«سيرك» في حكومة الحرب الإسرائيلية

نتنياهو يفض اجتماعاً لمناقشة «اليوم التالي» إثر تهجم وزراء على رئيس أركان الجيش

بن غفير (على اليمين) خلال ترؤس بنيامين نتنياهو اجتماعاً للحكومة في تل أبيب الشهر الماضي (أ.ف.ب)
بن غفير (على اليمين) خلال ترؤس بنيامين نتنياهو اجتماعاً للحكومة في تل أبيب الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

«سيرك» في حكومة الحرب الإسرائيلية

بن غفير (على اليمين) خلال ترؤس بنيامين نتنياهو اجتماعاً للحكومة في تل أبيب الشهر الماضي (أ.ف.ب)
بن غفير (على اليمين) خلال ترؤس بنيامين نتنياهو اجتماعاً للحكومة في تل أبيب الشهر الماضي (أ.ف.ب)

اضطر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى فض اجتماع المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت)، بعد ثلاث ساعات من الانعقاد، فجر الجمعة، وذلك في أعقاب تهجم عدد من وزرائه على رئيس أركان الجيش، هرتسي هليفي. وقد أحدثت هذه الواقعة ردود فعل غاضبة في الشارع الإسرائيلي والحلبة السياسية، وقال أحد الوزراء إن «وضعنا مخجل»، فيما وصف آخرون ما جرى بأنه عبارة عن «سيرك» في حكومة الحرب الإسرائيلية.

وكان يفترض في اجتماع الكابينت أن يبحث، مرغماً، في مستقبل قطاع غزة، تحت عنوان «اليوم التالي»، أي ماذا سيكون عليه الوضع في القطاع بعد انتهاء الحرب. وقد رأى اليمين الإسرائيلي الحاكم أن هذا الموضوع سابق لأوانه، باعتبار أن الحرب لم تنته بعد. لكن الإدارة الأميركية مارست ضغوطاً على نتنياهو كي يجري هذا البحث، حتى يكون واضحاً ما هو الهدف الإسرائيلي الاستراتيجي من هذه الحرب. واستجاب الجيش الإسرائيلي للفكرة، مؤكداً أن على القيادة أن تحدد له أهدافها.

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو خلال اجتماع للحكومة في قاعدة عسكرية بتل أبيب يوم 31 ديسمبر الماضي (أ.ب)

واليمين الإسرائيلي الذي يشغله كثيراً ما هو «اليوم التالي» في إسرائيل وليس فقط في غزة، ويشعر بأن هناك مخططاً لإسقاط حكومته وتحميلها مسؤولية الإخفاقات التي قادت إلى هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ويتهم الإدارة الأميركية والجيش الإسرائيلي وسائر مركّبات «الدولة العميقة» بـ«الشراكة في هذه المؤامرة»، لم يعد يخفي حربه على قيادة الجيش. وهو يصر على أن الجيش والمخابرات هما اللذان يتحملان مسؤولية الإخفاق، ومعهما الحكومات الإسرائيلية السابقة، منذ اتفاقات أوسلو سنة 1993 عندما كان إسحق رابين رئيس الحكومة، ومنذ الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة في خطة الفصل التي قادها رئيس الوزراء، آرييل شارون، في سنة 2005.

وقد رأى اليمين المتطرف في الحكومة فرصة في هذا الاجتماع للتهجم على رئيس الأركان، هرتسي هليفي. واختار وزراؤه حجة تذرعوا بها لشن هجومهم، وهي الأنباء التي نُشرت ومفادها أن الجيش قرر تشكيل فريق خارجي من الجنرالات المتقاعدين للتحقيق في سلسلة الإخفاقات الاستخباراتية والعسكرية، التي تزامنت مع هجوم «حماس»، بما في ذلك سير العمليات العسكرية في إطار الحرب على غزة.

