الدردري لـ«الشرق الأوسط»: قطاع غزة عاد 21 سنة إلى الوراء في التنمية البشرية

الأمين العام المساعد للأمم المتحدة: الأرقام لا تستطيع التقاط حجم الكارثة

TT

الدردري لـ«الشرق الأوسط»: قطاع غزة عاد 21 سنة إلى الوراء في التنمية البشرية

جريحان فلسطينيان في مستشفى بدير البلح في وسط قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
جريحان فلسطينيان في مستشفى بدير البلح في وسط قطاع غزة الجمعة (أ.ب)

قال الأمين العام المساعد للأمم المتحدة والمدير الإقليمي للدول العربية عبد الله الدردري، إن «الأرقام اليوم لا تستطيع أن تلتقط حجم الكارثة التي يشهدها قطاع غزة»، بسبب استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الإنسانية وعدم توافر متطلبات الحياة داخل القطاع، من طاقة ومياه نظيفة، وانقطاع التعليم والتراجع الكبير في مستويات تقديم الخدمات الصحية بعد خروج عدد من المستشفيات عن الخدمة.

هنا؛ يبدو مدخل المسؤول الأممي للحديث عن مهمته حيال التعريف بالآثار والتداعيات للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ومأساة العقاب الجماعي التي يعيشها المدنيون، وأرقام النزوح نحو مساحات ضيقة، أقل أولوية أمام ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ووقف معاناة شعب كان محاصراً قبل الحرب وصار مطارداً بعدها.

الدردي أكد في حوار خاص مع صحيفة «الشرق الأوسط» من عمان، على ما قاله جوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي بأن «شراسة القصف على غزة تجاوزت شراسة الحرب العالمية الثانية»، موضحاً بصفته عاملاً في مجال النزاعات وإعادة الإعمار في عدد من الدول «بأننا لم نر سابقاً هذا الحجم من الدمار في هذه المدة الزمنية القصيرة».

وشدد الدردري على أن «الآثار الاقتصادية للحرب على غزة ستبقى فترة طويلة من الزمن»، خصوصاً في ظل تدمير أكثر من 60 في المائة من منازل غزة حتى الآن، وهي منازل جرى تدميرها جزئياً أو كلياً، مضيفاً أن «هذا الدمار تفوق نسبته نسبة أي دمار في أي حرب، سواء حرباً أهلية أو نزاعاً داخلياً أو نزاعاً بين الدول منذ الحرب العالمية الثانية في هذه المدة القصيرة».



غزة تعود إلى الوراء 21 عاماً

كشف الدردري أن قطاع غزة عاد قرابة 21 سنة إلى الوراء في التنمية البشرية، أي إلى ما كان عليه الوضع عام 2002، وخسر ما قيمته 50 مليار دولار من الاستثمارات في الصحة والتعليم والبنى التحتية والصرف الصحي والطاقة، مشيراً إلى أن «الحرب دمرت معظم مشروعات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في غزة»، ومذكراً بأن «مواجهات (سيف القدس) التي اندلعت في مايو (أيار) من عام 2021، دُمر فيها 1700 منزل في غزة، أعيد بناء 200 منزل منها فقط، وقد تكون هذه المنازل الـ200 دمرت خلال الحرب الدائرة اليوم»، في إشارة إلى بطء وتيرة برامج إعادة الإعمار في ظروف المناطق غير المستقرة.

ويجْمِل المسؤول الأممي خسائر الاقتصاد الفلسطيني برمته وليس في غزة فقط بحوالي 8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني، أي ما يعادل 1.7 مليار دولار أميركي، من أصل الناتج الوطني الفلسطيني الذي بلغ 20 مليار دولار. برأيه «الخسارة ليست في الرقم الذي ذكرته، بل الخسارة الحقيقية هي التراجع الهائل في تنمية الموارد البشرية»، ويخشى من حالة التأخر في جهود إعادة الإعمار، وطبيعة الخسارة المتراكمة للتنمية البشرية والاقتصادية على مستوى السكان.

