الأسرار التي عرفتها «حماس» عن جيش إسرائيل

تفاصيل الهجوم الواسع المفاجئ على مواقع عسكرية ومستوطنات

سيارات محترقة في موقع حفل موسيقي هاجمه مقاتلو حركة «حماس» قرب حدود قطاع غزة السبت قبل الماضي (أ.ف.ب)
سيارات محترقة في موقع حفل موسيقي هاجمه مقاتلو حركة «حماس» قرب حدود قطاع غزة السبت قبل الماضي (أ.ف.ب)
TT

الأسرار التي عرفتها «حماس» عن جيش إسرائيل

سيارات محترقة في موقع حفل موسيقي هاجمه مقاتلو حركة «حماس» قرب حدود قطاع غزة السبت قبل الماضي (أ.ف.ب)
سيارات محترقة في موقع حفل موسيقي هاجمه مقاتلو حركة «حماس» قرب حدود قطاع غزة السبت قبل الماضي (أ.ف.ب)

كان المسلحون العشرة من غزة يعرفون بالضبط كيفية العثور على مركز الاستخبارات الإسرائيلية، وكيفية الدخول إليه.

وبعد عبورهم إلى إسرائيل توجهوا شرقاً على متن 5 دراجات نارية، وكان مسلحان على متن كل دراجة يطلقان النار على سيارات مدنية عابرة بينما كانوا يتقدمون.

وبعد 10 أميال انحرفوا عن الطريق إلى منطقة من الغابات لينزلوا خارج بوابة غير مأهولة إلى قاعدة عسكرية. ثم فجّروا الحاجز بعبوة ناسفة صغيرة ودخلوا القاعدة وتوقفوا لالتقاط صورة جماعية. ثم أطلقوا النار على جندي إسرائيلي أعزل كان يرتدي قميصاً، فقتلوه.

لوهلة، بدا المهاجمون غير متأكدين من وجهتهم التالية. ثم أخرج أحدهم شيئاً من جيبه: خريطة مرمزة بالألوان للمجمع.

وإذ أعيد توجيههم، وجدوا باباً غير مغلق لمبنى محصن. بمجرد دخولهم، دخلوا غرفة مليئة بالحواسيب - مركز الاستخبارات العسكرية. وتحت سرير في الغرفة، وجدوا جنديين يحتميان. وأطلق المسلحون النار عليهما فقتلوهما.

سُجل هذا التسلسل بكاميرا مثبتة على رأس مسلح قُتل لاحقاً. راجعت صحيفة «نيويورك تايمز» اللقطات، ثم تحققت من الأحداث عبر مقابلات مع مسؤولين إسرائيليين والتحقق من شريط فيديو للجيش الإسرائيلي عن الهجوم.

كيبوتز بيري الذي هاجمته حركة «حماس» في 7 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

إنهم يقدمون تفاصيل مخيفة حول كيفية تمكن «حماس»، التي تسيطر على قطاع غزة، من مفاجأة أقوى جيش في الشرق الأوسط يوم السبت الماضي، والتفوق عليه. لقد اقتحمت «حماس» الحدود واجتاحت أكثر من 30 ميلاً مربعاً، واحتجزت أكثر من 150 رهينة، وقتلت أكثر من 1300 شخص في أكثر الأيام دموية بالنسبة لإسرائيل في تاريخها الممتد 75 عاماً.

مع التخطيط الدقيق والوعي غير العادي بأسرار إسرائيل ونقاط ضعفها، طغت «حماس» وحلفاؤها على طول جبهة إسرائيل مع غزة بعد الفجر بقليل، مما صدم الإسرائيليين الذين لطالما اعتبروا تفوق جيشهم عقيدة.

باستخدام الطائرات المسيّرة، دمرت «حماس» أبراج المراقبة والاتصالات الرئيسية على طول الحدود مع غزة، وفرضت نقاطاً عمياء واسعة على الجيش الإسرائيلي. وقال مسؤولون إن «حماس» فتحت باستخدام المتفجرات والجرارات فجوات في الحواجز الحدودية، مما سمح لـ200 مهاجم بالدخول في الموجة الأولى و1800 آخرين في وقت لاحق من اليوم نفسه. وبالدراجات النارية والشاحنات الصغيرة، اقتحم المهاجمون إسرائيل، واجتاحوا ما لا يقل عن 8 قواعد عسكرية، وشنوا هجمات ضد المدنيين في أكثر من 15 قرية ومدينة.

