العراق يتجه إلى استخدام الطاقة النووية

بعد مرور قرابة 43 عاماً على تدمير إسرائيل «مفاعل تموز»

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مستقبلاً وفد وكالة الطاقة الذرية في بغداد اليوم الاثنين (حساب رافائيل غروسي على منصة إكس)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مستقبلاً وفد وكالة الطاقة الذرية في بغداد اليوم الاثنين (حساب رافائيل غروسي على منصة إكس)
TT

العراق يتجه إلى استخدام الطاقة النووية

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مستقبلاً وفد وكالة الطاقة الذرية في بغداد اليوم الاثنين (حساب رافائيل غروسي على منصة إكس)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مستقبلاً وفد وكالة الطاقة الذرية في بغداد اليوم الاثنين (حساب رافائيل غروسي على منصة إكس)

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني عزم العراق على مزاولة نشاطه النووي للأغراض السلمية، بعد مرور قرابة 43 عاماً على تدمير إسرائيل أول مفاعل نووي عراقي تم بناؤه بمساعدة من فرنسا.

وكان لدى العراق ثلاثة مفاعلات نووية في منطقة التويثة جنوبي بغداد، والتي كانت موقع الأبحاث النووية الرئيسي في البلاد. ودمرت ضربة جوية إسرائيلية أحد هذه المواقع في 1981، بينما دمّرت الطائرات الأميركية الموقعين الآخرين خلال حرب الخليج في 1991 التي تلت غزو العراق الكويت في 1990.

وقال السوداني، خلال استقباله اليوم الاثنين، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة النووية رافائيل غروسي الذي يزور بغداد حالياً، إن «العراق كان من أوائل الدول التي سعت للانضمام إلى الوكالة، والالتزام بمعاهداتها، وعمل على إنشاء المفاعلات النووية للأغراض السلمية لقناعته بأن الطاقة النووية يجب أن تكون مصدراً للازدهار وليس لتطوير الأسلحة الفتاكة».

وأشار بيان صادر عن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء إلى أنه قال إن «العراق أودع نهاية العام الماضي لدى الوكالة متطلبات انضمامه إلى اتفاقية الأمان النووي، والاتفاقية المشتركة بشأن أمان التصرف في الوقود المستهلك وأمان التصرف في النفايات المشعة، وهو يتطلع للدخول مجدداً في مضمار التطبيقات السلمية للطاقة النووية». وعبّر السوداني عن رغبة العراق في شغل موقعه «الطبيعي» في الساحة الدولية، وأن يزاول نشاطه السلمي في مجال الطاقة الذرية، مضيفاً أنه يتطلع إلى مساعدة من وكالة الطاقة الذرية في وضع البرامج والمشاريع ذات العلاقة بالتطوير في مجال التطبيقات النووية للأغراض السلمية.

محمد شياع السوداني خلال اللقاء مع رافائيل غروسي (حساب مدير وكالة الطاقة الذرية على منصبة إكس)

من جهته، وجّه غروسي دعوة إلى السوداني لحضور قمّة الطاقة النووية التي ستُعقد في بروكسل في شهر مارس (آذار) الحالي، معبّراً عن تقديره لتعاون العراق مع الوكالة، بحسب البيان العراقي. وقال غروسي إن «العراق من الدول الرائدة بالعمل مع الوكالة»، مؤكداً الالتزام بالعمل معه في «برنامجه ومشاريعه السلمية التي تتضمن الطاقة وإزالة ملوحة التربة ومعالجة الأمراض وغيرها من المجالات السلمية».

وأعرب غروسي عن تطلعه لزيارة الوفد العراقي مقرّ الوكالة في الأسابيع المقبلة؛ للعمل على وضع خريطة طريق لتطوير عمل العراق وبناء البنى التحتية والحصول على التكنولوجيا النووية في المجالات السلمية.