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي هرتسي هليفي خلال تفقد قواته على الجبهة الشمالية مع لبنان في 3 يناير الحالي (الجيش الإسرائيلي - رويترز)

وقالت تقارير إعلامية (مساء الخميس) إن من سيرأس فريق التحقيق هو وزير الأمن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق، شاؤول موفاز، وسيكون معه كل من الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، اللواء في الاحتياط أهارون زئيفي - فركش، والقائد السابق للقيادة الجنوبية التابعة للجيش الإسرائيلي، اللواء في الاحتياط، سامي ترجمان، ورئيس قسم العمليات الأسبق في رئاسة أركان الجيش، اللواء يوآف هار ايبن. يُذكر أن هليفي عيّن الوا موتي باروخ، من هيئة رئاسة الأركان، للبدء بفحص أولي سريع للإخفاقات. ولكن، مع قيام جنوب أفريقيا برفع شكوى ضد إسرائيل إلى محكمة لاهاي، بتهم ارتكاب جرائم إبادة في غزة، قرر الإسراع في تعيين «لجنة تحقيق خارجية». فمثل هذا التعيين سيساهم في إقناع المحكمة بأن إسرائيل دولة قانون وتجري تحقيقات نزيهة بنفسها. لكن مسؤولين في الجيش نفوا ذلك وقالوا إنه «لا توجد أي صلة بين الإجراءات التي ستبدأ في لاهاي (محكمة العدل الدولية) وفريق التحقيق الخارجي».

وقال موقع «واي نت» إن بدء التحقيق الخارجي مع الجيش قد يؤدي إلى مطالبة وزراء بالشروع أيضاً في تشكيل لجنة تحقيق حكومية، «الأمر الذي سيقود إلى تعجيل عملية مساءلة المسؤولين وقد يدفع بعض كبار المسؤولين إلى الاستقالة». ورجّح الموقع أن تنبثق فرق تحقيق فرعية عن فريق التحقيق الذي سيقوده موفاز «للتحقيق في قضايا محددة».

الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش (رويترز)

ولهذا، راح الوزراء بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير من حزب الصهيونية الدينية وميري ريغف ودافيد أمسالم من الليكود، يطرحون تساؤلات على رئيس أركان الجيش، هليفي، بلهجة حادة ونبرة غاضبة، عن سبب هذا التحقيق. وحاول هليفي أن يوضح أن التحقيق سيكون في أمور داخلية للجيش حتى يستفيد من الأخطاء ويصححها، لكن هذا لم يقنعهم، إذ إن غضبهم عليه يتجاوز هذه المسألة. وقد رد الوزير أمسالم قائلاً بغضب: «أريد أن أفهم. أنتم بدل أن تحاربوا تنشغلون في تحقيقات؟». ورد الوزير حيلي تروبير من «المعسكر الوطني» على أقوال أمسالم، بأنه «ليس واضحاً لماذا تصرخ! رئيس هيئة الأركان أوضح الموضوع». فقال سموتريتش: «لديّ غضب شديد على الجيش، وأنا صامت وأنتظر نهاية الحرب. لقد اعتدتم في الجيش على جلب السياسة إلى الحكومة لتقرها وتصادق عليها، ومن اليوم فصاعداً ستتلقون أنتم السياسة من الحكومة وتنفذونها».

وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير خلال اجتماع للحكومة (إ.ب.أ)

وردت الوزيرة يفعات شاشا - بيطون: «أنت غاضب على الجيش وليس على المستوى السياسي؟». واضطر هليفي إلى القول ست مرات إنه شرح موقفه وإنه يستغرب هذه الاعتراضات عليه. وأضاف: «نحن نسعى لتقصي حقائق مهني، ليس حول السياسة وإنما كيف عمل الجيش الإسرائيلي. وفي هذا لست مضطراً إلى الحصول على مصادقة. حدث هنا أمر يتعيّن على الجيش أن يستخلص دروساً منه. فإذا وقع غداً حادث في منطقة أخرى، نريد أن نفهم ما الذي فشل في سلسلة القيادة. وأنا لا أجري التحقيق مع استنتاجات قومية، وإنما هذا تحقيق للجيش». وتابع هليفي بأن «هذا تحقيق عملياتي سينعكس على القتال في الشمال»، في إشارة إلى الجبهة ضد «حزب الله» على الحدود اللبنانية.