ويذهب في تقديراته إلى فرضية أن إعادة الإعمار لو استغرقت سنوات، فهذه المدة ستستنزف خسائر في الموارد البشرية وتؤخر من مؤشراتها، «فعجلة التنمية ستتعطل ولن تتوقف عند توقف الحرب، خصوصاً في ظل الحديث عن التوقف التام لنحو 90 في المائة من النشاطات الاقتصادية في غزة»، حسب ما قال.

عبد الله الدردري الأمين العام المساعد للأمم المتحدة والمدير الإقليمي للدول العربية (الشرق الأوسط)

انعكاسات على الضفة

يذهب المسؤول الأممي إلى ما تستنزفه الحرب على غزة وانعكاساتها الأولية على الضفة الغربية بقوله إن هناك خسائر اقتصادية فادحة و«كما تعلمون فإن المزارعين الفلسطينيين لم يتمكنوا من قطاف الزيتون في موسمه، وكذلك قطاف إنتاجهم من الحمضيات، نتيجة اعتداءات المستوطنين والوضع الأمني السيئ ومنع المستوطنين للمزارعين التوجه إلى حقولهم. كما أن هناك تقطيعاً حاصلاً لأوصال المدن والقرى داخل الضفة».

ويفاقم من الخسارة على صعيد الاقتصاد الإسرائيلي، حسب الدردري، أن السياحة تعطلت. ويضيف: «السياحة والزراعة تشكلان 40 في المائة من الاقتصاد الفلسطيني، وهذه خسارة كبيرة، كما أن الرواتب والأجور التي تشكل جزءاً كبيراً من الاقتصاد الفلسطيني، وأقصد أجور العاملين في السلطة، والإدارات الحكومية وغيرها، مقطوعة منذ أكثر من شهرين».

وبتقديرات المسؤول الأممي، فإن النمو الاقتصادي يتطلب الاستهلاك والإنتاج والاستثمار، وهي جميعها معطلة في الاقتصاد الفلسطيني وغير متوفرة.

وعلى الرغم من أن غزة تشكل فقط 20 في المائة من الناتج المحلي الفلسطيني، فإن تراجع الاقتصاد الفلسطيني 8 في المائة خلال شهرين هو أمر كبير، حسب الدردري. ويضيف: «التوقعات تشير في حال استمرت الحرب لمدة ثلاثة أشهر، وهي مدة يبدو أنها مستمرة، فإن التأثر في الناتج المحلي الإجمالي سيصل إلى 2.5 في المائة، مليار دولار للاقتصاد الفلسطيني ككل، وأيضاً سيصل إجمالي الخسائر في التنمية البشرية في الاقتصاد الفلسطيني كاملاً وليس في غزة فقط إلى 16 عاماً ليتعافى الوضع الاقتصادي».



التنمية البشرية وواقع غزة

يضم مؤشر التنمية البشرية ثلاثة مكونات أساسية؛ الأول هو حصة الفرد من الناتج القومي، الثاني هو عدد سنوات التعليم، والثالث هو العمر المتوقع عند الولادة. بذلك تتشكل مؤشرات الصحة والتعليم والاقتصاد، الاقتصاد أصيب بهذه الهزة الكبيرة، الصحة دمرت بشكل واضح، والتعليم كذلك.

في هذا السياق يؤكد الأمين العام المساعد للأمم المتحدة أن المجتمعات في النهاية تسعى لتحسين مؤشرات التنمية البشرية، لكن يستدرك بأن غزة الآن عادت إلى ما قبل عام 2002 تقريباً. ويقول: «كل ما بني في التنمية البشرية الفلسطينية حتى الآن مسح. يجب أن نبدأ من تلك النقطة نقطة عام 2002، ولا نعرف كم سنة نحتاج للوصول لتلك النقطة».