في السياق ذاته، أكد وزير التعليم العالي والبحث العلمي نعيم العبودي، الاثنين، أن العراق متجه إلى استخدام الطاقة الذرية السلمية في مختلف القطاعات الصحية والصناعية والزراعية، موضحاً أن الفترة الماضية شهدت إعداد برامج بهذا الصدد، فيما أعرب مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن دهشته بالتقدم الحاصل في مجال الطب النووي لدى أحد مراكز علاج السرطان في بغداد. وقال العبودي خلال مؤتمر صحافي مشترك مع غروسي في بغداد اليوم الاثنين: «نحن مسرورون بزيارة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى العراق، كان هناك عمل خلال الفترة الماضية لتهيئة عدة برامج مع الوكالة الدولية، وواحدة من القضايا الأساسية والإستراتيجية التي نعمل لأجلها، هي المفاعل النووي البحثي، وكذلك المفاعل النووي للأغراض السلمية في الجوانب الصحية والصناعية والزراعية».

غروسي يطوي صفحة الماضي

وفي الوقت الذي أكد مدير عام الطاقة النووية رافايل غروسي إنه سيتم طي صفحة الماضي بشأن رغبة العراق بالاتجاه نحو الطاقة النووية السلمية (في إشارة الى ما حصل لمفاعله في ثمانينات القرن الماضي)، فإن وزير التعليم العالي والبحث العلمي العراقي أشار الى أن «العراق في ستينيات القرن الماضي كان متقدماً على دول المنطقة في مجال الطاقة النووية السلمية والآن نعمل بجهد الحكومة العراقية لنستعيد حقنا الطبيعي وتفعيل الطاقة النووية في خدمة الشعب العراقي». وتابع: «نعمل الآن على دعم القطاع الصحي ونحن حالياً في مستشفى الأمل لعلاج السرطان، وتقديم الخدمات الصحية هي قضية إستراتيجية للعراق، ونحن نطلب من الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تدعم المستشفيات سواء بالأجهزة أو تدريب الطاقات البشرية». ولفت العبودي إلى أنه «قبل العام 2003 كانت هناك سياسة عبثية كلفت العراق الكثير، وأبرزها تدمير البرنامج النووي العراقي بالكامل بسبب الحروب، ونحن الآن نعمل وفق التحديات ولدنيا الإمكانيات لإعادة المفاعل النووي للأغراض السلمية»، مضيفاً أن «وكالة الطاقة الذرية تعلم أن العراق لا يريد الطاقة النووية لأغراض الحرب إنما للقضايا السلمية وهذا من حق العراق».

مدير وكالة الطاقة الذرية خلال زيارته مستشفى الأمل لأمراض السرطان (حساب رافائيل غروسي على منصة إكس)

وختم العبودي بالقول إن «عدداً من الدول العربية سواء كانت مصر أو الإمارات أو السعودية توجهت إلى الطاقة النووية، ونحن الآن جادون بالعمل على مشاريع الطاقة النووية السلمية». وكشف الوزير العراقي عن البدء «بإنشاء محطات نووية بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وهي محطات صغيرة (SMR)، وهذه المحطات للأغراض السلمية، ونحن نركز الآن على الجانب الصحي والاستفادة من الطاقة النووية».

في السياق نفسه اكد مدير وكالة الطاقة النووية عن قيام الوكالة بتشخيص الاحتياجات والعمل على توفير كل ما تتطلبه هذه المراكز من الدعم والتمويل لإنجاح عملها فإنه أكد إن «هناك أعمدة نعتمد عليها في التعاون مع العراق أبرزها دعم إنشاء برنامج نووي سلمي فيه ونحرص على تحقيقه»، مبيناً إن «قلب صفحة الماضي هي من أولويات العمل مع العراق، فيما أكد البدء بوضع خطة لتطبيق الاستخدام السلمي للطاقة في مجال الصحة المستدامة والأورام والطاقة النظيفة في العراق».

تراجيديا تموز

ويشير تصريح رافائيل غروسي بشأن «طي صفحة الماضي مع العراق»، إلى الحرب التي قادتها الولايات المتحدة على العراق عام 2003 والتي تم شنها تحت ذريعة وجود أسلحة الدمار الشامل لدى نظام الرئيس السابق صدام حسين. وفي حين لم يتم العثور على مثل هذه الأسلحة بعد إطاحة صدام عام 2003، كانت إسرائيل قد قامت بتدمير "مفاعل تموز" النووي قرب بغداد أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية. وكان المفاعل قد تم تشييده بمساعدة من فرنسا التي كانت آنذاك على علاقة جيدة مع العراق.

