إسرائيل وغزة... ومنطق المنطقة العازلة

دبابة ميركافا إسرائيلية قرب الحاجز الفاصل بين جنوب إسرائيل وقطاع غزة... حركة «حماس» اخترقت السياج خلال عملية «طوفان الأقصى» (رويترز)
دبابة ميركافا إسرائيلية قرب الحاجز الفاصل بين جنوب إسرائيل وقطاع غزة... حركة «حماس» اخترقت السياج خلال عملية «طوفان الأقصى» (رويترز)
TT

إسرائيل وغزة... ومنطق المنطقة العازلة

دبابة ميركافا إسرائيلية قرب الحاجز الفاصل بين جنوب إسرائيل وقطاع غزة... حركة «حماس» اخترقت السياج خلال عملية «طوفان الأقصى» (رويترز)
دبابة ميركافا إسرائيلية قرب الحاجز الفاصل بين جنوب إسرائيل وقطاع غزة... حركة «حماس» اخترقت السياج خلال عملية «طوفان الأقصى» (رويترز)

الإنسان بطبيعته مخلوق متلازم مع الأرض (Territorial)، فمن التراب وإلى التراب يعود، وهو المخلوق من التراب أصلاً. لكلّ فرد من البشر مناطق جغرافيّة خاصة به. هناك المنطقة الحميمة وهي الأقرب إلى الفرد (45 سنتيمتراً). وهناك المنطقة الشخصية حوله تقدّر بطول ذراعه أو أكثر (1.2 متر). كما هناك المنطقة الاجتماعيّة حيث يتفاعل مع الآخرين (3 - 4 أمتار). وأخيراً وليس آخراً، هناك المنطقة العامة (Public)، أي ما فوق 4 أمتار.

في الثورة الزراعيّة، أي منذ أكثر من 15 ألف سنة، كانت الأرض موضوع الصراع بين الشعوب، فمن يملكها يملك القوّة والثروة، فكانت حروب الاجتياح والاحتلال، حتى وصلنا إلى الاستعمار مع الثورة الصناعيّة. في عصر اليوم، حتى ومع الثورة التكنولوجيّة، لا تزال حروب البرّ والاجتياح تُخاض، من أوكرانيا وحتى قطاع غزّة.

إذاً، تدخل الأرض في الحسابات الاستراتيجيّة والأمنيّة بشكل أساسيّ. فالعمق الجغرافيّ، بطريقة ما، يُفسّر على أنه حيويّ لأمن الفرد كما لأمن الدول. فالمسافة - المساحة قد تترجم إلى وقت - زمن، الأمر الذي يؤمّن الإنذار المبكر لخطر مُحدق. فكّلما كان الخطر بعيداً جغرافياً توافر الوقت للتحضير لدرئه.

فلسطينيون يبتعدون عن كيبوتس «كفار عزة» بالقرب من السياج مع قطاع غزة عقب هجوم 7 أكتوبر (أ.ب)

العازل الجغرافيّ

قد يكون العازل الجغرافي مُصطنعاً، أو بالأحرى مُتفقاً عليه مسبقاً بين بعض الدول. وهو قد يكون الحلّ البديل للصدام العسكريّ، هذا إذا تقاطعت مصالح هذه الدول. ففي اللعبة الكبرى (Great Game) بين روسيا وبريطانيا في آسيا الوسطى. تأسست ما يُسمّى اليوم بأفغانستان، وذلك بعد رسم اللورد الإنجليزي مورتيمور دوراند، خطّاً بطول 2670 كيلومتراً لم يُحدّد فيه الحدود الفاصلة بين باكستان وأفغانستان. وعليه يمكن القول إن أفغانستان لعبت في ذلك الوقت دور الدولة العازلة.

تعاني إسرائيل من عقدة الجغرافيا. فهي لا تتمتّع بالعمق الجغرافيّ، إن كان في طول البلاد وعرضها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لا يتجاوز عرض دولة إسرائيل في أضيق منطقة لها الـ15 كيلومتراً، وذلك بين الحدود مع الضفّة الغربيّة والبحر. وبكلام أمنيّ بحت، هذه المسافة تعني أن صاروخ كاتيوشا واحداً قادر على تعطيل الحياة في تل أبيب.

