الجيش الإسرائيلي يصطحب إعلاميين إلى الجبهة لـ«تغيير صورته»

فشله في 7 أكتوبر عقدة تُلاحقه باستمرار

دبابة إسرائيلية تدخل على الحدود الإسرائيلية مع قطاع غزة (د.ب.أ)
دبابة إسرائيلية تدخل على الحدود الإسرائيلية مع قطاع غزة (د.ب.أ)
TT

الجيش الإسرائيلي يصطحب إعلاميين إلى الجبهة لـ«تغيير صورته»

دبابة إسرائيلية تدخل على الحدود الإسرائيلية مع قطاع غزة (د.ب.أ)
دبابة إسرائيلية تدخل على الحدود الإسرائيلية مع قطاع غزة (د.ب.أ)

بعد أكثر من شهر على العمليات الحربية في قطاع غزة، قرَّر الجيش الإسرائيلي فتح الباب أمام مجموعة من أبرز الصحافيين الإسرائيليين؛ للقيام بجولة في الجبهة، برفقة كبار الضباط؛ بغرض بث رسائل ترفع معنويات الجمهور الإسرائيلي، وتعزز مكانة القوات العسكرية في المجتمع، في ظل العقدة التي تُلاحقه باستمرار بسبب فشله في منع وقوع هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وفي استعراض لما نشرته وسائل الإعلام المكتوبة والإلكترونية، يتضح أن الهم الأساسي للجيش هو تغيير الصورة التي نشأت لدى الرأي العام الإسرائيلي، بعد أن نفّذت حركة «حماس» الهجوم المُباغت في السابع من أكتوبر الماضي.

واستقبل الجيش الإسرائيلي الصحافيين في قاعدة عسكرية قريبة من الحدود مع غزة، حيث تركوا سياراتهم ونقلوهم بعربات عسكرية إلى الحدود، ومن هناك تسلّمتهم قوات ووضعتهم في مُجنزرات «النمر» أو سيارات «الجيب هامر» مصفّحة. وانتقلت بهم إلى مواقع مختلفة؛ للاطلاع على الأوضاع في الجبهة عن قرب.

مواطنون ينظرون من النوافذ لمبنى محطم في رفح بقطاع غزة (أ.ف.ب)

اسألوا كما تشاؤون

وقال الجيش للصحافيين: «كل شيء أمامكم مفتوح، اسألوا كما تشاؤون، بما في ذلك عن الأحوال الشخصية للجنود». وهذا بالطبع كلام مُغرٍ لأي صحافي في هذا العصر الذي تصبح فيه القصص الشخصية جذابة للمشاهدين والقراء. وهكذا تصبح المصلحة مشتركة؛ الجيش يُمرّر الرسائل التي يريد، وفي المقابل كل صحافي يبحث عن سَبْق خاص به. لكن خلاصة التقارير التي عاد بها الصحافيون لم تحمل بشائر ولا سبقاً صحافياً ذا شأن.

فالهدف الذي وضعه الجيش لهذه الجولات هو طمأنة الشعب بأن الجيش، الذي تلقّى ضربة شديدة، معنوية وعسكرية، في هجوم «حماس»، أعاد ترميم نفسه وانتقل إلى الثأر والهجوم ويتمتع بمعنويات عالية. وليس هذا وحسب، بل إنه يتكلم بلغة النصر، رغم أنها تحمل تناقضات كثيرة مع الواقع، لكنها ضرورية لبسطاء الناس الذين ما زالوا يعيشون في حالة ذهول من فشل القيادات السياسية والعسكرية في صدّ الهجوم، خصوصاً أن الخبراء والمعلِّقين في الخارج، وحتى في إسرائيل، يبتسمون ساخرين من الحديث عن النصر. وقد عبّر الكاتب ناحوم بارنياع، كبير الصحافيين في «يديعوت أحرونوت» العبرية، بكلمات ثاقبة عن ذلك، قائلاً: «الانتصار الحقيقي هو ألا يكون انتصار».

جندي إسرائيلي داخل قطاع غزة (رويترز)

حرب «على البيت»

في الواقع، فإن جميع الضباط، الذين رافقوا الصحافيين يتحدثون لهم عن ظروفهم الشخصية والعائلية، وكيف تدفقوا جميعاً للخدمة الاحتياطية، وبينهم كثيرون ممن لم يجرِ استدعاؤهم لكنهم امتثلوا بصفة «متطوعين»، وتركوا وراءهم عائلات وأولاداً لأنهم يرونها حرباً وجودية، حرباً «على البيت».

رون بن يشاي، المعلِّق لشؤون الأمن، في «واي نت»، البالغ من العمر 80 عاماً، كان أول من حظي بهذه الجولات. هو صحافي عسكري منذ سنة 1966، واشتُهر بتغطية الحروب والمعارك في الخطوط الأمامية، منذ غزوة الليطاني في سنة 1978. دخل غزة، ومن اللحظة الأولى عاش أجواء الحرب، فيروي أن مُجنزرة النمر توقفت بشكل مفاجئ، بعدما تلقّى قائدها أمراً بذلك. ويبلغ بعدها بأن عنصرين من «حماس» اكتُشفا وهما يُعِدّان لتفعيل عبوة ناسفة، فجَرَت تصفيتهما، وسمح للنمر بأن تُواصل طريقها، باتجاه جامعة الأزهر في الحي الجنوبي الغربي من مدينة غزة.

