ظلال السلاح النووي على حرب غزة

إسرائيل تمتلك أكثر من 100 رأس نووي... لكنها مقيّدة بمبدأ «محدوديّة القوّة»


دمار في مخيم المغازي بقطاع غزة أمس (أ.ف.ب)
دمار في مخيم المغازي بقطاع غزة أمس (أ.ف.ب)
TT

ظلال السلاح النووي على حرب غزة


دمار في مخيم المغازي بقطاع غزة أمس (أ.ف.ب)
دمار في مخيم المغازي بقطاع غزة أمس (أ.ف.ب)

لماذا تسعى الدول إلى امتلاك السلاح النوويّ؟ وهل يعيش العالم اليوم العصر الثاني لهذا السلاح الذي بدأ مع القوى العظمى، وانتقل بعدها إلى القوى الكبرى (بريطانيا، وفرنسا، والصين)، ومن بعدها إلى القوى الإقليميّة العظمى (باكستان، والهند، وكوريا الشمالية، وإسرائيل)؟ وهل سنصل إلى وقت يصبح اللاعب من خارج إطار الدولة (Non State Actor) قادراً على امتلاك السلاح النوويّ؟ ولماذا يدور الحديث مؤخراً حول إمكانيّة استعمال السلاح النووي في مسارح حرب عملانيّة محدودة، مثل المسرح الأوكرانيّ؟ هل لأن التكنولوجيا أصبحت قادرة على استعمال السلاح النووي تكتيكيّاً؟ بكلام آخر، أصبح لدى الدول سلاح نووي يلبّي الحاجات العسكريّة على المستويات الثلاثة: التكتيكي، والعملانيّ، وأيضاً الاستراتيجيّ. فماذا يُضيف امتلاك السلاح النووي لدولة ما؟

بالحدّ الأدنى، يُدخل السلاح النووي الدولة في نادي الدول العظمى والكبرى. كما يعكس المستوى العلمي الذي تتمتّع به هذه الدولة، أي امتلاك أسرار التكنولوجيا النوويّة. فامتلاك السلاح النووي يعطي حريّة حركة للدولة التي تملكه، خصوصاً في السياسات الخارجيّة، وفي سعيها إلى تحقيق أهدافها القوميّة. فهذا السلاح رادع بامتياز، خصوصاً إذا امتلكت الدولة وسيلة إطلاقه بالأبعاد الثلاثة: البرّ، والبحر، والجوّ.

طائرة أباتشي إسرائيلية تُطلق صواريخ باتجاه قطاع غزة أمس (إ.ب.أ)

في أوكرانيا، تكرّر التلويح الروسي بالسلاح النووي للغرب ولحلف «الناتو»، وذلك لحماية «الحرب التقليديّة» المستعرة حتّى الآن. وإذا استعملت روسيا فعلاً الورقة النوويّة، فإن ذلك يدخل في إطار حماية حربها التقليديّة.

وهنا تبرز المفارقة التالية (Paradox): استقرار - لا استقرار. فماذا تعني هذه المفارقة في التطبيق؟ قد تعني أن السلاح النووي قد يؤدّي إلى الاستقرار في العلاقات بين الدول التي تمتلك هذا السلاح، لأنه يؤمّن الردع المتبادل، لتجنّب الذهاب إلى التدمير الشامل والمتبادل (Mutual assured destruction) أو (MAD). لكنه في نفس الوقت، قد يفتح باب اللا استقرار وذلك عبر القتال بالواسطة (Proxies)، حيث المصالح بين القوى التي تمتلك السلاح متضاربة. قاتلت أميركا الاتحاد السوفياتي بالواسطة في كلّ بقعة من بقاع الأرض؛ في فيتنام، وكوريا، وفي أفريقيا كما في أميركا اللاتينيّة، وكذلك في الشرق الأوسط.