قليل من التاريخ

لا توقّع إسرائيل أيّة معاهدة مع أية دولة، خاصة الدول المجاورة، إذا لم يكن ضمن هذه المعاهدة بند، أو ملحق يتعلّق بالتدابير الأمنيّة التي تراها إسرائيل مناسبة لها. فعلى سبيل المثال، تضمّنت معاهدة كامب ديفيد مُلحقاً خاصاً بالوضع الأمنيّ لصحراء سيناء والملاصقة لدولة إسرائيل. في هذا الملحق، قُسمت سيناء إلى أربع مناطق (A - B - C - D)، على أن تبدأ المنطقة A من حدود مصر مع سيناء، لتنتهي بالمنطقة D، أي حدود إسرائيل مع الصحراء. وفي كلّ منطقة من هذه المناطق، تمّ الاتفاق على نوع الأسلحة والوجود العسكري المصري المقبول به من قبل إسرائيل؛ إذ كلّما اقتربنا من الحدود مع إسرائيل أيّ الـD، كان الوجود العسكريّ المصري أقلّ، وكانت نوعيّة الأسلحة خفيفة.

في عام 1978، دخلت إسرائيل إلى لبنان عسكرياً (عملية الليطاني)، وذلك بهدف دفع مقاتلي «منظّمة التحرير» عن حدودها وحتى مجرى الليطاني؛ أي بعمق استراتيجيّ 40 كيلومتراً. نتج عن هذا الاجتياح قرار مجلس الأمن 425.

عدّت إسرائيل نشرَ قوات الطوارئ الدولية في جنوب لبنان إنشاء لمنطقة عازلة محميّة من القانون الدوليّ. سقط القرار 425 مع حرب يوليو (تموز) 2006. أنتجت حرب تمّوز القرار 1701. عزّز القرار 1701 قوات «اليونيفيل» وأعاد الدولة، ولو ظاهريّا،ً إلى الحدود مع إسرائيل. هدّد مؤخّراً وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي بدفع قوات «حزب الله» إلى حدود نهر الليطاني.

بعد الاجتياح الإسرائيليّ للبنان في عام 1982، انسحبت إسرائيل من كلّ لبنان، باستثناء منطقة أمنيّة على الحدود المشتركة تبلغ مساحتها ما يُقارب 1100 كلم2. انسحبت إسرائيل من هذه المنطقة في عام 2000..

منطقة عازلة داخل غزة

قوات إسرائيلية عند السياج الحدودي قبل دخولها قطاع غزة (أ.ف.ب)

وتخوض إسرائيل حالياً حرب إبادة في قطاع غزّة، وتُلمّح من وقت إلى آخر إلى إنشاء مناطق عازلة داخل القطاع. فما هي العقبات أمام تنفيذ هذا القرار؟

* جرّبت إسرائيل المناطق العازلة، خاصة عبر السياج الذكيّ وفشلت.

* لا تسمح مساحة القطاع (365 كلم2) بإنشاء مناطق عازلة في داخله، خاصة مع الكثافة السكانيّة الكبيرة فيه.

* لا يمكن لإسرائيل البقاء في المناطق العازلة مع وجود مقاتلي «حماس» وغيرها من التنظيمات. لذلك يفرض هذا الوضع القضاء التام على كلّ التنظيمات في القطاع. وحتى الآن، يلعب عامل الوقت ضد القوات الإسرائيليّة.

وإذا تمّ القضاء على كلّ التنظيمات، فمن سيحكم القطاع؟ ومن سيتطوّع لذلك؟ وهل يمكن لمجلس الأمن استصدار قرار لإدارة القطاع، في ظلّ احتمال الفيتو الصيني أو الروسيّ؟

* وأخيراً وليس آخراً، وحسب ما قال الكاتب ستيفن كوك في مقال له في مجلّة «فورين بوليسي»: «قد تجد إسرائيل نفسها مُضّطرّة لإعادة احتلال كلّ القطاع بسبب عدم التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب». فهل القطاع مهمّ لإسرائيل كما أهميّة الضفة الغربيّة؟ بالطبع كلا. وإلا فما معنى قول رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحق رابين: « غزّة كابوس بالنسبة لي، أتمنّى وأحلم أن يبتلعها البحر»؟