في مكانٍ ما على طريق صلاح الدين، يتوقف قائد المجنزرة، ويطلب منه النزول ليُريه عربة كهربائية إسرائيلية مُلقاة على حافة الطريق. ويعضّ القائد على شفتيه وهو يقول إنه يعتقد أن هذه العربة تعود لمُسنّ يهودي مقعد جرى اختطافه إلى أنفاق «حماس»، ثم يشير له بأن يشاهد فوهة أحد الأنفاق، بالقرب من ركام بلدة فلسطينية.

وكتب بن يشاي: «أنا صحافي مُطالَب بإعطاء تقارير عن الحقيقة، والابتعاد بقدر الإمكان عن مشاعري، لكنني وجدت نفسي أكتب في دفتري بشيء من الغضب: هنا كانت تعيش، حتى قبل أسبوع، أمهات ونساء وأولاد وذوو أولئك القتلة الساديين».

الدخان يتصاعد فوق غزة مع استمرار القصف الإسرائيلي (رويترز)

النيران الصديقة

وبذلك يلخص الزيارة قبل أن تكتمل، فهو الآن معبّأ؛ ليس فقط ضد «حماس»، بل ضد كل أفراد عائلاتها. وينشر ما يقوله العقيد يسرائيل فريديلر، وهو ابن لعائلة من 12 فرداً، 7 منهم يشاركون في الحرب ضمن جنود الاحتياط. ويصف بن يشاي الأسلوب القتالي فيقول: «في مجنزرة النمر، كل شيء مغلق، نرى الطرقات من خلال الشاشات، التي تبثّ الصور من الكاميرات. لا يجري فتح أية طاقة؛ تحسباً من صواريخ حماس المضادّة للدبابات. عندما نصطدم بقوة من حماس، نخبر سلاح الجو ونحدد الهدف فيقصفه سلاح الجو بالمسيَّرات أو وسائل قتالية أخرى. الهدف هو الضرب من بعيد؛ حتى لا يحدث تهديد لحياة الجنود. نريد عودتهم سالمين، لا يطلقون النار إلا نحو أهداف محدَّدة؛ خوفا من أن نصيب بعضنا بعضاً بالنيران الصديقة. كل مبنى نحتلّه نرفع عليه عَلَم إسرائيل، فمهما كان خطر القناصة الفلسطينيين، يظل خطر الإصابة من قواتنا أكبر».

الصحافية إيلانة ديان (59 عاماً)، تحمل شهادة الدكتوراه في القانون وتحرِّر وتقدم برنامجاً مهماً في «القناة 12» للتلفزيون، صعدت إلى مجنزرة النمر سوية مع قائد لواء المدرّعات 401، العقيد بيني أهرون، الذي وعد جمهور المشاهدين بأن يعود وقواته منتصراً، حتى لو بقي في غزة أسبوعاً أو سنوات. وقبل أن تسأله عن كيفية اتخاذه هذا القرار، وهو أب لأطفال، قرأ لها رسالة من زوجته تقول له فيها إنها وكل العائلة يساندونه ويطلبون منه العودة منتصراً. ويتساءل: «إذا كانت زوجتي التي أغيب عنها شهراً كاملاً تقول لي هذا الكلام، فكيف لا أكون مشحوناً بالقوة والإصرار على النصر؟».

نازحون من شمال قطاع غزة إلى الجنوب وسط استمرار عمليات القتال بين إسرائيل و«حماس» (د.ب.أ)

ركام فيلا فلسطينية

في مكانٍ ما على الطريق الغربي على أطراف غزة، يشير إلى ركام فيلا فلسطينية، رغم أنها مهدمة لكن فخامتها ظاهرة بما تبقّى من أثاث وبِركة السباحة والرسومات. فيقول: «انظري، يوجد لدى أهل غزة كل شيء، لكنهم يكرهوننا. ببساطة يكرهوننا». ويشير إلى بقية الركام ويقول: «كل شيء يتحرك هنا سنطلق عليه الرصاص، ليس مهماً مَن هو، وماذا هو، وكيف يرى، وماذا يفعل. بالنسبة لي هو مخرِّب، إلا إذا رأيت امرأة مع أطفال فلن أمسّها».

وتطلب منه أن يشرح لها طبيعة مهمته، فيجيب: «نحن نكلَّف باحتلال منطقة، وبعد كل احتلال نستأصل العدو. كل مكان تمر به 401 ينتهي العدو ولا يعود يقوى على إطلاق طلقة واحدة». وتُذكّره الصحافية بأن هناك مُسلَّحين من «حماس» خرجوا من الأنفاق وراء خطوط القوات الإسرائيلية المتقدمة داخل غزة، فيجيب: «توجد لدينا كتيبة هذه مهمتها؛ أن تدمر ما تبقّى من قوات العدو».

وتقول له: «هذا يبدو كمن يفرغ المحيط بالملعقة»، فيجيب: «لدينا صبر، سنعثر على فوهة كل نفق وندمره، سنصل إلى كل إرهابي. لقد قتلنا العشرات فوق الأرض، والمئات تحت الأرض. سنبقى هنا حتى نُنهي المهمة، سنقضي عليهم، لن نعود إلى البيت قبل ذلك. الويل لمن يطلب منا وقف النار. لا الأمريكيون ولا غيرهم». فتسأل: «هل هو الانتقام؟»، فيجيب: «نعم، توجد عندي مشاعر الانتقام، أنا لم آتِ لأقضي على حماس، بل لأنتقم مما فعلوه لنا، لكنه انتقام محسوب وملجوم».

