قلق فلسطيني من ضوء أخضر أميركي لتهجير أهالي غزة

فلسطينيون يبحثون في أنقاض مبنى دمره قصف إسرائيلي على رفح جنوب قطاع غزة (د.ب.أ)
فلسطينيون يبحثون في أنقاض مبنى دمره قصف إسرائيلي على رفح جنوب قطاع غزة (د.ب.أ)
TT

قلق فلسطيني من ضوء أخضر أميركي لتهجير أهالي غزة

فلسطينيون يبحثون في أنقاض مبنى دمره قصف إسرائيلي على رفح جنوب قطاع غزة (د.ب.أ)
فلسطينيون يبحثون في أنقاض مبنى دمره قصف إسرائيلي على رفح جنوب قطاع غزة (د.ب.أ)

يبدي البعض إعجابهم بما يرونه «تبدلاً» في الموقف الأميركي الداعي لتغيير آلية العمل العسكري في قطاع غزة وتخفيف حدة القصف ويعدونه «انقلاباً» على الرغبة الإسرائيلية في مواصلة العمليات بذات الوتيرة، بينما يتشكك البعض الآخر فيما وراءه.

تمثل هذا «التبدل» في تصريحات مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان الذي أكد لإسرائيل خلال أحدث زيارة لها ضرورة الانتقال خلال أسابيع إلى مرحلة تالية من الحرب تكون «أقل حدة».

وذات الموقف أكد عليه الرئيس الأميركي جو بايدن الأسبوع الماضي عندما قال خلال كلمة في تجمع انتخابي لجمع التبرعات لحملته إنه يريد أن تنهي إسرائيل عمليتها البرية الواسعة في قطاع غزة في غضون ثلاثة أسابيع أو نحو ذلك، وانتقد حكومتها قائلاً إنها «أكثر الحكومات محافظة» في تاريخ إسرائيل ولا تريد حل الدولتين.

ورغم أن كلمة بايدن كانت بعيداً عن الإعلام الرسمي، وكان الرئيس الأميركي يتحدث فيها بأريحية، كان البيت الأبيض معنياً على ما يبدو بوصول تفاصيلها إلى الرأي العام الأميركي والعالمي، خاصة في جزئية انتقاد الحكومة الإسرائيلية وطابعها اليميني المتطرف والتأكيد على أن إسرائيل بدأت تفقد الدعم الدولي بسبب حربها بقطاع غزة.

فالإدارة الأميركية عادت في اليوم التالي لتسريبات حديث بايدن لتؤكد ما جاء بها. كما قال بايدن رداً على سؤال أحد الصحافيين عما إذا كان يريد من إسرائيل تقليص هجومها على غزة: «أريدهم أن يركزوا على كيفية إنقاذ أرواح المدنيين وأن يكونوا أكثر حذراً، لا أن يتوقفوا عن ملاحقة (حركة) حماس».

وبعد هذه التصريحات المتعددة، تحرك مسؤولون أمنيون أميركيون نحو إسرائيل لرسم ملامح المرحلة التالية. وبعد زيارة سوليفان، سيصل وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، يوم الاثنين، لبحث تفاصيل المهمة ذاتها التي اتفق مستشار الأمن القومي على خطوطها العريضة.

ويبدو أن كل ما يخرج من دائرة تسريبات غير مقصودة يدخل في دائرة تدحرج مقصود إلى تصريحات تؤسس لواقع المرحلة التالية.

الضوء الأخضر

قال إبراهيم خريشة، مندوب فلسطين في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إن من ينتقد الحكومة الإسرائيلية وقصفها غزة «لا يقف مشرّعاً سلاح حق النقض (الفيتو) في وجه قرار إنساني يدعو لوقف قتل الناس الأبرياء وتحقيق هدنة إنسانية في غزة».

ويشير خريشة إلى مقتل قرابة 20 ألفاً في غزة، أكثر من نصفهم من النساء، ويقول إن كل القطاع تعرض لتدمير جزئي أو كلي، مضيفاً: «أميركا ما زالت تعطي إسرائيل الضوء الأخضر للاستمرار في جرائمها، بل إن هناك تناقضاً مكشوفاً على صعيد الإدارة الأميركية في التصريحات... بعض التصريحات معسولة وتنتقد الحرب، وبعضها تؤكد استمرار الحرب».

ويقول إن ما تلقفته إسرائيل هو أن لديها الضوء الأخضر لمواصلة عملياتها.

أما الفلسطينيون فيتطلعون بقلق إلى «الشق غير المعلن»، كما يسمونه، من خطط بعيدة المدى تهدف إلى تهجيرهم بطريقة غير تقليدية من خلال جعل غزة طاردة لأهلها، غير صالحة للعيش فيها.

وقال بعض سكان غزة لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إن ما يجري على الأرض من دمار هائل يبرهن على أن القدرة على العيش ستكون معدومة في قطاع مدمَّر.

من ضمن هؤلاء إسلام حامد من مدينة غزة، الذي قال: «لم يعد هناك مكان صالح للعيش في شمال قطاع غزة... الدمار طال كل شيء، ومقومات الحياة تنتهي أو حتى انتهت... فلا غذاء ولا ماء ولا دواء».

وأضاف: «أظن أن ما يجري هو دفع غير مباشر للناس لتقرر بنفسها الخروج من غزة إلى أماكن أخرى في العالم بمجرد أن يُتاح لهم السفر».

البعد النفسي

يعد الباحث خلف خلف أن فكرة جعل قطاع غزة غير قابل للعيش ستدفع الفلسطينيين في نهاية المطاف إلى التفكير بشكل جدي في الهجرة إلى خارج القطاع، وليس شرطاً أن يكون ذلك على شكل نزوح.