مقالات ذات صلة

الآلاف يشاركون بمظاهرة دعماً لغزة في إسطنبول

شؤون إقليمية رفع المشاركون بمسيرة دعم غزة في إسطنبول الأعلام الفلسطينية والتركية مطالبين بوضع حد للعنف في القطاع (أ.ب)

الآلاف يشاركون بمظاهرة دعماً لغزة في إسطنبول

شارك آلاف الأشخاص بمسيرة في إسطنبول بمناسبة رأس السنة دعماً لقطاع غزة، ملوّحين بالأعلام الفلسطينية والتركية ومطالبين بوضع حد للعنف في القطاع.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
المشرق العربي منحوتة رملية للفنان يزيد أبو جراد تمثل العام المقبل حيث يستعد الفلسطينيون النازحون لاستقبال العام الجديد في دير البلح بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

الغزيون يودعون «كابوس» 2025... ويتطلعون بأمل إلى سنة أفضل

يستقبل الفلسطينيون من سكان غزة السنة الجديدة بكثير من التعب والحزن، لا بأجواء احتفالية، لكنّ لديهم أملاً ولو طفيفاً في أن تُطوى صفحة «الكابوس الذي لا ينتهي».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يسيرون أمام المباني المدمرة في أعقاب العمليات العسكرية الإسرائيلية في مدينة غزة (رويترز)

محملة بأطنان المتفجرات... كيف دمرت إسرائيل مدينة غزة بناقلات جند مدرعة؟ (صور)

خلص تقرير لـ«رويترز» إلى أن إسرائيل نشرت على نطاق واسع قبل وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر سلاحاً جديداً تمثل في تحميل ناقلات جنود بأطنان من المتفجرات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري استعجال نزع سلاح «حماس» يعرقل جهود استكمال «اتفاق غزة»

تسريبات إسرائيلية عن اتفاق مع واشنطن على استعجال نزع سلاح حركة «حماس»، وحديث عن مهلة محتملة لنحو شهرين لإنهاء المهمة، وسط ترقب لبدء المرحلة الثانية المتعثرة.

محمد محمود (القاهرة)
تحليل إخباري الرئيس ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماعهما في نادي مار-إيه-لاغو في بالم بيتش بفلوريدا (رويترز)

تحليل إخباري نتنياهو رضخ لإملاءات ترمب مقابل أكبر دعم شخصي للانتخابات المقبلة

على الرغم من الهوة العميقة بين مؤيدي رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وبين خصومه، فإن غالبية الإسرائيليين ينظرون بقلق إلى نتائج قمة مار-إيه-لاغو في ميامي.

نظير مجلي (تل ابيب)

لبنان: المتضررون من الحرب الإسرائيلية يلجأون إلى «إدارة الخسائر»

عنصر في «الدفاع المدني» يقف على ركام منزل استهدفته غارة إسرائيلية ببلدة جباع في جنوب لبنان (أرشيفية - رويترز)
عنصر في «الدفاع المدني» يقف على ركام منزل استهدفته غارة إسرائيلية ببلدة جباع في جنوب لبنان (أرشيفية - رويترز)
TT

لبنان: المتضررون من الحرب الإسرائيلية يلجأون إلى «إدارة الخسائر»

عنصر في «الدفاع المدني» يقف على ركام منزل استهدفته غارة إسرائيلية ببلدة جباع في جنوب لبنان (أرشيفية - رويترز)
عنصر في «الدفاع المدني» يقف على ركام منزل استهدفته غارة إسرائيلية ببلدة جباع في جنوب لبنان (أرشيفية - رويترز)

وجد آلاف اللبنانيين المتضرّرين من الحرب الإسرائيلية، أنفسهم أمام واقع أكثر هدوءاً وأشدّ قسوة بعد نهاية الحرب، يتمثّل بإدارة الخسائر، والتكيُّف مع النزوح، وفي حين تقلصت إلى حد كبير الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار في الضاحية الجنوبية لبيروت، فإن مرحلة إعادة الإعمار بقيت من دون خطة واضحة، ولا آلية تعويض شفافة، ولا أفق زمني محدَّد.