نصف مليون فقير إضافي

وعن معدلات الفقر في فلسطين، يتوقع الدردري أن ترتفع من 1.8 مليون فلسطيني إلى 2.3 مليون، أي بزيادة نحو 500 ألف شخص، وهذا فقط خلال شهرين وها نحن نمضي في الشهر الثالث، والفقر لا يزداد عادة بهذه النسب الكبيرة خلال فترات قصيرة جداً.

ويلفت إلى أن الآثار المترتبة على الحرب على غزة تفوق السنة ونصف السنة من آثار أزمة «كورونا» بالنسبة للفقر والبطالة، فعدد العاطلين عن العمل ارتفع حوالي 300 ألف، و«هنا نشهد كارثة اقتصادية وتنموية وإنسانية لم نر مثلها في هذه المدة القصيرة، والتحدي الآن أن إعادة إعمار تتطلب وقتاً طويلاً، لكن حجم الأزمة كبير عندما تتحدث عن نحو مليوني شخص بلا منازل ومستشفيات ومدارس، فإعادة إعمار كل ذلك وتسكين الناس وإعادة بعض الخدمات الصحية والتعليمية ومياه الشرب والصرف الصحي تتطلب وقتاً وتكاليف».

فلسطينيون يتفقدون موقع غارة إسرائيلية على منزل في رفح جنوب قطاع غزة الخميس (رويترز)

بؤرة للانفجار الإنساني

وتابع: «نحن نتحدث عن مليوني نازح داخلي في منطقة صغيرة جداً، بوضع إنساني لا يسمح بتوفر الأغذية وهي واحدة من أهم متطلبات إدامة الحياة للمواطن»، مضيفاً: «أستطيع أن أصف الواقع بأنه بؤرة للانفجار الإنساني، بمعنى انفجار كل المشاكل الإنسانية في وقت واحد».

ويتساءل هل هذا الوضع محدود في فلسطين وحدها! ويجيب: «بالطبع لا، فالمنطقة متصلة، فإذا تم احتواء الحرب خلال 3 أشهر، وانتهت مثلاً مع نهاية العام، فإن الخسارة في الناتج المحلي الإجمالي لمصر والأردن ولبنان، ستكون بحوالي 2.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وقد يظن البعض بأن هذا الرقم متواضع، لكن أن تتراجع نسب وأرقام النمو لسبب يجري خارج حدودك وفي فترة زمنية قياسية، هذا أمر خطير، وعلينا أن نتخيل كم من الاستثمارات المطلوبة لتعويض الخسارة من النسب التي نتحدث عنها».

ويزيد: «إذا وضعنا سيناريو استمرار الحرب لثلاثة أشهر إضافية، فإن الخسارة بالنسبة للدول التي ذكرتها ستصل إلى 4.5 في المائة، أي بحوالي 19 مليار دولار، وهذا الرقم كبير على الرغم من أن هذه الدول غير منخرطة في الحرب، جزئياً في لبنان قد يكون الحال مختلفاً، لكن الدول الأخرى غير لبنان متأثرة بتداعيات حرب غزة، ولتعويض هذه الخسائر ستحتاج إلى استثمارات إضافية ووقت طويل، كما أن التقديرات تشير إلى أن هذه الدول الثلاث ستخسر سنتين إلى ثلاث سنوات في التنمية البشرية».

شخصان يبحثان عن مقتنيات سلمت في بيت دمره القصف الإسرائيلي لبلدة مجدل زون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وتابع: «القضية في المنطقة اليوم هي أن هذا النزاع أتى في وقت ما زالت فيه المرحلة هشة، لأن المنطقة الآن تخرج من آثار وباء فيروس (كورونا) وتداعياته على الاقتصاد والقطاعات الاقتصادية عموماً، وقد بدأنا نشهد انتعاشة في القطاع السياحي مثلاً في الأردن، وهذه الانتعاشة تأثرت، وكذلك الحال في مصر، ولبنان الذي يعاني معاناة شديدة، لكننا بدأنا نشهد استقراراً بمعنى توقف في التراجع الاقتصادي، لا بل قد لمسنا بعض التعافي في اقتصاد لبنان، طبعاً هذا رغم أن مستوى التعافي منخفض، وهذا كله تأثر بالحرب اليوم ونتائجها المتوقعة لاحقاً، سواء امتدت أشهراً أو توقفت اليوم».

