غوتيريش يحذر من «حافة الهاوية»... وامتداد حرب غزة إلى المنطقة

مجلس الأمن يسابق الزمن لإثبات جدواه أمام أخطر أزمات الشرق الأوسط منذ عقود

سكان غزة يسعون إلى المياه (إ.ب.أ)
سكان غزة يسعون إلى المياه (إ.ب.أ)
TT

غوتيريش يحذر من «حافة الهاوية»... وامتداد حرب غزة إلى المنطقة

سكان غزة يسعون إلى المياه (إ.ب.أ)
سكان غزة يسعون إلى المياه (إ.ب.أ)

بالتزامن مع سباق مع الزمن بين أعضاء مجلس الأمن بهدف إيجاد أرضية مشتركة للتغلب على خلافاتهم والتحرك بشكل فاعل بعد مضي عشرة أيام على حرب غزة بين إسرائيل و«حماس»، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن الشرق الأوسط بات «على شفير الهاوية» في ظل الأزمة الإنسانية المتفاقمة على المدنيين الفلسطينيين المحاصرين والغموض حول مصير الأسرى والرهائن الإسرائيليين في القطاع، فضلاً عن الأخطار المتزايدة والمخاوف من امتداد النزاع إلى مناطق ودول أخرى.

سحب الدخان تتصاعد من بلدة بيت لاهيا نتيجة الغارات الجوية الإسرائيلية (إ.ب.أ)

وواصل أعضاء مجلس الأمن مشاوراتهم الثنائية للتعامل مع مشروعي قرارين، الأول قدمته روسيا والآخر البرازيل، في محاولة لتمكين مجلس الأمن من مواجهة الأزمة الحادة على رغم الخلافات العميقة حول المقاربة التي ينبغي اتباعها في وقت يعاني فيه أكثر من مليون فلسطيني من المدنيين في غزة تشريداً جديداً داخل القطاع، بعدما حذر الجيش الإسرائيلي من اجتياح وشيك في أعقاب هجمات «حماس» على المستوطنات والكيبوتزات المحيطة بغزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وبدت الولايات المتحدة والدول الغربية أكثر تركيزاً على التنديد بـ«حماس» وما قامت به، وأكثر استجابة للتحذيرات الأممية والعربية من خطورة الأزمة الإنسانية. لكنها حاولت عدم ممارسة أي ضغط على إسرائيل عبر الأمم المتحدة وأدواتها، بما في ذلك خصوصاً مجلس الأمن.

ترقب لحركة بلينكن

وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن في طريقه إلى إسرائيل (أ.ف.ب)

وإذ يترقب الدبلوماسيون في الأمم المتحدة ما يمكن أن ينجم عن الدبلوماسية المكوكية التي يجريها وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن في المنطقة، قال غوتيريش إنه «في هذه اللحظة الصعبة، وفيما نقف على حافة الهاوية في الشرق الأوسط، واجبي بصفتي أميناً عاماً للأمم المتحدة أن أوجه نداءين إنسانيين قويين»، مضيفاً أنه «بالنسبة لـ(حماس)، يجب إطلاق الرهائن فوراً من دون شروط. وبالنسبة لإسرائيل، يجب السماح بشكل عاجل ودون عوائق بوصول الإمدادات الإنسانية وعاملي الإغاثة من أجل المدنيين في غزة». وإذ ذكر بأن المياه والوقود، وغير ذلك من الإمدادات الأساسية تنفد من غزة، أشار إلى أن لدى الأمم المتحدة مخزوناً من الغذاء والماء والمواد غير الغذائية والإمدادات الطبية والوقود في كل مصر والأردن والضفة الغربية وإسرائيل، ويمكن إرسالها في غضون ساعات. وقال إنه «لضمان توصيلها يجب أن يتمكن زملاؤنا المتفانون على الأرض وشركاؤنا من المنظمات غير الحكومية، من جلب هذه الإمدادات إلى غزة وأنحائها دون عوائق لتوصيلها إلى المحتاجين».

عامل دفاع مدني فلسطيني يرش المياه فوق أنقاض مبنى دمر في أعقاب هجوم إسرائيلي على بلدة دير البلح في قطاع غزة (أ.ف.ب)

قلق إنساني... وأمل

وكذلك عبّر وكيل الأمين العام للأمم المتحدة منسق المعونة الطارئة مارتن غريفيث عن «قلقه البالغ» من الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة ومصير الرهائن الإسرائيليين، متوقعاً في الوقت ذاته «أنباء طيبة» فيما يتعلق بوصول المساعدات إلى جنوب غزة من مصر، منبهاً أن التاريخ «شاهد» على ما يحصل.