فلسطينيون يبحثون عن ناجين بعد غارة جوية إسرائيلية على جنوب قطاع غزة (أ.ب)

كتيبة الجولان

مراسل القناة 11 الرسمية، إيتاي بلومنتال، رافق الكتيبة 932، التي جرى جلبها من الحدود مع سوريا في الجولان، لمساندة القوات المتقدمة في عمليات التطهير، واتخذت مقراً لها في مدرسة القسطينية الثانوية للبنين في مخيم الشاطئ، التي دُمّر معظمها في القصف الجوي والمدفعي، ولكن بقيت منها بعض الجدران التي تجعلها مكاناً للنوم للجنود. قائد الكتيبة المقدِّم دوتان، يتحدث عن «الروح المعنوية العالية والإصرار على الانتصار»، ويكشف أمام الطاقم الإعلامي مخزن سلاح مليئاً بالأسلحة في مكتبة المدرسة، ومنصة إطلاق القذائف خارج أسوار المدرسة. ويقول إن قواته ستُصادر الأسلحة والذخيرة وتدمّر ما تبقّى.

الصحافي يشير إلى الشارع الذي جرى شقه من المنطقة الإسرائيلية إلى قلب غزة، ليسهل على القوات التنقل، وكثبان الرمال التي جرى تكويمها على طرفَي الشارع لتحمي القوات من كمائن القناصين من «حماس»، ويؤكد أن قواته اصطدمت بعناصر «حماس» الذين قُتلوا أو هَربوا، ويوصلونه إلى فوهة نفق لم يدخله الجنود حتى الآن، رغم مُضيّ أسبوعين على الاجتياح.

ويقول إنه جرى تدمير النفق بوسائل تكنولوجية، لكنهم أبقوا على الهوة لتكون شاهداً على أساليب عمل «حماس». ويسأله الصحافي: كيف تضمنون ألّا يُصاب مخطوفون إذا جرى وضعهم هنا، فيجيب: «المخطوفون كل الوقت في ذهننا، ومن مهماتنا الأساسية أن نعيدهم سالمين»، ولا يقول كيف. ثم يلتقي مجموعة جنود يغنّون أغنية عن المتعة في شرب الخمر، ويقترح عليهم أن يخاطبوا ذويهم، فتكون الرسالة واحدة: «نحبُّكم. عائدون إليكم منتصرين»، ثم يهتفون: «شعب إسرائيل حي قيوم، لن يقوى أحد على كسره».

جنود إسرائيليون يشاركون بالتوغل البري في قطاع غزة (أ.ب)

في قلب المعركة

نصيب «القناة 13» من جولات الإحاطة كان سيئاً بشكل خاص، فقد أرسلت طاقمين؛ الأول بقيادة معلِّق الشؤون العسكرية ألون بن دافيد، الذي وصل إلى الجبهة عندما كانت عناصر «حماس» قد أطلقت طائرة مسيّرة من النوع الذي يحمل متفجرات باتجاه تجمُّع الجنود، فأمر قائد القوة الإسرائيلية الجميع بالركض إلى مكان آمن، في حين قامت المضادات الجوية بإطلاق صاروخ تمكّن من تفجير الطائرة وهي في الجو، لكن الصحافي بن دافيد تعثّر وهو يهرب من المكان، فوقع وأُصيب بكسر في كف يده، واضطر إلى قطع الزيارة والتوجه للعلاج، وعاد إلى استوديو البث في القدس دون تقرير.

أما الفريق الثاني بقيادة المراسل العسكري أوري هيلر، فتمكّن من القيام بجولة، لكنه اضطر إلى قطعها في مرحلة معيّنة بسبب هجوم آخر من خلية مسلَّحين من «حماس» في حي العطاطرة، القريب من الحدود. وغادر القطاع سالماً. وقد انطلق إلى الجولة من قاعدة «زيكيم» العسكرية، المحاذية للحدود مع قطاع غزة، والتي كانت أول المواقع التي هاجمتها «حماس»، في السابع من أكتوبر.

ويصف هيلر آثار الدمار في «زيكيم»، وعلى الطريق، ثم داخل غزة. ويشير إلى جرافات «D9»، التي تجرف الطرقات، والآليات الأخرى التي تفرض الحصى، تمهيداً لدخول مزيد من القوات الإسرائيلية. وتعرض الكاميرا الخاصة به شعاراً يخاطب «حماس»: «لقد جاءت علقتكم مع الشعب الخطأ»، لكنه كُتب بالعبرية، مما يعني أنه موجَّه للجنود الإسرائيليين وليس للفلسطينيين.

فلسطينيون يدفنون ذويهم الذين قُتلوا في غارات إسرائيلية بمقبرة وسط قطاع غزة (رويترز)

«الأنفاق قبور جاهزة»

ويرافق هذا الصحافي في الجولة، المقدم عيران أرزي، ويُعرِّف به قائلاً: «إنه يعرف غزة كما تعرف كفّ يدك»، فقد كان في قلب القطاع في العملية الحربية التي جرت عام 2014، في خان يونس، وحظي بوسام الشجاعة على المعارك التي خاضها هناك، ويلتقيان مع المقدم أرئيل غونين، الذي قَدِم من منطقة نابلس، حيث يقود قوات تجتاح مخيم بلاطة وحي القصبة.

