«إقصاء المسيحيين» عن الإدارة اللبنانية… شكاوى وتبادل اتهامات

«التيار» يتزعم الحملة و«القوات» تقول إنه يدعي «البطولات الوهمية »

رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي متهم بالتعدي على صلاحيات رئيس الجمهورية (حساب رئاسة الحكومة)
رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي متهم بالتعدي على صلاحيات رئيس الجمهورية (حساب رئاسة الحكومة)
TT

«إقصاء المسيحيين» عن الإدارة اللبنانية… شكاوى وتبادل اتهامات

رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي متهم بالتعدي على صلاحيات رئيس الجمهورية (حساب رئاسة الحكومة)
رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي متهم بالتعدي على صلاحيات رئيس الجمهورية (حساب رئاسة الحكومة)

تشكو قيادات مسيحية في لبنان منذ شغور سدة الرئاسة في أكتوبر (تشرين الأول) 2022، من ما تراه سعياً من حكومة تصريف الأعمال لـ«الانقضاض على صلاحيات الرئاسة الأولى ومواصلة مجلس النواب عمله التشريعي بشكل طبيعي من دون انتخاب رئيس جديد للبلاد، وكذلك إجراء تعيينات لا تراعي التوازن الطائفي». لكن هذه الشكوى ترافقت مع سجالات بين القوى المسيحية التي تبادلت الاتهامات وصولاً إلى وصف «القوات اللبنانية» الحراك الذي يقوم به «التيار الوطني الحر» الموالي للرئيس السابق ميشال عون بأنه «ادعاء بطولات وهمية».

ويرد رئيسا الحكومة ومجلس النواب إصرارهما على انعقاد المجلسين لحرصهما على تسيير أمور الدولة الملحة، ويحمّلان من يغيّب نفسه عنهما مسؤولية عدم المشاركة باتخاذ القرارات.

ورفع رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، الثلاثاء، الصوت محذراً الحكومة التي وصفها بـ«المبتورة وغير الميثاقية» من تعيين 234 خفيراً جمركياً كلهم من المسلمين، عادّاً أنه لو تم ذلك فإنه سيعني «الإصرار على إقصاء المسيحيين من الدولة».

وفضّلت الحكومة عدم البت بقرار تعيين الخفراء لمزيد من الدرس، وحرصاً كما قال رئيسها على «الوحدة الوطنية».

وفي فبراير (شباط) الماضي، شنّ البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، هجوماً عنيفاً على معطّلي انتخاب رئيس للجمهورية، متحدثاً عن «عملية إقصاء مبرمج للموارنة عن الدولة، بدءاً من عدم انتخاب رئيس للجمهورية وإقفال القصر الجمهوري»، مستهجناً «انتهاك الدستور عبر بدعة الضرورة التي يعتمدها مجلس النواب ومجلس الوزراء ليجري التعيينات».

رازي الحاج: باسيل أمعن في ضرب المسيحيين

ويرى عضو تكتل «الجمهورية القوية»، النائب رازي الحاج، أن «إقصاء المسيحيين يبدأ من رأس الهرم، أي من خلال تعطيل الانتخابات الرئاسية، وهو تعطيل يتحمل مسؤوليته محور الممانعة الذي يخطف الرئاسة ويرفض أن يدعو من خلال رئيس المجلس النيابي إلى جلسة مفتوحة بدورات متتالية»، لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هذا المحور «يخطف أيضاً قرار السلم والحرب، من خلال إقحام لبنان بجبهة لمساندة غزة؛ ما يجعل كل البلد معرّضاً لخطر الحرب الموسعة»، مضيفاً: «إن من مظاهر الإقصاء مواصلة عمل مجلس النواب تحت عنوان تشريع الضرورة، واتخاذ قرارات إدارية لملء شواغر بطريقة فئوية واضحة لا تعكس الرغبة في الحفاظ على التنوع الموجود في البلد».

ويرى الحاج أن «هناك ملفات كثيرة تؤكد أن هناك منطقة مستهدفة مقابل مناطق أخرى تعيش فوق القانون، لا تدفع الضرائب، وحيث لا يطبق فيها القانون»، عادّاً أن «إقفال الدوائر العقارية في جبل لبنان حصراً، وإقفال النافعة في منطقة الدكوانة تحت عناوين مكافحة الفساد، تبين أنه لتنفيذ مخطط معين».

ورداً على باسيل الذي يحمّل رافضي المشاركة في اجتماع للقيادات المسيحية في بكركي لبحث الهواجس حول الوجود والدور المسيحي مسؤولية الوضع الحالي للمسيحيين، يقول الحاج: «لا فائدة من الالتقاء معه من أجل الصورة، وهو أمعن بضرب المسيحيين والسيادة والكيان اللبناني عبر تغطيته لسلاح (حزب الله). أما نحن فنتصدى لهذا الواقع على أكثر من جبهة، سواء في المجلس النيابي أو من خلال الخطوات العملية على الأرض في أكثر من ملف، والتواصل العميق والبنّاء مع بكركي. نحن نخوض المعركة من خلال عدم التراخي وعدم تسليم البلد لـ(حزب الله) عبر السماح له بفرض مرشحه الرئاسي».

