ميناء غزة المنتظر... أسئلة وشكوك

صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (رويترز)
صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (رويترز)
TT

ميناء غزة المنتظر... أسئلة وشكوك

صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (رويترز)
صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (رويترز)

يثير الرصيف البحري الذي تعتزم الولايات المتحدة إنشاءه في نقطة ما على ساحل قطاع غزة الدهشة والفضول بقدر ما يثير من شكوك لمعرفة موقعه المحتمل، وكذا ما يخص الإجابة عن كثير من الأسئلة التي تبدأ من طريقة تشغيله وإدارته حتى الجهات التي ستتولى التسلم والتوزيع داخل القطاع المنكوب.

فبعد أكثر من 5 أشهر من الحرب التي اندلعت في قطاع غزة، وقتل فيها نحو 31 ألف فلسطيني وجرح ما يزيد على 70 ألفاً آخرين، تبدو حليفة إسرائيل، الولايات المتحدة، مهتمة بشكل خاص بإيصال المساعدات الإنسانية إلى مليونين و200 ألف شخص يسكنون القطاع، بعد أن بدأت تخرج للنور لقطات لوفاة عدد من الأطفال جوعاً، وفقاً لما ذكرته وكالة «أنباء العالم العربي».

وفي خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس الأسبوع الماضي، أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن، أنه أصدر تعليماته للجيش بإنشاء «ميناء مؤقت» على ساحل غزة يمكنه استقبال شحنات من الغذاء والماء والدواء التي يحتاجها القطاع المحاصر بشدة.

ونقلت وسائل إعلام أميركية عن متحدث باسم «البنتاغون» القول إن تشييد ميناء عائم لتوصيل المساعدات إلى قطاع غزة قد يستغرق شهراً واحداً على الأقل أو اثنين حتى يدخل حيز التشغيل الكامل، وإن الميناء سيحتاج على الأرجح ألف جندي لإنشائه.

وحتى الآن، لم يصرّح أحد بالموقع المحتمل لإنشاء الميناء الذي حلمت به غزة لعقود، لكنها ستحصل الآن على رصيف منه، بينما يأمل أهلها ألا يكون ذلك بعد فوات الأوان.

يقول العميد السابق بالمخابرات الأردنية عمر الرداد لوكالة «أنباء العالم العربي»، إن هذا المشروع لإنشاء خط بحري من قبرص إلى قطاع غزة كان واحداً من خيارات طرحت قبل بضع سنوات دون أن يوضع موضع التنفيذ.

ويرى الرداد أن الولايات المتحدة التي أعلن مسؤولوها أن الأمر قد يستغرق نحو شهرين لإيصال أول شحنة مساعدات لمن تحاصرهم إسرائيل في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أن القوات الأميركية لن يكون لها وجود على الأرض. وقال لوكالة «أنباء العالم العربي» في رسالة نصية: «لن يكون هناك وجود للقوات الأميركية على الأرض، لكنها ستكون قريبة منه في البحر لتأمين الحماية له».

لكنه طرح أيضاً أسئلة مشروعة عمن سيتكفل بتسلم الشحنات في الميناء المنتظر، ثم توزيعها على مئات الآلاف من الجوعى الذين يطرق شهر رمضان بابهم خلال أيام، دون أي بادرة لهدنة تحترم صيامهم.

ويقول الرداد: «باختصار يبحثون إن كانت (حماس) ستلعب أي دور في تسلم الشحنات وتوزيعها... وهذا بالنسبة لي أمر مستبعد بالنظر لكون تدمير (حماس) يمثل الهدف الرئيسي لإسرائيل حتى الآن».

كثير من الأسئلة

استبق آدم أباظة نائب رئيس حزب المحافظين البريطاني في دائرة هامر سميث غرب لندن، إعلان بلاده الانضمام إلى الولايات المتحدة في فتح ممر بحري للمساعدات الطارئة قبالة سواحل غزة، بالتأكيد على أنه لا يجب الاعتماد على الميناء البحري بمفرده لإدخال المساعدات إلى قطاع غزة.

وأضاف لوكالة «أنباء العالم العربي»: «الأسابيع المقبلة ستظهر ما إذا كان هذا سيحدث فرقاً فعلياً في مستويات المساعدات التي يتم تقديمها في الوضع الإنساني في غزة أم لا».