تُظهر وثائق التخطيط لدى «حماس»، ومقاطع الفيديو للهجوم، والمقابلات مع مسؤولي الأمن، أن هذه الحركة الفلسطينية كان لديها فهم متطور بشكل مدهش لكيفية عمل الجيش الإسرائيلي، ومكان تمركز وحدات محددة، وحتى الوقت اللازم لوصول التعزيزات.

ويقول الجيش الإسرائيلي إنه بمجرد انتهاء الحرب، سوف يفتح تحقيقاً في كيفية تمكن «حماس» من اختراق دفاعاته بمثل هذه السهولة. لكن سواء أهملت القوات المسلحة حماية أسرارها أو تسلل الجواسيس إليها، أثارت هذه الاكتشافات قلق المسؤولين والمحللين الذين تساءلوا كيف يمكن للجيش الإسرائيلي - المشهور بجمع المعلومات الاستخباراتية - الكشف عن غير قصد عن الكثير من المعلومات عن عملياته.

دمار في كيبوتز بيري قرب قطاع غزة (رويترز)

كانت النتيجة سلسلة مذهلة من الفظائع والمذابح، فيما وصفه الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ بأنه أسوأ قتل جماعي لليهود في يوم واحد منذ المحرقة. فقد حطم الهالة التي لا تُقهر لدى إسرائيل، وأثار هجوماً مضاداً إسرائيلياً على غزة أسفر عن مقتل أكثر من 1900 فلسطيني في أسبوع، لم يُشاهد بمثل ضراوته قط في غزة.

كما ألغى الهجوم الافتراضات القائلة بأن «حماس»، التي صنفتها إسرائيل ودول غربية عديدة منذ فترة طويلة بأنها جماعة إرهابية، أصبحت تدريجياً أكثر اهتماماً بإدارة غزة من استخدام القطاع لشن هجمات كبيرة على إسرائيل. قال علي بركة، أحد قادة «حماس»، في مقابلة تلفزيونية يوم الاثنين، إن «حماس» جعلت الإسرائيليين يعتقدون أنها «مشغولة بإدارة غزة». وأضاف أن «حماس كانت تستعد طوال الوقت، وفي خفاء تام، لهذا الهجوم الكبير».

«حماس» في الكيبوتز!

كان مسلحو «حماس» داخل منزل آدي شيري، على الجانب الآخر من الباب المفتوح. كانت شيري وزوجها وأطفالهما الثلاثة يختبئون داخل غرفة نوم ابنهم الأكبر، ويستمعون إلى المسلحين المتجولين في غرفة معيشتهم. «من فضلك ساعدنا»، رسالة نصية أرسلتها شيري إلى صديق عندما اقترب أحد المهاجمين للغاية من باب غرفة النوم. ثم أمسك بمقبض الباب. كان يوم عائلة شيري قد بدأ بإطلاق صواريخ من غزة، بعد الساعة السادسة صباحاً بقليل. هرعت شيري، الخبيرة الاقتصادية، وزوجها أورين، المهندس، مع أطفالهما إلى غرفة نوم ابنهما الأكبر، والتي تحولت إلى ملجأ من القنابل.

في البداية، بدت أحداث الصباح مألوفة بشكل مزعج. تعيش عائلة شيري في كيبوتز «ناحال عوز»، وهي قرية ريفية يبلغ عدد سكانها 500 نسمة في إسرائيل، على بعد بضع مئات من الياردات شرق الحدود مع غزة. إن إطلاق الصواريخ في الصباح الباكر - وما أعقبه من اندفاع إلى الغرفة الآمنة - هو سمة متكررة للحياة في المنطقة.

