«يوم ساخن» في العراق بعد استهداف «النجباء»... تصعيد حكومي وسياسي لـ«طرد» الأميركيين

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: الطائرة المسيرة لاحقت السعيدي من الحدود السورية إلى مقره في بغداد

TT

«يوم ساخن» في العراق بعد استهداف «النجباء»... تصعيد حكومي وسياسي لـ«طرد» الأميركيين

رجل دين في طريقه إلى مقر الحشد الشعبي الذي شهد هجوماً بأربعة صواريخ أميركية اليوم الخميس (أ.ف.ب)
رجل دين في طريقه إلى مقر الحشد الشعبي الذي شهد هجوماً بأربعة صواريخ أميركية اليوم الخميس (أ.ف.ب)

صعد العراق من مواقفه الرسمية والسياسية ضد التحالف الدولي والقوات الأميركية بعد الهجوم الذي استهدف مقراً لـ«حركة النجباء» في بغداد، وأسفر عن مقتل قائد العمليات الخاصة التابع للفصيل، والذي تتهمه واشنطن بتنفيذ هجمات ضد قواعد عسكرية في العراق وسوريا.

وفي وصف نادر، قال الناطق باسم القوات المسلحة العراقية، اللواء يحيى رسول، إن الهجوم «اعتداء مماثل للأعمال الإرهابية»، وحمّل التحالف الدولي مسؤولية الضربة.

وقال اللواء رسول، في بيان صحافي: «في اعتداء سافر وتعدٍّ صارخ على سيادة العراق، أقدمت طائرة مسيرة على عمل لا يختلف عن الأعمال الإرهابية، باستهداف أحد المقارّ الأمنية في العاصمة بغداد، ما أدى إلى وقوع ضحايا في هذا الحادث المرفوض جملة وتفصيلاً».

وحملت القوات المسلحة العراقية التحالف الدولي «مسؤولية الهجوم غير المبرر على جهة أمنية عراقية تعمل وفق الصلاحيات الممنوحة لها، الأمر الذي يقوض جميع التفاهمات ما بين القوات المسلحة العراقية وقوات التحالف الدولي»، طبقاً لما ذكره أرفع متحدث عسكري في البلاد.

عجلة إسعاف تابعة للحشد تنقل مسلحين أُصيبوا في الهجوم على مقر الحشد في بغداد (أ.ف.ب)

وأعلن الحشد الشعبي، في بيان صحافي، أن الهجوم الأميركي أسفر عن مقتل القيادي في الهيئة أبو تقوى السعيدي، وقال إن «ما حصل عدوان غاشم».

ومن البيانين الذين أصدرهما المتحدث العسكري والحشد الشعبي، فإن السلطات العراقية كانت على ما يبدو «تعلم بالجهة التي نفذت الضربة»، حتى قبل أن يتبناها الجيش الأميركي.

وكان مسؤول أميركي أبلغ «رويترز»، اليوم (الخميس)، إن الجيش الأميركي نفذ الهجوم، واستهدف «شخصية كانت مسؤولة عن هجمات ضد القواعد العسكرية في البلاد».

4 صواريخ و«مصفحة»

أبلغت مصادر مطلعة «الشرق الأوسط» أن طائرة مسيّرة أطلقت أربعة صواريخ على مقر النجباء في بغداد.

وقالت المصادر، التي استندت إلى معلومات من قياديين في «هيئة الحشد الشعبي» إن «الصواريخ الثلاثة الأولى ضربت رتلاً من ثلاث عجلات يستخدمها مرافقو القيادي في حركة النجباء أبو تقوى السعيدي».

وتابعت المصادر: «الصاروخ الرابع استهدف عجلة رابعة مصفحة، كان السعيدي يستقلها، جالساً في المقعد المجاور للسائق، وكانت مركونة في جوار مكتب النجباء داخل المقر».

وقال الحشد الشعبي، في بيان، إن الهجوم أسفر عن مقتل معاون «قائد عمليات حزام بغداد مشتاق طالب السعيدي (أبو تقوى) ومرافقه، وإصابة سبعة آخرين».

