الجوع والعطش يلاحقان السكان في غزة

«أونروا»: المواطن العادي يعيش على كسرتَي خبز ويبحث عن الماء

نازحون من مدينة غزة يوم الخميس (إ.ب.أ)
نازحون من مدينة غزة يوم الخميس (إ.ب.أ)
TT

الجوع والعطش يلاحقان السكان في غزة

نازحون من مدينة غزة يوم الخميس (إ.ب.أ)
نازحون من مدينة غزة يوم الخميس (إ.ب.أ)

لا يمكن حصر الأزمات الإنسانية التي تلاحق سكان قطاع غزة منذ بدء الهجوم الإسرائيلي في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. ومع استمرار الحرب الإسرائيلية وتصاعدها وأخذها شكلاً من أشكال الحصار الشامل، بدأ الجوع والعطش يلاحقان سكان القطاع، وبخاصة في مناطق الشمال المحاصرة، والتي تشهد اشتباكات عنيفة خلال محاولة الجيش الإسرائيلي السيطرة عليها.

وقطعت إسرائيل الكهرباء والمياه عن القطاع بعد 5 أيام على بدء الحرب، وأغلقت جميع معابره بشكل كامل، ومنعت تدفق البضائع المختلفة، ما تسبب في نقص سريع ومتزايد في المواد الأساسية والاحتياجات اليومية، حتى وصل الأمر اليوم إلى انعدام شبه كامل في إمدادات الخبز والمياه.

فلسطينيون يغسلون أواني الطبخ في مياه البحر المتوسط بسبب انقطاع المياه في قطاع غزة يوم الخميس (رويترز)

ويقطع رائد أبو سويلم من سكان منطقة الزرقا وسط شمال مدينة غزة، مسافة 3 كلم على الأقل يومياً للوصول إلى مخبز للعائلات قرب مستشفى الشفاء بمدينة غزة، من أجل الحصول على ربطة خبز واحدة فقط، لإطعام عائلته المكوّنة من 9 أفراد، يُضاف إليهم 13 فرداً آخرين من أبناء شقيقه الذين نزحوا من بيت لاهيا في شمال القطاع.

وقال أبو سويلم لـ«الشرق الأوسط»: «نوزّع الخبز على الأطفال والنساء، وهو لا يكفي عادة لوجبة واحدة، علماً أننا لا نتناول أصلاً سوى وجبة واحدة في اليوم. الفطور والعشاء غير ممكنين. نسعى إلى سد جوع الأطفال أولاً ثم النساء ثم نحن».

أضاف أبو سويلم: «إذا حالفنا الحظ فسنجد بعض الطحين بعد معاناة كبيرة. نقوم بخبزه على ما تيسّر من الحطب. يشبه الأمر حفلة شواء إذا توفر طحين ونار».

نازحون في مدرسة تابعة للأمم المتحدة في خان يونس بجنوب قطاع غزة في 25 أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

وتعرض العديد من المخابز للقصف في مدينة غزة وشمال القطاع المحاصر، ما حرم مئات الآلاف من السكان هناك من ترف الحصول على مزيد من الخبز.

ويعيش الغزيون ظرفاً معقّداً بغياب الكهرباء والغاز وانقطاع الطحين. فبعدما سعت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» في الأسبوع والنصف الأسبوع، الأخيرين، لتوفير كمية من الطحين إلى المخابز، كانت كميات الغاز والوقود الخاصة بتشغيل المولدات الكهربائية قد نفدت، ما دفعها إلى إغلاق أبوابها.

وأمام هذا الوضع بات الحصول على ربطة خبز عملاً شاقاً وصعباً وقد يكلّف المرء حياته تحت القصف.

فلسطينيون يحضّرون الطعام في مركز تابع للأمم المتحدة في خان يونس بجنوب قطاع غزة في 25 أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)

وقال مدير شؤون وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» بغزة، توماس وايت، إن المواطن العادي في غزة يعيش على قطعتين من الخبز المصنوع من الدقيق الذي خزّنته الأمم المتحدة في القطاع.

