انقسامات الأوروبيين تحول دون اتخاذهم مواقف مؤثرة إزاء حرب غزة

الخلافات برزت في الأيام الأولى للعملية العسكرية الإسرائيلية

مستوطنون يقتحمون الأقصى (أرشيفية - وفا)
مستوطنون يقتحمون الأقصى (أرشيفية - وفا)
TT

انقسامات الأوروبيين تحول دون اتخاذهم مواقف مؤثرة إزاء حرب غزة

مستوطنون يقتحمون الأقصى (أرشيفية - وفا)
مستوطنون يقتحمون الأقصى (أرشيفية - وفا)

رغم سقوط نحو 20 ألف قتيل في القصف المتواصل الذي تقوم به إسرائيل لقطاع غزة منذ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عقب العملية التي قامت بها «حركة حماس» ومجموعات فلسطينية أخرى في غلاف غزة، ما زالت دول الاتحاد الأوروبي عاجزة عن التوصل إلى موقف موحد إزاء ما يحصل في منطقة تعد جوارها المباشر.

وكشفت القمة الأوروبية التي استضافتها بروكسل يومي 14 و15 من الشهر الحالي، عن عجز القادة الأوروبيين عن التوصل إلى صيغة محددة تدعو جماعيا إلى وقف إطلاق النار. وكان اجتماع وزراء خارجية الاتحاد نهاية الأسبوع الماضي قد عكس صورة الفشل الأوروبي، خصوصا الانقسامات الداخلية التي برزت في الأيام الأولى للعملية العسكرية الإسرائيلية بعكس وحدة موقف الدول الـ27، وموقف المفوضية ممثلة برئيستها أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال، في الإدانة الشديدة لـ«حماس»، وتأكيد حق إسرائيل في الدفاع عن النفس.

لم تبرز الانقسامات الأوروبية على سطح الاتحاد وحده. ففي التصويت على قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم 12 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، توزعت الأصوات الأوروبية بين داعم لمشروع قرار وقف إطلاق النار وممتنع عن التصويت ومعارض. وبعد أن كانت ألمانيا الحليف الأبرز لإسرائيل الرافض لتوجيه أي انتقاد لما تقوم به في غزة، أكان لجهة دوام عمليتها العسكرية أو استهداف المدنيين أو تدمير المساكن والبنى التحتية، بدأ الموقف الألماني بالتحرك ببطء. لكنّ دولتين «هما النمسا والجمهورية التشيكية» بقيتا رافضتين لأي دعوة تحد من حرية حركة الجيش الإسرائيلي وتواظبان على اعتبارها «هدية» لـ«حماس». والفشل الأوروبي برز أيضا في العجز عن اتخاذ «إجراءات جماعية» ضد عنف المستوطنين في الضفة الغربية ضد المدنيين الفلسطينيين، بينما سبقت الولايات المتحدة الأميركية الدول الأوروبية إلى اتخاذ قرار بمنع عشرات المستوطنين الذين تعدهم مسؤولين عن ممارسة العنف من الدخول إلى أراضيها.

لحظة اعتقال طفل فلسطيني في الضفة (أ.ف.ب)

توسيع المستوطنات

جل ما صدر عن الاتحاد الأوروبي جاء يوم السبت على شاكلة بيان يؤكد، من جهة، أن «توسيع المستوطنات غير القانونية والتهجير القسري للفلسطينيين يقوض الأمن في الضفة الغربية ولا يجعل إسرائيل أكثر أمنا. كما تشكل المستوطنات انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، وعقبة رئيسية أمام حل الدولتين، وتهديدا للاستقرار الإقليمي». ويمر البيان، من جهة ثانية، سريعا على «تزايد العنف ضد الفلسطينيين من قبل المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية المحتلة». واللافت في بيان الاتحاد ثلاثة أمور: الأول، أنه يفرق بين المستوطنات القانونية والمستوطنات غير القانونية بينما القانون الدولي يعدها كلها غير شرعية. والثاني، أنه لا يأتي على عنف المستوطنين إلا سريعا ولا يتضمن أي دعوة للسلطات الإسرائيلية لوضع حد لهذا العنف كما لا يحملها البيان أي مسؤولية، لا بل إن الكنيست الإسرائيلي قرر رصد تمويل إضافي للمستوطنات «غير القانونية» الجديدة. والثالث أن البيان لا يشير لا من قريب ولا من بعيد إلى تدابير أو إجراءات بحق المستوطنين. وتميزت بريطانيا، كما الولايات المتحدة، بفرض عقوبات على المستوطنين، علماً أن واشنطن دأبت على اللجوء إلى حق النقض «الفيتو» ضد مشاريع القرارات التي تدعو لوقف النار فيما امتنعت لندن عن التصويت.