صورة نشرتها منصات إيرانية مقربة من «الحرس الثوري» تجمع زعيم «النجباء» أكرم الكعبي مع السعيدي (تليغرام)

وطبقاً لمصادر «الشرق الأوسط»، فإن الطائرة المسيرة انتظرت لساعات عجلة السعيدي لتدخل المقر في بغداد، فيما زعمت أنها راقبته خلال رحلة عودته براً من الأراضي السورية إلى بغداد.

ونقلت «رويترز» عن قائد محلي في «حركة النجباء» إن الفصيل «سينتقم من الأميركيين ويجعلهم يندمون على ارتكاب هذا الاعتداء».

وبالتزامن مع الذكرى الرابعة لمقتل قاسم سليماني مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري»، ونائب رئيس «الحشد الشعبي»، أبو مهدي المهندس، صعدت الفصائل المنضوية تحت ما يعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق» هجماتها بوتيرة أعلى ضد القوات الأميركية، ونفذت في يوم «الذكرى» أربع هجمات متزامنة في العراق وسوريا.

وفي الشهر الماضي، صعّدت القوات الأميركية من وتيرة ضرباتها ضد الفصائل العراقية، وتقول إنها «ترد على هجمات عنيفة» تحت «حق الدفاع عن النفس».

وكشف تقرير لـ«الشرق الأوسط»، الشهر الماضي، أن القوات الأميركية انتقلت إلى مرحلة «الاستجابة المباشرة والسريعة» لهجمات الفصائل العراقية، بعدما تخلّت نسبياً عن «الاعتبارات السياسية» التي كانت تضعها لحكومة محمد شياع السوداني، وفقاً لما ذكرته مصادر مطلعة.

اعتقال «عابر سبيل»

بحسب المصادر، التي تحدثت مع «الشرق الأوسط» بعد الهجوم، فإن مسلحين من حركة النجباء اعتقلوا «عابر سبيل كان يمشي في الشارع القريب من المقر، للاشتباه بأنه زود جهة خارجية بمعلومات وإحداثيات عن حركة النجباء قرب المقر وفي داخله».

ومن المتوقع أن تظهر الفصائل المسلحة في العراق «حذراً شديداً واحترازات أمنية أكثر بعد الهجوم»، فيما تقول إن «النجباء خسرت واحداً من أبرز عناصرها المسؤولة عن تجهيز الصواريخ والمسيرات الملغمة».

وكان شهود عيان تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، إنه «قبل الهجوم، اختلط عليهم صوت طائرات F16 العراقية التي كانت تحلق بينما وقعت الضربة على مقر الحشد».

وكانت طائرات عراقية تجري تدريبات في سماء بغداد في إطار التحضير للاحتفال المركزي بعيد الجيش الذي يصادف في 6 يناير (كانون الثاني).

وقالت وزارة الدفاع العراقية، في بيان صحافي صدر في وقت مبكر الخميس، إنه «على المواطنين في بغداد ألا يفزعوا من صوت الطائرات التي ستحلق لأغراض التدريب في سماء العاصمة».

صورة وزعتها منصات مقربة من «الحشد الشعبي» العراقي تظهر إحدى السيارات المحترقة في موقع الهجوم (تليغرام)

«اطردوا السفيرة»

وبعد الهجوم، عبرت وزارة الخارجية العراقية عن «إدانتها الشديدة للاعتداء السافر الذي استهدف أحد المقار الأمنية العراقية»، وقالت في بيان صحافي، إن الهجوم على «تشكيل أمني يرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، ويخضع لسلطة الدولة تصعيد خطير».

وتابعت الخارجية: «العراق يحتفظ بحقه باتخاذ موقف حازم وكل الإجراءات التي تردع من يحاول المساس بأرضه وقواته الأمنية».

وطالبت كتلة «الصادقون» التابعة لحركة «عصائب أهل الحق»، بعقد جلسة نيابية طارئة لبحث تداعيات الاعتداءات الأميركية على مقرات الحشد الشعبي.