تذكر آدي شيري طريقة تفكيرها وتقول: «كالعادة دائماً». لكن هذا الصباح، سرعان ما بدا الأمر مختلفاً. واستمرت الصواريخ في التدفق، وتوجه العديد منها إلى عمق الأراضي الإسرائيلية. ثم جاء دوي طلقات نارية من الحقول المحيطة بالقرية. ترك أورين وشيري غرفة النوم ونظرا من خلال المصاريع على نوافذ غرفة المعيشة. تذكرت آدي شيري زوجها وهو يصرخ: «يا إلهي. حماس في الكيبوتز! حماس في الكيبوتز!».

آثار المعارك في كيبوتز بيري الذي هاجمته حركة «حماس» في 7 أكتوبر الحالي (إ.ب.أ)

كانت الساعة 7:20 صباحاً. وكان المئات من مهاجمي «حماس»، يحملون بنادق وقاذفات صواريخ محمولة على الكتف ويرتدون عصابات رأس خضراء، ويتدفقون عبر حقول القرية.

كان ذلك جزءاً من هجوم منسق قامت فيه فرق من المهاجمين، من خلال الوثائق والفيديو، بتعيين أهداف محددة. وبينما اجتاح بعضهم القواعد العسكرية، اندفع آخرون بالدخول إلى مناطق سكنية، واختطاف وقتل المدنيين. كانوا يصلون إلى شارع منزل شيري في غضون دقائق. اضطرت العائلة إلى التصرف بسرعة. لم يكن ملجأ القنابل الخاص بهم - غرفة نوم ابنهم المراهق - مُحكم الغلق. أمسك الوالدان بكرسي ووضعاه تحت مقبض الباب - مما جعل من الصعب فتحه. ثم جروا خزانة صغيرة ووضعوها على الكرسي. ثم انتظروا. كانت هناك قاعدة للجيش بجوار القرية. وتذكرت آدي شيري وهي تفكر أن قواتها سوف تكون هنا في غضون دقائق. وما لم تكن تعرفه أن العديد منهم كانوا قد قتلوا بالفعل.

«خذوا الجنود والمدنيين»

على طول الحدود، كان مسلحو «حماس» قد اجتاحوا بالفعل معظم، إن لم يكن جميع، قواعد الحدود الإسرائيلية.

أظهرت لقطات من كاميرات محمولة على رأس المهاجمين، بما في ذلك شريط الفيديو الذي يصوّر الغارة على مركز الاستخبارات، أن مسلحي «حماس» - من لواء النخبة المدرب تدريباً عالياً - يُحطمون حواجز عدة قواعد في الضوء الأول من الصباح.

بعد الاختراق، كانوا بلا رحمة، مطلقين النار على بعض الجنود في أسرّتهم بملابسهم الداخلية. وقال ضابط كبير بالجيش الإسرائيلي إنهم في عدة قواعد يعرفون بالضبط أين تقع أجهزة الاتصالات ويدمرونها.

مع تعطل الكثير من أنظمة الاتصالات والمراقبة، لم يتمكن الإسرائيليون في كثير من الأحيان من رؤية قوات نخبة «حماس» قادمة. وقد وجدوا صعوبة في طلب المساعدة والحصول على استجابة. وفي كثير من الحالات، لم يتمكنوا من حماية أنفسهم، ناهيكم عن القرى المدنية المحيطة.

كيبوتز بيري في صورة من الجو (رويترز)

أظهرت وثيقة تخطيط لـ«حماس» - عثر عليها المستجيبون الإسرائيليون في إحدى القرى - أن المهاجمين كانوا منظمين في وحدات محددة جيداً ذات أهداف وخطط قتالية واضحة. أوضحت الوثيقة أن إحدى الفصائل عينت ملّاحين ومخربين وسائقين، بالإضافة إلى وحدات من الهاون في المؤخرة؛ لتوفير غطاء للمهاجمين. كان لدى المجموعة هدف محدد - الكيبوتز - وتم تكليف المهاجمين باقتحام القرية من زوايا محددة. وكانت لديهم تقديرات لعدد القوات الإسرائيلية المتمركزة في المواقع القريبة، وعدد المركبات التي تحت تصرفهم، والمدة التي تستغرقها قوات الإغاثة الإسرائيلية للوصول إليهم.