الرئيس إيمانويل ماكرون وحديث في بروكسل مع رئيسة المفوضية الأوروبية ورئيسة البرلمان الأوروبي (أ.ف.ب)

موقف فرنسي فردي

وإزاء التردد الأوروبي، قررت فرنسا «اتخاذ إجراءات على الصعيد الوطني (الفردي) في حق بعض المستوطنين الإسرائيليين المتطرفين»، وهو ما جاء على لسان كاترين كولونا، وزيرة الخارجية العائدة من زيارة إلى إسرائيل والضفة الغربية ولبنان. وقالت كولونا لعدد من الصحافيين الثلاثاء إنها «تمكّنت أن ترى بأم العين أعمال العنف التي يرتكبها بعض المستوطنين المتطرفين»، مضيفة «إنه أمر غير مقبول». وينظر إلى فرض هذه العقوبات على أنها تقدم ملموس رغم «رمزيتها»، حيث إنها تقتصر، حتى اليوم، على منع بضع عشرات من المستوطنين من الدخول إلى أراضي الدول المعنية.

لكن يؤخذ على الدول الثلاث أنها تعفي الحكومة الإسرائيلية وخصوصا وزراءها الأكثر تطرفا والذين يوقدون نار الاعتداءات على الفلسطينيين من أي مسؤولية أو محاسبة، وذلك بعكس البيان المشترك الصادر يوم 15 الحالي من وزارات الخارجية لدول منضوية في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى أستراليا وكندا والنرويج والمملكة المتحدة وسويسرا، وقد جاء فيه: «منذ بداية أكتوبر، نفّذ المستوطنون أكثر من 343 هجوماً عنيفاً، قُتل فيها ثمانية مدنيين فلسطينيين، وأصيب أكثر من 83 آخرين، كما أُجبر أكثر من 1026 فلسطينياً على مغادرة منازلهم». والأهم أن هذه الدول «تندد بشدة بأعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون المتطرّفون، الذين يرهبون المجتمعات الفلسطينية»، كما تنتقد «عجز إسرائيل عن حماية الفلسطينيين»، وتطالبها بتقديم الضالعين في العنف إلى القضاء. وهذا الاختلاف بين بيانات الاتحاد الأوروبي والبيانات الأخرى في اللغة والمطالب مرده التردد وربما الخوف من انتقاد إسرائيل وتحميلها المسؤولية عن العنف الحاصل في الضفة الغربية.

مخيم جباليا المدمر في غزة (رويترز)

التأثير في مجريات الحرب

خلاصة ما سبق، وفق مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس أن الاتحاد الأوروبي عاجز عن التأثير في مجريات الحرب في غزة «لغياب الإرادة السياسية من جهة، ولفشل قادته في التوصل إلى مقاربة مشتركة»، علما أن مبدأ الإجماع هو المتبع فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. الاتحاد الأوروبي لم تتوافر له، بعد، الشجاعة السياسية للمطالبة بوقف لإطلاق النار ولتوجيه انتقادات لإسرائيل لما تقوم به في غزة. ولا يمكن عدّ ما جاء على لسان جوزيب بوريل، مسؤول السياسية الخارجية والأمن في الاتحاد، كافيا لتغطية العجز الجماعي الأوروبي.

وكتب بوريل على منصة «إكس» الاثنين، منددا بـ«النقص الفادح في القدرة على التمييز»، الذي تعكسه عمليات الجيش الإسرائيلي في غزة، وخصوصا عبر مقتل رهائن ومصلّين ومدنيين فلسطينيين، عاداً أنه «لا بدّ من أن يتوقّف ذلك، والهدنة الإنسانية العاجلة ضرورية». ونوه بوريل بما جاء على لسان وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا الذين عدوا أن «الكثير من المدنيين يقتلون في غزة» ليعطي كلامه مزيدا من القوة.

البابا فرنسيس يبارك في نهاية لقائه الأسبوعي في قاعة البابا بولس السادس بالفاتيكان في 13 ديسمبر 2023 (رويترز)

البابا فرنسيس

ومن جانبه، ندد البابا فرنسيس الأحد بما أقدم عليه جندي إسرائيلي بقتله أمّا وابنتها في باحة الكنيسة الكاثوليكية الوحيدة في غزة. وقال البابا الأحد إن «هذا الأمر حصل حتى داخل رعية العائلة المقدسة، حيث ليس هناك إرهابيون، بل عائلات وأطفال ومرضى ومعوقون».