هيلر يُعدّ من الصحافيين المقرَّبين للجيش، وقلَّما يوجِّه الانتقادات له، فيترك للضباط حرية إلقاء خطابات وشعارات بلا قيود ولا اعتراض: «أنا سعيد بوجود هذه الأنفاق؛ فهي قبور جاهزة لا نحتاج إلى شقاء حفرها، كل ما علينا هو أن نغلقها ليبقوا فيها إلى الأبد. هذه الحرب التي نخوضها هي حرب النور مقابل الظلام، حرب الطيب مقابل الشرير».

لا يسأله إن كان النور هو ذلك الدمار الذي يشاهدونه من حولهم، وتشريد الناس وآثار الدماء الظاهرة على كل جدار وعلى المدارس المهدَّمة والمساجد والكنائس والنوادي والمستشفيات، كلُّ همِّه هو «كيف تضمن ألا تؤدي عملياتكم إلى إصابة أو مقتل مخطوفين؟»، ويكون الجواب: «أعتقد أن قادة حماس يحرصون على وضع المخطوفين في أكثر مكان آمن في غزة، فهذه الورقة الوحيدة التي بأيديهم ولن يفرِّطوا بها بهذه السهولة». وأضاف: «أنا لستُ ممن يستهترون بالعدو، إنهم أقوياء ومقاتلون أشدّاء... وهذا يجعلنا شديدي الحذر، لكننا أقوى وأَقدرُ منهم بكثير».

فلسطينيون وسط الدمار جراء القصف الإسرائيلي على غزة (إ.ب.أ)

القوات منقطعة عن العالم

مراسل صحيفة «معاريف»، موشيه كوهن، يبدأ تقريره بالإشارة إلى ذلك الجندي الذي بادره بالسؤال: «كيف هي الحال في البلاد؟»، فانتبه إلى أن القوات الإسرائيلية داخل قطاع غزة منقطعة عن العالم تقريباً، طيلة الشهر. فالجيش يصادر أجهزة الهاتف الخلوي، والذي يريد الاتصال بعائلته يفعل ذلك من خلال الهاتف الأحمر لدى قائد الفرقة أو السرية أو الكتيبة، لكنه ذكر كلمة البلاد، مما يعني أنه يدرك أنه الآن في منطقة محتلّة وليس في بلاده.

وكتب كوهن: «كلما تقدمنا بسيارة هامر العسكرية المصفّحة إلى قلب غزة عبر شارع الشاطئ، نجد أنفسنا أقرب إلى العمارات المدمَّرة». وأضاف: «هناك عمارة شاهقة لم تُهدم، يبدو أن الجيش تعمّد ذلك حتى يستخدمها مقرّاً لقيادته، إنه فندق فخم. اللوبي يُستخدم لنوم الجنود، إنهم لا يخاطرون. في حالة استنفار وتأهب دائمة، ويُجرون دوريات تفتيش بوتائر سريعة؛ حتى لا يتعرضوا لمفاجأة. كثرة عدد القوات تخلق الثقة بالأمن. غالبية السكان الغزيين هربوا، ولكن هذا لا يُطَمئن، ففي عدة مرات فاجأونا بهجمات منفردة، كل جندي يحمل على ظهره حمولة بزنة 35 كيلوغراماً، نصف وزنهم».

وتابع: «تقع انفجارات كثيرة، لكن مهمتنا الأساسية هي تدمير البنى التحتية لقوات حماس. كتيبة المدرّعات 532 التي يقودها المقدم عيران تُنفذ المهمة بمساعدة سلاح الجو. عيران متزوج، ولديه طفلة عمرها ثلاث سنوات، يشتاق كثيراً للعائلة، لكنه مؤمن بأنه يصنع مستقبلاً آمناً لابنته وللأجيال القادمة».

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب حدود غزة (د.ب.أ)

العَلَم الإسرائيلي فوق أطلال البيوت

كوهن كان قد دخل، آخِر مرة، غزة في سنة 2005، عندما قامت القوات الإسرائيلية بإخلاء المستوطنين اليهود (8000 مستوطن)، بموجب قرار حكومة أرئيل شارون، الانفصال عن قطاع غزة وشمال الضفة الغربية. حضر الطقوس العسكرية لإنزال العَلَم الإسرائيلي في قاعدة نفي دكليم، ساعة غروب الشمس، حين كانت دموع الجنديات والجنود الإسرائيليين تنهمر.

ويقارن بين تلك الأيام وبين ما يجري اليوم، حيث العَلَم الإسرائيلي عاد ليرفرف لكن فوق الخرائب وأطلال البيوت، وحيث الجرافات تدمِّر ما تبقّى من عمارات، حتى يشق الطرق للقوات القادمة، وحيث دويُّ القصف يجلجل في السماء. ويخلص إلى القول: «الشيء الوحيد الذي بقي كما هو في غزة، هو أمواج البحر».

الأجواء التي يحاول الجيش إنشاءها، خصوصاً بكثرة الحديث عن النصر، تصطدم بأقوال أصحاب التجارب، الذين يعرفون أن هذه أقوال إعلامية تُستخدم في الحرب النفسية. والحرب النفسية لا تكون بالضرورة ضد العدو، بل قد تكون بالأساس للاستهلاك المحلي.