ووصف وايت، الذي قال إنه جاب غزة طولاً وعرضاً في الأسابيع القليلة الماضية، أراضي القطاع بأنها «مسرح للموت والدمار»، مشيراً إلى أنه «لا يوجد مكان آمن، والناس يخشون على حياتهم ومستقبلهم وقدرتهم على إطعام أسرهم».

ويطال هذا النازحين في مدارس تابعة لـ«الأونروا».

وقال محمد أبو حسنين، وهو أحد النازحين لمدرسة حكومية في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة: «نحصل على ربطة خبز واحدة، كل يومين أو ثلاثة أيام».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «نعيش ظروفاً مأساوية، وكل شيء ينفد، ولم يعد لدينا حتى الإمكانات المادية لشراء بعض المعلبات الغذائية في حال توافرها بالأساس... أطفالنا ونساؤنا يموتون جوعاً وعطشاً».

نازحون من مدينة غزة يوم الخميس (إ.ب.أ)

وإذا كان يمكن الانتظار من دون خبز فإن ذلك يبدو أكثر صعوبة بالنسبة للماء.

والمياه الصالحة للشرب في غزة شحيحة أساساً، وتعتمد على محطات تحلية.

وكان سكان القطاع يلجأون عادة لشراء مياه الشرب من محطات تحلية المياه التابعة لشركات خاصة، إلا أن نفاد الوقود بشكل كبير خاصة في مناطق مدينة غزة وشمال القطاع، التي يركز الجيش الإسرائيلي فيها ضرباته أكثر، جعلت هذه المحطات تنهار أمام حاجة السكان للمياه.

وقال رأفت ياسين، أحد القائمين على محطة «ياسين» لتحلية المياه: «لم يعد باستطاعتنا توفير المياه في ظل انقطاع المياه التي كانت تزوّد البلديات بها المنازل، بسبب قطع الاحتلال للخطوط الرئيسية التي تمد القطاع بالمياه».

فلسطينيون يحضّرون الطعام في مركز تابع للأمم المتحدة في خان يونس بجنوب قطاع غزة في 25 أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)

وزاد نفاد الوقود من معاناة أصحاب المحطات في تحلية كميات كبيرة، وتزداد هذه المعاناة مع تضاعف الطلب عليها.

وقال المواطن نور فرج الله: «إن المياه المحلاة تحولت إلى بديل وحيد للسكان، ليس فقط للشرب، وإنما لغسل الأواني ولاستخدامها في النظافة الشخصية وفي كل شيء، في ظل انقطاع المياه عن مدينة غزة وشمال القطاع».

وأبلغ المدير في «أونروا» توماس وايت دبلوماسيين من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، في بيان موجز عبر تقنية الفيديو من غزة، أن «الأونروا» تدعم نحو 89 مخبزاً في جميع أنحاء غزة، لكن «الآن لم يعد الناس يبحثون عن الخبز، إنهم يبحثون عن الماء».

وأضاف أن العبارة الرئيسية التي تُسمع الآن في الشارع هي «الماء».

وبحسب اتحاد بلديات قطاع غزة، فإن وقف إسرائيل لإمدادات المياه، ونفاد الوقود في محطات معالجة مياه الآبار التي تكون مالحة وتتقارب مع ملوحة البحر المتوسط، دفعا البلديات إلى ضخ المياه من دون معالجة، لكنها لا تصل إلى غالبية المناطق بسبب تعمّد الإسرائيليين ضرب البنية التحتية ومنها خطوط المياه الداخلية وبعض الآبار.

وفي ظل غياب مياه معالجة، وأخرى غير معالجة، فإن الوصول إلى مياه يصبح منقذاً للحياة بغض النظر عن الثمن اللاحق.

وحذّرت وزارة الصحة في غزة وجهات دولية عدة من انتشار الأمراض في صفوف سكان القطاع، نتيجة استخدام هذه المياه غير المعالجة، وسط تقارير عن تسجيل أكثر من 1300 إصابة بأمراض جلدية ومعدية.

واتهم المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، السلطات الإسرائيلية بتعمد استهداف كل مقومات الحياة والبنية التحتية في إطار فرض حصار مشدد على القطاع، يهدف إلى تجويع السكان.