حتى اليوم ما زال المسؤول الأوروبي يتحدث عن «هدنة» وليس عن «وقف لإطلاق النار».

والحقيقة أن المفردات الأوروبية المستخدمة تتغير بين الحين والآخر نظرا لرفض إسرائيل وقف العمليات القتالية وللمساندة التي تتلقاها حتى اليوم من واشنطن التي تريد فقط، رسميا، من الجيش الإسرائيلي أن «يغير أسلوب العمل» بالتخلي عن عمليات القتل الجماعي التي يتسبب بها القصف المتواصل المكثف منذ 72 يوما. وتلزم باريس موقفا وسطيا بدعوتها إلى «هدنة إنسانية دائمة» ما يقربها كثيرا من مفهوم «وقف النار» الذي صوتت لصالحه في مجلس الأمن والجمعية العامة. ولعل الشيء الوحيد المجمع حوله بتناول ضرورة زيادة المساعدات لقطاع غزة. لكن هل يغني العمل الإنساني عن سياسة واضحة؟


مقالات ذات صلة

رئيس الوزراء المجري الجديد في بروكسل لطيّ خلافات عهد أوربان

أوروبا رئيس الوزراء المجري المنتخب بيتر ماجار (أ.ب)

رئيس الوزراء المجري الجديد في بروكسل لطيّ خلافات عهد أوربان

يجري رئيس الوزراء المجري الجديد بيتر ماجار، الأربعاء، أول لقاءاته بمسؤولي الاتحاد الأوروبي في بروكسل منذ فوزه في الانتخابات

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد ناقلة نفط في روسيا (رويترز)

صادرات النفط الروسية مستقرة في أبريل رغم الهجمات... وقد ترتفع خلال مايو

تمكنت روسيا من الحفاظ على مستويات شحن النفط الخام في موانئها الغربية الرئيسية خلال أبريل (نيسان) عند مستويات مارس (آذار)، رغم استمرار هجمات الطائرات المسيرة...

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد العلم الأوروبي محاطاً بأعلام دول الاتحاد وهي ترفرف أمام مبنى «لويس فايس» بمقر البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ (أ.ف.ب)

البرلمان الأوروبي يقر زيادة «تاريخية» في موازنة 2028 - 2034 لتعزيز الدفاع والتنافسية

صوّت البرلمان الأوروبي، الثلاثاء، لصالح زيادة حجم موازنة الاتحاد الأوروبي للفترة 2028 - 2034، في خطوة تستهدف تعزيز الإنفاق على الدفاع والقدرة التنافسية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
المشرق العربي قريبة أحد الموقوفين في إسرائيل ترفع لافتة تطالب فيه الحكومة السورية بإعادته (الإخبارية)

توغل إسرائيلي جديد في ريف درعا الغربي

انطلقت القوات الإسرائيلية من ثكنة عسكرية تعرف بـ«الجزيرة»، 800 م غرب بلدة «معرية» بريف درعا الغربي، وتتمركز هناك منذ أواخر عام 2024.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أوروبا صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

اليوم هناك أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) باتت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي.

ميشال أبونجم (باريس)

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
TT

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)

أعلن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، في بيان مساء اليوم الأربعاء، أن حديث الرئيس جوزيف عون أمام الهيئات الاقتصادية حول موضوع اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وموضوع المفاوضات، غير دقيق، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال بيان المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب إنه «مع الاحترام لمقام الرئاسة وما يصدر عن فخامة الرئيس، فإن الكلام الذي ورد على لسان فخامة رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة لاتفاق نوفمبر عام 2024 وموضوع المفاوضات».

وكان الرئيس اللبناني قد التقى بعد ظهر اليوم في القصر الجمهوري، وفداً من الهيئات الاقتصادية برئاسة رئيسها الوزير السابق محمد شقير.

وأفاد عون خلال اللقاء: «في كل خطوة اتخذتها كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يحكى في الإعلام».

رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وعن الانتقادات بأن لبنان وافق في البيان الأميركي الذي صدر إثر المحادثات الثلاثية في واشنطن، على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءاتها على لبنان، قال الرئيس عون: «إن هذا الكلام ورد في بيان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، وهو النص نفسه الذي اعتمد في نوفمبر 2024، والذي وافق عليه جميع الأطراف. وهو بيان وليس اتفاقاً؛ لأن الاتفاق يتم بعد انتهاء المفاوضات».


الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني
TT

الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، الأربعاء، في قصر الشعب بدمشق، وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ.