إحدى كاتبات المقالات الافتتاحية في «يديعوت أحرونوت»، سيما كدمون، تقول: «لعلّ الخطاب عن الانتصار ليس مصادفة، لعلّه توجد محاولة لدفعنا إلى نسيان ما سبق هذه الحرب؛ القصور الكبير، المذبحة الوحشية، اختطاف أكثر من 240 امرأة وطفلاً وشيخاً إلى داخل غزة. كيفما اتفق، يوجد إحساس بالحديث أقل فأقل عن الاستخبارات التي فوجئت تماماً، عن غياب الجيش على مدى ساعات طويلة، الحقيقة التي لا يمكن استيعابها في أنه على مدى نحو يومين انتقلت السيادة الإسرائيلية في بلدات إسرائيلية إلى أيدي حماس. كل هذا النقاش نجحوا كيفما اتفق في تأجيله إلى ما بعد الحرب».


مقالات ذات صلة

وزير خارجية إسرائيل: لا نخطط لإجراء محادثات مباشرة مع الحكومة اللبنانية

شؤون إقليمية مركبات عسكرية إسرائيلية على الجانب الإسرائيلي من الحدود الإسرائيلية - اللبنانية (رويترز)

وزير خارجية إسرائيل: لا نخطط لإجراء محادثات مباشرة مع الحكومة اللبنانية

قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن إسرائيل لا تخطط لإجراء محادثات مباشرة مع الحكومة في لبنان خلال الأيام المقبلة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي سيدة تنتحب بعد مقتل 3 فلسطينيين في رام الله جراء هجمات المستوطنين الإسرائيليين (أرشيفية - رويترز) p-circle

مقتل 4 أفراد من عائلة واحدة في الضفة الغربية بنيران الجيش الإسرائيلي

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية أن رجلاً فلسطينياً وزوجته وطفليهما الصغيرين قُتلوا، اليوم (الأحد)، بنيران الجيش الإسرائيلي في شمال الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يقفون للحراسة خلال جولة للمستوطنين بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

مقتل 3 فلسطينيين في هجوم لمستوطنين بالضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي، الأحد، مقتل 3 فلسطينيين في هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون على قرية في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
شؤون إقليمية نظام اعتراض الصواريخ بالليزر «الشعاع الحديدي» الذي طورته إسرائيل في 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

إسرائيل تجرّب «مدفع ليزر» حديثاً في إسقاط الصواريخ والمسيّرات

بدت الصناعات الحربية الإسرائيلية مبتهجة، يوم الاثنين، عندما عبرت تجربة نظام الليزر القتالي «أور إيتان» (Iron Beam) بنجاح في إسقاط طائرات مسيّرة انطلقت من لبنان.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)

بعد تحذير إسرائيلي... لبنان يخشى استهداف بنيته التحتية حال التصعيد مع إيران

يخشى لبنان من ضربات قد تشنها إسرائيل على بنيته التحتية في حال التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، كما صرّح وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي من جنيف الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)
أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)
TT

المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)
أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)

قالت دمشق إنها تدرس «خياراتها» بالرد المناسب على هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية، فجر الاثنين، في تصعيد لافت جاء عقب دفع تعزيزات عسكرية جديدة إلى الشريط الحدودي مع العراق خلال الساعات الماضية.

وبينما تحدث خبراء عسكريون عن خيارات الرد العسكري المتاحة، رأى سياسيون في دمشق أن هجوم المسيّرات على القواعد الأميركية التي قد تم إخلاؤها يحمل رسائل ذات دلالات مهمة؛ إذ يأتي بعد تنفيذ إسرائيل عملية توغل من جهة جبل الشيخ باتجاه الأراضي اللبنانية.

وأفادت «هيئة العمليات في الجيش العربي السوري» بوقوع هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية فجر الاثنين.

ونقلت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) عن الهيئة قولها إن وحدات الجيش تمكنت من التصدي لأغلب المسيَّرات وأسقطتها. وأضافت: «ندرس خياراتنا، وسنقوم بالرد المناسب لتحييد أي خطر، ومنع أي اعتداء على الأراضي السورية».

وبحسب تصريحات الخبير العسكري السوري، العقيد عماد شحود، لـ«الشرق الأوسط»، هناك خياران للرد على مصدر إطلاق المسيّرات في الأراضي العراقية؛ الأول القصف المدفعي بالمدى البعيد «عيار 130»، أو بالراجمات «بي إم 21»، موضحاً أن هذا الخيار لا يحتاج إلى توغل بري.

أما الخيار الثاني، وهو الأفضل، فاستخدام مسيّرات «شاهين»؛ إذ يكون الرد بالمستوى نفسه؛ أي رد بالمسيّرات على هجوم مسيّرات، والأهم أن إصابة الهدف تكون أدق، وفق قوله.

جندي سوري (الجيش العربي السوري - إكس)

وحول الأهداف التي تضربها المسيّرات القادمة من العراق، وهي قواعد عسكرية سورية كانت سابقاً أميركية وتم إخلاؤها قبيل بدء الحرب الإقليمية، رأى شحود أن الغاية من الهجمات توجيه رسائل للحكومة السورية بـ«عدم دخول معركة برية مع (حزب الله) في لبنان، أو تقديم تسهيلات، أو غض النظر عن التوغلات الإسرائيلية من جهة جبل الشيخ باتجاه البقاع الأوسط والبقاع الشمالي»، مشيراً إلى أن إيران ليس لها أهداف في سوريا، وإنما هي رسائل تحذيرية، في حين يضغط الجانبان الأميركي والإسرائيلي على دمشق لتتدخل سوريا برياً ضد «حزب الله»، وهو ما ترفضه دمشق.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، تنفيذ عملية عابرة للحدود انطلاقاً من الشق السوري لجبل الشيخ، وصولاً إلى منطقة جبل روس داخل الأراضي اللبنانية (مزارع شبعا). وبحسب البيان، تهدف العملية إلى تمشيط المنطقة، وجمع معلومات استخبارية، إلى جانب كشف بنى تحتية ميدانية.