مقالات ذات صلة

«اتفاق غزة»... تحركات جديدة من الوسطاء لكسر الجمود

المشرق العربي فلسطينية تعد وجبة في مخيم النصيرات للاجئين شمال دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»... تحركات جديدة من الوسطاء لكسر الجمود

تحركات جديدة بشأن مسار اتفاق وقف إطلاق في قطاع غزة، الذي زاد تعثره منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا فلسطيني يحمل جثمان أحد أقربائه قتل في غارة جوية إسرائيلية بمدينة غزة (أ.ف.ب)

«سلاح حماس»... تحرك لـ«مجلس السلام» بغزة في توقيت مربك

حراك جديد لدفع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط تصاعد حرب إيران، مع تسريبات إعلامية بأن «مجلس السلام» قدم مقترحاً لحركة «حماس» لنزع سلاحها.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية (الهيئة العامة للاستعلامات)

مصر قلقة إزاء «المنحى التصاعدي» لأعمال العنف في الضفة

أعربت مصر عن بالغ قلقها إزاء «المنحى التصاعدي» لأعمال العنف التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق 
«صوت هند رجب» قد تتأخر حظوظه (مايم فيلمز)

الهند تمنع عرض فيلم «صوت هند رجب» كونه «مسيئاً» إلى علاقتها مع إسرائيل

منعت الهند عرضَ فيلم «صوت هند رجب» الذي يتناول مقتل طفلة فلسطينية تبلغ 5 سنوات برصاص القوات الإسرائيلية في غزة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
المشرق العربي فلسطينية تبكي لدى زيارة قبور أقاربها في خان يونس جنوب قطاع غزة... الجمعة (إ.ب.أ)

آثار الحرب تخيّم على أجواء عيدَي الفطر والأم في قطاع غزة

ظلَّت آثار الحرب حاضرةً وخيَّمت على أجواء العيد في قطاع غزة، خصوصاً بعد أن شدَّدت إسرائيل مجدداً من إجراءاتها على إدخال البضائع؛ بحجة الظروف الأمنية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

بغداد «ملعب المخابرات»... وحرب إيران الأخيرة

راية فصيل «كتائب حزب الله» قرب مدينة ملاهٍ في بغداد خلال الاحتفالات بعيد الفطر يوم السبت (أ.ف.ب)
راية فصيل «كتائب حزب الله» قرب مدينة ملاهٍ في بغداد خلال الاحتفالات بعيد الفطر يوم السبت (أ.ف.ب)
TT

بغداد «ملعب المخابرات»... وحرب إيران الأخيرة

راية فصيل «كتائب حزب الله» قرب مدينة ملاهٍ في بغداد خلال الاحتفالات بعيد الفطر يوم السبت (أ.ف.ب)
راية فصيل «كتائب حزب الله» قرب مدينة ملاهٍ في بغداد خلال الاحتفالات بعيد الفطر يوم السبت (أ.ف.ب)

تحوَّلت بغداد إلى «ملعب المخابرات» مع تصاعد الحرب بين إيران، وبين الولايات المتحدة وإسرائيل، وتدفق ضباط «قوة القدس» لإدارة عمليات استنزاف، وتأسيس غرفة عمليات بديلة لـ«الحرس الثوري»، تحسباً لاضطرابات داخل طهران.

وأعادت الشبكات الإيرانية تنظيم نفسها سريعاً بعد أيام من مقتل المرشد علي خامنئي، مع اعتماد بنية لامركزية وخلايا مختلطة تعمل عبر فصائل عراقية. وتركزت الهجمات على مصالح أميركية وأنظمة رصد واتصالات، في حين تصاعدت حرب التجسُّس داخل العاصمة بين الإيرانيين والأميركيين وأطراف عراقية، وبلغت ذروة الصدام باستهداف جهاز المخابرات في بغداد.

في المقابل، تحوَّلت «جرف الصخر» من قاعدة استراتيجية إلى عبء أمني واستخباراتي، بعد تعرُّضها لضربات دقيقة استهدفت مراكز قيادة وتحكم، ما كشف طبيعة الانتشار الإيراني، وأربك الفصائل وأعاد رسم أولوياتها الميدانية وسط مخاطر انكشاف متزايدة وخسائر بشرية.


