة فعالية رياضية في البيت الأبيض

أعلن مكتب التحقيقات الاتحادي الأميركي (إف بي آي)، الثلاثاء، أنه أحبط هجوماً كان مخططاً أن يستهدف فعالية فنون قتالية في حديقة البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية إيرانيات يمررن أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة خارج مبنى السفارة الأميركية السابقة في طهران(أ.ف.ب)

ما نعرفه عن مذكرة التفاهم الأميركية_الإيرانية

الاتفاق الإيراني الأميركي سيُوقع الجمعة في بورغنشتوك بوسط سويسرا، المنتجع الجبلي المطل على بحيرة لوسيرن، والذي اختير لصعوبة الوصول إليه وسهولة تأمينه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية سفن عند مضيق هرمز قبالة سواحل عُمان... 16 يونيو 2026 (رويترز)

حركة «هرمز» لا تزال محدودة رغم إعلان التفاهم بين أميركا وإيران

بعد حوالي 48 ساعة من إعلان مذكّرة تفاهم بين الولايات المتحدة وطهران من شأنها أن تعيد فتح مضيق هرمز الجمعة، بقيت حركة السفن محدودة في الممرّ الحيوي الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الأوروبيون يراهنون على تحول الموقف من أوكرانيا وزيلينسكي يشيد بتصريحات ترمب p-circle

الأوروبيون يراهنون على تحول الموقف من أوكرانيا وزيلينسكي يشيد بتصريحات ترمب

الأوروبيون يراهنون على تحول الموقف الأميركي من الحرب في أوكرانيا، والرئيس الأميركي يدعو روسيا لإبرام اتفاق سلام مع أوكرانيا، وزيلينسكي يشيد بتصريحات ترمب.

ميشال أبونجم (باريس)
الولايات المتحدة​ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في بداية جلسة العمل مع مجموعة السبع وضيوفها في إيفيان بفرنسا 16 يونيو 2026 (د.ب.أ)

ترمب يقبل دعوة ماكرون إلى العشاء في فرساي

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إنه قبِل دعوة نظيره الفرنسي إلى العشاء هذا الأسبوع في قصر فرساي في ختام قمة مجموعة السبع.

«الشرق الأوسط» (باريس)

البرازيل: 6 قتلى بتصادم مروحيتين على متن إحداهما مغنٍ أميركي

صورة جوية تُظهر موقع تحطم مروحية في ريو دي جانيرو (أ.ف.ب)
صورة جوية تُظهر موقع تحطم مروحية في ريو دي جانيرو (أ.ف.ب)
TT

البرازيل: 6 قتلى بتصادم مروحيتين على متن إحداهما مغنٍ أميركي

صورة جوية تُظهر موقع تحطم مروحية في ريو دي جانيرو (أ.ف.ب)
صورة جوية تُظهر موقع تحطم مروحية في ريو دي جانيرو (أ.ف.ب)

أفاد مصدر في الشرطة البرازيلية «وكالة الصحافة الفرنسية» بأن المغني الأميركي أوليفر تري كان على متن إحدى المروحيتين اللتين اصطدمتا وتحطمتا، الأحد، في ريو دي جانيرو، ما أسفر عن مقتل جميع ركابهما.

وقُتل ستة أشخاص على الأقل إثر الاصطدام الذي وقع في الجو غرب مدينة ريو دي جانيرو، بحسب ما أفاد عناصر إطفاء برازيليون. وقال هؤلاء في بيان: «تم تأكيد مقتل ستة أشخاص على الأقل».

وورد اسم أوليفر تري في قائمة الركاب التي أصدرتها الشرطة، موضحة أنه لم يتم التعرف على الضحايا رسمياً بعد بسبب تعرضهم لحروق بالغة.

المغني الأميركي أوليفر تري (أ.ف.ب)

وأضافت خدمات الإطفاء في البيان: «تشير تقارير إلى أن المروحيتين اصطدمتا في الجو وسقطتا في موقف تابع لمعرض سيارات كهربائية، ما أدى إلى اندلاع حريق التهم ما لا يقل عن 20 سيارة».

ووقع الحادث في ضاحية ريكريو دوس بانديرانتس غرب ريو دي جانيرو. وأظهرت صور من موقع الحادث نشرتها وسائل إعلام محلية عموداً كثيفاً من الدخان الأسود يتصاعد من معرض السيارات، حيث اشتعلت النيران في سيارات عدة.

وتُعد حوادث تحطم الطائرات الصغيرة شائعة في البرازيل خامس أكبر دولة في العالم من حيث المساحة وعدد السكان.

والشهر الماضي، تحطمت طائرة صغيرة على جانب مبنى في مدينة بيلو هوريزونتي في جنوب شرقي البلاد، ما أسفر عن مقتل الطيار ومساعده.