لكن قبل أن تصل الشحنات إلى غزة، وقبل البحث عن حلول لتسلمها وتوزيعها، أبدى مخطط بحري عسكري أردني دهشته من اضطرار العالم للانتظار شهرين كاملين ينتهي الأميركيون من إنجاز الميناء المنتظر، وقال إن الولايات المتحدة أكثر من قادرة على تنفيذ عمليات إنزال في غزة من دون أي ميناء.

وأبلغ المخطط البحري الذي تحدث لوكالة «أنباء العالم العربي»، شريطة عدم الكشف عن هويته: «أتوقع أن الجهة المكلفة بهذا الموضوع (إنشاء الرصيف البحري) هي القاعدة الأميركية في ساردينيا بإيطاليا. أميركا قادرة على عمل إنزالات من دون أي ميناء... يعني تصل السفينة وترسو على الشاطئ مباشرة ثم تفتح بطنها لتنزل منها شاحنات تفرغها وتنطلق مغادرة».

وأضاف: «عندهم مركبات اسمها (إل سي يو)... هذه المركبات ترسو ثم تمشي على البر... كل واحدة تستوعب حمولة شاحنتين أو ثلاث... بمقدورها التنقل ذهاباً وعودة وحمل أي كميات يريدونها».

ويصف مسؤول بحري عراقي كبير إنشاء ميناء بحري محدود بالشكل الذي يطرحه الأميركيون، بأنها «عملية إن لم تكن مستحيلة فهي صعبة جداً، لأنها تحتاج إلى أشياء كثيرة».

وقال أسعد الراشد، مدير مشروع ميناء الفاو الكبير بالبصرة، لوكالة «أنباء العالم العربي» في رسالة نصية، إن هذه عملية تحتاج للتعامل مع البحر والبر، إضافة لضرورة توفير أعماق لرسو الباخرة.

وأضاف: «هذه الوظيفة تتطلب أن يكون هناك عمق بحري كافٍ لترسو السفينة... وتتطلب وجود واجهة بحرية متينة تتحمل رسو الباخرة وتتحمل في الوقت نفسه الأحمال التي ستفرغ على الرصيف، ولا تدفع الساحل أو التربة باتجاه البحر. هذه العملية تحتاج إلى حماية... يعني عادة تعتمد على نوع التربة بالمنطقة بإضافة طبقات معينة في التربة لمنع تسرب الرمل إلى البحر، وفي الوقت نفسه تحمي الساحل وتوفر مرسى للباخرة».

وتابع: «كل هذه الأشياء من الصعب أن تنجز خلال 60 يوماً، وبالتالي حتى هذا قد يؤثر على جودة العمل... إذا كنا نتحدث عن رصيف وقتي لإنجاز مهام إنسانية أو ما شابه، فإن هذا العمل صعب جداً يتحقق خلال 60 يوماً».

ويعتقد المخطط البحري العسكري أن الجيش الأميركي سيوكل مهمة إنشاء هذا الهيكل البحري، ميناء كان أو رصيفاً، إلى وحدات له تتمركز في جزيرة ساردينيا الإيطالية.

وأضاف عبر الهاتف من عمّان: «الجيش الأميركي يملك وحدة هندسة كاملة اسمها وحدة نحل البحار... هذه الوحدة مهمتها إنشاء مثل هذه الأرصفة... رغم أننا لم نسمع عن هذا الأمر منذ الحرب العالمية الثانية».

أين ترسو؟

اختار مصدر سياسي في قطاع غزة نهاية شارع صلاح الدين (نتساريم) بوسط قطاع غزة، ليكون الموقع الذي يعتقد أن الأميركيين سيشيدون فيه رصيفهم الموعود. ويقول الرجل الذي طلب عدم ذكر اسمه، إن هذه المنطقة توفر أكثر من عامل للإسرائيليين «الذين ولا شك سيتحكمون في العملية من أولها لآخرها».

وأضاف: «تقع هذه النقطة بين دوّارين رئيسيين، لتوفر ما يشبه منطقة محكومة تسهل السيطرة عليها».

ويرسم لنا مصدرنا صورة مقربة للمنطقة التي يقول إنها لا تبعد كثيراً عن دوار النابلسي الذي قتل فيه أكثر من 100 فلسطيني تجمعوا للحصول على ما تيسر من شاحنة مساعدات، قبل أن يتعرضوا لإطلاق نار يتهمون إسرائيل بتنفيذه، بينما ينفي الإسرائيليون التهمة.