ولا تزال دمشق تظهر حذراً حيال الحرب المندلعة في المنطقة «إدراكاً منها لحساسية الموقف»، بحسب تعبير الباحث في الشؤون السياسية عباس شريفة. وبحسب رأيه، فإن الدولة السورية «تأخذ بالحسبان أن تكون هذه الاعتداءات والاستفزازات هي خطة مدروسة من بعض الأذرع الإيرانية في العراق لجر سوريا نحو المواجهة، وتحويل سوريا من عقدة استقرار إلى بيئة متوترة».

وتوقع أن تتأنى دمشق في أخذ أي إجراء حيال هجوم المسيّرات، يوم الاثنين، قبل «التواصل مع الدولة العراقية والجهات الرسمية ومعرفة تقدير الموقف لديها والتعاون». وأضاف شريفة لـ«الشرق الأوسط» أن «الدولة السورية ليست في عجلة من أمرها، خصوصاً أن الموقف الرسمي العراقي رافض لهذه الاستفزازات»، مشيراً إلى أن ما تحتاجه سوريا من الحكومة العراقية «إجراءات ملموسة وذات مصداقية».

معبر اليعربية بين سوريا والعراق (أ.ف.ب)

وكان الجيش السوري أعلن السبت أنه صدَّ هجوماً بطائرة مسيَّرة انطلق من العراق على قاعدة التنف في جنوب شرقي البلاد، التي كانت تضمُّ في السابق قوات أميركية. كما أشار الجيش الأسبوع الماضي إلى استهداف قاعدة أخرى تابعة له في شمال شرقي البلاد بهجوم صاروخي من العراق. واتهم مسؤول عراقي فصيلاً مسلحاً محلياً (تابعاً لـ«الحشد الشعبي»)، بالوقوف وراء الهجوم، وأوقفت بغداد 4 أشخاص على صلة بالحادث.

وفي الأشهر الأخيرة، انسحبت القوات الأميركية المنتشرة في سوريا، في إطار التحالف لمحاربة تنظيم «داعش»، من قاعدتَي التنف والشدادي، وبدأت بالانسحاب من قاعدة قسرك.

ومع تكرار سلوك الفصائل العراقية التابعة لإيران باستهداف عابر للحدود لقواعد في سوريا تم إخلاؤها، يمكن القول إنها «هجمات غير مؤثرة عسكرياً، لكنها تحمل ثلاث دلالات مهمة».

تدريب مقاتلين سوريين (الجيش العربي السوري)

وقال الباحث السياسي نورس العبدالله لـ«الشرق الأوسط»: «الدلالة الأولى توجيه رسائل تهديد لنقل التوترات الإقليمية إلى سوريا بأساليب متعددة، منها الاستهداف ومنها الخلايا الأمنية. وقد سبق أن تم تفكيك خلية تتبع (الحشد الشعبي) العراقي في دير الزور السورية. أما الثانية، فهي في إطار المشهد الأوسع؛ أي كجزء من استراتيجية إيرانية تستهدف توسيع نطاق الحرب مع عدم نجاح التفاوض وزيادة التوترات الأمنية في الإقليم ككل، بما لها من انعكاسات اقتصادية وسياسية. وهذا يرتبط في أحد جوانبه بفكرة إدخال الحوثيين من اليمن، وترابط (الساحات) كما يتم الترويج له».

أما الدلالة الثالثة، فتدخل في تقديره ضمن الحسابات الداخلية العراقية، حيث «تسعى الفصائل التي تقف وراء الهجوم للتأكيد على أنها فاعل مستقل، وقرارها ليس في بغداد، وأن الحكومة العراقية، وإن اتبعت نهجاً حيادياً وسعت للتواصل مع سوريا، وحتى التنسيق الأمني، لن تكون قادرة على فرض رؤيتها».

أما عن رد الفعل السوري، فعملياً التركيز الأساسي كان وما يزال بطابع وقائي عبر تعزيز الحدود والتركيز الأمني، ومنع عمليات نقل السلاح والتهريب، وتعزيز التنسيق مع الجانب العراقي الرسمي، خاصة مع إظهار الحكومة العراقية الحرص على منع استهداف الأراضي السورية رغم عدم قدرتها على ذلك، ولا يُتوقع أن يتغير هذا النهج الحالي إلا بوجود شروط متعددة، منها وجود استهداف متكرر أو تحرك عربي (خليجي تحديداً)، بالانخراط في الحرب، وهذا ما يصبح عليه أيضاً الوضع في الشريط الحدودي مع لبنان.


إسرائيل تعلن قتل قادة بارزين في «حزب الله»

دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)
دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)
TT

إسرائيل تعلن قتل قادة بارزين في «حزب الله»

دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)
دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)

أعلن الجيش الإسرائيلي عن قتل قادة بارزين في «حزب الله»، مسؤولين عن التنسيق بين الحزب والمنظمات الفلسطينية في غارة جوية استهدفت بيروت في وقت سابق من يوم الاثنين، حسبما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال الجيش إن الغارة في العاصمة اللبنانية استهدفت وقتلت حمزة إبراهيم راخين، نائب قائد الوحدة 1800 في «حزب الله»، إلى جانب رئيس عمليات الوحدة وناشط آخر، بحسب صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في موقعها الإلكتروني.