بالنسبة إلى المتضررين، لم يكن عام 2025 عاماً للترميم، بل كان عاماً للانتظار بموارد شحيحة، ودعم متراجع، وقرارات مؤجَّلة، في ظل غياب مقاربة شاملة تعيد وصل ما انقطع بين المتضرّرين ومؤسسات «حزب الله» المولجة بالتعويضات، أو مؤسسات الدولة اللبنانية التي يطالبها السكان بالتحرك.

3 أشهر... ثم الفراغ

بعد وقف إطلاق النار، صُرف بدل إيواء للمتضرّرين لـ3 أو 6 أشهر، أو لسنة كاملة على أبعد تقدير. ومع انتهاء المهلة، لم تُستكمَل الخطوة بخطة تعويض متكاملة أو برنامج إعادة إعمار واضح المعالم. لم تُعلَن لوائح نهائية، ولم تُحدَّد جداول زمنية، وبقيت المراجعات محكومة بإجابات عامة من نوع: «الملف قيد المتابعة».

لبنانيون يعودون إلى الضاحية الجنوبية لبيروت في 27 نوفمبر 2024 إثر دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (أرشيفية - إ.ب.أ)

وتؤكد مصادر متابعة للملف أن المقاربة المعتمدة كانت إسعافية ومحدودة السقف، وأن أي انتقال جدّي إلى مرحلة إعادة الإعمار اصطدم سريعاً بالواقعَين المالي والسياسي، ما حوَّل التعويضات من مسار منظَّم إلى إجراءات متقطّعة لا ترقى إلى حجم الضرر.

بدل إيواء لـ3 أشهر

ولم يتشكّل مسار إعادة إعمار فعلي؛ بسبب الضغوط السياسية والتهديدات الإسرائيلية وانتهاكات اتفاق وقف إطلاق النار، واتبع السكان استراتيجية «إدارة خسارة»، حيث عادت عائلات إلى بيوت غير مكتملة، واضطرّت أخرى إلى السكن المؤقّت لدى أقارب، بينما ارتفعت تكلفة العيش على فئات واسعة بعد وقف بدل الإيواء.

وقبض علي، الذي يسكن منطقة المريجة في الضاحية الجنوبية، بدل إيواء لـ3 أشهر فقط، ومنذ ذلك الحين، توقّف أي دعم إضافي. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «كلّما سألنا عن التعويضات، كان الجواب: لننتظر، الحالة غير واضحة»، في توصيف لتحوّل الانتظار إلى سياسة قائمة بذاتها.

ومثل علي، انتقل حسن. م (43 عاماً)، الذي تضرّر منزله، للعيش في منزل عمّه المغترب ريثما تتضح الصورة. لكن الصورة لم تتضح، والسكن المؤقّت طال، ولا قدرة على الترميم من ماله الخاص.

وعندما يسأل عن التعويضات، يأتيه جواب واحد: «لا نملك جواباً. الجواب عند الأمين العام» في إشارة إلى الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، مما يوحي بأن الملف أحيل مباشرة إلى قرار سياسي غير مرتبط بجدول زمني.

8 آلاف دولار

في المريجة أيضاً، يقدّم أبو حسن، الرجل الثمانيني، صورة دقيقة عن إدارة الخسارة. قبض نحو 8 آلاف دولار، توزّعت بين بدل إيواء وتعويض أثاث منزل فقط، من دون أي تعويضات مرتبطة بترميم منزله.

لم تكفِ المبالغ، فاضطر إلى دفع أكثر من 15 ألف دولار من ماله الخاص ليعود إلى منزله، رغم أن ترميمه الأولي لا يجعل المنزل لائقاً للسكن. وفي الشهر الأخير من السنة، أنجز الحدّ الأدنى من الترميم، مضيفاً نحو ألفَي دولار على الأقسام المشتركة لإعادة الخدمات. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أختر رفع تكاليفي، لكنني مضطر. بغياب أي أفق للتعويض، أنا مضطر لترميم منزلي والعودة إليه دون انتظار الوعود الشفهية التي لا تُصرَف عملياً، وتقتصر على منطق ترحيل التعويض ووضعه في صيغة المجهول».