واستنزفت الحرب مع إيران جهود العراق في مجال التعامل مع المفاعلات النووية سواء للأغراض السلمية أو انتاج القنبلة الذرية التي كانت هي الذريعة التي استخدمتها إسرائيل في تدمير «مفاعل تموز». وعلى رغم تدمير المفاعل، ظل نظام صدام حسين يعمل في الثمانينات على تطوير أسلحة كيمياوية وجرثومية وصواريخ بعيدة المدى، وتمكن من إطلاق 39 صاروخاً منها على إسرائيل خلال حرب الخليج الثانية عام 1991. وبعد سقوط النظام السابق عام 2003 بقيت «تراجيديا تموز» تلاحق علماء العراق النوويين الذين تم اغتيال العشرات منهم مع طياري القوة الجوية ممن تولوا ضرب العمق الإيراني خلال حرب السنوات الثماني (1980 – 1988).

وفي وقت يبدأ العراق اليوم مرحلة جديدة على صعيد الطاقة النووية، فإن السؤال الذي يبقى معلقاً هو كيف يمكن إزالة مخاوف الأطراف الخارجية من وجود مفاعل نووي (ولو للأغراض السلمية) على أراضيه التي تنتشر فيها ميليشيات مسلحة مرتبطة بإيران ويخوض بعضها حرباً ضد الأميركيين. وإضافة إلى ذلك، يشهد العراق أيضاً نشاطاً لخلايا إرهابية تابعة لتنظيم «داعش»، ما يمكن أن يثير مخاوف إضافية.


مقالات ذات صلة

مصر تنتقد مساعي فرض «البروتوكول الإضافي» على الأنشطة النووية السلمية

شمال افريقيا وزير الكهرباء المصري محمد عصمت يلقى كلمة أمام المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية (وزارة الكهرباء)

مصر تنتقد مساعي فرض «البروتوكول الإضافي» على الأنشطة النووية السلمية

أكدت مصر رفضها القاطع لأي مساعٍ من شأنها اعتبار الانضمام إلى «البروتوكول الإضافي» شرطًا مسبقًا للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

أحمد جمال (القاهرة)
الاقتصاد شعار بنك الاستثمار الأوروبي في لوكسمبورغ (رويترز)

بنك الاستثمار الأوروبي ينهي 40 عاماً من عدم تمويل مشروعات الطاقة النووية

وافق بنك الاستثمار الأوروبي على ضخ 40 مليون يورو بشركة فنلندية ناشئة لتطوير مفاعل نووي، منهياً حظراً استمر على مدار أربعة عقود على تمويل مشروعات الطاقة النووية

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد اللقاء بين الأمير عبد العزيز بن سلمان وغروسي على هامش اجتماع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (إكس)

غروسي: الوكالة الذرية مستعدة لدعم البرنامج النووي السعودي

قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل ماريانو غروسي إن السعودية تمضي قدماً في برنامجها للطاقة النووية ومفاعلها البحثي.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
أوروبا المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف (إ.ب.أ) p-circle

روسيا تتوعد ليتوانيا إن استضافت أسلحة نووية لأعضاء في «الناتو»

توعّدت روسيا الجمعة بتوجيه رؤوسها النووية نحو ليتوانيا إذا استضافت الدولة المطلة على بحر البلطيق على أراضيها أي أسلحة من الترسانات النووية لحلفائها في «الناتو».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
المشرق العربي علم «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» يرفرف خلال دورة استثنائية لـ«مجلس محافظي الوكالة» في فيينا يوم 2 مارس 2026 (أ.ب)

«الطاقة الذرية» تفتح صفحة جديدة مع سوريا لكشفها عن الأنشطة طي الكتمان

بعد 15 عاماً من إعلان «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» عدم تنفيذ سوريا «معاهدة عدم الانتشار النووي» وعدم إخضاع أنشطتها النووية للتحقيق، جاء وقف القرار.