يقوم الجيش الإسرائيلي بهدم المباني المحيطة بممر نتساريم من أجل إنشاء منطقة عازلة (أ.ف.ب)

ويقول أيضاً: «هذه البقعة ترتفع بنحو 20 متراً عن سطح البحر وتقع بين الدوارين اللذين يسيطر عليهما الجيش الإسرائيلي تماماً. توفر لهم هذه التضاريس الآمنة، وتسهل لهم أيضاً عملية التوزيع بما أنها تقع في منتصف القطاع تماماً».

وإن عزفوا عن هذا الخيار، يقول المصدر الغزي، فإن شاطئ الزهراء سيكون الخيار الآخر الذي يمكنهم اللجوء إليه، وإن كان لا يبعد سوى كيلومتر واحد عن نهاية شارع صلاح الدين.

* قبل الرسو

يقول المخطط البحري الأردني إن الجهات المانحة اعتمدت قبرص لتكون مركزاً لوجيستياً لتجميع المساعدات وفرزها.

وأضاف: «الأهم من ذلك تفتيش الشحنات والتأكد من نوعية الحمولات وكمياتها، وهذا الواجب سيكون حصرياً بيد الجانب الإسرائيلي الذي سيقوم بالتأكد من كل ذرة طحين تدخل القطاع».

حتى الآن، تدخل قطاع غزة بضع عشرات من شاحنات مساعدات عبر معبر رفح الحدودي مع مصر. ولا تمر هذه الشاحنات إلى داخل قطاع غزة إلا بعد تفتيشها غير بعيد في معبر كرم أبي سالم على الحدود المصرية - الإسرائيلية مع قطاع غزة.

ودفعت قلة عدد الشاحنات وتحذيرات من مجاعة حقيقية توشك أن تحل بالقطاع، دولاً عربية وأخرى غير عربية إلى إسقاط المساعدات من الجو، خصوصاً إلى شمال قطاع غزة الذي تمنع عنه إسرائيل المساعدات، في خطوة يقول الفلسطينيون في غزة إنها لا توفر ما يكفي لإنقاذهم.

ومع المضي قدماً في مشروع إنشاء الرصيف البحري، فإن المخطط البحري العسكري يقول إن المهمة التي أعلنت بريطانيا المساهمة فيها، ستنقل المساعدات والمواد الإغاثية الأساسية من ميناء لارنكا القبرصي.

وأضاف أن البريطانيين سيتولون تأمين الشحنات وحراستها في الطريق البحرية، لحين وصولها وحراستها خلال الطريق، حتى وصولها إلى مواقع التجمع والتفريغ. وتوقع أن يصل حجم الشحنات إلى ما يعادل 200 شاحنة يومياً.

وتابع: «عملياً، إمكانية تنفيذ الميناء المؤقت موجودة والقدرات متوفرة لدى القوات الأميركية، في غضون 60 يوماً بجهد أكثر من 1000 عنصر أميركي، إلا أن هناك عقبة تواجه هذا الجهد؛ وهي الالتزام الأميركي بعدم إرسال عناصر وقوات عسكرية إلى غزة، لوجود مخاوف واعتبارات كثيرة؛ منها جر الولايات المتحدة إلى صراع ترغب ألا تكون طرفاً فيه».

ولا يقدم المخطط العسكري لنا إجابة عن الطرف الذي يعتقد أنه سيتولى مهمة تسلم المساعدات في غزة وتوزيعها على الجياع فيها.

لكن العميد الرداد يقول إن جهات فلسطينية، سياسية وغير سياسية، قد تلعب دوراً في هذه المرحلة.

وأضاف: «مؤكد أنه لن يكون لـ(حماس) أي دور... بدأت تسريبات حول تنسيق مع عائلات في القطاع وترتيبات يشرف عليها بعض السياسيين الفلسطينيين».

لكن المصدر السياسي الفلسطيني يثير شكوكاً حول النوايا الإسرائيلية والأميركية من وراء الإعلان عن مثل هذا المشروع في مثل هذا التوقيت، وبعد مقتل وإصابة نحو 100 ألف شخص منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وأضاف: «لعلهم يرغبون في إعادة إغلاق معبر رفح لتكون تلك المساعدات التي تدخل عن طريق الرصيف البحري المؤقت هي كل ما يمكن لأهل غزة الحصول عليه. أعتقد أنها مجرد تمهيد للمرحلة الثالثة والكبرى من العملية العسكرية الإسرائيلية... دخول رفح».