واستمر السجال بين الوزراء وهليفي إلى حين تدخل وزير الدفاع، يوآف غالانت، قائلاً: «أنتم تجلسون هنا في ذروة حرب مقابل ضباط يديرون الحرب، وبهذا تنشغلون؟». فرد عليه بن غفير قائلاً: «أنتم تُحضرون الأشخاص الذين أيّدوا خطة الانفصال (عن غزة في عام 2005) من أجل التحقيق بالإخفاق». وقال سموتريتش: «لا يمكن أن يجري الجيش تحقيقاً بعد أن انهار تصوره المستمر 20 عاماً». وقالت ريغف: «لدينا غضب شديد ونحن نضبط أنفسنا». فتدخل غالانت قائلاً: «لا تهاجموا الجيش». وعندها نهض نتنياهو وقال: «ينبغي التوقف، سنستمر في مرة أخرى».

زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد (رويترز)

وبذلك، لم يتخذ المجلس الحكومي قرارات بشأن الموضوع الذي اجتمع من أجله وهو «اليوم التالي» لما سيحدث في قطاع غزة. وقد عدّ وزير العمل موشيه مارغي هذا البحث مخجلا. واتهم عدداً من الوزراء بالغرور والغطرسة. وقال وزير آخر إن المجلس بدا مخزياً لكل إسرائيلي. وقال معلقون سياسيون: «الآن نفهم لماذا يتغيّب رئيس الأركان عن جلسات الحكومة». وقال رئيس المعارضة، يائير لبيد: «هذا إثبات آخر على أن هذا الكابينت خطير. لدينا حكومة تخاطر بالأمن الاستراتيجي. تدير حرباً على الجيش؟ إن دولة إسرائيل ملزمة بتغيير الحكومة ورئيسها. وهؤلاء الأشخاص لا يستحقون تضحية مقاتلي الجيش الإسرائيلي وبطولتهم».


مقالات ذات صلة

نتنياهو: ضربنا سكك حديد وجسوراً في إيران

شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

نتنياهو: ضربنا سكك حديد وجسوراً في إيران

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم (الثلاثاء)، أن الدولة العبرية ضربت سكك حديد وجسوراً في إيران «يستخدمها الحرس الثوري».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية نيران وأعمدة دخان تتصاعد من مطار مهرآباد غرب طهران (شبكات التواصل)

إيران تحت النار مع قرب انقضاء مهلة ترمب

تسارعت وتيرة الضربات داخل إيران مع تركيز واضح على الجسور وشبكات السكك الحديدية، بالتوازي مع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران - تل أبيب)
شمال افريقيا أطفال يبحثون عن مواد قابلة للتدوير في ساحة نفايات بمخيم البريج للاجئين الفلسطينيين بغزة (أ.ف.ب) p-circle

خبراء: رفض «القسام» نزع السلاح «توزيع أدوار»

دخلت «كتائب القسام» الذراع العسكرية لحركة «حماس» للمرة الأولى منذ أشهر في جدل تسليم السلاح، بعد دخول ذلك الملف مراحل متقدمة في النقاشات مع الوسطاء.

محمد محمود (القاهرة )
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

نتنياهو يقيل المتحدث باسمه بعد سلسلة فضائح

أقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مساء الأحد المتحدث باسمه بعد جدل واسع أثارته تصريحات له في حين واجه خليفته انتقادات من الصحافة الإسرائيلية الاثنين.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي عناصر من الأمن العام اللبناني عند معبر «المصنع» الحدودي مع سوريا في سهل البقاع شرق لبنان يوم الأحد 5 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

واشنطن تلجم خطة إسرائيل جرّ سوريا إلى لبنان

كشفت مصادر سياسية في تل أبيب أن الولايات المتحدة أوقفت القصف الإسرائيلي لمعبر «المصنع» الحدودي بين سوريا ولبنان، ولجمت بذلك مخططاً يهدف إلى جرّ سوريا للحرب.