بري: نأمل باتفاق يوقف الحرب علينا

جسر القاسمية الذي يربط جنوب الليطاني بمدينة صور بعدما استهدفته إسرائيل بقصف صاروخي (إ.ب.أ)
جسر القاسمية الذي يربط جنوب الليطاني بمدينة صور بعدما استهدفته إسرائيل بقصف صاروخي (إ.ب.أ)
TT

بري: نأمل باتفاق يوقف الحرب علينا

جسر القاسمية الذي يربط جنوب الليطاني بمدينة صور بعدما استهدفته إسرائيل بقصف صاروخي (إ.ب.أ)
جسر القاسمية الذي يربط جنوب الليطاني بمدينة صور بعدما استهدفته إسرائيل بقصف صاروخي (إ.ب.أ)

كشفت مصادر لبنانية واسعة الاطلاع لـ«الشرق الأوسط»، أن إيران أبلغت قيادات في بيروت «تعهداً واضحاً» بشمول لبنان في أي صفقة تنهي الحرب الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وقالت المصادر إن مسؤولين لبنانيين تبلغوا عبر قنوات «غير دبلوماسية» أن طهران أبلغت عدداً من حلفائها في لبنان أن أي اتفاق ينهي الحرب «سيشمل لبنان بالتأكيد».

ويخشى لبنان انتقال إسرائيل بثقلها العسكري إليه بعد انتهاء الحرب مع إيران، خصوصاً أن المناورات الميدانية العسكرية التي يقوم بها جيشها توحي بأنه يثبت «رؤوس جسور» في الأراضي اللبنانية قد تكون منطلقاً لعمليات أوسع وغزو برّي محتمل.

وأعرب رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري في اتصال مع «الشرق الأوسط» عن أمله أن تصح تلك المعلومات التي تسربت، قائلاً إنه يتمنى «اتفاقاً شاملاً يتضمن نهاية للحرب الإسرائيلية على لبنان».


صواريخ من العراق على قاعدة عسكرية في الحسكة

جندي من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة يقف حارساً خلال دورية مشتركة بين الولايات المتحدة و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بقيادة الأكراد في ريف القامشلي شمال شرقي سوريا... 8 فبراير 2024 (رويترز)
جندي من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة يقف حارساً خلال دورية مشتركة بين الولايات المتحدة و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بقيادة الأكراد في ريف القامشلي شمال شرقي سوريا... 8 فبراير 2024 (رويترز)
TT

صواريخ من العراق على قاعدة عسكرية في الحسكة

جندي من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة يقف حارساً خلال دورية مشتركة بين الولايات المتحدة و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بقيادة الأكراد في ريف القامشلي شمال شرقي سوريا... 8 فبراير 2024 (رويترز)
جندي من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة يقف حارساً خلال دورية مشتركة بين الولايات المتحدة و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بقيادة الأكراد في ريف القامشلي شمال شرقي سوريا... 8 فبراير 2024 (رويترز)

في أول تطور من نوعه منذ بدء الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، استُهدفت أمس قاعدة كانت تشغلها القوات الأميركية في شمال شرقي سوريا بصواريخ انطلقت من العراق. وفيما أقر الجيش السوري بأن إحدى قواعده في الحسكة تعرضت لهجوم صاروخي، ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن فصيلاً عراقياً مسلّحاً موالياً لإيران أطلق مساء الاثنين من منطقة ربيعة على الحدود مع سوريا سبعة صواريخ من طراز «آرش 4» إيرانية الصنع باتجاه قاعدة في الحسكة انسحبت منها أخيراً القوات الأميركية.

إلى ذلك، أعلن أحمد الهلالي، المتحدث باسم الفريق الرئاسي لمتابعة تنفيذ اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) مع «قسد»، تعيين القائد في «قسد» «جيا كوباني» معاوناً لقائد «الفرقة 60» التي توجد في محافظتَي حلب والحسكة. جاء ذلك في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، نفى فيها المسؤول دمج «وحدات حماية المرأة» التابعة لـ«الإدارة الذاتية» داخل الجيش السوري، مرجعاً هذا الموقف لعدم وجود قوات خاصة بالمرأة ضمن هيكلية الجيش السوري، ومشدداً على أن أولوية القيادة السورية في هذه المرحلة هي الاستقرار وإعادة الإعمار.