فلسطينيون ينتظرون العبور إلى مصر عند معبر رفح (أ.ب)

وقال: «نحن نعيش في أسوأ الأوقات. أول شيء أود التأكيد عليه هو العمل غير المقبول وغير القانوني المتمثل في أخذ هؤلاء الرهائن من إسرائيل، والكثير منهم، بحق الله، أطفال ونساء وشيوخ ومرضى، مع إبقائهم مختبئين في غزة ضد بعض الاحتمالات المستقبلية. يجب أن يتم السماح لهم بالخروج على الفور». واستدرك أن «الرد على هذا العمل الفظيع يشمل أيضاً القواعد الإنسانية للحرب. لا يمكنك أن تطلب من الناس الابتعاد عن طريق الأذى من دون مساعدتهم على القيام بذلك، والذهاب إلى الأماكن التي يختارونها، حيث يريدون أن يكونوا آمنين ومع المساعدات الإنسانية التي يحتاجون إليها للقيام بهذه الرحلة بأمان». وأكد أن «مناقشات عميقة تجري مع الإسرائيليين، ومع المصريين، ومع آخرين»، شاكراً للوزير بلينكن جهوده حول المنطقة. وأمل في أن «أسمع بعض الأخبار الجيدة (...) حول إدخال المساعدات عبر رفح (...) إلى غزة لمساعدة هؤلاء الملايين من الأشخاص الذين انتقلوا إلى الجنوب». وأعلن أنه سيتوجه إلى المنطقة الثلاثاء لـ«محاولة المساعدة في المفاوضات، ومحاولة الإدلاء بشهادة والتعبير عن التضامن مع الشجاعة غير العادية التي تحلى بها آلاف من عمال الإغاثة الذين واصلوا المسيرة والذين ما زالوا هناك لمساعدة الناس. في غزة والضفة الغربية».

القرار الروسي

المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا يتحدث إلى وسائل الإعلام في نيويورك (رويترز)

في غضون ذلك، لم يكن من الواضح ما إذا كان مجلس الأمن يمكن أن ينجح في اتخاذ موقف للتعامل مع الأزمة التي تهدد الأمن والسلم الدوليين، في ظل تزايد التساؤلات عن جدواه كأقوى أداة في ظل الأزمة العاصفة، علماً أن روسيا طلبت من مجلس الأمن التصويت على مشروع قرار مقتضب يدعو إلى «وقف إنساني لإطلاق النار»، ويندد بـ«العنف ضد المدنيين وكل أعمال الإرهاب».

وفيما توقع نائب المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة ديمتري بوليانسكي التصويت الاثنين على المشروع الروسي، الذي لا يشير بالاسم إلى إسرائيل أو «حماس»، لكنه يدعو إلى وقف فوري ودائم لإطلاق النار لأسباب إنسانية ويحظى بالاحترام الكامل، بالإضافة إلى إطلاق الرهائن، وإيصال المساعدات الإنسانية، والإجلاء الآمن للمدنيين المحتاجين.

ويحتاج أي قرار في مجلس الأمن إلى موافقة ما لا يقل عن تسعة من الأصوات الـ15 في المجلس وعدم استخدام حق النقض، الفيتو، من أي من الدول الخمس الدائمة العضوية في المجلس وهي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا.

مشروع البرازيل

وفي مقابل المشروع الروسي، قدمت البرازيل نصاً مختلفاً يستند إلى القرارات السابقة، وهي: و242 و338 و446 و452 و465 و476 و478 و1397 و1515 و1850 و2334. وهو يندد «بشدة كل أعمال العنف والاعتداءات ضد المدنيين وكل الأعمال الإرهابية». ويرفض «بشكل قاطع» ويندد بـ«الهجمات الإرهابية الشائنة التي نفذتها (حماس) في إسرائيل ابتداء من 7 أكتوبر 2023 واحتجازها رهائن مدنيين». ويدعو إلى «الإطلاق الفوري وغير المشروط لجميع الرهائن المدنيين»، ويطالب جميع الأطراف المعنية بـ«ضمان سلامتهم ورفاهيتهم ومعاملتهم الكريمة بما يتوافق مع القانون الدولي». ويحض كل الأطراف على «الامتثال التام للواجبات بموجب القانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، وتلك المتعلقة بممارسة الأعمال العدائية، وحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، بالإضافة إلى العاملين الإنسانيين والأصول التابعة لهم والسماح بتيسير الإيصال الإنساني للموارد والخدمات الأساسية إلى المحتاجين». ويحض «بقوة على إيصال متواصل وكاف للسلع والخدمات الأساسية بلا عوائق للمدنيين، بما في ذلك الكهرباء والمياه والوقود والغذاء والموارد الطبية». ويحض أيضاً على «التراجع الفوري للأوامر التي تلقاها المدنيون وموظفو الأمم المتحدة للإدلاء عن كل المناطق في غزة، وشمال وادي غزة والتوجه إلى جنوب غزة».