وأشار إلى أنه في الموضوع اللبناني «سنصدر قريباً تقريراً خاصاً في لبنان، وأستطيع القول مبدئياً إنه حتى هذه اللحظة أحرقت 40 ألف شجرة زيتون في الجنوب اللبناني بسبب القنابل الفسفورية، وطبعاً هذه تشكل دخلاً لآلاف الأسر. والخلاصة أن المنطقة تأثرت في مجالات الاقتصاد الحيوي على مستوى الدول والسكان ومؤشرات التنمية البشرية. واليوم نحن نتوقع، إذا استمرت هذه الحرب بمستواها الحالي من دون أي تصاعد في وتيرة العنف والتدمير ومن دون توسع جغرافي، فإن عدد الفقراء سيرتفع إلى أكثر من نصف مليون فقير في هذه الدول الثلاث، فهذه الحرب حتى الآن آثارها الإقليمية ملموسة لكنها قابلة للاحتواء، أما إذا استمرت الحرب، فالنتائج ستكون كبيرة وسيتحمل المجتمع الدولي تعويض هذه الخسائر».

وقال الدردري: «نحن نطالب بوقف الحرب. هناك فرصة إذا ما توقفت الحرب الآن، لأن آثارها الاقتصادية في المنطقة رغم أنها ملموسة، لكنها ما زالت قابلة للاحتواء. أما التوسع الزمني فسيؤدي إلى مضاعفة هذه الآثار».


مقالات ذات صلة

القطاع الصحي في غزة... أزمات لا تنتهي وواقع ينذر بانهيار تام

المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون الأضرار في مستشفى الشفاء بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من المستشفى في مدينة غزة يوم 1 أبريل 2024 (رويترز)

القطاع الصحي في غزة... أزمات لا تنتهي وواقع ينذر بانهيار تام

لم تكتفِ إسرائيل بالإضرار بالمستشفيات من خلال اقتحامها، وقصفها، بل تواصل تحكمها بالمواد، والمستلزمات الطبية، وكذلك في سفر المرضى إلى الخارج لتلقي العلاج.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية كوشنر في الوسط خلال مصافحة بين نيكولاي ملادينوف (يمين الصورة) وستيف ويتكوف في دافوس 22 يناير 2066 (أ. ف. ب)

اختبار أميركي لنتنياهو بين غزة والضفة والانتخابات

يقوم المفاوض الأميركي، جاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترمب، بجولة تشمل إسرائيل ومصر، لن تكون لإنعاش خطة متعثرة في غزة وحسب؛ إذ سيرافقه الممثل الأعلى

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم العربي منازل مدمرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

زيارة كوشنر المرتقبة للمنطقة تعزز رهان «وسطاء غزة» على ضغوط واشنطن

زيارة مرتقبة للمبعوث الأميركي جاريد كوشنر إلى المنطقة هذا الأسبوع لدفع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الموقع في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية جاريد كوشنر يتحدث في الكنيست الإسرائيلي (أرشيفية - رويترز)

كوشنر في المنطقة... اختبار أميركي لنتنياهو بين غزة والضفة والانتخابات

من المقرر أن يصل جاريد كوشنر ونيكولاي ملادينوف وتوني بلير إلى إسرائيل، الأحد، قبل الانتقال إلى القاهرة.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الكونغرس (أرشيفية - إ.ب.أ)

تقرير: لجنة أميركية تزعم دعم الصين لاحتجاجات ضد إسرائيل في بريطانيا

قالت صحيفة «تلغراف» البريطانية، الخميس، إن لجنة في الكونغرس الأميركي تجري تحقيقاً في مزاعم الدعم الصيني السري لمنظمة «كود بينك».