فعلى سبيل المثال، عندما سُئل الرئيس العراقي الراحل صدّام حسين، من المحقق الفيدرالي الأميركي جورج بيرو: «لماذا لم تعلن أنك لا تملك أسلحة الدمار الشامل لتجنّب الحرب عليك؟»، فأجابه صدام حسبما ينقل عنه بيرو: «كانت إيران أكبر عدو له، وأخبرني أنه يحاول باستمرار تحقيق التوازن أو التنافس مع إيران. كان أكبر مخاوف صدام أنه إذا اكتشفت إيران مدى ضعف العراق، فلن يمنعها شيء من غزو جنوب العراق والاستيلاء عليه. لذا، كان هدفه إبقاء إيران في مأزق».

في جنوب شرقي آسيا، تتقاتل الدولتان النوويّتان، الهند وباكستان، في أفغانستان. وحتى عبر المناوشات على الحدود، لكن بواسطة لاعبين من خارج إطار الدولة.

فهل مَنعَ النووي الأميركي إيران من دعم «المقاومة» ضد الوجود العسكري الأميركي في العراق؟

هل منع النووي الإسرائيلي الذي لا يزال تحت عباءة «الغموض النووي»، حركة «حماس» من خوض غمار عملية بحجم «طوفان الأقصى»؟

إذاً في أي وقت، وضدّ مَن، وفي أيِّ ظروف، يمكن أن يُستعمل السلاح النوويّ؟ يقود هذا السؤال إلى ما تُعرف بـ«محدوديّة القوّة» (Limits of Power)، كما إلى مبدأ آخر يقول بتناسب (Proportionality) الخطأ مع العقاب. فهل يمكن لإسرائيل أن تردّ بالنووي على «حماس» بعد عملية «طوفان الأقصى»؟ الجواب: كلا، بالطبع. فالجوار والقرب الجغرافي لا يسمحان بذلك، حتى ولو طلب أحد المسؤولين الإسرائيليين من غلاة المتشددين ضرب «حماس» وقطاع غزة بالسلاح الذرّي.

دمار في قطاع غزة أمس (أ.ف.ب)

في المقابل، يتساءل خبراء عمّا إذا كانت إيران تسعى فعلاً إلى امتلاك سلاح نوويّ، حسبما تقول دول غربية؟ فهل الأهداف العليا الجيوسياسيّة لإيران هي الدائرة البعيدة الأوراسيّة، أم هي الدائرة الإقليميّة، بما في ذلك دائرة النفوذ في المحيط المباشر لها؟ وبالتالي فإن السؤال المطروح هو: هل تسعى إيران إلى استكمال منظومة الردع عبر إضافة السلاح النووي إلى ترسانتها، علماً بأنها تؤكد دوماً أن برنامجها النووي سلمي وأنها لا تسعى إلى بناء قنبلة نووية؟ ومهما كان الجواب عن ذلك، فإن هناك مثالين يمكن التعلم منهما: الأول هو المثال الليبي؛ فبعدما سلّم العقيد معمّر القذافي مشروعه النووي طوعاً للولايات المتحدة ووافق على تفكيكه، وجد نفسه بعد سنوات قليلة يواجه دعماً أميركياً للثوار الذين انتفضوا ضد نظامه؟ المثال الآخر مختلف تماماً. فكوريا الشماليّة أصرت على مقارعة أميركا وتمسكت بسلاحها النووي وعدّته ضمانة؟ ورغم أن هذين المثالين يمثّلان نقيضين في طريقة التعامل مع السلاح النووي، فإنه لا بد من الإقرار بأن هناك فوارق كبيرة جدّاً بين إيران وكلٍّ من ليبيا وكوريا الشمالية في كلّ المجالات.

ولكن في ظلّ الحرب الدمويّة الدائرة على قطاع غزة حالياً، هل يمكن للسلاح النووي أن يُشكّل رادعاً لإسرائيل، إذا امتلكته أي دولة خصم لها؟ ومثل هذا التساؤل لا بد أن يأخذ في الاعتبار أن إسرائيل نفسها تمتلك أكثر من 100 رأس نووي، كما أنها تملك القدرة على شن الضربة الثانية، براً، وبحراً، وجوّاً (Second Strike Capability)... وفوق ذلك كله فإن إسرائيل تحظى أيضاً بدعم «ثابت ومستمر» توفره لها الولايات المتحدة في حربها الحالية على قطاع غزة!