وزير الخارجية البرازيلي ماورو بعد جلسة لمجلس الأمن في نيويورك (رويترز)

تلافي امتداد الحرب

ويدعو المشروع البرازيلي إلى «وقف إطلاق نار إنساني للسماح بوصول إنساني كامل وسريع وآمن وغير معرقل لوكالات الأمم المتحدة وشركائهم التنفيذيين، واللجنة الدولية للصليب الأحمر وغيرها من المنظمات الإنسانية المحايدة، ويشجع على إنشاء ممرات إنسانية وغيره من المبادرات لإيصال المعونة الإنسانية للمدنيين». ويشدد على «أهمية آلية الإبلاغ الإنساني لحماية منشآت الأمم المتحدة وكل المواقع الإنسانية، وضمان حركة القوافل الإنسانية». ويدعو إلى «الاحترام والحماية للقانون الإنساني الدولي، وكل العاملين الطبيين والعاملين الإنسانيين المنخرطين حصراً في مهمات طبية، ووسائل وأدوات تنقلهم، بالإضافة إلى المستشفيات وغيرها من المنشآت الطبية». ويشدد كذلك على أهمية تلافي امتداد الحرب في المنطقة، وفي هذا الشأن يدعو كل الأطراف إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، وإلى أن يمارس الذين لديهم نفوذ عليها للعمل في هذا الاتجاه.


مقالات ذات صلة

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle 02:00

خاص غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
يوميات الشرق بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي طفل يسير في مقبرة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

غزو القوارض والحشرات يفاقم معاناة النازحين في غزة

يواجه النازحون في غزة داخل المخيمات المكتظة الكثير من المشاكل والتحديات قد يتمثل أكثرها إلحاحاً في غزو القوارض والحشرات لخيامهم الرثة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
TT

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

قال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، السبت، إنه أصدر تعليمات للجيش بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله» في لبنان، وذلك بعد إعلان الجيش أن الحزب انتهك وقف إطلاق النار.

وجاء في بيان أصدره مكتب رئيس الوزراء أن نتنياهو أمر الجيش «بمهاجمة أهداف لـ(حزب الله) بقوة في لبنان»، بعد يومين من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع.

وقتل ستّة أشخاص في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان، السبت، وفق وزارة الصحة، بينما قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف عناصر في «حزب الله».

وأوردت الوزارة، في بيان أول، أن «غارتَي العدو الإسرائيلي على شاحنة ودراجة نارية في بلدة يحمر الشقيف قضاء النبطية أدتا إلى استشهاد 4 مواطنين».

وأضافت، في بيان ثان، أن «غارة العدو الإسرائيلي على بلدة صفد البطيخ قضاء بنت جبيل أدت إلى شهيدين و17 جريحاً»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرفع ذلك عدد الذين قتلوا في غارات إسرائيلية على أنحاء مختلفة من جنوب لبنان، منذ الجمعة، إلى 12 قتيلاً.

من جانبه، قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف ثلاثة عناصر من «حزب الله» كانوا يستقلون «مركبة تندر (بيك أب) محمّلة بوسائل قتالية»، وعنصر آخر كان يستقل دراجة نارية في جنوب لبنان.

يأتي ذلك رغم إعلان ترمب، الخميس، تمديداً مدته ثلاثة أسابيع لوقف إطلاق النار الذي بدأ في 17 أبريل (نيسان)، وذلك عقب جولة جديدة من المحادثات في البيت الأبيض بين سفيرَي لبنان وإسرائيل.

واندلعت الحرب الأخيرة في الثاني من مارس (آذار) بعد إطلاق «حزب الله» صواريخ على إسرائيل ردّاً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول من الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، في 28 فبراير (شباط).