شوقي الريّس (فيينا)

عون يرفض أي تسوية على حساب لبنان... وسلام يحشد الدعم الدولي

الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ف.ب)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ف.ب)
TT

عون يرفض أي تسوية على حساب لبنان... وسلام يحشد الدعم الدولي

الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ف.ب)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ف.ب)

شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على ضرورة تحصين الوحدة الوطنية لمواجهة التحديات التي يواجهها لبنان، مؤكداً أن أي تسويات يجب ألا تأتي على حساب البلاد ومصالحها الوطنية. وقال: «كفى الاستقواء بالخارج ضد بعضنا في الداخل خدمة لأعداء لبنان، ولنستقوِ ببعضنا ضد الخارج».

وأكد عون أن لبنان لا يمكن أن يُبنى بفئة أو طائفة أو حزب واحد، داعياً إلى تجاوز الانقسامات وتعزيز الحوار والتواصل بين اللبنانيين، بصفتهما مدخلاً لبناء الثقة وتثبيت الاستقرار. وشدد على أن لبنان قادر على النهوض متى وضع أبناؤه مصلحته الوطنية فوق كل اعتبار، داعياً إلى تعزيز التواصل بين الأجيال بعيداً عن الأحقاد والانقسامات.

سلام من نيويورك: لتثبيت سيادة الدولة واستكمال الإصلاح

وفي نيويورك، تحرك رئيس الحكومة نواف سلام على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، حاملاً أولويات لبنان في سلسلة لقاءات شملت الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، ورئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، ووزير الخارجية البحريني عبد اللطيف بن راشد الزياني، والسيناتور الأميركية جين شاهين.

وركز سلام في هذه اللقاءات على ضرورة التزام إسرائيل بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف اعتداءاتها، وتعزيز قدرات الجيش، والعمل على استمرار وجود دولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة «يونيفيل»، إضافة إلى بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها. كما بحث حشد الدعم لمسار العودة والتعافي وإعادة الإعمار، ومواصلة الإصلاحات التي بدأتها الحكومة، وتوسيع التعاون والاستثمار، خصوصاً في مجالات الطاقة والنقل والربط الإقليمي.

وفي لقائه مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، شدد سلام على أهمية استمرار وجود دولي تحت مظلة الأمم المتحدة في الجنوب بعد انتهاء مهمة «يونيفيل»، بما يدعم الاستقرار ويسهم في بسط سلطة الدولة. كما تناول الوضع الإنساني، مشيراً إلى استمرار نزوح نحو 329 ألف شخص، وضرورة الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى دعم العودة والتعافي واستعادة الخدمات الأساسية.

ومع الملك عبد الله الثاني، ركز البحث على دعم لبنان ومؤسساته، ولا سيما الجيش، ومواصلة التنسيق لخفض التصعيد، إلى جانب حشد الدعم الدولي لترتيبات تحُول دون حصول فراغ في الجنوب. أما مع إردوغان، فبحث سلام تعزيز العلاقات اللبنانية - التركية والتعاون في التجارة والاستثمار والطاقة والبنى التحتية، إضافة إلى مشاريع الربط الكهربائي والسككي ودعم مسار العودة والتعافي وإعادة إعمار الجنوب.

سلام للجالية: قرارات مصيرية وإصلاحات لاستعادة الثقة

وفي لقاء مع الجالية اللبنانية في نيويورك، أكد سلام أن الحكومة، رغم صعوبة الظروف، لم تتراجع عن مسارها، بل اتخذت «قرارات صعبة» وبدأت ورشة إصلاح جدية بهدف تغيير مسار البلد وبناء دولة يستعيد اللبنانيون ثقتهم بها.