وأضاف الجيش الإسرائيلي في بيان أن «الوحدة 1800 هي الوحدة المسؤولة عن التنسيق بين منظمة (حزب الله) الإرهابية والمنظمات الإرهابية الفلسطينية في لبنان وغزة وسوريا ويهودا والسامرة (الضفة الغربية)».

وأوضح الجيش أن نائب رئيس الوحدة 1800 أشرف، ضمن مهامه، على نشر عناصر فلسطينية مسلحة في جنوب لبنان لمواجهة القوات الإسرائيلية.

وفي غارات أخرى في بيروت يوم الاثنين، قال الجيش الإسرائيلي، إنه قصف مقرات «حزب الله» ومراكز القيادة.

يُشار إلى أن إسرائيل تشن غارات جوية تستهدف الضاحية الجنوبية في بيروت وعدداً من المناطق في جنوب وشرق وشمال لبنان، تخللها توغل بري، وذلك رداً على قيام «حزب الله» منذ الثاني من مارس (آذار) الحالي بهجمات على إسرائيل بعد الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من الشهر الماضي.


فرنسا ترفض مبدأ «وحدة الساحات» والربط بين جبهتَي لبنان وإيران

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)
TT

فرنسا ترفض مبدأ «وحدة الساحات» والربط بين جبهتَي لبنان وإيران

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)

في ردها على الشروط الأميركية الـ15 التي نُقلت إليها عبر الوسيط الباكستاني، لم تتردد السلطات الإيرانية في العودة إلى تفعيل مبدأ «وحدة الجبهات»، وذلك من خلال اشتراطها ربط مصير الحرب الدائرة بين إسرائيل و«حزب الله» بمصير الحرب الدائرة بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل؛ ما يعني أن مصير لبنان ككل، وليس فقط مصير الجنوب، أصبح مربوطاً بما يمكن أن ترسو عليه تطورات الحرب الدائرة في إيران والمتمددة إلى لبنان. واللافت أنه منذ أن عادت الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، حرص الأول على نفي ارتباطها بما يحصل في إيران، بل إن خطب نعيم قاسم، الأمين العام للحزب، ومسؤوليه دأبت على نفي هذا الربط لكيلا توفر الحجج لمن ينتقدونه بأنه تابع لإيران وينفذ أوامرها. وأكثر من ذلك، فإن ربط طهران بين الجبهتين من شأنه أن «يفرمل» الدولة اللبنانية ومبادرة الرئيس جوزيف عون الذي طرح مبادرة إطلاق مفاوضات سياسية مباشرة مع إسرائيل، والتي يرى فيها الوسيلة الوحيدة لوقف الحرب التي تدمر لبنان.

الورقة الفرنسية

جاءت «الورقة» الفرنسية التي طرحت جدولة زمنية من ثلاث مراحل لتكمل وتدعم مبادرة عون. بيد أن رفض إسرائيل الجذري للمبادرتين، وهو ما تبلغه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في إسرائيل خلال زيارته في 20 مارس (آذار) للقاء نظيره جدعون ساعر، جمّد المبادرة الفرنسية التي كان يراد منها تناول كل جوانب الأزمة اللبنانية. والأهم من ذلك، أن الولايات المتحدة الأميركية التي أرادتها باريس إلى جانبها، لم تُظهر حماسة. وطيلة الأيام الأخيرة، بدا للجانب الفرنسي أن إدارة الرئيس دونالد ترمب راغبة في إعطاء الوقت الكافي لإسرائيل لإتمام عملياتها العسكرية في لبنان، وهدفها الرئيسي تدمير «حزب الله»، وجعل نزع سلاحه شرطاً أساسياً لا يمكن القفز فوقه لقبولها التفاوض.

صورة جماعية لوزراء خارجية «السبع» يوم 27 مارس في «فو دي سيرني» (إ.ب.أ)

لبنان على طاولة «السبع»

كان لبنان أحد الملفات الرئيسية التي بُحثت بمناسبة اجتماع وزراء خارجية «مجموعة السبع» في دير «فو دو سيرني» التاريخي الذي حُول إلى وجهة سياحية غربي العاصمة الفرنسية. وجعلت باريس من لبنان أحد المحاور في الجلسة المخصصة للحرب في إيران وتبعاتها. غير أن المناقشات لم تصل إلى رؤية موحدة أو أي قرار محدد لسببين: الأول، الموقف الأميركي، والثاني قناعة المؤتمرين بأن دخول «حزب الله» في الحرب صبيحة الثاني من مارس ما كان إلا استجابة لما طلبته طهران، وهو يشبه كثيراً استجابة الحوثيين المتأخرة لمطلب مماثل. وتتخوف باريس من احتمال الربط بين الجبهتين، وهو ما أوضحه بارو في المؤتمر الصحافي الذي أعقب انتهاء أعمال وزراء «مجموعة السبع».