نظير مجلي (تل أبيب)

لبنان ساحة لأذرع إيران العسكرية

أشخاص يقفون أمام فندق متضرّر جرّاء غارة جوية إسرائيلية استهدفته في منطقة الحازمية شرق بيروت (أ.ب)
أشخاص يقفون أمام فندق متضرّر جرّاء غارة جوية إسرائيلية استهدفته في منطقة الحازمية شرق بيروت (أ.ب)
TT

لبنان ساحة لأذرع إيران العسكرية

أشخاص يقفون أمام فندق متضرّر جرّاء غارة جوية إسرائيلية استهدفته في منطقة الحازمية شرق بيروت (أ.ب)
أشخاص يقفون أمام فندق متضرّر جرّاء غارة جوية إسرائيلية استهدفته في منطقة الحازمية شرق بيروت (أ.ب)

حوّل «الحرس الثوري» الإيراني، لبنان، إلى ساحة جديدة لأذرعه، بعد خسارته الساحة السورية إثر سقوط نظام بشار الأسد.

وكشفت إعلانات إسرائيلية عن ملاحقة شخصيات تعمل ضمن «فرع لبنان» أو «فرع فلسطين» التابعين لـ«فيلق القدس»، وعن بنية تنظيمية تديرها إيران، تتوزّع بين أذرع لبنانية وفلسطينية، وتشبه ما كان الأمر عليه في سوريا في المرحلة السابقة.

في غضون ذلك، عزلت إسرائيل جزئياً بيروت عن دمشق، بعد إقفال معبر المصنع الحدودي على أثر إنذار باستهدافه، مما قوَّض حركة التجارة وتنقُّل الأفراد بين لبنان وسوريا.


الأمم المتحدة: جنود اليونيفيل في جنوب لبنان قُتلوا بنيران إسرائيلية وعبوة لـ«حزب الله»

جنود يحملون نعش جندي حفظ السلام الإندونيسي التابع للأمم المتحدة فريزال رومادون الذي قتل في لبنان (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعش جندي حفظ السلام الإندونيسي التابع للأمم المتحدة فريزال رومادون الذي قتل في لبنان (أ.ف.ب)
TT

الأمم المتحدة: جنود اليونيفيل في جنوب لبنان قُتلوا بنيران إسرائيلية وعبوة لـ«حزب الله»

جنود يحملون نعش جندي حفظ السلام الإندونيسي التابع للأمم المتحدة فريزال رومادون الذي قتل في لبنان (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعش جندي حفظ السلام الإندونيسي التابع للأمم المتحدة فريزال رومادون الذي قتل في لبنان (أ.ف.ب)

أفادت النتائج الأولية لتحقيق أممي بأن 3 عناصر إندونيسيين في قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل) قُتلوا بنيران إسرائيلية وعبوة زرعها «حزب الله»، وذلك في واقعتين منفصلتين سُجّلتا في أواخر مارس (آذار)، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وقال ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء، لدى عرضه هذه الاستنتاجات على الإعلام «لقد طلبنا من الأطراف المعنية إخضاع هذه القضايا لتحقيقات وملاحقات تجريها السلطات الوطنية، من أجل تقديم الجناة إلى العدالة وضمان مساءلتهم جنائياً على الجرائم المرتكبة ضد قوات حفظ السلام».

وأعربت قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان، الأحد، عن «قلق بالغ» إزاء الهجمات التي يشنها «حزب الله» وإسرائيل قرب مواقعها، والتي قالت إنها «قد تستدعي رداً نارياً»، داعية الطرفين إلى «وضع سلاحهما جانباً».