وشنّت إسرائيل حملة من القصف الجوي الواسع على لبنان، واجتاحت قواته مناطق في جنوبه، وأبقت قواتها فيها بعد سريان الهدنة، في 17 أبريل (نيسان).

وقُتل 2496 شخصاً وأصيب أكثر من 7700 في لبنان جراء الهجمات الإسرائيلية منذ الثاني من مارس (آذار)، بحسب أحدث حصيلة نشرتها وزارة الصحة، السبت.


السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
TT

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

في وقت تترقب فيه دمشق مثول رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب أمام محكمة الجنايات الرابعة في القصر العدلي بالحميدية وسط العاصمة السورية، قالت مصادر في هيئة العدالة الانتقالية لـ«الشرق الأوسط» إن المحاكمة ستجري علناً، مؤكدة أن مسار العدالة يسير بخطوات سليمة وسيحقق نتائج خلال الفترة المقبلة.

ويأتي ذلك في وقت تسود فيه أجواء من الحذر والقلق في قرية نبع الطيب بسهل الغاب في ريف حماة الغربي، وسط انتشار أمني كثيف عقب القبض على والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق، وعدة أشخاص آخرين بتهمة التورط في إخفائه. وقال مصدر أمني سوري إنه تم اعتقال والد أمجد يوسف وأشخاص آخرين مشتبه بتورطهم في إخفائه، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء الرسمية «سانا»، فيما قالت مصادر محلية في حماة إن حالة من الغضب والاحتقان تعم القرى المجاورة في ريف المحافظة، بعد انتشار أنباء تفيد بوجود المطلوب في جرائم قتل جماعي في قريته منذ عام ونصف العام، والتستر عليه هناك.

وأعلنت وزارة الداخلية السورية، الجمعة، إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بتنفيذ مجزرة حي التضامن في دمشق عام 2013، في عملية أمنية وصفتها بـ«المُحكمة». وحسب تقرير مصور بثته «الداخلية»، تم القبض على المتهم في سريره، وسط ذهول أفراد عائلته، فيما عمّت موجة فرح ممزوج بالفجيعة أحياء جنوب دمشق التي شهدت مجازر مروعة في سياق الحملة الأمنية التي شنّها النظام السابق ضد المناطق التي خرجت عن سيطرته عام 2011.

وعبّرت السيدة خلود عبد الله التي فقدت ثمانية أفراد من عائلتها في مجزرة التضامن، عن فرحها بتوقيف أمجد يوسف. خسرت خلود والدها وأمها وثلاث أخوات وابن أختها (طفل في عمر أربع سنوات) في التضامن عام 2013، كما فقدت اثنين من أشقائها في المعتقل، أحدهما في سجن صيدنايا، والآخر بفرع فلسطين، حسبما قالت لـ«الشرق الأوسط». وتحدثت عن شعورها لحظة سماع نبأ القبض على أمجد يوسف، فقالت: «شعور لا يُوصف. فرحت وبكيت وتذكرت أهلي». وتمنت خلود أن تلتقي المتهم وجهاً لوجه، وقد طلبت ذلك من وزير الداخلية، لكنها لم تتلق رداً بعد. وأكدت أن «لا شيء يبرّد قلوب أهالي الضحايا، لأن المصاب جلل، لكن الله يصبّرنا»، مضيفة أن عقاب الله للمجرمين «يشفي غلنا».

صورة وزعتها وزارة الداخلية السورية للمتهم أمجد يوسف بعد إلقاء القبض عليه الجمعة (إ.ب.أ)

وبينما يطالب أهالي الضحايا والمفقودين بعلنية التحقيقات والمحاكمة للوصول إلى الحقيقة كاملة، وكشف مصير المفقودين، أكد مسؤول ملف التحقق والتوثيق في الهيئة الوطنية للمفقودين، عمار العيسى، لـ«الشرق الأوسط» أن دور الهيئة في التحقيقات هو «دور فني داعم للتحقيقات القضائية، يتمثل في ربط المعطيات الواردة من التحقيق مع ما لدينا من بيانات وبلاغات، والتحقق منها ميدانياً وعلمياً». والهيئة لا تقوم بالاستجواب، وليست لديها ولاية تحقيقية وإنما «توفّر البنية التي تحوّل المعلومات إلى أدلة قابلة للاستخدام القضائي: توثيق، وتحقق، وحماية مواقع، وإدارة أدلة وسلاسل حيازة، وتحليل جنائي، وصولاً إلى إعداد تقارير يمكن أن تدعم مسار الادعاء». وقال العيسى إن «ما يمكن تقديمه للتحقيق هو قوائم مُتحقَّق منها ومرتبطة بسياقات محددة (مثل المكان، والزمان، ونمط الاختفاء)، وليس مجرد أرقام أو أسماء عامة، وذلك لضمان القيمة القانونية لهذه القوائم وربطها بالأدلة».

