طرحت واشنطن، للمرة الأولى، على الدول الأعضاء بـ«مجلس الأمن الدولي»، مشروع قرار يدعو إلى «وقف فوري لإطلاق النار مرتبط بالإفراج عن الرهائن» في قطاع غزة، حيث تتواصل الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس» حاصدة مزيداً من الضحايا، ومهدّدة السكان بالمجاعة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».
أعلن المتحدث باسم السفيرة الأميركية لدى «الأمم المتحدة»، الخميس، أن الولايات المتحدة ستعرض، الجمعة، مشروع قرارها، الذي يشدد على «وقف فوري لإطلاق النار» في غزة، على مجلس الأمن الدولي؛ للتصويت عليه. وقال نايت إيفانز، في بيان: «تعمل الولايات المتحدة جدياً مع أعضاء المجلس، منذ أسابيع عدة، على قرار يدعم في شكل لا لَبس فيه الجهود الدبلوماسية الهادفة إلى ضمان وقف فوري لإطلاق النار في غزة، في إطار اتفاق حول الرهائن يتيح الإفراج عن جميع الرهائن، ويساعد في زيادة المساعدة الإنسانية». وأضاف: «بعد سلسلة مشاورات مع مجلس الأمن، سنعرض هذا القرار للتصويت، صباح الجمعة». وعدَّ المتحدث أن «هذا القرار هو فرصة بالنسبة إلى المجلس للتحدث بصوت واحد دعماً للدبلوماسية الميدانية، وللضغط على (حماس) لتقبل الاتفاق المطروح».
ومنذ لجوئهم إلى «الفيتو»، نهاية فبراير (شباط)، ضد مشروع قرار جزائري يطالب بـ«وقف إنساني فوري لإطلاق النار»، فاوض الأميركيون على نص بديل يركز على دعم الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى هدنة تستمر ستة أسابيع، مقابل الإفراج عن الرهائن الإسرائيليين المحتجَزين في غزة. وأفادت مصادر دبلوماسية بأن هذه المسوَّدة عُدلت مراراً ولم تحظ بفرص كبيرة ليوافق عليها المجلس. لكن الأميركيين وزّعوا، الأربعاء، صيغة جديدة تشير، للمرة الأولى، إلى «وقف فوري لإطلاق النار»، دون أن تتضمن دعوة مباشرة إلى تنفيذه.
ووفّرت واشنطن، من البداية، دعماً سياسياً وعسكرياً واسعاً لحليفتها إسرائيل، واستخدمت حق النقض «الفيتو» في «مجلس الأمن»، للحيولة دون صدور قرارات تدعو إلى وقف النار.
إلا أن واشنطن رفعت، في الآونة الأخيرة، منسوب انتقاداتها لإسرائيل بشأن التكلفة البشرية الباهظة لحرب غزة، وحضّتها على القيام بالمزيد لحماية المدنيين، والسماح بمزيد من المساعدات الإنسانية، وتجنّب الاجتياح البري لرفح، في غياب خطة لحماية السكان.
وكثّف المجتمع الدولي جهوده للتوصل إلى هدنة في القطاع، حيث تحيق المجاعة بمئات الآلاف من سكانه، وسط دمار شامل، وتكدس جثث القتلى تحت الركام.
وقالت وزارة الصحة، التابعة لـ«حماس»، صباح الخميس، إن نحو 70 شخصاً قُتلوا جراء القصف والعمليات الإسرائيلية، خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.
في غضون ذلك، تواصلت المعارك في مدينة غزة شمالاً، ولا سيما محيط «مجمع الشفاء الطبي» الأكبر في القطاع، بعد 3 أيام على إعلان الجيش الإسرائيلي بدء عملية بالمنطقة.
وقال الجيش، الخميس، إنه يواصل عملياته داخل وفي محيط هذا المجمع الذي تحاصره الدبابات والآليات المدرَّعة، منذ فجر الاثنين، مؤكداً أن جنوده قتلوا «أكثر من 140» مقاتلاً فلسطينياً.
وقالت مريم (42 عاماً)، وهي من بين آلاف نزحوا واحتموا في «مجمع الشفاء»، إن «الجيش أطلق قذائف، طوال الليل، علينا في قسم الولادة وقسم الباطنة، وطلبوا منا، نحو الواحدة فجراً، عبر مُكبر الصوت أن نخرج، وإلا فسيقصفون المبنى علينا. نحن هنا مئات النساء والأطفال والرضع، وليس لدينا طعام ولا ماء».