مقالات ذات صلة

«اتفاق غزة»... تحركات جديدة من الوسطاء لكسر الجمود

المشرق العربي فلسطينية تعد وجبة في مخيم النصيرات للاجئين شمال دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»... تحركات جديدة من الوسطاء لكسر الجمود

تحركات جديدة بشأن مسار اتفاق وقف إطلاق في قطاع غزة، الذي زاد تعثره منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا فلسطيني يحمل جثمان أحد أقربائه قتل في غارة جوية إسرائيلية بمدينة غزة (أ.ف.ب)

«سلاح حماس»... تحرك لـ«مجلس السلام» بغزة في توقيت مربك

حراك جديد لدفع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط تصاعد حرب إيران، مع تسريبات إعلامية بأن «مجلس السلام» قدم مقترحاً لحركة «حماس» لنزع سلاحها.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية (الهيئة العامة للاستعلامات)

مصر قلقة إزاء «المنحى التصاعدي» لأعمال العنف في الضفة

أعربت مصر عن بالغ قلقها إزاء «المنحى التصاعدي» لأعمال العنف التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق 
«صوت هند رجب» قد تتأخر حظوظه (مايم فيلمز)

الهند تمنع عرض فيلم «صوت هند رجب» كونه «مسيئاً» إلى علاقتها مع إسرائيل

منعت الهند عرضَ فيلم «صوت هند رجب» الذي يتناول مقتل طفلة فلسطينية تبلغ 5 سنوات برصاص القوات الإسرائيلية في غزة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
المشرق العربي فلسطينية تبكي لدى زيارة قبور أقاربها في خان يونس جنوب قطاع غزة... الجمعة (إ.ب.أ)

آثار الحرب تخيّم على أجواء عيدَي الفطر والأم في قطاع غزة

ظلَّت آثار الحرب حاضرةً وخيَّمت على أجواء العيد في قطاع غزة، خصوصاً بعد أن شدَّدت إسرائيل مجدداً من إجراءاتها على إدخال البضائع؛ بحجة الظروف الأمنية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

ماكرون يحذّر من «احتلال» لبنان خلال افتتاحه معرضاً عن مدينة جبيل الأثرية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً خلال زيارته لمعرض «جبيل، مدينة لبنان الألفية»، في معهد العالم العربي في باريس 23 مارس 2026 (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً خلال زيارته لمعرض «جبيل، مدينة لبنان الألفية»، في معهد العالم العربي في باريس 23 مارس 2026 (أ.ب)
TT

ماكرون يحذّر من «احتلال» لبنان خلال افتتاحه معرضاً عن مدينة جبيل الأثرية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً خلال زيارته لمعرض «جبيل، مدينة لبنان الألفية»، في معهد العالم العربي في باريس 23 مارس 2026 (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً خلال زيارته لمعرض «جبيل، مدينة لبنان الألفية»، في معهد العالم العربي في باريس 23 مارس 2026 (أ.ب)

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، أن أي «احتلال» لا يضمن «أمن أيّ شخص كان»، محذراً إسرائيل من مخاطر عملياتها البرية في لبنان، وذلك خلال افتتاحه معرضاً مخصصاً لمدينة جبيل الأثرية في معهد العالم العربي بباريس.

وصرّح الرئيس الفرنسي، في حضور وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة «لا احتلال، ولا أي شكل من أشكال الاستعمار، لا هنا ولا في الضفة الغربية ولا في أي مكان آخر، يضمن أمن أيّ شخص كان»، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

وطالت الحرب لبنان في الثاني من مارس (آذار) بعدما أطلق «حزب الله» صواريخ باتجاه إسرائيل، رداً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي. وتردّ إسرائيل مذاك بغارات واسعة النطاق، وتوغلت قواتها من محاور عدة في جنوب لبنان. وقد أسفرت الحرب عن مقتل 1039 شخصاً على الأقل في لبنان، وفق آخر الإحصاءات الرسمية.

وأضاف ماكرون، الاثنين: «في زمن الشقاق الديني، وبينما يسعى البعض لدفعنا نحو حروب متصاعدة، وفي وقت يحاول آخرون إقناعنا بأن الأمن لا يتحقق إلا بغزو الجار الذي نخشاه، يذكّرنا لبنان بأمر واحد: قوة العالمية»، مشيراً إلى «قوة القانون الدولي».