مقالات ذات صلة

«اتفاق غزة»: الوسطاء يسعون لتفعيل «لجنة التكنوقراط»

تحليل إخباري أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»: الوسطاء يسعون لتفعيل «لجنة التكنوقراط»

تتجه الأنظار نحو «لجنة إدارة قطاع غزة» بعد 3 أشهر من تأسيسها دون بدء عملها الفعلي من القطاع، وذلك بعد حديث الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» بقطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة )
شؤون إقليمية صورة تذكارية للوزراء والمسؤولين المشاركين في الاجتماع حول غزة على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في جنوب تركيا السبت (الخارجية التركية)

اجتماع تركي - عربي يطالب بوقف انتهاكات إسرائيل في غزة والأراضي الفلسطينية

أكد وزراء ومسؤولون من تركيا، والسعودية، ومصر، والأردن، وقطر، والإمارات ضرورة وقف انتهاكات إسرائيل في غزة، والانتقال للمرحلة الثانية من خطة السلام

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
خاص مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

خاص ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

تواجه حركة «حماس» أكبر حالة ضغط من الوسطاء وأطراف أخرى للموافقة على وثيقة «مجلس السلام» حتى ولو بشكل مبدئي، قبل التفاوض عليها بشأن خطة نزع سلاح الفصائل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شؤون إقليمية وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره التركي (الخارجية المصرية)

وزير الخارجية المصري يزور تركيا لتنسيق المشاورات بشأن إيران وغزة

بدأ وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، زيارة لتركيا تتخللها لقاءات ذات بعد إقليمي مرتبطة بتطورات الأوضاع في قطاع غزة، والمفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران.

محمد محمود (القاهرة)

نفوق مئات الأطنان من الأسماك في العراق بسبب تلوث المياه

يجمع مربي أسماك عراقي أسماكاً نافقة من حوض في مزرعته ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)
يجمع مربي أسماك عراقي أسماكاً نافقة من حوض في مزرعته ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)
TT

نفوق مئات الأطنان من الأسماك في العراق بسبب تلوث المياه

يجمع مربي أسماك عراقي أسماكاً نافقة من حوض في مزرعته ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)
يجمع مربي أسماك عراقي أسماكاً نافقة من حوض في مزرعته ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)

أمام منزله في جنوب شرقي العراق، دفن حيدر كاظم نحو 300 طنّ من الأسماك التي ربّاها أشهراً طويلة، بعدما نفقت خلال ساعتين فقط؛ بسبب مياه ملوثة اختلطت بنهر دجلة.

على ضفاف النهر في قضاء الزبيدية بمحافظة واسط حيث يربي الأسماك منذ 5 أعوام، يقول كاظم (43 عاماً) لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أمام أحواض فارغة: «مات خلال ساعتين مشروعي بكامله. 300 طنّ من الأسماك التي أربّيها منذ عام ونصف (...). أعادني ذلك إلى الصفر».

يضيف كاظم، وهو أب لـ8 أبناء: «شعرتُ أن الحياة انتهت بالنسبة إليّ... لم يبلغنا أحد بأن مياهاً ملوثة كانت في طريقها إلينا حتى نحمي أسماكنا».

وبعدما ملأت أمطار غزيرة سدّ حمرين في محافظة ديالى، أطلقت السلطات مطلع أبريل (نيسان) الحالي مياه السدّ باتجاه نهر ديالى. ولدى التقائه مع نهر دجلة في جنوب شرقي بغداد حيث تقع تصريفات لمياه الصرف الصحي غير المعالجة، جرف التيّار ترسّبات كثيرة نحو جنوب شرقي العراق، وفق ما قالت السلطات.

وتُظهر صور ملتقطة بواسطة الأقمار الاصطناعية، في إطار مهمة «سنتينيل2»، بين 28 مارس (آذار) الماضي و12 أبريل الحالي، وحلّلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»، خطاً أسود يتمدد جنوباً عند التقاء نهرَي ديالى ودجلة.