«الشرق الأوسط» (لندن)

الاستخبارات السورية تعلن القبض على قيادي بارز في «داعش»

عناصر أمن سورية في دمشق (أ.ب)
عناصر أمن سورية في دمشق (أ.ب)
TT

الاستخبارات السورية تعلن القبض على قيادي بارز في «داعش»

عناصر أمن سورية في دمشق (أ.ب)
عناصر أمن سورية في دمشق (أ.ب)

أعلنت الاستخبارات السورية، اليوم (السبت)، إلقاء القبض على قيادي بارز في تنظيم «داعش» الإرهابي، وفق ما أفاد مصدر في جهاز الاستخبارات العامة وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).

على صعيد موازٍ، أعلنت قوى الأمن الداخلي في محافظة درعا إلقاء القبض على المقدم السابق في شرطة نظام بشار الأسد، «المدعو مصعب أبو ركبة».

وذكرت قوى الأمن الداخلي، في بيان صحافي اليوم، أنه «في إطار جهود مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن والاستقرار، ألقت قوى الأمن الداخلي في درعا القبض على المدعو أبو ركبة، المقدّم السابق في فرع الأمن السياسي في الرقة إبان عهد النظام البائد».

وأضاف البيان أن توقيفه في قضايا الإرهاب، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».


إسرائيل تستغل أزمة «البنوك الفلسطينية» لتمرير دعم المستوطنين بالضفة

مستوطنة إسرائيلية قرب قرية قصرة في الضفة الغربية المحتلة السبت (رويترز)
مستوطنة إسرائيلية قرب قرية قصرة في الضفة الغربية المحتلة السبت (رويترز)
TT

إسرائيل تستغل أزمة «البنوك الفلسطينية» لتمرير دعم المستوطنين بالضفة

مستوطنة إسرائيلية قرب قرية قصرة في الضفة الغربية المحتلة السبت (رويترز)
مستوطنة إسرائيلية قرب قرية قصرة في الضفة الغربية المحتلة السبت (رويترز)

على الرغم من تحذير الجيش الإسرائيلي من أن الضفة الغربية على وشك فقدان السيطرة والانفجار، بسبب ضعف السلطة من جهة، وإرهاب المستوطنين المستمر، من جهة ثانية، يواصل المستوى السياسي في إسرائيل محاصرة وإضعاف السلطة، ودعم المستوطنين بكل الطرق.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، استغل مسألة حاجة السلطة الفلسطينية إلى استمرار «العلاقة البنكية»، وساوم الدول التي ضغطت من أجل ذلك، مقابل غض الطرف عن المستوطنين في الضفة والتوسع الاستيطاني.

وكانت الحكومة الإسرائيلية المصغرة قد أخذت، الشهر الماضي، قراراً بتمديد العلاقة مع البنوك الفلسطينية في اقتراح مثير قدمه سموتريتش نفسه الذي كان قد أعلن قبل ذلك أنه سيلغي الآلية التي تمكّن بنوك السلطة الفلسطينية من العمل مع البنوك الإسرائيلية.

فلسطينيون يستعملون هواتفهم فيما مستوطنون وجنود إسرائيليون خارج منزلهم في قرية القصرة قرب نابلس السبت (رويترز)

وبناءً على ذلك وجهت الحكومة للبنوك الإسرائيلية خطاب تعويض (حصانة) تتحمل بموجبه المسؤولية القانونية في حال وجود مطالبات أو غرامات في الخارج.

وقال مسؤولون إسرائيليون إن قرار تمديد العلاقة أُخذ؛ لأن الحكومة لا تريد انهيار السلطة.

ولا تملك البنوك الفلسطينية وصولاً مباشراً إلى النظام المالي العالمي؛ لذا فهي تحتاج إلى بنوك إسرائيلية تعمل كوسيط بينها وبين هذا النظام، وتقوم البنوك الإسرائيلية بتحويل الأموال إلى الخارج وإدارة التجارة المتبادلة، لكنها تخشى بحسب وسائل إعلام إسرائيلية من «مخاطر قانونية تتعلق بحظر غسل الأموال ومخاوف تمويل الإرهاب».