الوثيقة مؤرخة في أكتوبر (تشرين الأول) 2022 تشير إلى أن الهجوم كان مخططاً له منذ عام على الأقل.

في مكان آخر، نصب مهاجمون آخرون كميناً للتعزيزات العسكرية الإسرائيلية عند مفارق الطرق الرئيسية، طبقاً لأربعة من كبار الضباط والمسؤولين. وكان لدى بعض الوحدات تعليمات محددة للقبض على الإسرائيليين لاستخدامهم ورقةَ مساومة في عمليات تبادل الأسرى مع إسرائيل في المستقبل. وجاء في الوثيقة: «خذوا الجنود والمدنيين أسرى ورهائن للتفاوض معهم».

«سوف نموت»

كان المهاجمون قد شقوا طريقهم إلى منزل عائلة شيري قبل الساعة العاشرة صباحاً بقليل، وفقاً للرسائل التي أرسلتها آدي شيري لأصدقائها لها في ذلك الوقت. ووفقاً لقيادة القرية، لقد قتلوا حراس الكيبوتز، بالإضافة إلى متطوع أمن مدني هرع لمواجهتهم في اللحظات الأولى من الهجوم، وباتوا يتحركون من بيت إلى بيت، محاولين العثور على أناس لقتلهم أو لخطفهم. كتبت آدي شيري على هاتفها: «أرجوكم أرسلوا المساعدة».

سيارات مهجورة في موقع هاجمته حركة «حماس» على حدود قطاع غزة السبت الماضي (أ.ف.ب)

في منزل عائلة شيري، اقتحموا الباب عنوة. وقالت آدي شيري إنهم بعد ذلك دخلوا المنزل وهم يصرخون ونهبوه. تذكرت وقتها فكرة واحدة سيطرت عليها: «سوف نموت». انتظرت العائلة بصمت مرعب، آملة أن يتجاهل الدخلاء باب غرفة النوم ويظنون أن الجميع كانوا بعيدين. آدي شيري وزوجها وضعا كل ثقلهما على الخزانة، لتثبيت الكرسي تحت مقبض الباب. وقف غاي (15 عاماً)، ابنهما الأكبر، بجانب الباب، حاملاً دمبل (ثقلاً حديدياً) يزن 18 رطلاً. إذا كان هناك شخص ما قد اقتحم المكان، فإن الخطة هي أن تسقط على رأس المعتدي. ثم تحرك المقبض. وبدأ الوالدان في دفع الخزانة. واستمر المقبض في التحرك. ثم توقف. لقد ابتعد المهاجم.

على بعد بضعة شوارع، كان لعائلة ميكي ليفي، التي تشرف على حدائق الكيبوتز، موقف مماثل. قال ليفي (47 عاماً) في مقابلة أجريت معه إنه بعد أن طاردته فرقة من المهاجمين داخل غرفته الآمنة، أطلقوا النار على الباب المصفح. اخترقت بعض الطلقات الباب، مما أحدث فيه فتحات كبيرة، وقال ليفي إنه أطلق النار بمسدسه أيضاً، مما أدى إلى تمزيق الباب أكثر. كانت زوجته وابنتاه الصغيرتان في مأوى إلى الجانب.

وبعد تغيير تكتيكاتهم، جلب المهاجمون اثنين من جيرانه - أم وابنتها البالغة من العمر 12 عاماً، كما قال ليفي. قال ليفي إن الأم وابنتها طُلب منهما تحت تهديد السلاح إقناعه بفتح الباب. وروى ليفي أن إحداهما قالت له: «اخرج وتوقف عن إطلاق النار. لن يفعل الإرهابيون أي شيء لك». في نهاية المطاف، تخلى المهاجمون عن هذا النهج وعادوا بصاروخ «آر بي جي»، بحسب ما يقول ليفي. وأضاف أنه عندما أطلق ليفي النار على أحد المهاجمين في فخذه، غادروا المكان أخيراً. الأم وابنتها، كما يشتبه ليفي، صارتا الآن أسيرتين في غزة.