وفي ملف السلاح، شدد على أن الحكومة ماضية في تنفيذ قراراتها بهدف أن تكون الدولة وحدها صاحبة السلطة على كامل الأراضي اللبنانية، وأن يكون قرار الحرب والسلم بيدها، وأن يتولى الجيش والقوى الشرعية مسؤولية أمن اللبنانيين. وربط ذلك بمواصلة العمل لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي، وتثبيت عودة الأهالي إلى الجنوب، وإطلاق مسار التعافي وإعادة الإعمار، مؤكداً أن الاستقرار يشكل شرطاً أساسياً للنهوض الاقتصادي والاستثماري.

بو صعب: التعنت الإسرائيلي يعيق التقدم في المفاوضات

وفي بيروت، استقبل نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب القائم بأعمال المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان جان إرنو، حيث جرى البحث في الأوضاع العامة، مع التركيز على الوضع في جنوب لبنان وسبل تثبيت الاستقرار فيه.

وشدد المجتمعون، وفق بيان مكتب بو صعب، على أن الاستقرار الفعلي والمستدام يتطلب حلاً جذرياً يؤدي إلى إنهاء الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان.

وأبلغ بو صعب الوفد الأممي أن لبنان لم يلمس أي التزام إسرائيلي بالاتفاق الموقع سابقاً لوقف إطلاق النار، مؤكداً أن «هذا التعنت والتملص الإسرائيلي يشكل عائقاً أساسياً أمام التقدم في مسار المفاوضات».


«يونيفيل»: تنفيذ القرار 1701 أساس الاستقرار في جنوب لبنان

احتفال قوات الـ«يونيفيل» باليوم الدولي للسلام في جنوب لبنان (حساب قوات اليونيفيل)
احتفال قوات الـ«يونيفيل» باليوم الدولي للسلام في جنوب لبنان (حساب قوات اليونيفيل)
TT

«يونيفيل»: تنفيذ القرار 1701 أساس الاستقرار في جنوب لبنان

احتفال قوات الـ«يونيفيل» باليوم الدولي للسلام في جنوب لبنان (حساب قوات اليونيفيل)
احتفال قوات الـ«يونيفيل» باليوم الدولي للسلام في جنوب لبنان (حساب قوات اليونيفيل)

​في وقت تتواصل فيه الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، أكدت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) أن التنفيذ الكامل للقرار 1701 يبقى الأساس لتحقيق السلام والاستقرار الدائمين في الجنوب، مشددة على أن استمرار التوتر يؤكد الحاجة إلى حل سياسي يضع حداً للنزاع.

ويأتي موقف الـ«يونيفيل» في وقت يكتسب فيه حضورها في الجنوب أهمية إضافية؛ إذ أحيت هذا العام اليوم الدولي للسلام للمرة الأخيرة قبل انتهاء ولايتها في نهاية العام، بموجب قرار مجلس الأمن الصادر عام 2025، بينما يسعى لبنان إلى تمديد مهمة القوة الدولية تفادياً للفراغ الأمني في الجنوب في ظل استمرار التوتر.

أبانيارا: السلام مسؤولية مستمرة والحل بيد الأطراف

وقال رئيس بعثة الـ«يونيفيل» وقائدها العام، اللواء ديوداتو أبانيارا، إن «السلام ليس أمراً نتناوله مرة واحدة في السنة؛ بل هو مسؤولية مستمرة»؛ مشيراً إلى مواصلة قوات حفظ السلام تسيير دورياتها والإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة مع الأطراف، للحد من سوء الفهم ومخاطر التصعيد.

ولفت إلى أن الأعمال العدائية خلَّفت آثاراً إنسانية ومادية عميقة في جنوب لبنان، من نزوح آلاف السكان وتعطُّل سبل العيش، إلى الأضرار الواسعة التي لحقت بالمنازل والبنى التحتية، وسقوط ضحايا وإصابات في صفوف المدنيين؛ مشيراً إلى أن المدنيين على جانبَي الخط الأزرق يعيشون في ظل التوتر والخوف.

وأكد أبانيارا أن السلام في جنوب لبنان لا يزال متعذراً، ولكن الأمل في تحقيقه لا يزال قائماً، مشدداً على أن السلام الدائم يتطلب التزامات وحلولاً سياسية من الأطراف أنفسهم. وقال إن قوات حفظ السلام تستطيع المساعدة في استعادة الاستقرار وتجنب سوء الفهم والحد من مخاطر التصعيد، ولكنها لا تستطيع أن تحل محل الإرادة السياسية والقرارات اللازمة لإنهاء النزاع بشكل دائم.