وقالت «يديعوت أحرونوت» في تقرير نشرته، السبت، إن سموتريتش أدرك مع الوقت أنه يمتلك سلطة هائلة، لمحاصرة السلطة، فقام بقطع خط أنبوب الأكسجين البديل الذي أنشأته الدولة بالفعل، وهي شركة حكومية كان من المفترض أن تعمل كغرفة «مقاصة» مع الفلسطينيين، وبدأ بالتلاعب بخطابات التعويض للبنوك، وراح يوقع على تمديد للحصانة أقصر بكثير، بينما كان يهاجم في الوقت نفسه صلات المصارف الفلسطينية بما يصفه «إرهاباً»، مستخدماً الابتزاز الصريح.

وبحسب الصحيفة، زاد هذا التوتر في المصارف الإسرائيلية؛ إذ لم يرغب أحد هناك في أن يجد نفسه أمام دعوى مدنية بمليارات الدولارات.

وقبل فترة قصيرة، أعلن البنكان الإسرائيليان ديسكونت وهبوعليم أنهما سيوقفان التعامل مع البنوك الفلسطينية؛ لأن الأمر «لم يكن يستحق المخاطرة».

وقالت الصحيفة إن سموتريتش كان راضياً، وأضافت: «استغل وزير المالية الوضع لصالحه، ورأى فرصة سانحة؛ إذ توافد إليه مسؤولون أوروبيون وأميركيون ودوليون، رغم المقاطعة، فاستخدم مسألة خطابات التعويض للبنوك الإسرائيلية كأداة فعالة للحصول على تنازلات، خاصة في واشنطن، لصالح توسيع المستوطنات، وإنشاء مجتمعات جديدة، والتغاضي عن البؤر الزارعية والرعوية الاستيطانية، «كان ذلك سلاحه السري».

فتى فلسطيني يلعب في شارع على مشارف قرية القصرة قرب نابلس الجمعة (رويترز)

وسياسة سموترتيش تأتي في وقت حذر فيه «الشاباك» الحكومة الإسرائيلية من أن قطع العلاقة مع البنوك الفلسطينية سيزيد احتمالات انهيار السلطة الفلسطينية.

وقال رئيس «الشاباك» للحكومة: «إذا كان هذا ما تريدونه (انهيار السلطة) فلا تعطوا خطابات التعويض للبنوك... ستتوقف الأموال وتنهار السلطة».

وتعاني السلطة الفلسطينية من خطر الانهيار بسبب غياب أفق سياسي وأزمة مالية عميقة نتيجة حجب سموترتيش أموال العوائد الضريبية من جهة، ومحاصرته البنوك من جهة ثانية.

ومنذ 2019 تقتطع إسرائيل أموالاً من العوائد الضريبية التابعة للسلطة الفلسطينية، وتحجبها منذ نحو عام بشكل كامل.

وتقول السلطة إنها تواجه وضعاً صعباً ومعقداً غير مسبوق.

وضعف السلطة الفلسطينية بالنسبة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، سبب إضافي في احتمال انفجار الضفة.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن الجيش الإسرائيلي يخشى أن تكون الأراضي الفلسطينية على وشك الانفجار، نتيجةً للأنشطة الإرهابية اليهودية، وتدهور وضع السلطة الفلسطينية، وتفاقم الوضع الاقتصادي.

ورأت الصحيفة أن الأحداث التي وقعت في قرية قصرة الفلسطينية قرب نابلس تعطي صورة كاملةً وموجزةً عن فقدان السيطرة في الضفة الغربية.

وحاصر مستوطنون منازل الفلسطينيين في قصرة، لأيام دون أن يستطيع الجيش الإسرائيلي إنهاء المسألة، وفي النهاية عندما طردهم عادوا عدة مرات قبل أن يعلن المنطقة منطقة عسكرية مغلقة.