رئيسة معهد العالم العربي الجديدة آن كلير لوجندر تلقي كلمة بجانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير الثقافة اللبناني غسان سلامة خلال افتتاح معرض «جبيل، مدينة لبنان الألفية» في معهد العالم العربي في باريس 23 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ولفت ماكرون إلى أن المعرض المخصص لتاريخ مدينة جبيل اللبنانية يروي «الكثير عن مصير لبنان»، و«مقاومته للإمبراطوريات»، وهو «ضد الحرب» التي عقّدت وصول عدد كبير من الأعمال المعروضة في باريس.

يتعمّق معرض «بيبلوس، مدينة لبنانية عريقة» الذي يُفتتح، الثلاثاء، ويستمر حتى 23 أغسطس (آب)، في تاريخ هذه المدينة المتوسطية التي تُعد «أقدم ميناء في العالم»؛ إذ لا تزال مأهولة منذ عام 6900 قبل الميلاد.

يضم المعرض نحو 400 قطعة، غالبيتها العظمى من لبنان، مع مجموعة مختارة من متحف اللوفر.

وقال المدير العام للآثار في وزارة الثقافة اللبنانية سركيس الخوري الذي أشرف على نقل شحنتين من الأعمال الفنية من بيروت إلى باريس في فبراير (شباط)، إن «الاستعدادات كانت مليئة بالتحديات».

أُلغيت شحنة ثالثة في أوائل مارس، لكن نحو 20 مرساة حجرية ولوحة فسيفساء كبيرة وصلت بسلام قبل أيام قليلة من افتتاح المعرض.

وأشادت آن كلير لوجندر، الرئيسة الجديدة لمعهد العالم العربي التي خلفت جاك لانغ في هذا المنصب، الشهر الفائت، بالمعرض الذي يقام «بشجاعة كبيرة رغم القصف».


الجيش الإسرائيلي يعتقل مسلحين من «قوة الرضوان» في جنوب لبنان

صورة نشرها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي مساء الاثنين وقال إنها للأسلحة التي صادرها بعد استسلام عناصر «فرقة الرضوان»
صورة نشرها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي مساء الاثنين وقال إنها للأسلحة التي صادرها بعد استسلام عناصر «فرقة الرضوان»
TT

الجيش الإسرائيلي يعتقل مسلحين من «قوة الرضوان» في جنوب لبنان

صورة نشرها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي مساء الاثنين وقال إنها للأسلحة التي صادرها بعد استسلام عناصر «فرقة الرضوان»
صورة نشرها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي مساء الاثنين وقال إنها للأسلحة التي صادرها بعد استسلام عناصر «فرقة الرضوان»

أعلن الجيش الإسرائيلي، مساء الاثنين، أنه اعتقل مسلحين من «قوة الرضوان» التابعة ﻟ«حزب الله» في جنوب لبنان بعد استسلامهم.

وذكر المتحدث باسم الجيش أفيخاي أدرعي، في منشور على منصة «إكس»، أنه خلال نشاط لقوات لواء غفعاتي بجنوب لبنان لكشف وسائل قتالية، رصدت القوات الإسرائيلية عدداً من العناصر التابعين لوحدة «قوة الرضوان» في «حزب الله» خططوا لإطلاق صاروخ مضاد للدروع نحو القوات، كما أقاموا «مربضاً لإطلاق صاروخ مضاد للدروع وخططوا لإطلاق قذائف صاروخية باتجاه بلدات الشمال» الإسرائيلي.

وأشار أدرعي إلى أن الجيش الإسرائيلي قبض عليهم بعد استسلامهم وكانت بحوزتهم أسلحة ووسائل قتالية كثيرة.

إلى ذلك، استهدفت غارة إسرائيلية ضاحية بيروت الجنوبية، مساء الاثنين، بعد ساعات من تحذير وجهه الجيش الإسرائيلي.

وتصاعدت سحب سوداء كثيفة من أحد مباني الضاحية الجنوبية، فيما أوردت الوكالة الوطنية للإعلام «شن الطيران الحربي الإسرائيلي غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت»، للمرة الأولى منذ ليل السبت.