حايك: إمعان في التعدي على صلاحيات الرئيس

ويخوض «التيار الوطني الحر» منذ فترة معركة تحت عنوان «التصدي لإقصاء المسيحيين عن السلطة والانقضاض على صلاحيات الرئاسة الأولى»، ويرى نائب رئيس «التيار» ناجي حايك أن التيار يقوم «بكل ما يلزم للدفاع عن لبنان، وبكل ما يلزم للدفاع عن فريق معين من اللبنانيين في حال لحقه ظلم ما، وبخاصة إذا كان الفريق الذي نحن نمثله، أي الفريق المسيحي»، مشدداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن هناك «إمعاناً بالتعدي على صلاحيات رئيس الجمهورية، التي وفي حال شغور سدة الرئاسة تُحال للحكومة مجتمعة، وليس لرئيسها، ولا حتى لأكثرية أعضائها، كما أنه وعند إحالة رؤساء مصالح أو مديرين عامين مسيحيين إلى التقاعد يخرجون بتركيبة ما لتعيين موظف غير مسيحي، على طريقة البلطجة، وهذا ما يقوم به الرئيس ميقاتي ومن لف لفه، كما الثنائي الشيعي الذي يغطيه».

وأكد حايك مواصلة «رفع الصوت، وقد نصل للعصيان المدني وإقفال الطرقات؛ لأننا نخوض معركة حياة أو موت».

أبو كسم: على الجميع الالتزام بالميثاقية

من جهته، يرى رئيس المركز الكاثوليكي للإعلام، المونسنيور عبدو أبو كسم، أنه «سواء كان هناك نية بإقصاء المسيحيين عن الحكم أم لا، فما يُفترض التعامل معه هو الأفعال والأعمال التي تؤكد أن هناك خللاً. فنحن لم نعد في موقع القرار، وتحولنا إلى موقع الاعتراض والدفاع عن حقوقنا»، مضيفاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «كنا نلتزم بالميثاقية والشراكة، وهذا يفترض أن يلتزم به اليوم شركاؤنا بالوطن في ظل الشغور الرئاسي».

ولا يُنكر أبو كسم أن «القوى المسيحية تتحمل جزءاً أساسياً من المسؤولية بخصوص الواقع الذي نحن فيه اليوم»، عادّاً أنه «يكفي التفاهم بين القوى المسيحية على بعض القضايا كي يكون الوضع مختلفاً»، منبهاً من أن هناك من يستثمر في «التشرذم المسيحي».

في المقابل، يستهجن القيادي في «المردة»، النائب السابق كريم الراسي، الخطاب الطائفي القائم اليوم والحديث عن إقصاء المسيحيين، عادّاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك من يغيب نفسه كتيار سياسي وليس كطائفة. هم قاطعوا لفترة الانتخابات النيابية ويقاطعون اليوم الحكومة ومجلس النواب، وبالتالي هم الخاسرون». ويضيف الراسي: «يكفي متاجرة باسم المسيحيين. هم يقاتلون باسم تيار معين وينادون بالتقوقع باسم المناطقية والحزبية والطائفية». ويستغرب الراسي إصرار البطريرك الماروني على إصدار مواقف سياسية من دون أن يكون هناك من يرد عليه، قائلاً: «عليه ألا يتبنى وجهة نظر فريق في لبنان؛ لأنه إذا خسر سيخسر معه. وبكركي يفترض أن تنطق باسم كل المسيحيين وليس فريقاً منهم».

وأصدرت «القوات» الأربعاء بياناً تحدثت فيه عن دأب «التيار الوطني الحر» في الأيام الأخيرة على «إطلاق حملة ينسب فيها لنفسه بطولات وهمية، مدعياً التصدي للتعيينات المجحفة بحق المسيحيين التي كانت الحكومة تنوي إقرارها، ولا يتوقّف عند هذا الحدّ، إنما يعمد إلى مهاجمة القوى السياسية ومن ضمنها (القوات اللبنانية)؛ لأمر الذي يتنافى مع الوقائع والحقائق» مشيرة إلى أن «ما أوقف هذه التعيينات هو الاتصالات السياسية الواسعة التي حصلت وتولتها مجموعة من القوى والشخصيات، بدءاً من بكركي وصولاً إلى (القوات اللبنانية) وما بينهما من أحزاب وشخصيات سياسية، وذلك من خلال التواصل مع الرئيس نجيب ميقاتي ومروحة من الوزراء بهدف الضغط لإزالة هذا البند عن جدول أعمال الحكومة، بينما (التيار) أعجز من التأثير على الحكومة».


مقالات ذات صلة

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

المشرق العربي جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

لا تبدأ الحكاية هنا من غارة، ولا تنتهي عند وقف إطلاق نار. في جنوب لبنان، تُقاس الحرب بقدرتها على التكرار، لا بمدّتها.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الضفة الإسرائيلية من الحدود مع لبنان (رويترز)

خروقات كبيرة تهدد اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع 4 مقاتلين من الحزب قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)

اتصالات لخفض التصعيد في جنوب لبنان ونتنياهو يتهم «حزب الله» بتقويض الهدنة

تكثفت الاتصالات الدبلوماسية، الأحد، لتطويق التصعيد الكبير في جنوب لبنان، على وقع اتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لـ«حزب الله» بـ«تقويض الهدنة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)

قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

شهدت بيروت توتراً أمنياً، بعد ظهر السبت، على خلفية إشكال في منطقة ساقية الجنزير مرتبط بتسعيرة المولدات الكهربائية، تخلله إطلاق نار ووقوع إصابات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شعار مؤيد لقرارات الرئيس اللبناني جوزيف عون مكتوب على صورة عملاقة له في أحد شوارع بيروت (أ.ف.ب)

لبنان: المفاوضات الجدية مع إسرائيل رهن بتثبيت وقف النار

في ظل الحراك القائم على خط المفاوضات الإسرائيلية – الأميركية، يسود ترقّب حذر في لبنان، مع تضارب المعلومات حول إمكان عقد لقاء مرتقب بين عون ونتنياهو

كارولين عاكوم (بيروت)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.