حضر اللقاء وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، ومن الجانب الفلسطيني: رئيس المجلس الوطني روحي فتوح، وعضو اللجنة المركزية سمير الرفاعي، والمستشار وائل لافي.

وجرى خلال اللقاء بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين، بحسب ما ذكرته رئاسة الجمهورية عبر منصاتها الرسمية.

من جانبه، أكد نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، في منشور عبر منصة «إكس» بعد اللقاء، موقف حكومته الثابت في دعم وحدة الأراضي السورية، إلى آخر المستجدات في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع، قد استقبل في العام الفائت رئيس دولة فلسطين محمود عباس والوفد المرافق له في قصر الشعب بدمشق.

يأتي اللقاء، بحسب موقع تلفزيون (سوريا) في ظل تطورات تتعلق بأوضاع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، إذ كانت الرئاسة السورية قد أعلنت في سبتمبر (أيلول) الماضي، إعادة النظر في صفة «ومن في حكمهم» المستخدمة للإشارة إلى الفلسطينيين المقيمين في البلاد، وذلك استجابةً لمطالب متكررة من فلسطينيي سوريا.

وجرى تشكيل لجنة حكومية لدراسة إدراج هذه الفئة ضمن القوانين المطبّقة على المواطنين السوريين، في خطوة اعتُبرت محاولة لمعالجة إشكالات قانونية ظهرت مؤخراً، بعد تداول تعديلات إدارية وصفت بعض الفلسطينيين بـ«مقيمين» أو «أجانب»، ما أثار مخاوف بشأن حقوقهم.

ويتمتع الفلسطينيون في سوريا تاريخياً بوضع قانوني خاص يمنحهم حقوقاً مدنية شبه كاملة مماثلة للسوريين، باستثناء الحقوق السياسية، بموجب القانون رقم 260 لعام 1956، ما جعلهم جزءاً أساسياً من النسيج الاجتماعي في البلاد، رغم بروز تحديات إدارية في السنوات الأخيرة، بحسب الموقع.


امتحانات الشهادات الثانوية العامة في السويداء تعود إلى إشراف الدولة

اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)
اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)
TT

امتحانات الشهادات الثانوية العامة في السويداء تعود إلى إشراف الدولة

اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)
اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)

قال مصدر رسمي سوري إن مباحثات جرت بين مديرية التربية والتعليم في محافظة السويداء ومحافظها مصطفى البكور، ووزارة التربية والتعليم، أسفرت عن «الموافقة على دخول وفد وزاري إلى المحافظة للإشراف على سير العملية الامتحانية لعام 2026، وفق الشروط القانونية المتبعة التي تمليها وزارة التربية ومعايير نجاحها».

كما لفت المصدر إلى إطلاق تهديدات داخل السويداء ضد أي وفد حكومي يدخل المحافظة، وأعربت مصادر من المحافظة عن مخاوفها من قيام المسلحين بـ«إثارة فوضى إذا دخل وفد وزاري للإشراف على الامتحانات».

وأوضح مدير العلاقات الإعلامية في محافظة السويداء، قتيبة عزام، لـ«الشرق الأوسط»، أن الإشراف على سير الامتحانات يأتي «حرصاً من الحكومة السورية على ضمان حق أبنائنا الطلبة في محافظة السويداء في التقدم لامتحاناتهم في أجواء مناسبة». لكنه لفت إلى إطلاق «مسلحين خارجين عن القانون داخل السويداء، لا يمثلون أهالي المحافظة، عشرات التهديدات بالقتل ضد أي وفد حكومي يدخل السويداء»، وفي الوقت ذاته، أكد أن «الدولة السورية تسعى جاهدة إلى إنهاء معاناة الطلبة رغم تلك التهديدات».

وكانت وزارة التربية والتعليم السورية قد أعلنت أن امتحانات الشهادة الثانوية العامة (البكالوريا) بفرعيها العلمي والأدبي والثانوية الشرعية للعام الدراسي 2026، ستبدأ في يونيو (حزيران) وتستمر حتى نهاية الشهر، بينما تبدأ امتحانات شهادة التعليم الأساسي (الإعدادية) في الرابع من يونيو.

منظر عام لمدينة السويداء

يذكر أنه عند اندلاع أزمة السويداء منتصف يوليو (تموز) الماضي، التي أسفرت عن مقتل العشرات من السكان البدو ومسلحي الفصائل المحلية وعناصر من الجيش والأمن، كانت امتحانات الشهادتين الثانوية العامة والإعدادية تجري.