وقال رئيس الكتلة النائب حسن سالم، في تصريح صحافي، إن تكرار هذه الاعتداءات يتطلب التفعيل الفوري لتنفيذ قرار البرلمان العراقي القاضي بإخراج القوات الأميركية من الأراضي العراقية.

وطالب رئيس حركة «عصائب أهل الحق»، قيس الخزعلي، الحكومة العراقية بإخراج القوات الأميركية «بالسرعة القصوى»، وقال إن «استنكار الهجمات لم يعد مجدياً أمام الهجمات الأميركية المتكررة».

وحذر رئيس «تيار الحكمة» عمار الحكيم، مما وصفه بـ«هتك» السيادة العراقية، ووفقاً لبيان أصدره لإدانة القصف الذي استهدف مقرا الحشد في بغداد.

من جهته، حذر رئيس «منظمة بدر» التابعة للإطار التنسيقي، هادي العامري، الحكومة العراقية «من التراخي أو التغاضي عن المطالبة بإخراج القوات الأميركية من البلاد».

وقال العامري، في بيان مقتضب، إن «الوجود الأميركي يهدد أمن العراق وسلامة مواطنيه».

ووجهت كتلة «حقوق» في البرلمان العراقي، أسئلة إلى رئيس الحكومة محمد شياع السوداني، بشأن «تدابيرها بعد الهجوم».

وجاء في بيان الكتلة، وهي إحدى قوى الإطار التنسيقي: «ما هي الإجراءات ضد القوات الأميركية التي تنتهك السيادة؟ وما أسباب عدم قيام وزارة الخارجية باستدعاء السفيرة الأميركية وتسليمها مذكرة احتجاج؟ ولماذا تسكت الحكومة عن تنفيذ قرار مجلس النواب بإخراج القوات الأجنبية رقم (18) لسنة 2020».

أين كانت رومانسكي؟

بينما كانت منصات مقربة من «الحشد الشعبي» تنشر أولى صور السيارة التي تم استهدافها من قبل الطائرة المسيرة، مع الكشف عن أجزاء من الصاروخ الذي استخدم في تنفيذ الضربة، كانت هناك صورة موازية للقاء بين رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق القاضي فائق زيدان وبين السفيرة الأميركية إلينا رومانسكي.

وقال مجلس القضاء، في بيان صحافي، إن «اللقاء جرى بشأن الإجراءات القانونية بخصوص القضايا الخاصة بالمصالح الأميركية المعروضة على المحاكم العراقية»، دون أن يوضح طبيعة هذه القضايا.

اجتماع السفيرة، وإن كان روتينياً بحسب المعلن، فإن المراقبين انتبهوا تحت تأثير الهجوم على مقر الحشد، ومواقف التصعيد، إلى التناقض بين التصعيد العراقي ضد الأميركيين، والسياق الحكومي الذي يحاول تطوير العلاقات الاستراتيجية وفقاً للاتفاقات الموقعة بين البلدين.

لكن قيادياً في «الإطار التنسيقي» الحاكم قال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إنه «بعد الهجوم الأخير فإن الانقسام الشيعي-الشيعي بشأن الأميركيين لن يستمر بعد اليوم (...) ثمة مواقف واضحة وإجراءات يجب أن تتخذ فوراً».

 

هل يمكن إخراج الأميركيين؟

يستند وجود القوات الأميركية في العراق إلى ترخيص حكومي يتيح لها العمل في إطار مهمة «التحالف الدولي» للقضاء على تنظيم «داعش»، لكن الحكومة العراقية تقول إن قواتها «باتت مقتدرة» وبإمكانها حماية العراق.

وأعلن رئيس الحكومة العراقية، الشهر الماضي، أن بغداد بصدد «إعادة ترتيب العلاقة مع التحالف الدولي وإنهاء وجودها في العراق».