مبانٍ متضررة وأنقاض في قرية حولا الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان (أرشيفية - رويترز)

أما سوسن، من بعلبك (شرق لبنان)، فدُمِّر منزلها بالكامل. تقاضت 12 ألف دولار فقط، ما اضطرها إلى تقسيم منزل أهل زوجها والسكن معهم. وتكشف لـ«الشرق الأوسط» عن أنّ الخسارة ليست في الجدران فقط، بل في أنها بوصفها امرأة على أبواب الستين اضطرت للتكيُّف مع فكرة أنه لا توجد إعادة إعمار، وأنها مضطرة للتكيُّف مع الواقع الجديد، عادّةً أن التعويض الذي تقاضته «كان رمزياً مقارنة بحجم الضرر الفعلي».

التكيّف مع الخسارة

الأكثر دلالة في مشهد نهاية 2025 ليس فقط محدودية التعويضات، بل تبدّل سلوك المتضرّرين أنفسهم. كثيرون باتوا يعزفون عن مراجعة المعنيين بملف التعويضات. يقول أحد المتضرّرين: «لم نعد نراجع لأننا نعرف الجواب سلفاً». ويشير إلى أنّ هذا الصمت «لا يعني الرضا، بل انتقال المجتمع المتضرّر من مرحلة المطالبة إلى مرحلة التكيّف القسري»، محذّراً من أن «هذا التحوّل يُفرغ المتضررين من الضغط الشعبي، ويحوّل الخسارة إلى واقع يومي يُدار باليأس لا بالمحاسبة».

هذه الحال، دفعت سكان المنطقة الحدودية إلى القيام بمبادرات فردية وأهلية لمساعدة المتضررين. في أحد متاجر الضاحية الجنوبية، وُضع صندوقٌ للتبرعات باسم «صندوق دعم متضرّري مركبا»، وهي قرية حدودية تضررت بشكل كبير، ولم يعد أكثر من ثلث سكانها إليها. ويرى أحد جيران المتجر أنّ «الانتقال من الصناديق المركزية إلى مبادرات فردية يدلّ على أن القدرة على إدارة التعويضات بوصفها سياسةً عامةً باتت محدودةً، وأن الأولوية أصبحت لاحتواء الحدّ الأدنى من الانهيار، في انتقال صريح من منطق جبر الضرر إلى منطق إدارة العجز».


القضاء اللبناني يفكك الملفات العالقة تكريساً لمسار استعادة هيبة الدولة

النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار يتلو قسم اليمين أمام الرئيس اللبناني جوزيف عون بحضور وزير العدل عادل نصار ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود في أبريل 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار يتلو قسم اليمين أمام الرئيس اللبناني جوزيف عون بحضور وزير العدل عادل نصار ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود في أبريل 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
TT

القضاء اللبناني يفكك الملفات العالقة تكريساً لمسار استعادة هيبة الدولة

النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار يتلو قسم اليمين أمام الرئيس اللبناني جوزيف عون بحضور وزير العدل عادل نصار ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود في أبريل 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار يتلو قسم اليمين أمام الرئيس اللبناني جوزيف عون بحضور وزير العدل عادل نصار ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود في أبريل 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

انعكست التغيّرات السياسية التي شهدها لبنان منذ انتخاب الرئيس جوزيف عون، وتشكيل حكومة الرئيس نواف سلام بصورة مباشرة على الواقع القضائي، فشهد هذا المرفق تحوّلات نوعية أعادت إليه جزءاً كبيراً من هيبة افتقدها، وفتحت الباب أمام مقاربة جديدة لملفات حالت العراقيل السياسية، والحمايات التي كان يتمتّع بها نافذون مدعومون من أركان السلطة من معالجتها.

تعيينات قضائية

المتابعون بدقّة للمشهد القضائي يتلمسون بوضوح تبدّلاً في الأداء، وفي المناخ العام الذي بات يحكم عمل القضاة، فكانت البداية من التعيينات التي طالت مواقع أساسية في السلطة القضائية، وفي مقدمها تثبيت القاضي جمال الحجار نائباً عاماً لدى محكمة التمييز، وتعيين القاضي أيمن عويدات رئيساً لهيئة التفتيش القضائي، وهو منصب مفصلي بالنظر إلى الدور الرقابي، والمحاسبي الذي تؤديه الهيئة.