وشدد على أن مسؤولية التوصل إلى حل سياسي تقع على عاتق الأطراف، بينما ستواصل «اليونيفيل» القيام بدورها من خلال إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، والحد من مخاطر التصعيد، ودعم الجهود الدبلوماسية، مؤكداً أن استمرار التعاون بين القوات المسلحة اللبنانية وقوات حفظ السلام يظل أمراً جوهرياً للحفاظ على الاستقرار، ودعم بسط سلطة الدولة في الجنوب.

اعتداءات إسرائيلية متواصلة: قصف وتمشيط وتفجيرات

ميدانياً، تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية على عدد من المناطق الجنوبية؛ إذ تعرضت بلدة برعشيت في قضاء بنت جبيل لقصف مدفعي إسرائيلي بالتزامن مع تحليق للطيران المسيَّر في الأجواء، بينما تعرضت أطراف حداثا لقصف مدفعي، وطال القصف أيضاً مناطق الخيام ويحمر الشقيف.

وفي الخيام، تمركزت آلية إسرائيلية عند المدخل الشمالي للبلدة من جهة الحمّام، بالتزامن مع تنفيذ القوات الإسرائيلية عملية تمشيط واسعة داخل البلدة بالأسلحة الرشاشة الثقيلة والمتوسطة. وتصاعدت أعمدة الدخان من عدد من المنازل في المنطقة، إثر إقدام القوات الإسرائيلية على إضرام النيران فيها.

آلية عسكرية إسرائيلية تمر بمحاذاة منازل دمرتها غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي وادي السلوقي، وقعت سلسلة تفجيرات نفَّذتها القوات الإسرائيلية، بينما سُمعت أصوات انفجارات في مناطق من الجنوب، ووصلت أصداؤها إلى مدينة صيدا وشرقها.

وبعد الظهر، قامت القوات الإسرائيلية بتنفيذ تفجير عنيف في بلدة المنصوري على دفعتين، حسبما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام».


كلفة الحرب تتصاعد في لبنان... خسائر قياسية والفاتورة الكاملة لم تُحسم بعد

نازحون لبنانيون يعودون إلى الجنوب بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار (أ.ب)
نازحون لبنانيون يعودون إلى الجنوب بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار (أ.ب)
TT

كلفة الحرب تتصاعد في لبنان... خسائر قياسية والفاتورة الكاملة لم تُحسم بعد

نازحون لبنانيون يعودون إلى الجنوب بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار (أ.ب)
نازحون لبنانيون يعودون إلى الجنوب بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار (أ.ب)

تكشف الأرقام الرسمية اتساع كلفة الحرب على لبنان؛ إذ اقتربت الحصيلة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023 من 9 آلاف قتيل وتجاوزت 30 ألف جريح، وسُجل خلال أربعة أشهر من 2026 نحو 100 ألف وحدة مدمرة ومتضررة، ووُثق نحو 3800 اعتداء بعد وقف النار، بينما تبقى الكلفة النهائية مفتوحة بانتظار استكمال التقييم.

وتظهر بيانات وزارة الصحة أن الحصيلة من 8 أكتوبر 2023 حتى 17 سبتمبر (أيلول) 2026 بلغت 8953 قتيلاً و30643 جريحاً، أي 39596 ضحية. ومنذ 2 مارس (آذار) 2026، سُجل 4386 قتيلاً و12407 جرحى، أي نحو 49 في المائة من القتلى و40 في المائة من الجرحى.