ويقول الخبير القانوني العراقي علي التميمي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «لدى العراق اتفاقات مع الولايات المتحدة الأميركية، وُقعت الأولى عام 2008 ونصت على التعاون في مجالات اقتصادية وأمنية، دون أن تشير إلى مسألة الوجود العسكري، لكنها أجازت إلغاءها بعد سنة واحدة».

وتابع التميمي، «الاتفاق الثاني وقع عام 2011 ونص على سحب القوات الأميركية عام 2011، وهو ما حصل بالفعل».

وبعد اجتياح تنظيم «داعش» لمناطق واسعة من البلاد عام 2014، وقع العراق اتفاقاً ثالثاً مع واشنطن بهدف الحصول على مساعدة القوات الأميركية في العمليات العسكرية، تحت غطاء قرار مجلس الأمن الدولي المرقم 2170، ومن خلاله تمكن العراق من ضمان الدعم الجوي والتدريب من التحالف الدولي.

وبحسب الخبير القانوني، فإن العراق «يستطيع الآن الطلب رسميا من مجلس الأمن إخراج قوات التحالف، بعد أن يلغى القرار الذي سمح لهذه القوات بالدخول».

 


مقالات ذات صلة

العراق: طعن برلماني ضد استحداث مناصب ووزارات جديدة

المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يحضر جلسة للبرلمان في بغداد للتصويت على استكمال تشكيلته الحكومية - 15 اكتوبر الحالي (رويترز)

العراق: طعن برلماني ضد استحداث مناصب ووزارات جديدة

تقدم نائب عراقي بطعن أمام المحكمة الاتحادية العليا ضد استحداث مناصب لنواب رئيس الوزراء و3 وزارات جديدة، وسط اعتراضات سياسية على توزيع المناصب الحكومية.

حمزة مصطفى (بغداد)
شمال افريقيا رئيس الوزراء العراقي خلال استقباله وزير الخارجية المصري الأحد (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

وزير الخارجية المصري في العراق... تنسيق إقليمي متزايد وتعزيز للشراكة

لقاءات متعددة أجراها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال زيارته العراق من أجل تعزيز الشراكة والتنسيق الإقليمي بين القاهرة وبغداد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي صورة متداولة في مواقع التواصل عن لحظة انفجار مقر للحشد شرق بغداد

تضارب الروايات حول انفجار مقر لـ«الحشد الشعبي» شرق بغداد

بينما أكدت معظم المصادر الرسمية الحادث العرضي الذي أدى إلى انفجار كدس للعتاد بمقر للحشد الشعبي في بغداد، أصرت منظمة «بدر» على أنه استهداف أميركي.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي يقرأ اليمين الدستورية وإلى جانبه رئيس الحكومة علي الزيدي ومن خلفهما وزراء جدد يوم 15 أكتوبر 2026 (إعلام حكومي)

غضب عراقي من «تعيينات فصائلية» في حكومة الزيدي

رغم احتفال أحزاب عراقية بحصول ممثليها على المناصب الشاغرة والمستحدثة في حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، فإن الانتقادات الشعبية الواسعة ضدها ما زالت متواصلة.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي في حالة حراسة خارج مقر قيادة عمليات البصرة 29 يوليو 2026 (رويترز)

هل تواجه الفصائل العراقية ضائقة مالية؟

أكدت مصادر عراقية أن الفصائل المسلحة تواجه «ضائقة مالية» بسبب عقوبات وزارة الخزانة الأميركية ضد قادتها، لكنها استبعدت توقف صرف رواتب مقاتليها.

فاضل النشمي (بغداد)

مجموعات خارجة عن القانون في السويداء تمنع وفداً أممياً من الدخول

عناصر من «الحرس الوطني» التابع للشيخ الهجري في السويداء (أرشيفية - السويداء 24)
عناصر من «الحرس الوطني» التابع للشيخ الهجري في السويداء (أرشيفية - السويداء 24)
TT

مجموعات خارجة عن القانون في السويداء تمنع وفداً أممياً من الدخول

عناصر من «الحرس الوطني» التابع للشيخ الهجري في السويداء (أرشيفية - السويداء 24)
عناصر من «الحرس الوطني» التابع للشيخ الهجري في السويداء (أرشيفية - السويداء 24)

قال موقع قناة الإخبارية السورية إن «المجموعات الخارجة عن القانون في السويداء» منعت، اليوم الأحد، وفداً أممياً إنسانياً مشتركاً من الدخول إلى المدينة بذريعة «عدم التنسيق معهم».