ولفت العيسى إلى أن الأرقام الموجودة لدى الهيئة هي على «مستوى البلاغات الوطنية»، وأن الأهم في سياق التحقيقات الجارية، ليس الرقم الإجمالي، بل الربط الدقيق بين الحالات والموقع والواقعة المحددة. ولذلك تتحفظ الهيئة عن «طرح أرقام غير مُدقّقة أو غير مرتبطة بسياق قضائي واضح، لأن ذلك قد يضر بالتحقيق أكثر مما يفيده».

ونظّمت «خيام الحقيقة»، وهي مجموعات أهلية من ذوي الضحايا والمفقودين في مناطق سليمة ومخيم اليرموك وجرمانا والغوطة الشرقية -القطاع الجنوبي وداريا- قرب دمشق، وقفة للأهالي بمناسبة القبض على أمجد يوسف مساء السبت. وقال الناشط واصل حميدة، من عائلات «خيام الحقيقة» في مخيم اليرموك، لـ«الشرق الأوسط»، إن الوقفة هي للتأكيد على مطالب أهالي الضحايا الذين يعتبرون القبض على أحد مرتكبي مجازر حي التضامن «تطوراً إيجابياً» طال انتظاره، ويعيد إشعال بصيص أمل في قلوب الأهالي المثقلة بالألم. وأكد أن توقيفه «تطور إيجابي في السعي المستمر لتحقيق العدالة في سوريا». وأشار واصل حميدة الذي فقد شقيقه في حي الزاهرة خلال سبتمبر (أيلول) من عام 2013، إلى أن عائلات «خيام الحقيقة» اعتبروا، في بيان مشترك، القبض على أمجد يوسف خطوة مهمة، لكنها «غير مكتملة»، مطالبين بمحاكمات علنية وبشفافية كاملة في إجراءات التحقيق، ومحاسبة جميع المسؤولين دون استثناء من المنفذين وكتبة التقارير إلى أعلى المستويات القيادية، ورفض محاولات إطلاق سراح مرتكبي جرائم الحرب أو المتورطين في الجرائم ضد الإنسانية تحت أي ذريعة، بما في ذلك ذريعة «السلم الأهلي» أو المصالحات.

مواطنون يحتفلون بتوقيف المتهم أمجد يوسف في حي التضامن يوم الجمعة (رويترز)

وشدد البيان على أن تحقيق الاستقرار الحقيقي لا يكون إلا عبر المساءلة والعدالة وعدم الإفلات من العقاب. كما طالبت عائلات «خيام الحقيقة» باستمرار الضغط والعمل الدبلوماسي الدولي، لتسليم كبار المسؤولين عن الجرائم، وصولاً لرأس النظام المخلوع بشار الأسد.

وبرز اسم أمجد يوسف بوصفه أحد أخطر مرتكبي المجازر وأعمال القتل الجماعي في سوريا بعد نشر صحيفة «الغارديان» تحقيقاً في 27 أبريل (نيسان) عام 2022، استناداً إلى تحقيق أكاديمي للباحثين أنصار شحّود وأوغور أوميت أونغور، حول مجزرة «حي التضامن» في 16 أبريل 2013، أسفرت عن مقتل نحو 41 شخصاً ودفنهم في مقبرة جماعية.

وعلّقت الباحثة في مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية بجامعة ‌أمستردام، أنصار شحود، على إلقاء القبض على أمجد يوسف بالقول إنها «تشعر الآن بالأمان»، مضيفة في تصريح لوكالة «رويترز» أن «الطريق إلى العدالة في سوريا غير واضح ولا يشمل جميع الجناة». وقالت: «حاسة (أشعر) بنوع ما من الأمان رغم بعد المسافة»، مشيرة إلى أنها كانت تشعر بأن يوسف يسعى وراءها لقتلها.