وقالت المتحدثة باسم القوة، كانديس أرديل، في بيان: «نشعر بقلق بالغ إزاء الهجمات التي يشنها كل من مقاتلي (حزب الله) والجنود الإسرائيليين قرب مواقعنا، والتي قد تستدعي رداً نارياً».

وذكّرت: «جميع الأطراف الفاعلة على الأرض بالتزامها بضمان سلامة وأمن موظفي الأمم المتحدة»، مضيفة: «نحثهم على وضع سلاحهم جانباً والعمل بجدية من أجل وقف إطلاق النار؛ إذ لا يوجد حل عسكري لهذا النزاع، وإطالة أمده لن يؤدي إلا إلى مزيد من الموت والدمار لكلا الجانبين».


«مهلة» ملادينوف لتسليم «سلاح غزة» تعقّد الملف

فلسطينيون يبكون خلال تشييع أحد أقاربهم من مستشفى «شهداء الأقصى» في دير البلح يوم الثلاثاء بعد مقتله في غارة إسرائيلية وسط غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
فلسطينيون يبكون خلال تشييع أحد أقاربهم من مستشفى «شهداء الأقصى» في دير البلح يوم الثلاثاء بعد مقتله في غارة إسرائيلية وسط غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
TT

«مهلة» ملادينوف لتسليم «سلاح غزة» تعقّد الملف

فلسطينيون يبكون خلال تشييع أحد أقاربهم من مستشفى «شهداء الأقصى» في دير البلح يوم الثلاثاء بعد مقتله في غارة إسرائيلية وسط غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
فلسطينيون يبكون خلال تشييع أحد أقاربهم من مستشفى «شهداء الأقصى» في دير البلح يوم الثلاثاء بعد مقتله في غارة إسرائيلية وسط غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

تزداد التطورات المحيطة بملف تسليم سلاح فصائل قطاع غزة، مع الحديث الإسرائيلي عن «مهلة» من جانب الممثل السامي للقطاع في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، لتقديم «حماس» رداً على إطاره المطروح حالياً للنقاش بين الوسطاء والحركة.

تلك المهلة التي تحدثت عنها وسائل إعلام إسرائيلية، تزيد العقبات التي تواجه اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنتظر الجولة الجديدة المرتقبة في القاهرة بين الوسطاء و«حماس» للبحث عن تفاهمات لحلحلة أزمة تسليم السلاح والبحث عن مخرج يدفع الاتفاق للأمام بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، وسط توقعات أن تنتظر «حماس» الردّ لحين اتضاح نتائج حرب إيران، وبناء سيناريوهات المستقبل.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ونقلت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» الثلاثاء، عن 3 مصادر، أن «مجلس السلام منح (حماس) مهلة حتى نهاية الأسبوع لقبول اقتراح نزع السلاح، فيما يصرّ المبعوث الدولي على المضي قدماً لتنفيذ اقتراحه، على الرغم من استمرار الحرب في إيران».

وبحسب الصحيفة، فإن ملادينوف أبلغ وفداً من كبار مسؤولي «حماس»، يوم الجمعة الماضي، أن «مجلس السلام» يريد إبرام اتفاقية نزع السلاح بحلول نهاية الأسبوع.

جدول زمني

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الاثنين، عن مصادر بأن «مجلس السلام» أصدر إنذاراً رسمياً وحاسماً لحركة «حماس» يحدد جدولاً زمنياً صارماً لنزع سلاحها بالكامل، لافتة إلى أن الخطة المقترحة تتضمن مساراً زمنياً، يبدأ بتسليم الأسلحة الثقيلة والصواريخ وخرائط المواقع العسكرية خلال 90 يوماً، تليها مرحلة ثانية تشمل جمع الأسلحة الخفيفة عبر برنامج تعويضات مالية ممولة دولياً.