مستوطنة هار حوما في القدس الشرقية التي ضمتها إسرائيل (أ.ف.ب)

والسبت، عاد مستوطنون إلى المنطقة وسط انتقادات متعالية داخل المنظومة الأمنية في إسرائيل لأداء الجيش واتهامات له بالتباطؤ في التعامل مع أعمال العنف بسبب «الحساسية السياسية».

وقالت مصادر أمنية بحسب «هيئة البث» (كان) إن بعض القادة في الجيش يخشون من أن تؤثر القرارات التي يتخذونها ضد مستوطنين على مكانتهم المهنية وفرص ترقيتهم، وهذا أدى إلى تأخير التعامل مع الأحداث التي جلبت على إسرائيل انتقادات دولية حادة بما في ذلك من قبل الولايات المتحدة.

وواصل الجيش، السبت، اقتحام مناطق في الضفة، وواصل المستوطنون شن هجمات في مناطق أخرى غير قصرة.

ويقتحم الجيش الإسرائيلي مدن الضفة بشكل شبه يومي، وتكثف ذلك منذ أطلق عمليته في الضفة في 24 من الشهر الماضي، ونفذ منذ ذلك الوقت سلسلة مداهمات، واعتقل عشرات الفلسطينيين، وهدم الكثير من المنازل بعد أن قطع أوصال الضفة، وحاصر مدناً وبلدات وقرى بالحواجز والبوابات والإجراءات المقيدة.

وحذر شركاء الأمم المتحدة العاملون في المجال الإنساني من أن العمل الإغاثي في الضفة الغربية يتعرض للتأخير والتقييد بسبب شبكة تضم أكثر من 900 «عائق مادي» يفرضها الاحتلال الإسرائيلي، تشمل نقاط التفتيش والبوابات والحواجز على الطرق، وغيرها من القيود.

مستوطنون يتحركون على مشارف مدينة بيت ساحور بالضفة الغربية الجمعة (أ.ب)

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن هذه الحواجز تعرقل وصول المساعدات الإنسانية، وتترك المحتاجين إليها دون ما يكفي من الخدمات والمساعدات.

وأضاف أن العاملين في مجال الإغاثة وفي البلدية يكافحون في سبيل تأمين الوصول إلى ثلاث عائلات فلسطينية في قرية قصرة جنوب نابلس، و«قد ظلت هذه العائلات محاصرة هناك منذ يوم الثلاثاء، عقب إقامة بؤرة استيطانية بجوار منازلها وتشديد القيود على الوصول في المنطقة».

وحذر المكتب الأممي من أن الجهود الرامية إلى حماية الفلسطينيين لم تكن فعالة.

ووصفت «يديعوت أحرونوت» ما يحدث في الضفة بالوضع الكارثي، وقالت: «تُضيّق إسرائيل الخناق على السلطة الفلسطينية، وتحافظ على علاقات اقتصادية معها؛ وتتهمها في الوقت نفسه بدعم الإرهاب، وتتوقع منها اعتقال المطلوبين، بينما تدعم شباب التلال (المستوطنين)، وتُعلن للعالم التزامها بالقانون الدولي. وهذا يعني أن السياسة الحقيقية هي الفوضى والاضطراب».

وحذرت الصحيفة من أن كل ذلك يضع المؤسسة الأمنية تحت ضغوط هائلة. مضيفة «إنها لعبة ذات رهانات عالية، وقد يكون ثمنها باهظاً. وهو باهظ بالفعل».


أمطار الصيف تفاجئ السوريين وسط مخاوف من موجة فيضانات جديدة

من السيول في إدلب (سانا)
من السيول في إدلب (سانا)
TT

أمطار الصيف تفاجئ السوريين وسط مخاوف من موجة فيضانات جديدة

من السيول في إدلب (سانا)
من السيول في إدلب (سانا)

حذّرت الحكومة السورية سكان محافظتي الرقة ودير الزور شرق سوريا من الزيادة ‏التدريجية في كميات المياه القادمة من «سد كديران» على نهر الفرات، السبت، ودعت إلى الحيطة والحذر، فيما سجّل هطول أمطار غزيرة وغير مألوفة في شمال البلاد وشرقها، في ظل استنفار المؤسسات الحكومية والجهات المعنية، ومخاوف من تكرار الأضرار التي سببتها موجة الفيضانات في يونيو (حزيران) الماضي.