كان متحدث باسم الجيش الإسرائيلي نشر في وقت سابق «إنذاراً عاجلاً» لسكان المنطقة، حيث يواصل الجيش الإسرائيلي «مهاجمة البنى التحتية العسكرية التابعة لحزب الله الإرهابي في مختلف أنحاء الضاحية وبقوة متزايدة».


المستوطنون يواصلون هجماتهم الواسعة في الضفة الغربية

فلسطينيون يتفقدون يوم الاثنين مركبة محترقة في أعقاب هجوم المستوطنين على قرى قرب نابلس بالضفة الغربية (أ.ب)
فلسطينيون يتفقدون يوم الاثنين مركبة محترقة في أعقاب هجوم المستوطنين على قرى قرب نابلس بالضفة الغربية (أ.ب)
TT

المستوطنون يواصلون هجماتهم الواسعة في الضفة الغربية

فلسطينيون يتفقدون يوم الاثنين مركبة محترقة في أعقاب هجوم المستوطنين على قرى قرب نابلس بالضفة الغربية (أ.ب)
فلسطينيون يتفقدون يوم الاثنين مركبة محترقة في أعقاب هجوم المستوطنين على قرى قرب نابلس بالضفة الغربية (أ.ب)

واصل المستوطنون الإسرائيليون، الاثنين، هجماتهم العنيفة والواسعة في الضفة الغربية؛ إذ أحرقوا المزيد من المنازل والمنشآت المملوكة للفلسطينيين في مواقع متعددة، ورفعوا شعارات انتقامية.

وهاجم المستوطنون ليل الاثنين قرى جديدة شملت دير الحطب، وبيتا، وقريوت، ودير شرف، وحوارة قرب نابلس، وسُجلت أعنف الهجمات في دير الحطب، حيث أصيب 9 فلسطينيين بجروح تزامناً مع إضرام النار في منازل ومركبات.

وأفاد مدير مركز الإسعاف والطوارئ في الهلال الأحمر بنابلس، عميد أحمد، بأن طواقم الإسعاف تعاملت مع إصابة مواطن يبلغ من العمر 45 عاماً برصاصة في القدم خلال الهجوم، بالإضافة إلى 8 إصابات أخرى نتيجة اعتداء المستعمرين، بينها إصابة لسيدة برضوض واختناق بالغاز والدخان. وأحرق المستوطنون في دير الحطب منازل وسيارات. كما هاجموا بلدة بيتا، وجرفوا أراضي زراعية، واقتلعوا أشجار زيتون معمرة، وحطموا جدار منزل، واعتدوا بالضرب على فلسطينيين، وأطلقوا النار على محول الكهرباء الرئيسي، ما أدى لقطع التيار عن المنطقة.

صورة لمركبة متضررة إثر هجوم شنه مستوطنون يهود كتبوا أيضاً شعارات عبرية على جدران منازل في قرية دير الحطب شرق نابلس بالضفة الغربية (د.ب.أ)

وفي قريوت هاجم المستوطنون المنازل في الجهة الشرقية من القرية واشتبكوا مع الفلسطينيين، كما أحرقوا خيمة سياحية في منطقة المسعودية الأثرية في قرية برقة، وجزءاً من مشطب للمركبات في قرية دير شرف، ومركبات.

أما في رام الله، فقد تعرضت قرية برقة لهجوم ليلي أسفر عن إحراق «العيادة الصحية» وشاحنة تجارية، في حين أغلق المستعمرون طرقاً حيوية حول رام الله لتقييد حركة المواطنين.

وطالت الهجمات كذلك مدرسة حوارة الثانوية، التي اقتحمها المستوطنون وقاموا بإنزال العلم الفلسطيني ورفع علم الاحتلال مكانه، مع خط شعارات عنصرية على جدرانها، وهو ما اعتبرته وزارة التربية والتعليم «انتهاكاً صارخاً للحق في التعليم وبيئة التعلم الآمنة».