وتلتزم الخطة، وفق المصادر، بتمكين إدارة فلسطينية تكنوقراطية جديدة لتولي شؤون القطاع، مع ربط الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من المراكز الحضرية بمدى الالتزام الفعلي والميداني بجدول نزع السلاح المتفق عليه تحت إشراف دولي مباشر.

وأشارت المصادر ذاتها، وفق الصحيفة الأميركية، إلى وجود ضغوط إقليمية مكثفة من قبل الوسطاء لدفع الحركة نحو القبول بهذه المبادرة، لتجنب جولة جديدة من العمليات العسكرية الشاملة، خاصة في ظل تلويح الإدارة الأميركية باستخدام خيارات عسكرية حازمة في حال رفض المسار السلمي.

فتاة تقف في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

والأحد، قال أبو عبيدة، المتحدث باسم «القسام»، في بيان متلفز: «طرح ملف السلاح بهذه الطريقة الفجّة ما هو إلا سعي مفضوح من قبل الاحتلال لمواصلة القتل والإبادة بحقّ شعبنا، وهو ما لن نقبله بأي حال من الأحوال».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الإسرائيلي «بمركز الأهرام للدراسات»، سعيد عكاشة، أن «المهلة متوقعة من ملادينوف لحصار مماطلة (حماس) في إبداء موقف نهائي وحاسم بشأن تسليم السلاح، بينما الحركة ليست في عجلة من أمرها، وتنتظر نتائج حرب إيران، لتنبي السيناريوهات في ضوء ذلك».

وأكّد عكاشة أن «إسرائيل لن تقبل بأقل من تفكيك سلاح الحركة، ولن تنفذ أي انسحابات إلا مع نهاية آخر مراحل تسليم السلاح، وهو ما ترفضه الحركة أيضاً، وبالتالي ستزداد العقبات أمام اتفاق غزة».

محادثات جديدة مرتقبة

وتأتي هذه التطورات، مع ترقب جميع الأطراف استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأيام المقبلة، بحسب ما ذكرته حركة «حماس» وفضائية «القاهرة الإخبارية»، يومي الجمعة والسبت، بعد مباحثات بمصر، بمشاركة الوسطاء وملادينوف.

وتناول لقاء وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الثلاثاء، مع الممثل الأوروبي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط كريستوف بيجو، «الترتيبات الجارية لتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من مباشرة مهامها من داخل القطاع خلال المرحلة المقبلة». وشدّد وزير الخارجية المصري على أهمية دعم المجتمع الدولي لهذه اللجنة، بما يمكنها من الاضطلاع بمسؤولياتها التنفيذية بكفاءة، وكذلك دعم سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية.

لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث السامي لغزة نيكولاي ملادينوف في القاهرة (الخارجية المصرية)

ويعتقد عكاشة أن الجولة المرتقبة بالقاهرة ستكون محاولة لإيجاد تفاهمات بشأن عقبات نزع السلاح المستمرة وإيجاد مخرج حتى يتحرك الاتفاق للأمام مجدداً، ولو بالتعجيل بنشر قوات الاستقرار الدولية.

وينبه المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أن هناك عقبات عديدة لتنفيذ مقترح تسليم السلاح مرتبطة بعدم وضوح لمن سيُسلم السلاح، ويقدر أن «المهلة لن تكون الأخيرة».

ويعتقد الرقب أن «رفض (كتائب القسام) للمقترح يتماشى مع المشهد المتدهور في المنطقة، سواء مع إيران أو (حزب الله) اللبناني، ويعني الامتناع علناً عن تنفيذ أي مسار، في ظل عدم الالتزام الإسرائيلي بالاتفاق».

ويعتقد الرقب أن «الحلّ قد يكون في تأجيل مسار ملف تسليم السلاح لحين تشكيل الشرطة ونشر القوات الدولية»، مشيراً إلى أن «اللقاءات المتوقعة في القاهرة ستعيد النقاشات للوصول لتفاهمات، خاصة أن باب المناقشات لم يغلق بشكل نهائي».