وفي حين أتم طلاب الشهادة الإعدادية امتحاناتهم وصدرت نتائجها، توقفت امتحانات الشهادة الثانوية العامة في ذلك الوقت. وبعد سيطرة شيخ العقل حكمت الهجري، وما يعرف بـ«الحرس الوطني» التابع له، على مساحات واسعة من المحافظة ذات الأغلبية السكانية الدرزية، استأنفت مديرية التربية والتعليم في السويداء العملية الامتحانية من دون التنسيق مع وزارة التربية والتعليم التي لم تعلن تبني تلك الدورة الامتحانية.

ويسود حالياً قلق كبير في أوساط الأهالي في السويداء حيال مستقبل أبنائهم التعليمي. وفي سؤاله عما إذا كان التوافق الذي حصل في ملف امتحانات الشهادات العامة يمكن أن ينسحب على ملفات أخرى عالقة في المحافظة، أوضح عزام أن «هناك جهات في السويداء تعطل أي مسار للحل ينهي معاناة أهالي المحافظة، لأن همها مصالحها الشخصية وتنفيذ أجندات خارجية».

مطالبات طلابية في اعتصام سابق بالسويداء لتعويض ما فاتهم من دروس (متداولة)

من جهتها، أعلنت مديرية التربية والتعليم في السويداء جاهزيتها التامة لإجراء امتحانات الشهادات العامة، مؤكدة التزامها بتطبيق التعليمات والأنظمة الوزارية المعتمدة بما يضمن سير العملية الامتحانية بشكل منظم وآمن.

وقال رئيس قسم الامتحانات في السويداء، لقاء غانم، وفق «مركز إعلام السويداء»، إن هذا الاستعداد يأتي في إطار الحرص على تحقيق المصلحة العامة وضمان حق الطلبة في التقدم لامتحاناتهم ضمن أجواء مناسبة، مشيراً إلى أن عدد الطلاب المسجلين للدورة الحالية يبلغ نحو 13500 طالب وطالبة.

وأوضح غانم أن المديرية استكملت كل المستلزمات والتجهيزات اللوجستية، إلى جانب اتخاذ الإجراءات الضرورية لإنجاح العملية الامتحانية، متمنياً التوفيق والنجاح لجميع الطلبة.

هذا، وتداول بعض المصادر الإعلامية أنباء مرافقة عناصر من «الأمن العام» التابع للحكومة لوفد وزاري إلى السويداء بهدف تأمين الحماية. إلا أن مصدراً مسؤولاً نفى صحة هذه الأنباء، مؤكداً أن ما يتم تداوله يندرج ضمن الشائعات، وأن مصلحة الطلبة ستبقى في صدارة الأولويات.

وأوضح المصدر أن المناقشات جارية لاتخاذ الإجراءات المناسبة لضمان إتمام الامتحانات، بما يتوافق مع الأنظمة المعتمدة في وزارة التربية والتعليم في سوريا، التي تتطلب بطبيعتها وجود عناصر من «الشرطة» لضمان أمن وسلامة العملية الامتحانية.

ورصد «مركز إعلام السويداء»، تداول منشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي تتضمن تهديدات محتملة للوفد الوزاري، من بينها ما نُسب إلى حسابات أشارت إلى تهديدات مباشرة، الأمر الذي أثار قلق الأهالي والطلبة وسط دعوات إلى تحييد العملية التعليمية عن أي توترات، والحفاظ على مستقبل الطلبة بعيداً عن أي محاولات للتعطيل أو الاستغلال.

لافتة مطالب طلاب الثانوية العامة في السويداء لتقديم الامتحانات برعاية وزارة التربية السورية (متداولة)

وأعرب مراقبون عن استغرابهم من إطلاق مسلحين داخل السويداء عشرات التهديدات بالقتل ضد أي وفد حكومي يدخل السويداء للإشراف على العملية الامتحانية، بحكم أن هذا الأمر تم بموافقة ضمنية من الهجري.

وبهذا الصدد، بيّن مصدر درزي في داخل مدينة السويداء، أن الهجري يصدر كثيراً من القرارات «بشكل شفهي بهدف امتصاص غضب الأهالي، لكنه في الوقت نفسه يعطي تعليمات لجماعته للعمل بشكل مناقض، وهذا هو أسلوبه».

وأضاف المصدر لـ«الشرق الأوسط»: «الناس فرحت بما تم إعلانه، ولكن ليس هناك ضمانات بألا يقوم هؤلاء المسلحون بافتعال فوضى إذا دخل وفد وزاري للإشراف على الامتحانات».