أعمال شغب بلفاست توقظ إرث الانقسام الطائفي في آيرلندا الشمالية

رجل يتفقّد حافلة محترقة بعد أعمال الشغب في شرق بلفاست يوم 10 يونيو (أ.ب)
رجل يتفقّد حافلة محترقة بعد أعمال الشغب في شرق بلفاست يوم 10 يونيو (أ.ب)
TT

أعمال شغب بلفاست توقظ إرث الانقسام الطائفي في آيرلندا الشمالية

رجل يتفقّد حافلة محترقة بعد أعمال الشغب في شرق بلفاست يوم 10 يونيو (أ.ب)
رجل يتفقّد حافلة محترقة بعد أعمال الشغب في شرق بلفاست يوم 10 يونيو (أ.ب)

أظهرت أيامٌ من العنف المناهض للهجرة في بلفاست كيف أن ثلاثة عقود من الاضطرابات في آيرلندا الشمالية لا تزال ترسم ملامح الحياة اليومية.

وقالت أستاذة جامعة كوينز في بلفاست، جوان هيوز، لوكالة الصحافة الفرنسية: «ما زلنا نحمل إرثاً من الصراع الطائفي هنا». وكانت تستعيد ذكرى العنف الذي مزّق الجمهوريين، ومعظمهم من الكاثوليك المؤيدين للانضمام إلى آيرلندا، والاتحاديين، ومعظمهم من البروتستانت المؤيدين للبقاء ضمن المملكة المتحدة، على مدى ثلاثة عقود، إلى أن أنهى اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998 ذلك النزاع.

وقالت هيوز، التي تدرس دور التعليم في المجتمعات المنقسمة: «ما زالت لدينا مستويات مرتفعة من الانقسام المجتمعي. وما زال لدينا فصل، خصوصاً في المناطق الأكثر حرماناً».

جريمة صادمة

وبعد تداول مقطع فيديو صادم في بداية الأسبوع يُظهر رجلاً من بلفاست يتعرض للطعن بوحشية، على يد رجل ذكرت تقارير أنه مهاجر سوداني، اندلعت أعمال شغب في أحياء عمالية يغلب عليها الطابع الاتحادي مساء الثلاثاء والأربعاء.

وتركز العنف إلى حد كبير في «مناطق التماس»، حيث لا تزال أحياء البروتستانت منفصلة عن الأحياء الكاثوليكية بأسوار ولافتات، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.

وأضرم محرضون، كثير منهم شبان ملثمون، النار في سيارات ومنازل، مستهدفين بعض منازل أبناء الأقليات العرقية.

وفي أعقاب ذلك، وجّه بعض السكان وسياسيون مؤيدون للانضمام إلى آيرلندا أصابع الاتهام إلى الجماعات شبه العسكرية الموالية لبريطانيا، التي لا تزال تمارس نفوذاً، خصوصاً على الصبية والشبان، في مناطق ذات غالبية بروتستانتية.

جماعات شبه عسكرية

وقال شون أوغ أو مورخو، وهو كاتب وناشط جمهوري مقيم في بلفاست، إن «ثمة نفوذاً هنا لا يزال قائماً من منظمات شبه عسكرية في الجانب الاتحادي»، وأضاف: «إنها نوع من بقايا عقود الاضطرابات».

ونقلت صحيفة «بلفاست تلغراف» عن مصدر موالٍ لبريطانيا قوله إن هذه الجماعات، رغم أنها لم تكن «تنظم أو تشجع» العنف، فإنها كانت تتعمد «الوقوف جانباً ورفض التدخل لوقفه».

وقال خبراء إن كثيرين ألقوا باللوم على المهاجرين في تراجع فرص الحصول على السكن والرعاية الصحية والتعليم.

وأظهرت أرقام حكومية نُشرت الشهر الماضي أن عدد الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عاماً، ممن هم خارج العمل أو التعليم أو التدريب في آيرلندا الشمالية، ارتفع إلى 11.6 في المائة، بزيادة 1.9 في المائة عن الربع السابق.

وقالت هيوز: «أظن أن معظم المتورطين في أعمال الشغب والاحتجاجات العنيفة ينتمون إلى مجتمعات تشعر بالتهميش، وتشعر بانعدام الأمل في المستقبل».

تحدي التهميش

من جانبه، قال دومينيك برايان، أستاذ الأنثروبولوجيا السياسية في جامعة كوينز، إن «التصور السائد هو أن هؤلاء المهاجرين يأخذون منازلهم»، لكن هذا «غير صحيح»، موضحاً أن ذلك يخلق طبقة جديدة من الانقسام داخل مجتمع منقسم أصلاً.

وتُعد آيرلندا الشمالية الإقليم البريطاني الذي يضم أدنى نسبة من السكان المنتمين إلى خلفيات عرقية غير بيضاء، إذ تزيد النسبة قليلاً على 3 في المائة، وفق بحث نُشر العام الماضي.

لكن في بلفاست، حيث تجاوز عدد السكان الكاثوليك عدد البروتستانت منذ انتهاء «الاضطرابات»، يرى الاتحاديون أن «هويتهم وثقافتهم تتقلصان»، وفق أو مورخو.