ونوّه في حديث لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إلى أن فكرة دولة إسرائيل قامت بالأساس على عدم وجود فلسطينيين وعلى أن تمتد دولة إسرائيل من النهر إلى البحر.

ويضيف: «إسرائيل تتحدث دوماً عن صراع ديموغرافي وقلق من تفوق سكاني فلسطيني على الإسرائيليين، وبالتالي يظل هذا الهاجس يراود الإسرائيليين بشكل دائم... وما يحدث في غزة يبدو أنه فرصة مثالية لإفراغ القطاع من أهله بطريقة طوعية».

ويؤكد المختص في الشأن الإسرائيلي عزام أبو العدس أن الولايات المتحدة هي شريك مباشر في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، سواء بالتخطيط أو التنفيذ.

وقال لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «مصلحة واشنطن ربما تفوق مصلحة إسرائيل في القضاء على المقاومة في قطاع غزة، فالولايات المتحدة لديها الكثير مما تخسره إذا كسبت المقاومة هذه الحرب».

ويستطرد أبو العدس قائلاً إن الأهم مما يحدث حالياً في الميدان هو «البعد النفسي»، مشيراً إلى أن ما قامت به «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يعني أن بإمكان الفصائل في غزة «تحدي أي قوة متعاونة ومتحالفة مع أميركا».

وأضاف: «ما تخشاه واشنطن أن ينظر العالم العربي إلى المقاومة بصورة المنتصر، وهذا يمكن أن يشكل كسراً للحاجز النفسي لدى الشعوب العربية بأنها يمكن أن تحقق نصراً على المصالح الأميركية في كل المنطقة، وهو ما يجعل الولايات المتحدة أكثر اهتماماً من إسرائيل بنتائج هذه الحرب».

التهجير الطوعي

الدكتور واصل أبو يوسف، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، قال إن إسرائيل وبرعاية مباشرة من الولايات المتحدة لم تُسقط خيار تهجير الفلسطينيين سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية بغض النظر عن الطريقة التي يمكن تهجيرهم بها.

وأضاف لـ«وكالة أنباء العالم العربي» أن إسرائيل تعلن بشكل صريح على لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية أن هذه الحرب تشمل «الكل الفلسطيني وليس قطاع غزة فحسب».

وقال: «هذا ينذر بمخاطر كبيرة، وتصريح إسرائيلي رسمي بمنع إقامة دولة فلسطينية... واضح أن أميركا تؤيد ذلك من خلال سلاح الفيتو في مجلس الأمن الذي تُشهره ضد أي محاولة إنسانية لوقف الحرب».

وتابع: «هناك استهتار أميركي إسرائيلي بكل المنظومة الدولية»، مشدداً على أن واشنطن وإسرائيل متمسكتان بخطط التهجير بغض النظر عن طريقة تنفيذها.

من الناحية الديموغرافية، ضاقت غزة على سكانها. فمساحة 365 كيلومتراً مربعاً بالمنطق المكاني والزماني لا يمكن أن تتسع لعدد 2.3 مليون نسمة إلا في حال تم تصميم المساحة المكانية على هذا الأساس كما المدن الحديثة في العالم.

لذا فإن خطر «اليوم التالي للحرب» لا يكمن فقط بمن يحكم غزة ولا بمن يدفع التكلفة، بل وفي «هل يمكن لأهل غزة العيش فيها؟».

وخلاصة ما يقوله المراقبون والمسؤولون الفلسطينيون أن إسرائيل تعمل بعقلية تجعل غزة «مكاناً طارداً لأهله»، ويشيرون إلى أن إسرائيل لم تعتد يوماً على الحروب طويلة المدى، وإلى أن فكرة تحويل الدول إلى «دول فاشلة» بعد الانسحاب منها هي فكرة أميركية بالأساس.

ويخشى الفلسطينيون من كلمات علقت في أذهانهم للرئيس الأميركي عندما قال في ذات المؤتمر الانتخابي: «لو لم تكن إسرائيل موجودة لاخترعنا واحدة»، وهو ما يرسخ مخاوفهم من ترك قطاع غزة أرضاً خالية من مقومات العيش.


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقارب المراهق الفلسطيني أوس حمدي النعسان يشاركون في جنازته شرق مدينة رام الله في الضفة الغربية (إ.ب.أ) p-circle

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية، اليوم (الأربعاء)، وهو الضحية الثالثة في غضون يومين.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
المشرق العربي 
والدة الفلسطيني جهاد أبو نعيم تبكي بعد مقتله بنيران مستوطنين إسرائيليين في قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)

المستوطنون يباغتون رام الله بـ«مجزرة»

باغت مستوطنون إسرائيليون قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية، أمس (الثلاثاء)، بهجوم مسلح أسفر عن مقتل فلسطينيين اثنين، أحدهما طالب في مدرسة.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي امرأة فلسطينية تمر بجوار جنود إسرائيليين يقومون بدورية في سوق البلدة القديمة بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

تقرير: جنود إسرائيليون يستخدمون الاعتداء الجنسي لدفع الفلسطينيين إلى النزوح

قال خبراء في حقوق الإنسان والقانون إن الجنود والمستوطنين الإسرائيليين يستخدمون الاعتداء والتحرش الجنسي لإجبار الفلسطينيين على ترك منازلهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول حطام سيارة الشرطة التي دُمرت في الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية في غزة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا، اليوم الثلاثاء، بنيران الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.