وتقوم المقاربة الفرنسية على الدفع باتجاه «المحافظة على استقرار لبنان ودعم مؤسساته الشرعية، وحماية المدنيين، وضمان الاستعادة الكاملة لسيادته»، وهي الرسالة التي شدد عليها الوزير الفرنسي لدى أقرانه. وليس سراً أن باريس، بلسان وزير خارجيتها، في حديث، الأحد، للقناة «الثالثة» في التلفزة الفرنسية، تحمّل «حزب الله» مسؤولية «جرّ لبنان، مرة أخرى، إلى الحرب».

وقال الوزير الفرنسي، عقب انتهاء أعمال «مجموعة السبع»، ما حرفيته: «لم يكن ينبغي للبنان أن يُجرّ إلى حرب لم يخترها. وتقع مسؤولية جسيمة على (حزب الله) في اتخاذ هذا القرار الذي يضع البلاد مرة أخرى على حافة الهاوية».

وعبر بارو عن رفض بلاده الربط بين الجبهتين. كذلك أكد أن لبنان «لا يرغب في أن تعمد قوى خارجية بتحويل لبنان إلى مسرح ثانوي لحرب لم يردها». وأضاف الوزير الفرنسي أنه «على العكس، يجب مضاعفة الجهود من أجل وقف الأعمال العدائية في لبنان، وتسهيل حوار رفيع المستوى - قد يكون تاريخياً - بين السلطات اللبنانية والسلطات الإسرائيلية، بما يتيح لهما الاتفاق على مسار نزع سلاح (حزب الله)، الذي ينبغي أن يسلّم سلاحه، والتقدّم نحو تسوية النزاع القائم بينهما منذ عام 1949».

أنقاض مبنى تعرض لغارة جوية إسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية يوم 30 مارس (أ.ف.ب)

مطالب فرنسا

حقيقة الأمر أن باريس تجد نفسها اليوم مفتقدة للقدرة على التأثير في مسار الأحداث بين لبنان وإسرائيل، كما بخصوص تطورات الحرب بين إيران والثنائي الأميركي - الإسرائيلي. بارو عرض مجدداً لائحة المطالب الفرنسية من إسرائيل للمحافظة على لبنان، وقد عدّدها كالتالي: «يجب على إسرائيل أن تمتنع عن أي عملية برية، وأن تمتنع عن أي استهداف للبنية التحتية المدنية، وعن أي اعتداء على المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، ولا سيما بيروت، حتى يظلّ الطريق نحو السلام ممكناً».

والحال أن ملاحظة ما هو حاصل في لبنان، هي أن إسرائيل لا تعير أي أهمية للمطالب الفرنسية؛ فمن جهة، يطالب رئيس وزرائها نتنياهو بتوسيع مساحة الأراضي التي تحتلها القوات الإسرائيلية في لبنان، بل إن وزير الدفاع يريد تعديل الحدود بين لبنان وإسرائيل لدفعها حتى نهر الليطاني الذي يبدو بلوغه هدفاً رئيسياً لتل أبيب. كذلك تريد باريس أن تمتنع إسرائيل عن استهداف البنية التحتية المدنية. لكن ما هو حاصل أن الطيران الإسرائيلي لا يفرق بين مدني وعسكري؛ إذ إنه دمر الجسور الخمسة الرئيسية فوق نهر الليطاني لفصل الجنوب عن بقية المحافظات اللبنانية. أما تجنب استهداف المناطق السكانية فمطلب بعيد كل البعد عن الواقع.

ومنذ توقف الحرب والتوصل إلى هدنة بين إسرائيل ولبنان في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024 بفعل وساطة وضغوط أميركية - فرنسية، سعت باريس لتكون طرفاً في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية (الميكانيزم) بين إسرائيل و«حزب الله»، وكان لها ما طلبت؛ إذ عُين ضابط فرنسي نائباً لرئيس ما سُمي «اللجنة الخماسية». وخلال أشهر، سعت باريس لإقناع إسرائيل بوقف هجماتها في لبنان على مواقع وقادة ومسؤولين من «حزب الله»؛ لأنها تضعف الدولة اللبنانية في سعيها لحصر السلاح بيد القوى الشرعية. لكن جهودها باءت بالفشل؛ إذ استمرت الهجمات الإسرائيلية بحجة أن «حزب الله» لم يحترم بنود الاتفاق، ولم يوافق على تسليم سلاحه. وعرفت «ورقتها» التفاوضية المصير نفسه.

تعزيزات عسكرية إسرائيلية إلى الجبهة المفتوحة بين الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» منذ 2 مارس (رويترز)

واليوم، تقف باريس إلى جانب الرئيس عون والحكومة اللبنانية في سعيهما لتنفيذ القرارات «الشجاعة» التي اتُّخذت، بهذا الخصوص، في مجلس الوزراء، وهو ما يشدد عليه الرئيس ماكرون ووزير خارجيته في كل مناسبة. لكن باريس تعي أن أمراً كهذا لا يمكن أن يتحقق ما دامت الحرب دائرة، كما تعي أن تواصلها سيزيد من إضعاف الدولة اللبنانية، وسيراكم الأعباء التي لن تكون قادرة على تحملها، وعلى رأسها التعامل مع أعباء مئات آلاف النازحين؛ لذا فإنها تدعو إلى وقف الحرب الدائرة على الأراضي اللبنانية لتجنيب لبنان «الهوة» التي تحذر منها. وعلى رغم محدودية أدواتها الدبلوماسية والسياسية، فإن باريس تواظب على «طرح الصوت» الذي لم يجد حتى اليوم من يستمع إليه.