كما شملت التعيينات استكمال تشكيل مجلس القضاء الأعلى بكامل أعضائه، باستثناء رئيسه القاضي سهيل عبود، وملء الشواغر في محاكم التمييز، والهيئة العامة لمحكمة التمييز، والمجلس العدلي، ما أعاد انتظام العمل القضائي في أعلى مستوياته بعد سنوات من الفراغ، والتعطيل.

كان لخطاب القسم الذي ألقاه رئيس الجمهورية جوزيف عون فور انتخابه في التاسع من يناير (كانون الثاني) الماضي أثر بالغ في هذا المسار، إذ شكّل، بحسب توصيف مصادر قضائية، «جرعة دعم غير مسبوقة للقضاء». فقد أطلق يد مجلس القضاء الأعلى في إعداد تشكيلات قضائية وُصفت بالنموذجية مقارنة بما شهدته العقود الماضية، بعدما تحرّر المجلس من سطوة التدخلات السياسية. وللمرة الأولى لم يفرض أركان السلطة أسماء قضاة محسوبين عليهم لتعيينهم في مواقع حساسة، فخرجت التشكيلات وفق معايير مهنية بحتة.

عام الهيبة... وعام القطاف

يؤكد مصدر قضائي بارز لـ«الشرق الأوسط» أن «الدينامية التي تشهدها المحاكم وقصور العدل منذ انطلاقة السنة القضائية الجديدة في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، أثبتت صوابية هذه الخيارات»، مشيراً إلى «تبدّل واضح في أسلوب عمل النيابات العامة، لجهة التدقيق في الشكاوى، وتجنّب القرارات الارتجالية، ولا سيما فيما يتعلق بالتوقيف الاحتياطي، كما انعكس ذلك على أداء قضاة التحقيق، والهيئات الاتهامية، وتسريع وتيرة المحاكمات على مختلف درجاتها». ويضيف المصدر: «عام 2025 كان عام إعادة الهيبة للقضاء، فيما يُفترض أن يكون عام 2026 عام القطاف».

الفنان اللبناني فضل شاكر (إنستغرام)

في ظلّ هذا المناخ، لم يعد بالإمكان إبقاء الملفات في أدراج النسيان تحت وطأة «الفيتو» السياسي. ووفق المصدر القضائي، فإن «المرحلة الجديدة التي يشهدها القضاء أنهت منطق الحصانات غير المعلنة، ما سمح للقضاة باتخاذ قرارات حاسمة في الملفات الساخنة، ولعلّ أبرزها توقيف وزير الاقتصاد السابق أمين سلام لأكثر من ستة أشهر في قضية فساد، وملاحقة وزير الصناعة السابق، والنائب الحالي جورج بوشكيان بعد رفع الحصانة النيابية عنه، وهو يُلاحق غيابياً بعد فراره إلى الخارج».

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً هانيبال القذافي بعد الإفراج عنه في نوفمبر 2025 (أرشيفية - رئاسة الحكومة)

كذلك فُتحت ملفات المصارف على مصراعيها، وأفضت إلى توقيف حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة لمدة عام كامل قبل إخلاء سبيله بكفالة مالية مرتفعة، وغير مسبوقة بلغت 11 مليون دولار، إضافة إلى توقيف رئيس مجلس إدارة أحد المصارف طارق خليفة الذي لا يزال موقوفاً. ويتحدّث المصدر القضائي عن «محطات مفصلية سجّلها عام 2025، أبرزها الإفراج عن هانيبال القذافي، نجل الزعيم الليبي السابق معمّر القذافي، بعد عشر سنوات من التوقيف في ملف خطف وإخفاء الإمام موسى الصدر ورفيقيه من دون محاكمة، أو اتهام رسمي، إلى جانب إقدام الفنان فضل شاكر على تسليم نفسه للقضاء بعد أكثر من 12 عاماً من اللجوء في مخيم عين الحلوة».

وبغضّ النظر عن خلفيات هذين الملفين، يرى المصدر القضائي أن «دلالتهما واحدة، وهي أن القضاء بات أكثر تحرراً من الضغوط السياسية، ويتخذ قراراته انطلاقاً من قناعة القاضي الوجدانية، لا من أي اعتبار آخر».