ضم الوفد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية برفقة منظمات دولية، وجرى التنسيق مع فريق الهلال الأحمر السوري فرع السويداء لمرافقتهم بالزيارات الميدانية في مدينة السوبداء وشهبا وقرية عرى.

وأوقفت المجموعات الوفد الأممي لمدة تتراوح بين ساعتين و3 ساعات عند حاجز أم الزيتون قبل تبليغه منع الدخول، وذلك عقب عبور الوفد حاجز «المتونة» التابع لمديرية أمن السويداء.

صورة نشرتها «السويداء 24» لعناصر «الحرس الوطني» (الهجري) على دوار العنقود في مدينة السويداء يمنعون الطلاب من التوجه إلى مراكز الامتحانات بريف السويداء

يذكر أن المجموعات الخارجة عن القانون التابعة لشيخ العقل حكمت الهجري، منعت في 10 سبتمبر (أيلول) الماضي دخول الشاحنات التجارية المحملة بالمواد الأساسية والمحروقات إلى محافظة السويداء، حسب ما أفاد به مراسل الإخبارية حينذاك. وتزامن منع دخول القوافل التجارية إلى المدينة مع قيام المجموعات الخارجة عن القانون في السويداء بمنع نحو 12 ألف طالب من التوجه إلى المراكز الامتحانية لتقديم الامتحانات الاستثنائية الخاصة بطلاب السويداء.


نتنياهو يشكِّك في قدرة حكومة لبنان على نزع سلاح «حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

نتنياهو يشكِّك في قدرة حكومة لبنان على نزع سلاح «حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عدم ثقته بقدرة الحكومة اللبنانية على نزع سلاح «حزب الله»، مؤكداً أن إسرائيل ستواصل البقاء فيما وصفه بالمنطقة الأمنية في جنوب لبنان.

جاء ذلك بالتزامن مع رفع الجيش الإسرائيلي مستوى جهوزيته على الحدود الشمالية مع لبنان، وتعزيز قواته تحسباً لاحتمال تصعيد جديد. ويترافق هذا المشهد مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على قرى الجنوب، في وقت تتحدث فيه تقديرات إسرائيلية عن احتمال مبادرة «حزب الله» إلى هجوم ضد القوات الإسرائيلية، وسط ترقب لمسار التطورات الميدانية.

«إسرائيل ستبقى في المنطقة الأمنية»

وفي مقابلة إذاعية مع «راديو الشمال» الإسرائيلي، قال نتنياهو، رداً على سؤال عن مدى ثقته بالحكومة اللبنانية: «لا، لا أثق بأنهم سينزعون سلاح (حزب الله)»، مؤكداً أن إسرائيل ستبقى في المنطقة الأمنية ما دام لم يتم نزع سلاح الحزب. واعتبر أن الوجود العسكري الإسرائيلي يهدف إلى منع الحزب من إعادة بناء قدراته العسكرية وتهديد البلدات الشمالية؛ مشيراً إلى أن الجيش الإسرائيلي أقام منطقة أمنية وصفها بأنها خالية من المنظومات الإرهابية، وأن عدداً من القرى التي كانت -حسب قوله- معاقل للحزب، لم تعد كذلك.

وشدد نتنياهو على أن الجيش الإسرائيلي سيواصل تنفيذ عملياته ضد «حزب الله» كلما اقتضت الحاجة، معتبراً أن الحزب أصبح أضعف مما كان عليه سابقاً، ولكنه أشار إلى استمرار التحديات الأمنية، ولا سيما ما يتعلق بالطائرات المُسيَّرة التي يستخدمها الحزب.