تُظهر صورة من بيانات «كوبرنيكوس سينتينل» لعام 2026 التقطها قمر اصطناعي ملتقى نهري ديالى (يمين) ودجلة (يسار) في جنوب شرقي بغداد (أ.ف.ب)

ويشرح الباحث البيئي في المصادر المفتوحة، ويم زفيننبرغ، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن البقع القاتمة تعكس «تشكُّل تيار أقوى في المياه»؛ مما يعني أن تخفيف التلوث كان أقل من المعتاد؛ مما ينعكس بالتالي تأثيراً سلبياً أكبر «على مصائد الأسماك في مصبّ النهر، وربما كذلك على محطات معالجة المياه».

وأدّى تلوث المياه إلى نفوق أكثر من ألف طنّ من الأسماك في واسط، وفق ما يقول مدير مديرية الزراعة بالمحافظة أركان الشمّري.

تتصاعد أنفاس كاظم تعباً مع تنظيفه أحواض الأسماك التي يقول إنها نفقت في 5 أبريل الحالي، وهو يفكّر في ما ألمّ به بين ليلة وضحاها. ويقول إن خسائره تجاوزت 1.1 مليون دولار، مطالباً السلطات بتعويض يمكّنه من تسديد ثمن الأعلاف ومستحقات أقاربه الذين يشاركونه المشروع.

ويقول: «لم يأتِ أي مسؤول ليقف إلى جانبنا»، سائلاً: «كيف سنسدد الديون؟ من أين سنأتي بالأموال؟ ليست لدينا مهنة أخرى ولا إمكانية لإحياء المشروع».

«راح تعب العمر»

ويعاني العراق، الذي بدأ مؤخراً يتعافى من عقود من النزاعات، تهالك بنيته التحتية وانتشار الفساد في مؤسساته الحكومية وسياسات عامّة غير فعّالة، خصوصاً لجهة الحفاظ على البيئة في بلد يُعدّ من الأكبر عرضة لتأثيرات التغيّر المناخي.

يحمل مربي أسماك عراقي أسماكاً نافقة من حوض في مزرعته ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)

وأدّت قلة الأمطار في السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات الحرارة وقلّة الإطلاقات المائية من تركيا وإيران، إلى تراجع قياسي في منسوب دجلة والفرات اللذين يشكّلان المصدر الأساسي للمياه في العراق.

وقال وزير البيئة، هه لو العسكري، لـ«وكالة الأنباء العراقية»، الثلاثاء، إن السلطات «استطاعت احتواء ظاهرة» تلوث مياه دجلة، وتعمل على «عدم تكرار تلوث مياه الأنهار في المستقبل».

من جهته، قال المتحدث باسم «أمانة بغداد»، عدي الجنديل، إن السلطات تعمل على أن تدشن قريباً 7 وحدات جديدة لمعالجة مياه الصرف الصحي في جنوب شرقي العاصمة؛ بهدف «تصفية ومعالجة المياه لتصبح صالحة للسقي والأغراض الزراعية قبل طرحها في النهر».

أسماك نافقة تطفو على سطح الماء في مزرعة ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)

وأدى التلوث كذلك إلى تقنين استخدام المياه لأيام في مدن بجنوب شرقي العراق، حيث يستخدم السكان مياه النهر للشرب والاستهلاك المنزلي.

وأوصت السلطات في محافظة واسط، الخميس، بعدم شرب مياه دجلة، مشيرة إلى أن تلوّثها تسبب في أكثر من 20 حالة تسمم وإصابات جلدية أُدخلت المستشفى.

أمام فناء منزله المطلّ على النهر في قضاء النعمانية، يتأمل مازن منصور (51 عاماً) بحسرة أحواضه حيث نفق نحو 38 ألف سمكة كان يستعدّ لبيعها قريباً. ويقول: «عندما شاهدنا الأسماك متعبة، حاولنا إنعاشها بالأكسجين، بينما كانت المياه سوداء». ويضيف: «راح تعب العمر كلّه في يوم وليلة»، داعياً السلطات الى «محاسبة المقصّرين». ويتابع: «ما لم نحصل على تعويضات، فقد لا نتمكن من معاودة العمل أبداً».