وتتركز خسائر 2026 في الجنوب والنبطية، مع 3755 قتيلاً و10503 جرحى، أي نحو 85 في المائة من ضحايا المرحلة. ووثقت وزارة الصحة 180 اعتداءً على فرق الإسعاف، وتضرر 184 مركبة و40 مركزاً، ومقتل 135 وإصابة 416 من العاملين الصحيين والإسعافيين، وتضرر 17 مستشفى وإغلاق 3.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، سجلت الوزارة 4047 قتيلاً و16638 جريحاً، بإجمالي 20685 ضحية، مقابل 8953 قتيلاً و30643 جريحاً حتى 17 سبتمبر، أي بزيادة 4906 قتلى و14005 جرحى، وارتفاع إجمالي الضحايا بنحو 91 في المائة. وقد تشمل التحديثات مراجعات لحالات سابقة، فلا تعني الزيادة كلها بالضرورة سقوط الضحايا بعد ديسمبر 2024. كما تجاوز عدد قتلى مرحلة 2026 وحدها، البالغ 4386، حصيلة 2023 - 2024 المعلنة آنذاك.

تصاعد الدخان جراء قصف إسرائيلي على جنوب لبنان كما بدا من موقع في الجليل الأعلى (أ.ف.ب)

كلفة 2026 لم تُحسم

وقال الرئيس التنفيذي لشركة «Statistics Lebanon» ربيع الهبر لـ«الشرق الأوسط»، إن «البيانات التي جمعتها الشركة تظهر أن عدد القتلى في حرب 2024 تجاوز أربعة آلاف، فيما بلغ عدد الجرحى نحو 17 ألفاً، بينما وصلت الحصيلة المنشورة لحرب 2026 حتى 18 سبتمبر إلى نحو 4386 قتيلاً و12407 جرحى منذ الثاني من مارس (آذار)، ما يعني أن خسائر 2026 البشرية بلغت مستوى مماثلاً لحصيلة القتلى في 2024 خلال فترة أقصر، فيما اقترب عدد الجرحى من حصيلة الحرب السابقة».

وفي ملف النزوح، أوضح الهبر أن «عدد النازحين بلغ في ذروة حرب 2024 نحو مليون شخص، فيما شهدت بداية تصعيد 2026 نزوح نحو مليون شخص داخلياً أيضاً، إلى جانب عبور نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من سبتمبر، كان نحو 329240 شخصاً لا يزالون نازحين داخل لبنان». ولفت إلى أن «تقارب ذروتي النزوح لا يعني تطابق التجربتين؛ لأن نزوح 2026 أصاب مجتمعاً كان جزء منه لا يزال يحاول تجاوز آثار النزوح السابق، وقد تكون الأسرة التي غادرت منزلها هذا العام هي نفسها التي عادت إليه قبل أشهر أو انتقلت إلى مسكن بديل بعدما فقدت منزلها في 2024».

وأضاف أن «انخفاض أعداد النازحين المسجلين لا يعني بالضرورة اكتمال العودة؛ لأن العودة تتطلب مسكناً صالحاً وطرقاً مفتوحة ومياهاً وكهرباء وفرصة لكسب الرزق، فيما يؤدي تكرار النزوح إلى زيادة أعباء الإيجار والنقل وصعوبة الحفاظ على العمل وتعليم الأطفال».

نازحون من الضربات الإسرائيلية في الجنوب يرفعون العلم اللبناني فوق خيامهم في بيروت (أ.ب)

وعن الأضرار المادية، قال الهبر إن «الأضرار المباشرة لحرب 2024 قُدّرت بنحو 6.8 مليار دولار على مستوى لبنان، منها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن. أما في 2026، فلا يتوافر حتى الآن تقييم وطني نهائي مماثل، لكن التقييمات الجزئية حتى أبريل (نيسان) تشير إلى أضرار مباشرة بالأبنية تتجاوز 1.745 مليار دولار، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في جنوب لبنان، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان».

وأشار إلى أن «التقييمات نفسها تتحدث عن تدمير 11095 مبنى بالكامل جنوب الليطاني و146 مبنى في بيروت وجبل لبنان، إضافة إلى تدمير 17891 وحدة سكنية في الجنوب و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، فضلاً عن نحو 3.1 مليون متر مكعب من الركام في الجنوب و649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان».