الجيش الإسرائيلي ينفِّذ تفجيراً كبيراً في زوطر الشرقية (الوكالة الوطنية للإعلام)

رفع مستوى التأهب

وفي موازاة هذه التصريحات، أفادت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية بأن الجيش رفع مستوى التأهب على الجبهة الشمالية؛ حيث تنتشر الفرقتان 36 و91 في هضبة الجولان وجنوب لبنان، مع تعزيز القوات بوحدات إضافية، بينها كتائب من لواء غولاني ووحدات تدريب.

ونقلت الصحيفة عن مصادر لبنانية قولها إن «حزب الله» يوسِّع استعداداته العسكرية، بما يشمل تجنيد عناصر وإعداد منظومات دفاعية في مناطق مختلفة من البقاع، وعلى امتداد الساحل، وفي الضاحية الجنوبية لبيروت. كما أوردت تقديرات إسرائيلية تتحدث عن احتمال مبادرة الحزب إلى هجوم قد يستهدف موقعاً عسكرياً أو دورية إسرائيلية، وصولاً إلى محاولة خطف جنود.

وربطت هذه التقديرات التصعيد المحتمل بالدور الإيراني، بينما تحدث مصدر عسكري إسرائيلي عن ضرورة إبقاء القوات في حالة يقظة فترة طويلة.

دخان يتصاعد من المنصوري جنوب لبنان بعد تفجيرات إسرائيلية يوم 28 سبتمبر الماضي (رويترز)

مواصلة الاعتداءات الإسرائيلية

ميدانياً، تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان؛ إذ استهدف القصف المدفعي بلدة المنصوري وأطراف بلدة زبقين في قضاء صور، كما طالت القذائف الثقيلة وسط المنصوري وأطراف بلدات برعشيت وحداثا وحاريص. وسُمع دوي انفجار ضخم في بلدة القنطرة بقضاء مرجعيون، بينما نفَّذت القوات الإسرائيلية عملية نسف عنيفة في بلدة الخيام ليلاً، وفجَّرت مدرسة المبرَّات في البلدة عند منتصف الليل.


وزير الخارجية الفرنسي يبحث في بيروت صيغة جديدة بعد الـ«يونيفيل»

رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة البرلمان)
رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة البرلمان)
TT

وزير الخارجية الفرنسي يبحث في بيروت صيغة جديدة بعد الـ«يونيفيل»

رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة البرلمان)
رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة البرلمان)

واصل وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو، والوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش الفرنسية أليس روفو، والوفد المرافق، لقاءاتهم في بيروت، في زيارة يتصدر جدول أعمالها مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان بعد انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة «يونيفيل»، والجهود الفرنسية الرامية إلى تفادي أي فراغ أمني في المنطقة، وضمان استمرار آلية دولية تواكب تنفيذ القرار 1701.

وبعدما التقى الوفد الفرنسي مساء السبت رئيس الجمهورية جوزيف عون، عقد الأحد لقاءين مع رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري، تركز البحث خلالهما على سبل تعزيز الدعم الدولي للبنان، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، في ظل المخاوف من تداعيات انتهاء مهمة الـ«يونيفيل» قبل استكمال تطبيق القرار الدولي.

سلام: منع الفراغ ودعم الجيش وإعادة الإعمار

في السرايا الحكومي، بحث رئيس الحكومة نواف سلام مع بارو وروفو والوفد المرافق، بحضور السفير الفرنسي في لبنان باتريك دوريل، ووزير الثقافة غسان سلامة، آخر التطورات اللبنانية والإقليمية، مع تركيز على الترتيبات الدولية لمرحلة ما بعد «يونيفيل».

وشدد سلام على ضرورة تفادي أي فراغ في جنوب لبنان، وضمان استمرار حضور دولي يتولى مهام المراقبة والإفادة والتواصل، تحت مظلة قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي. ويأتي هذا الموقف في إطار المساعي اللبنانية للتوصل إلى صيغة تضمن استمرارية الدور الدولي، وتمنع نشوء واقع أمني جديد في المنطقة الحدودية.