وتبدأ الأحد في دمشق أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب قريب الرئيس المخلوع بشار الأسد، وهو كان قد تولى سابقاً رئاسة فرع الأمن السياسي في محافظة درعا (جنوب)، حيث اندلعت شرارة الاحتجاجات الشعبية عام 2011، ويُعد المسؤول عن حملة قمع واعتقالات واسعة هناك.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
TT

قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)

شهدت بيروت توتراً أمنياً، بعد ظهر السبت، على خلفية إشكال في منطقة ساقية الجنزير مرتبط بتسعيرة المولدات الكهربائية، تخلله إطلاق نار ووقوع إصابات؛ ما أدى إلى تحركات احتجاجية، وقطع عدد من الطرق في العاصمة، وسط تباين في الروايات بين الجهات الرسمية وقوى أمن الدولة التي قامت بمداهمة أحد أصحاب المولدات.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بقطع الطريق في ساحة فردان مقابل دار الطائفة الدرزية بمستوعبات النفايات، احتجاجاً على إشكال ساقية الجنزير على خلفية تسعيرة مولدات، أعقبه إطلاق نار ووقوع إصابات. وقد تم قطع طريق كورنيش المزرعة - إغلاق نزلة الملا - قطع طريق الملا كركول الدروز رفضاً للذي حصل في ساقية الجنزير.

سلام يحمل المسؤولية لأحد عناصر الأجهزة

وفي السياق نفسه، أشار رئيس الحكومة نواف سلام إلى تحميل أحد الأجهزة الأمنية مسؤولية ما جرى، وكتب عبر منصة «إكس» قائلاً: «ما شاهدته ساحة ساقية الجنزير بعد ظهر اليوم من أعمال عنف من قبل عناصر أحد الأجهزة الأمنية ضد المدنيين، وإطلاق النار، وإرعاب المواطنين تصرفات غير مقبولة أياً كانت الأسباب أو الذرائع»، مضيفاً: «أعطيت الأوامر الصارمة للقيام بالتحقيقات الفورية لجلاء ملابسات ما جرى، واتخاذ التدابير اللازمة المسلكية والقضائية بحق المرتكبين. أدعو إخوتي المواطنين في بيروت إلى التحلي بأعلى درجات ضبط النفس؛ حفاظاً على أمن عاصمتنا الغالية، وسلامة أهلنا فيها».

كما كتب النائب وضاح الصادق عبر منصة «إكس» موضحاً ما حصل : «اقتحم جهازُ أمنِ الدولةِ منطقةَ ساقيةِ الجنزير في بيروت، وكأنّ أبو علي عيتاني (صاحب مولدات في المنطقة) رئيسُ مجموعةٍ إرهابية، فأشبعوه ضرباً، وأطلقوا النار إرهاباً لأهل المنطقة الذين تجمّعوا لحمايته. الحُجّة أنّه رفع تعرفة المولّد، فتخطّوا القانون، وتجاوزوا مسؤولية المحافظ ووزارة الاقتصاد، وقرّروا تطبيق قرار أحد الضباط ومن ورائه بالقوّة»، مضيفاً: «هذا أمرٌ لن يمرّ، ولم نشاهده في أيّ منطقةٍ أخرى، حيث يتجاوز أصحاب المولّدات كلّ الأعراف والقوانين يومياً. نحن نعرف كيف حمى أبو علي منطقته، ونعرف لماذا يتمّ التعامل معه بهذه الطريقة. سأكتفي بهذا، مع الثقة بأنّ اللواء لاوندس (مدير عام أمن الدولة اللواء إدغار لاوندس)، الذي لم أنجح في التواصل معه، سيأخذ الخطوات الآيلة إلى ضبط بعض الضباط في جهازه، ولكن هذا الأمر لن يمرّ مرور الكرام. سنكرّرها للمرة الأخيرة: بيروت ليست مكسَرَ عصاً لأحد».

رواية أمن الدولة

في المقابل، صدر عن المديرية العامة لأمن الدولة بيان قالت فيه إنه «متابعةً لجهودها المستمرة في قمع المخالفات التي تمسّ الأمن الاقتصادي، وبعد تخلّف أحد أصحاب المولدات الكهربائية المخالفة ضمن نطاق مدينة بيروت عن الحضور إلى مبنى مديرية الاستعلام والعمليات الخاصة لاستكمال الإجراءات القضائية بحقه، وبناءً على إشارة النيابة العامة المالية القاضية بإحضاره، قامت دورية من هذه المديرية العامة بتنفيذ الإشارة القضائية، فاعترضها عدد من المواطنين، ومُنعت من تنفيذ مهمتها؛ ما اضطر بعض العناصر إلى إطلاق النار في الهواء لتفريقهم، ولم يُصَبْ أحد بأذى. يتم إجراء التحقيق بإشراف النيابة العامة العسكرية».