وفي الوقت نفسه، يقول أشخاص مثل الناشط اليميني المتطرف ستيفن ياكسلي لينون، المعروف أيضاً باسم تومي روبنسون، إن «ثقافتكم تتقلص، لكن السبب هو هذا الرجل الأسمر الذي يعيش بجواركم».

وحسب برايان، فإن الأحداث الأخيرة تمثل تحولاً في بعض المناطق الاتحادية والبروتستانتية، «الذين أصبحوا ينظرون إلى الأشخاص ذوي لون بشرة مختلف هم الجماعة الخارجية هي الكاثوليك».

«آيرلندا موحدة»

وتبنّى بعض المتظاهرين هذا التحول علناً، مع تداول صور مولّدة بالذكاء الاصطناعي للعلم الآيرلندي ثلاثي الألوان وعلم الاتحاد البريطاني مربوطين معاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بل وظهورها في الاحتجاجات.

وقال برايان: «إذا كنت تعرف أي شيء عن تاريخ هذا المكان، فسيبدو ذلك أمراً استثنائياً».

ومساء الأربعاء، في غلينغورملي، وهي ضاحية شمالية من بلفاست شهدت اشتباكات بين الشرطة ومثيري الشغب، عبّر الصديقان جون وبريندان عن دعمهما للوحدة ضد الهجرة.

وقال جون، وهو بروتستانتي يبلغ 52 عاماً وطلب عدم ذكر كنيته: «أنا متحمس لأن الكاثوليك والبروتستانت أدركوا في هذه اللحظة أننا في الواقع معاً في هذا الأمر»، وأضاف: «هناك الآن آيرلندا موحدة، لكنها موحدة لأن الناس العاديين أدركوا أننا كنا نُحرَّك كالدمى».

وقال بريندان، الذي وصف نفسه بأنه «كاثوليكي قوي»، إنه يدعم مثيري الشغب الذين تجمعوا، لكنه يعارض العنف، وأضاف: «لم يكن هناك ما يمكن أن يوحد الناس أكثر من الجرائم أو الأفعال اللاإنسانية».

وتابع: «لقد انتهت الاضطرابات، ولا نريد عودتها... نأمل أن نتمكن من وضع حد لهذا» وإنهاء العنف في الشوارع.

لكن برايان أشار إلى أن فكرة شعور «آيرلندا موحدة» مناهض للمهاجرين هي رأي هامشي، وأن أصوات اليمين المتطرف على وسائل التواصل الاجتماعي «تبنت هذه الفكرة القائلة إن البيض في آيرلندا ينهضون بطريقة ما». وقال برايان: «أعتقد أن ذلك سيُنظر إليه عموماً بين السكان على أنه أمر مثير للسخرية».

وبالنسبة إلى أو مورخو، فإن استخدام الناس خطاب «آيرلندا موحدة» لتبرير أعمال الشغب كان «مزعجاً»، وقال: «لم يمض وقت طويل على أن كنا نحن، أسلافي، من يُحرقون ويُطردون من منازلهم».


زلزال يهز العاصمة الكوبية هافانا

عمّال يتفقدون هواتفهم الجوالة بعد هزة أرضية ناجمة عن زلزال في هافانا... كوبا 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
عمّال يتفقدون هواتفهم الجوالة بعد هزة أرضية ناجمة عن زلزال في هافانا... كوبا 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

زلزال يهز العاصمة الكوبية هافانا

عمّال يتفقدون هواتفهم الجوالة بعد هزة أرضية ناجمة عن زلزال في هافانا... كوبا 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
عمّال يتفقدون هواتفهم الجوالة بعد هزة أرضية ناجمة عن زلزال في هافانا... كوبا 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

ضرب زلزال قوي، الاثنين، قبالة السواحل الغربية لجزيرة كوبا، حيث أفاد مراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية» في هافانا بهزة أرضية استمرت 20 ثانية وأجبرت السكان على الخروج من المباني والنزول إلى الشوارع.

وأفادت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أن قوة الزلزال بلغت 6.1 درجة، ووقع على بعد حوالي 100 كيلومتر من الطرف الغربي للجزيرة، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

قالت كارميل ديلغادو، وهي خبيرة اقتصادية تبلغ 47 عاماً، للوكالة: «في البداية شعرت بدوار شديد، لم يخطر ببالي أنه زلزال، لم يسبق لي أن مررت بمثل هذا الشعور من قبل».

وأضافت: «لكن بمجرد أن أدركنا حقيقة الأمر، غادرنا المكان بسرعة».

وقالت السلطات الكوبية إن الهزة الأرضية شُعر بها «في جميع أنحاء غرب البلاد»، حتى إن سكاناً في ولاية فلوريدا الأميركية المجاورة لكوبا شعروا بها أيضاً، وفق مراسلي «وكالة الصحافة الفرنسية».