كما ثمّن سلام استمرار الدعم الفرنسي للبنان، ولا سيما الجهود الرامية إلى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية وحدها. وأكد أهمية مواصلة دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته، بما يمكّنه من الاضطلاع بمسؤولياته الأمنية.

وتناول اللقاء كذلك ملف التعافي وإعادة الإعمار في الجنوب، مع التشديد على ضرورة استعادة الخدمات الأساسية وتثبيت الأهالي في أرضهم وتعزيز حضور مؤسسات الدولة. أما اقتصادياً، فجرى البحث في الإصلاحات المالية والاقتصادية التي تنفذها الحكومة، وأهمية التوصل إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي.

من جهته، جدد بارو تأكيد دعم فرنسا لسيادة لبنان واستقراره، واستعداد بلاده لمواصلة مساندة الدولة والجيش، والمساهمة في بلورة الترتيبات الدولية المقبلة، إلى جانب دعم الإصلاحات والتعافي وإعادة الإعمار.

بري: التمسك بـ«يونيفيل» ورفض أي فراغ

وبعد الظهر، استقبل رئيس مجلس النواب نبيه بري الوفد الفرنسي، بحضور السفير دوريل ومستشار رئيس المجلس محمود بري، حيث تناول البحث التطورات السياسية والميدانية في لبنان والمنطقة، والعلاقات الثنائية، وموقف لبنان المتمسك ببقاء قوات «يونيفيل».

وشكر بري فرنسا والرئيس إيمانويل ماكرون على دعمهما للبنان، منوهاً بتضحيات الوحدة الفرنسية المشاركة في القوة الدولية، ودور جنود الـ«يونيفيل» على مدى أكثر من 48 عاماً في تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ولا سيما القرارين 425 و1701.

وأكد أن دور القوات الدولية لا يقتصر على الجانب الأمني والعسكري، بل يشمل أيضاً أدواراً إنسانية وثقافية واقتصادية واجتماعية. وشدد على أن لبنان الرسمي واللبنانيين موحدون في التمسك ببقاء هذه القوات، داعياً إلى دور فرنسي وأوروبي ودولي وإقليمي لتجنب الفراغ الذي قد ينجم عن انتهاء ولايتها قبل استكمال تطبيق القرار 1701.

وفي موقف يعكس المخاوف اللبنانية من المرحلة المقبلة، أشار بري إلى أن لبنان التزم بالقرار الدولي، فيما تواصل إسرائيل خرقه وانتهاك بنوده، فضلاً عن استمرار الحرب واحتلال مساحات من الجنوب. وشدد على ضرورة توحيد الجهود لوقف العدوان وإلزام إسرائيل بتنفيذ القرارات الدولية، لا الإطاحة بها.

وكان عون قد أكد، خلال استقباله بارو وروفو مساء السبت، ترحيب لبنان بأي جهد فرنسي داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن للتوصل إلى صيغة تمنع الفراغ الأمني. وجدد تمسكه بتمديد ولاية يونيفيل، مع الاستعداد لبحث أي صيغة بديلة تضمن استمرار الوجود الدولي في الجنوب، وتفادي وضع الجيش اللبناني على تماس مباشر مع الجيش الإسرائيلي في المناطق المحتلة.

وتكتسب هذه اللقاءات أهمية في ضوء قرار مجلس الأمن الصادر في أغسطس (آب) 2025 إنهاء ولاية «يونيفيل» بحلول نهاية عام 2026. وكانت فرنسا وإيطاليا قد أعلنتا في شهر يونيو (حزيران) عزمهما العمل على إنشاء قوة متعددة الجنسيات بعد انتهاء المهمة الأممية، فيما تؤكد باريس ضرورة إرساء هيكلية دولية جديدة لدعم سيادة لبنان وتجنب فراغ أمني قد تترتب عليه تداعيات سلبية على الاستقرار في الجنوب.