فلسطينيون يعاينون سيارة محترقة الأحد بعد هجومٍ لمستوطنين إسرائيليين على قرية الفندقومية جنوب جنين بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

وجاءت الهجمات بعد ساعات من هجمات سابقة طالت نحو 20 موقعاً في الضفة الغربية، وشملت إحراق منازل ومركبات وممتلكات قرى جالود، والفندقومية، وسيلة الظهر وقريوت شمال الضفة.

وكانت مزاعم المستوطنين أن هجوم الأحد انتقامي للصواريخ الإيرانية، وانتقامي مجدداً يوم الاثنين بعد مقتل مستوطن في حادث سير قرب نابلس.

وجاءت هجمات المستوطنين في المرتين بعد دعوات عبر منصات خاصة، قبل أن يطلق الفلسطينيون نداءات وتحذيرات عبر مجموعات خاصة كذلك، من أجل الحذر والتصدي للمستوطنين فيما بدا نوعاً من حرب أخرى دائرة في الضفة في ظلال الحرب الكبيرة.

مستوطنون وجنود إسرائيليون مسلحون في بلدة حوارة بالضفة الغربية المحتلة (أرشيفية - أ.ف.ب)

ورفع المستوطنون شعار الانتقام خلال هجماتهم، وخطوا شعارات «انتقام» في الأماكن التي هاجموها.

وكان مستوطن إسرائيلي تُوفي السبت إثر تصادم قرب مستوطنة «حومش» شمال الضفة الغربية، وقالت الشرطة والجيش الإسرائيليان إنهما يُجريان تحقيقاً لتحديد ما إذا كان الحادث عرضياً أم هجوماً فلسطينياً.

وأصر الفلسطيني الذي سلّم نفسه للشرطة الإسرائيلية على أنه حادث سير، لكن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ونشطاء استيطانيين آخرين وصفوا الحادث بأنه جريمة قتل وهجوم، دون انتظار النتائج الرسمية، ما أجّج المستوطنين.

وخلال جنازة المستوطن، ألقى سموتريتش كلمة، متعهداً بالعمل على «إسقاط» السلطة الفلسطينية وفرض سيطرة إسرائيلية كاملة على الضفة الغربية. وبعد دفنه دعا المستوطنون إلى أعمال الانتقام.

فلسطينيون يتفقدون منزلاً متضرراً في قرية الفندقومية بالضفة الغربية جنوب جنين يوم الأحد بعد هجوم المستوطنين الإسرائيليين (إ.ب.أ)

وجاءت الهجمات بعد أن قرر الجيش الإسرائيلي الدفع بكتيبة مشاة إلى الضفة خشية من أن تفجّر هجمات المستوطنين الوضع الأمني. وكان رئيس الأركان إيال زامير ندد بتزايد حوادث الجرائم القومية خلال الحرب، متعهداً بالتصدي لهم.

والهجمات الأخيرة جزء من سياق تصعيدي بدأه المستوطنون في الضفة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وقد زادت هذه الهجمات مع الحرب الحالية على إيران. وقتل المستوطنون في الضفة منذ بداية الحرب 8 فلسطينيين، مستغلين انشغال العالم بالمواجهة الكبيرة.

وحذر الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الاثنين، من خطورة الأوضاع في الضفة الغربية والقدس الشرقية، نتيجة السياسات الإسرائيلية المتمثلة في التوسع الاستيطاني، وضم الأرض، وإرهاب المستوطنين المتصاعد، وحجز أموال المقاصة الفلسطينية.

وقال الناطق الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة إن «الحرب المستمرة على قطاع غزة، إضافة إلى اعتداءات المستعمرين في الضفة الغربية من قتل وحرق وتدمير، لن تغير جوهر الصراع، ولن تعطي شرعية لأحد؛ لأنه ما دام الاحتلال قائماً فلن يكون هناك أمن واستقرار في المنطقة والعالم».

وأضاف أن «الحل الوحيد للأزمات والحروب التي تعانيها منطقة الشرق الأوسط، هو حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً وفق قرارات الشرعية الدولية، ومبادرة السلام العربية، والقانون الدولي. ورغم أنها عملية طويلة ومعقدة ودموية، فإنها الخيار الوحيد لتجنيب العالم المزيد من ويلات الحروب».