Your Premium trial has ended


الجيش الإسرائيلي: مقتل قائد «حزب الله» في بنت جبيل بغارات سبقت وقف النار

صورة عامة للمنطقة المتضررة بشدة في جنوب لبنان عقب الغارات الإسرائيلية (د.ب.أ)
صورة عامة للمنطقة المتضررة بشدة في جنوب لبنان عقب الغارات الإسرائيلية (د.ب.أ)
TT

الجيش الإسرائيلي: مقتل قائد «حزب الله» في بنت جبيل بغارات سبقت وقف النار

صورة عامة للمنطقة المتضررة بشدة في جنوب لبنان عقب الغارات الإسرائيلية (د.ب.أ)
صورة عامة للمنطقة المتضررة بشدة في جنوب لبنان عقب الغارات الإسرائيلية (د.ب.أ)

أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، الأحد، عن تنفيذ سلسلة غارات مكثفة خلال الساعات الأربع والعشرين التي سبقت دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، مؤكداً استهداف مئات العناصر والبنى التحتية التابعة لـJحزب اللهK داخل الأراضي اللبنانية.

وذكر أدرعي في بيان على «إكس» أن الغارات أسفرت عن مقتل أكثر من 150 عنصراً، ما يرفع إجمالي عدد القتلى في صفوف الحزب إلى أكثر من 1800 عنصر وقائد منذ بدء العملية العسكرية.

وأضاف البيان أنه «تم استهداف نحو 300 بنية تحتية عسكرية، بما في ذلك منصات إطلاق، ومقرات قيادة ومستودعات أسلحة في عدة مناطق داخل لبنان».

وبحسب البيان، فإن من بين الذين تم القضاء عليهم، علي رضا عباس، قائد قطاع بنت جبيل في «حزب الله»، إلى جانب قادة آخرين في الحزب.

وأشار المتحدث إلى أن «منطقة بنت جبيل تُعد إحدى أهم مناطق الجبهة في (حزب الله) حيث قاد عباس هذا القطاع خلال القتال ضد قوات الجيش الإسرائيلي. كما عمل على دفع وتنفيذ العديد من المخططات ضد قوات الجيش ودولة إسرائيل على مدار السنوات».

وذكر أن عباس يُعد رابع قائد لهذا القطاع يُقتل منذ بداية العمليات.

فتح طريق وجسر في الجنوب

وأعلن الجيش اللبناني، الأحد، أنه أعاد فتح طريق وجسر في الجنوب أُغلقا جراء غارات إسرائيلية، في وقت لا تزال هدنة الأيام العشرة بين «حزب الله» وإسرائيل قائمة.

وأوضح الجيش في بيان أنه «فتح طريق الخردلي-النبطية بالكامل وجسر برج رحال-صور بشكل جزئي»، بينما «يجري العمل على إعادة تأهيل جسر طيرفلسيه-صور بالتعاون مع المصلحة الوطنية لنهر الليطاني (..) بعد الأضرار التي تسبب فيها العدوان الإسرائيلي»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأفاد الجيش اللبناني قبل ساعات من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ منتصف ليل الخميس أن الغارات الإسرائيلية على الجسور فوق نهر الليطاني، على بُعد نحو 30 كيلومتراً شمال إسرائيل، تسبّبت في عزل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني عن بقية أنحاء البلاد، بعدما سبق للدولة العبرية أن دمّرت جسوراً أخرى.

ويعمل الجيش اللبناني والجهات المحلية منذ الساعات الأولى من الهدنة على إعادة فتح الطرق التي أُغلقت جراء الغارات الإسرائيلية.

وأتاح إعادة فتح جسر القاسمية الحيوي صباح الجمعة لعدد من النازحين العودة إلى بلداتهم والاطمئنان على منازلهم في جنوب البلاد. إلا أن كثيرين ما زالوا مترددين في العودة نظراً لعدم ثقتهم بوقف إطلاق النار.

وشاهد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية»، السبت، في صيدا بجنوب لبنان، ازدحاماً مرورياً كثيفاً باتجاه بيروت مع عودة النازحين إلى الملاجئ والمنازل التي يقيمون فيها في العاصمة بعدما قاموا بزيارات قصيرة إلى مناطق الجنوب.

سيارات تعبر مدينة صيدا باتجاه جنوب لبنان في اليوم الأول لدخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (أ.ف.ب)

وفي وقت سابق السبت، حذر المسؤول في «حزب الله»، محمود قماطي، من أن «الغدر الإسرائيلي متوقع في كل وقت وهذه هدنة مؤقتة».