واستجابة لارتفاع المنسوب الوارد من تركيا عبر نهر الفرات، فتحت المؤسسة العامة لـ«سد الفرات»، السبت، بوابة المفيض رقم «3» بشكل جزئي لتمرير 100 متر مكعب في الثانية، وفق ما أفادت به وسائل الإعلام الرسمي، مشيرة إلى أن هذه الخطوة «تأتي ضمن خطة تدريجية لرفع كميات المياه الممررة من 600 إلى 800 متر مكعب في الثانية، مع المراقبة المستمرة للمناسيب، بهدف ضمان سلامة السدود والمنشآت التابعة لها، في ظل الارتفاع المستمر للوارد المائي».

سد كديران (سانا)

وفي حالة جوية نادرة في سوريا، هطلت الجمعة أمطار صيفية غزيرة ورعدية مفاجئة في محافظة إدلب شمال غربي سوريا، أدّت إلى تشكّل سيول جارفة وطوفان جزئي في عدة شوارع، وشلل في حركة المرور، وإغلاق عدة طرق رئيسية في مدينتي إدلب وأريحا، وبلدة معردس التابعة لسراقب، بالإضافة إلى بلدة كفرنبل في الريف الجنوبي،

كما شهد الساحل السوري هطولات مطرية غزيرة ومفاجئة، وأصدرت وزارة الطوارئ بالتنسيق مع «المديرية العامة للأرصاد الجوية» والدفاع المدني، تنبيهاً بحرياً يمتد من 14 أغسطس (آب) وحتى 18 منه، بعدما جرى رصد تيارات بحرية قوية وارتفاع غير مسبوق في الأمواج وصل في بعض الشواطئ المفتوحة إلى نحو 3 أمتار، مع رياح نشطة تتراوح سرعتها ما بين 15 و30 كم/ساعة، وقد تشتد في بعض الأوقات.

وانتشلت فرق الدفاع المدني جثمان طفل قضى غرقاً في شاطئ الكرنك في اللاذقية، نتيجة شدة الأمواج والتيارات البحرية الساحبة.

إعلان حكومي للتحذير من الاقتراب من الفرات (مديرية إعلام الرقة)

وكانت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث قد حذّرت في وقت سابق من أن «زيادة في كميات المياه قد يرافقها ارتفاع في مناسيب نهر الفرات، وزيادة في سرعة ‏الجريان في عدد من المناطق الواقعة على ضفافه، ما يستدعي اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة؛ ‏حفاظاً على السلامة العامة».

من جانبها، دعت وزارة الطاقة أهالي محافظتَي الرقة ودير الزور إلى الابتعاد عن مجرى نهر الفرات وعدم السباحة فيه ابتداءً من يوم السبت 15 أغسطس الحالي.

البوابة رقم 3 في «سد الفرات» (المؤسسة العامة لسد الفرات)

وفي إجراء احترازي جرى إغلاق الجسر الترابي في مدينة دير الزور أمام المارة. كما استنفر العاملون في المنشآت ومحطات المياه القريبة من الضفاف، لتفادي تكرار الأضرار التي حدثت في موجة الفيضانات السابقة، والتي كانت الأسواء منذ 30 عاماً؛ حيث تسببت الفيضانات في انهيار عدد من الجسور وخروج نحو 60 محطة تصفية وضخ مياه عن الخدمة، ونزوح وتضرر أكثر من 2400 عائلة، ووفاة 15 شخصاً معظمهم من الأطفال، وتسجيل 22 حالة غرق نتيجة التيارات المائية القوية المفاجئة أثناء محاولات السباحة أو العبور، إضافة إلى غمر نحو 7 آلاف دونم من الأراضي الزراعية، بالتزامن مع موسم حصاد القمح، ما تسبب في خسائر فادحة للمزارعين.