السجناء السوريون

ثمّة ملفات قضائية ذات بُعدٍ خارجي، أهمها قضية السجناء السوريين في لبنان، ورغم أن السلطات السورية هي التي حرّكت هذه القضيّة، فإن القضاء اللبناني تمكّن من التعاطي معها بدرجة عالية من المسؤولية، وانطلاقاً من المصلحة اللبنانية، والتقليل من خطرها الأمني في اكتظاظ السجون، ويسجّل للقضاء أنه قدّم للسلطة السياسية رؤيته لحلّ هذه الأزمة، قبل أن يصطدم بجدار البيروقراطية، والحاجة إلى إبرام معاهدة جديدة بين بيروت ودمشق تساعد في تسليم السجناء السوريين أو بعضهم إلى بلادهم، وهو ملف قيد النظر في الوقت الراهن.

تعافي لبنان

هذا التحوّل القضائي واكبه تطور لافت على الصعيد الأمني. فقد شهد عام 2025 نقلة نوعية في أداء الأجهزة الأمنية، ولا سيما الجيش اللبناني، في ملاحقة المطلوبين، ومكافحة الجريمة. وبرزت عمليات دهم واسعة في مناطق البقاع، خصوصاً في حي الشراونة في بعلبك، حيث خاض الجيش اشتباكات مع مئات المطلوبين، ونجح في تفكيك أخطر شبكات المخدرات، ما أدى إلى مقتل علي زعيتر الملقب بـ«أبو سلّة»، وعملية القبض على نوح زعيتر الذي يعدّ أكبر وأخطر تاجر مخدرات في لبنان، بالإضافة إلى ضبط عشرات شحنات المخدرات المعدّة للتصدير، لا سيما إلى دول الخليج.

قصر العدل في بيروت (أرشيفية)

ويختم المصدر القضائي المعني بكلّ هذه الملفات بالتأكيد أن «الإنجازات القضائية والأمنية تعكس الصورة الحقيقية لتعافي لبنان»، مشدداً في الوقت نفسه على «أهمية نجاح الجيش وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، والأمن العام، في تفكيك شبكات تجسس لصالح إسرائيل، وتوقيف عشرات العملاء الذين جرى تجنيدهم قبل الحرب الأخيرة، وخلالها، وهي مؤشرات، وإن كانت أولية، إلا أنها توحي بأن مسار استعادة الدولة بدأ فعلياً من بوابة القضاء والأمن».


إسرائيل تؤكد تطبيق حظر أنشطة 37 منظمة إنسانية في قطاع غزة

فلسطينيون يحاولون اقتناص أجولة طحين (دقيق) من شاحنة تحمل مساعدات من «برنامج الأغذية العالمي» خلال سيرها في دير البلح بوسط قطاع غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحاولون اقتناص أجولة طحين (دقيق) من شاحنة تحمل مساعدات من «برنامج الأغذية العالمي» خلال سيرها في دير البلح بوسط قطاع غزة (أ.ب)
TT

إسرائيل تؤكد تطبيق حظر أنشطة 37 منظمة إنسانية في قطاع غزة

فلسطينيون يحاولون اقتناص أجولة طحين (دقيق) من شاحنة تحمل مساعدات من «برنامج الأغذية العالمي» خلال سيرها في دير البلح بوسط قطاع غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحاولون اقتناص أجولة طحين (دقيق) من شاحنة تحمل مساعدات من «برنامج الأغذية العالمي» خلال سيرها في دير البلح بوسط قطاع غزة (أ.ب)

أكدت إسرائيل، اليوم (الخميس)، أنَّها «ستنفِّذ الحظر» على أنشطة 37 منظمة إنسانية دولية كبرى في قطاع غزة لكونها لم تزوِّد السلطات بقوائم أسماء موظفيها الفلسطينيين، عملاً بتشريع جديد.

وأوضحت وزارة «شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية» الإسرائيلية، في بيان، أن «المنظمات التي لم تلتزم بالمعايير المطلوبة فيما يتعلق بالأمن والشفافية ستُعلَّق رخصها»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

كانت الحكومة الإسرائيلية أفادت، الأربعاء، بأن حظر الأنشطة الإنسانية في غزة سيطول 37 منظمة غير حكومية دولية، بدءاً من اليوم (الخميس)، ما لم تُقدِّم للسلطات أسماء موظفيها الفلسطينيين.