وشدد الهبر على أن «المقارنة بين أرقام 2024 و2026 تحتاج إلى حذر؛ لأن رقم 6.8 مليار دولار لعام 2024 يمثل أضراراً مادية مباشرة على المستوى الوطني، بينما يقتصر رقم 2026 على أضرار الأبنية التي شملتها تقييمات مناطقية ومرحلية حتى أبريل، وبالتالي لا يجوز جمع الرقمين أو اعتبار رقم 2026 كلفة نهائية للحرب».

اقتصادياً، قال الهبر إن «حرب 2024 تسببت بخسائر في النشاط الاقتصادي قُدرت بنحو 7.2 مليار دولار، إلى جانب 6.8 مليار دولار من الأضرار المادية، لتصل الأضرار والخسائر معاً إلى نحو 14 مليار دولار، فيما قُدرت احتياجات إعادة الإعمار والتعافي بنحو 11 مليار دولار». وأضاف أن «الناتج المحلي الحقيقي انكمش بنسبة 7.1 في المائة في 2024. وبعد مؤشرات تعافٍ خلال 2025، جاءت حرب 2026 لتغيّر المسار مجدداً، مع توقع انكماش بنسبة 6.4 في المائة، وتقدير بأن الحرب خفّضت النمو بنحو 10.4 نقطة مئوية، مقارنة بسيناريو عدم وقوعها، فيما يُتوقع تضخم يقارب 17.5 في المائة».

ولفت إلى أن «أضرار وخسائر الزراعة في حرب 2024 بلغت نحو 1.2 مليار دولار، فيما بلغت خسائر التجارة والصناعة والسياحة مجتمعة نحو 3.4 مليار دولار، بينما لا يتوافر حتى الآن تقدير وطني نهائي لهذه القطاعات في 2026».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

وفي القطاع الصحي، قال الهبر إن «البيانات المجمعة تشير إلى نحو 190 هجوماً على الرعاية الصحية خلال الأشهر الأولى من تصعيد 2026، وأكثر من 100 قتيل من العاملين الصحيين، إلى جانب تضرر 17 مستشفى جزئياً وإغلاق 42 مركز رعاية أولية في المرحلة الأولى».

وختم بالقول إن «احتياجات التعافي من حرب 2024 قُدرت بنحو 11 مليار دولار، بينما لم يصدر حتى الآن رقم وطني نهائي مماثل لحرب 2026، ولذلك لا يمكن وضع كلفة شاملة دقيقة للحربين معاً، وأي رقم نهائي يُطرح قبل اكتمال تقييم الأضرار والخسائر في مختلف المناطق والقطاعات سيبقى صورة ناقصة».

آليات إسرائيلية ثقيلة تجرف منزلاً في بلدة المنصوري جنوب لبنان، كما بدا من بلدة الحنية (رويترز)

100 ألف وحدة مدمرة ومتضررة

وبحسب المركز الوطني للمخاطر الطبيعية والإنذار المبكر (NCNE) والمجلس الوطني للبحوث العلمية (CNRS)، بلغ عدد الوحدات المدمرة والمتضررة بين 2 مارس و2 يوليو (تموز) 2026 نحو 100 ألف، والردميات بين 10 و14 مليون طن.

وسجل قضاء النبطية العدد الأكبر، مع 26874 وحدة مدمرة أو متضررة و2.7 إلى 3.5 مليون طن من الردميات، تليه بنت جبيل بـ22350 وحدة و2.5 إلى 3.5 مليون طن، ثم صور بـ19782 وحدة ونحو مليوني إلى 3 ملايين طن، ومرجعيون بـ10296 وحدة و1.3 إلى 1.8 مليون طن.

مبانٍ متضررة نتيجة عمليات القصف والهدم التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في بلدة المنصوري بجنوب لبنان (رويترز)

وامتدت الأضرار إلى قضاء بعبدا بـ8112 وحدة، وصيدا بـ4077، وجزين بـ2817، إضافة إلى البقاع الغربي وبعلبك وحاصبيا وبيروت وعاليه والشوف والهرمل وزحلة والمتن بأعداد أدنى. واستحوذت النبطية وبنت جبيل وصور ومرجعيون مجتمعة على نحو أربعة أخماس الوحدات المدمرة والمتضررة.