وقال: «لا تتخلوا عن الأماكن التي لجأتم إليها حتى نطمئن تماماً للعودة».

وأفادت وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية، السبت، بأن الجيش الإسرائيلي نفذ مجدداً عمليات هدم في مدينة بنت جبيل بجنوب لبنان.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، في وقت سابق السبت، أنه أقام «خطاً أصفر» فاصلاً في جنوب لبنان على غرار الخط الذي يفصل قواته عن المناطق التي تسيطر عليها حركة «حماس» في غزة، مشيراً إلى قتل عناصر من «حزب الله» على مقربة منه.

ازدحام على أحد الطرقات في صيدا مع عودة النازحين إلى منازلهم (رويترز)

وشدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعيد إعلان وقف إطلاق النار على أن الدولة العبرية ستبقي قواتها في منطقة بعمق 10 كيلومترات.

وأسفرت الحرب خلال أكثر من ستة أسابيع عن مقتل نحو 2300 شخص ونزوح أكثر من مليون، حسب السلطات، خصوصاً من ضاحية بيروت ومن جنوب البلاد، المنطقتين اللتين تعدان من معاقل «حزب الله».


«حزب الله» يندد بـ «التنازلات» ويستعد للعودة إلى القتال

شخصان يجلسان أمس وسط خراب في صور تسببت به ضربة إسرائيلية قبيل سريان هدنة الـ 10  أيام  (رويترز)
شخصان يجلسان أمس وسط خراب في صور تسببت به ضربة إسرائيلية قبيل سريان هدنة الـ 10 أيام (رويترز)
TT

«حزب الله» يندد بـ «التنازلات» ويستعد للعودة إلى القتال

شخصان يجلسان أمس وسط خراب في صور تسببت به ضربة إسرائيلية قبيل سريان هدنة الـ 10  أيام  (رويترز)
شخصان يجلسان أمس وسط خراب في صور تسببت به ضربة إسرائيلية قبيل سريان هدنة الـ 10 أيام (رويترز)

يستعد «حزب الله» للعودة إلى القتال بالتوازي مع الحملة السياسية العنيفة التي شنّها نوابه وقياديوه ضد رئيس الجمهورية جوزيف عون، على خلفية تمسّكه بخيار التفاوض وعدم توجيهه الشكر لإيران و«المقاومة»، وصولاً إلى القول على لسان أحد نواب الحزب إن من يريد أن يكون مثل (قائد ميليشيا جيش لبنان الجنوبي التي أنشأتها إسرائيل) أنطوان لحد، سنقاتله كما قاتلنا الإسرائيلي».

ودعا الحزب صراحة النازحين إلى عدم الاستقرار في بلداتهم وقراهم في الجنوب أو الضاحية الجنوبية، والبقاء في أماكن نزوحهم مع الاكتفاء بتفقد الممتلكات، وهو ما تحدث عنه نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي، متوجهاً إلى جمهور الحزب بالقول: «لا تستقروا في قراكم في الجنوب، ولا حتى في الضاحية، اطمئنوا على أملاككم، ولا تستقروا، ولا تتركوا أماكن نزوحكم».

وانطلاقاً من هذه الأجواء، شهد طريق الجنوب - بيروت، السبت، زحمة خانقة لمواطنين عادوا وغادروا مجدداً بلداتهم الجنوبية التي وصلوا إليها، الجمعة.

وكرر أمين عام الحزب، نعيم قاسم، تهديداته بالرد على «خروقات العدو». وقال في بيان: «لأننا لا نثق بهذا العدو، فسيبقى المقاومون في الميدان وأيديهم على الزناد (...) ولن نقبل بمسار الخمسة عشر شهراً من الصبر على العدوان الإسرائيلي بانتظار الدبلوماسية التي لم تحقق شيئاً». ودعا قاسم إلى عدم «تحميل لبنان هذه الإهانات في التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي للاستماع إلى إملاءاته».

في موازاة ذلك، بات لبنان جاهزاً لإطلاق عملية التفاوض مع إسرائيل بانتظار تحديد الموعد. وعقد، السبت، لقاء بين الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام، تناول موضوع المفاوضات المحتملة. وقالت مصادر وزارية: «إن الورقة اللبنانية باتت جاهزة، وخطوطها العريضة واضحة، وتتمحور حول تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي احتلتها، وعودة الأسرى».