ويثير هذا التشريع مخاوف من تباطؤ جديد في دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة المُدمَّر بفعل عامين من الحرب، والذي يحتاج معظم سكانه بشكل عاجل إلى المأوى، والرعاية الصحية، والأمن الغذائي.

وأوضحت وزارة «شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية» الإسرائيلية أن «المشكلة الرئيسية التي حُدِّدَت هي رفض (هذه المنظمات) تقديم معلومات كاملة وقابلة للتحقق في شأن موظفيها، وهو شرط أساسي يهدف إلى منع تسلل عناصر إرهابية إلى المؤسسات الإنسانية».

ونقل البيان عن الوزير عميحاي شيكلي قوله: «الرسالة واضحة: المساعدات الإنسانية موضع ترحيب، لكن استغلال الأطر الإنسانية لأغراض الإرهاب ليس كذلك».

وتعرَّضت إسرائيل لانتقادات شديدة من المجتمع الدولي في الأيام الأخيرة، مع اقتراب الموعد المُحدَّد، منتصف ليل الأربعاء بالتوقيت المحلي، لانتهاء المهلة المعطاة للمنظمات الدولية غير الحكومية للامتثال لهذه الالتزامات التي أُعلِن عنها للمرة الأولى في مارس (آذار) الماضي.

ومن بين المنظمات المشمولة بهذا الإجراء «أطباء بلا حدود»، و«المجلس النرويجي للاجئين»، و«كير»، و«وورلد فيجن»، و«أوكسفام».

وأكدت «أطباء بلا حدود»، في بيان تلقّته «وكالة الصحافة الفرنسية»، الأربعاء، أنها تطبق «سياسات داخلية صارمة لضمان احترام القوانين، ومنع أي تحويل للمساعدات أو أي ارتباط بجماعات مسلحة».

كذلك أوضحت أنها لم تقدّم قائمةً بموظفيها لعدم حصولها من إسرائيل على «ضمانات وتوضيحات» بخصوص هذا الطلب «المقلق».

«يقوّض العمل الإنساني»

وطالب الاتحاد الأوروبي برفع «العقبات» أمام إيصال المساعدات الإنسانية.

أما مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، فرأى أن «عمليات التعليق التعسفية مثل هذه تزيد الوضع المتردي أصلاً سوءاً بالنسبة لسكان غزة»، حيث دخل حيّز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) وقفٌ لإطلاق النار يشهد خروقات.

وتُعد المساعدات واستخدامها مسألة حساسة جداً منذ بداية الحرب في قطاع غزة. ففي عام 2024، حظرت إسرائيل عمل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) على أراضيها، متهمةً بعض موظفيها بالمشاركة في هجوم 7 أكتوبر.

ووصف المدير العام لـ«أونروا»، فيليب لازاريني، الإجراءات الإسرائيلية، الأربعاء، بأنها «سابقة خطيرة». وعدّ أن «هذه القيود جزء من نمط مُقلق من تجاهل القانون الدولي الإنساني وازدياد العقبات أمام عمليات الإغاثة».

واستنكر تجمع يضم 17 منظمة إسرائيلية يسارية التوجه هذه القيود في بيان مشترك، صباح الخميس.

وعدّ هذا التجمّع أن «شطب 37 منظمة دولية غير حكومية يقوّض العمل الإنساني (...) ويعرّض الموظفين (...) للخطر، ويسيء إلى فاعلية توزيع المساعدات».

وشدَّد على أن «إسرائيل، بصفتها قوةً مُحتلةً، يجب أن تلتزم بتأمين إمدادات كافية للمدنيين الفلسطينيين. لكنها لا تكتفي بالإخلال بهذا الالتزام، بل تمنع أيضاً جهات أخرى من سدّ الثغر».

وكانت المفوضة الأوروبية لإدارة الأزمات، حاجة لحبيب، قد قالت إن خطط إسرائيل لحظر المنظمات الإنسانية الدولية في غزة تعني عرقلة وصول المساعدات المُنقذة للحياة إلى القطاع. وأضافت، في حسابها على منصة «إكس»: «كان موقف الاتحاد الأوروبي واضحاً، فلا يمكن تطبيق قانون تسجيل المنظمات غير الحكومية بصيغته الحالية».