وذكرت، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن الجيش طلب من كل الرجال والشباب الخروج بعد خلع ملابسهم، وقيَّدهم وجمعهم في باحة المستشفى، «ورؤوسهم إلى الأرض»، وأن الجنود أطلقوا النار نحوهم قبل اقتيادهم إلى خارج المستشفى.
وتابعت: «لو خرجنا ممكن أن يطلقوا النار علينا أو يعذبونا».
ولا يُعرف عدد الضحايا الذي خلَّفته العملية في «مجمع الشفاء» ومحيطه، لكن وزارة الصحة، التابعة لـ«حماس»، تحدثت عن «عشرات» القتلى والجرحى، الذين لا يمكن الوصول إليهم في أحياء الرمال والنصر ومخيم الشاطئ.

«رسالة قوية»
على الصعيد الدبلوماسي، قال بلينكن، مساء الأربعاء، في حديثه، لقناة «الحدث» السعودية، إن واشنطن طرحت مشروع قانون في «مجلس الأمن» يتطرق إلى وقف فوري للنار.
وقال: «قدّمنا بالفعل مشروع قرار، وهو معروض الآن أمام مجلس الأمن، ويدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار مرتبط بالإفراج عن الرهائن، ونأمل بشدة أن يلقى دعماً من الدول».
وأعرب عن اعتقاده أن هذا المشروع «سيبعث رسالة قوية؛ مؤشراً قوياً».
اتفاق الهدنة «ممكن جداً»
وفي موازاة جولة بلينكن، تجري، في الدوحة، محادثات تتوسط فيها الولايات المتحدة وقطر ومصر للتوصل إلى هدنة.
وقال بلينكن: «أعتقد أن الفجوة تضيق، وأن التوصل إلى اتفاق ممكن جداً».
وتستند الجولة الأحدث من المفاوضات إلى طرح تقدمت به «حماس»، يقوم في مرحلة أولى على هدنة لستة أسابيع، لقاء تبادل الإفراج عن رهائن إسرائيليين محتجَزين لديها، ومعتقلين فلسطينيين.
وكان القيادي في الحركة، أسامة حمدان، قد قال، الأربعاء، إن رد إسرائيل على هذا المقترح كان «سلبياً بشكل عام»، ويمكن أن «يقود المفاوضات نحو طريق مسدودة».
اندلعت الحرب، في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عقب هجوم شنّته «حماس» على جنوب إسرائيل، وتقدّر إسرائيل أن نحو 130 رهينة ما زالوا محتجَزين في غزة، من بينهم 33 يُعتقد أنهم لقوا حتفهم، من بين نحو 250 شخصاً اختُطفوا في هجوم «حماس».
وتوعدت إسرائيل بالقضاء على الحركة، ونفّذت حملة من القصف المركّز أتبعتها بهجوم برّي واسع؛ ما أسفر عن 31988 قتيلاً، و74188 جريحاً، غالبيتهم من النساء والأطفال، وفق وزارة الصحة، التابعة لـ«حماس» التي تسيطر على القطاع منذ 2007.
وتضغط الولايات المتحدة على إسرائيل، منذ الأسابيع الماضية، للامتناع عن شن هجوم بري واسع النطاق على مدينة رفح، في أقصى جنوب القطاع، التي باتت الملاذ الأخير لأكثر من 1.5 مليون فلسطيني، وفق «الأمم المتحدة».
لكن رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، لا يكف عن ترديد عزمه على المُضي قدماً في خطته لشن هجوم بري على رفح يراه ضرورياً «للقضاء» على «حماس»، وإن وافق على إرسال وفد إلى واشنطن؛ لبحث تفاصيل الخطة، بناء على طلب الرئيس جو بايدن.
وسعياً لزيادة المساعدات، والتخفيف قليلاً من معاناة السكان، تنفذ عدة دول عمليات إنزال جوي يومية لرزم من الأغذية، كما جرى تدشين ممر بحري من قبرص إلى غزة لهذا الغرض.
لكن وكالات الإغاثة تؤكد أن طرق الإمداد هذه لا يمكن أن تحل محل الطرق البرية.

وشددت إسرائيل، بُعَيد اندلاع الحرب، حصارها على قطاع غزة. ويتحكم الجيش والإدارة الإسرائيلية بكل ما يدخل إليه ويخرج منه من أشخاص ومساعدات وبضائع.
وتؤكد «الأمم المتحدة» أن القيود الأمنية المشددة التي تفرضها إسرائيل تعرقل دخول المساعدات الإنسانية عن طريق البر، عبر معبر رفح الحدودي مع مصر.
وحذّر مفوض «وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)»، فيليب لازاريني، هذا الأسبوع، من أن «الحصار والجوع والأمراض ستصير، قريباً، الأسباب الرئيسية للوفيات في غزة».