«الجثث تحترق»

قال العميد دان غولدفوس إنه قاد سيارته جنوباً من دون أن يعرف بالضبط إلى أين يجب أن يذهب. كان غولدفوس (46 عاماً)، وهو قائد مظلي، في إجازة بمنزله حيث كان يمارس الركض في منطقته بشمال تل أبيب. ثم شاهد شريطاً مصوراً من الجنوب «يظهر فيه إرهابيون يمشون عبر مدينة، من دون عوائق على الإطلاق». ومن دون انتظار الأوامر، قال العميد إنه ركض إلى المنزل وارتدى زيه الرسمي وتوجه جنوباً. وحمل الأسلحة مع جنديين من قاعدته بوسط إسرائيل واتصل بأصدقائه وزملائه لمعرفة ما يحدث. القليلون فقط أدركوا الأمر. أما البقية، «فلم يكن هناك أي شخص يفهم الصورة الكاملة»، كما قال غولدفوس في مقابلة لاحقة.

إن سرعة ودقة وحجم هجوم «حماس» أوقع الجيش الإسرائيلي في حالة من الفوضى، ولساعات عديدة بعد ذلك، تُرك المدنيون ليدبروا أمورهم بأنفسهم. قال غولدفوس، بحسب المعلومات القليلة التي استطاع الحصول عليها، إنه توجه مع الجنود إلى قرية شمال ناحال عوز، ثم ساروا تدريجياً إلى الجنوب. كانت الساعة نحو العاشرة صباحاً، وكان هناك مجزرة وفظائع في كل مكان حوله. اصطف الإسرائيليون القتلى على الطرق إلى جانب أبواب السيارات المحروقة والمقلوبة. في موقع الحفل الموسيقي الراقص طوال الليل في الهواء الطلق، قتل المسلحون ما يُقدر بنحو 260 من رواد الحفل. تذكر غولدفوس مشاهد الموقع: «كانت الجثث تحترق». كان هجوم «حماس» سبباً في إطلاق العنان لحملة عنف جنونية لدى الجميع. وقد تدفق بعض سكان غزة عبر الحدود غير المحمية بعد اختراقها، وكانوا في بعض الأحيان يبثون ما يفعلونه على هواتفهم المحمولة. وقال الناجون إن سكاناً من غزة اقتحموا ونهبوا منازلهم، وسرقوا الحواسيب، والملابس، والأواني الفخارية، والتلفزيونات، والهواتف.

في بعض القرى الإسرائيلية، احترق سكان في منازلهم، بينما كان مسلحون يطاردون المدنيين عند كل منعطف، بحثاً عن أشخاص يعتقلونهم أو يقتلونهم. اختطفوا الأجداد والأطفال الصغار وطفلاً رضيعاً عمره 9 أشهر واقتادوهم إلى غزة، وبعضهم كان محصوراً بين الخاطفين على متن دراجات نارية.

خلال معظم هذه الفوضى، لم يكن الجيش الإسرائيلي موجوداً في أي مكان تقريباً. بالقرب من كيبوتز ريم، قال غولدفوس إنه التقى قائداً كبيراً آخر بالصدفة. وقد هرع الضابط مثله إلى مكان الحادث من دون أي تعليمات، وجمع مجموعة صغيرة من الجنود. ثم بعد ذلك، توصل الرجلان إلى استراتيجية خاصة بهما؛ إذ قال غولدفوس: «لا توجد أوامر هنا. تحركوا من هنا صوب الجنوب، وسوف أتحرك من هنا صوب الشمال». هكذا وقع بعض الهجوم المضاد الإسرائيلي، حيث سارع الجنود أو المتطوعون المدنيون - بمن فيهم الجنرالات المتقاعدون في الستينيات - إلى المنطقة وفعلوا كل ما في وسعهم.

وصل الجنرال السابق إسرائيل زيف إلى معركة قريبة مستقلاً سيارته الخاصة. قال يائير غولان، نائب رئيس الأركان المتقاعد وعضو الكنيست اليساري السابق، إنه أخذ مسدساً وبدأ في إنقاذ الناجين من مذبحة وقعت في حفل موسيقي ممن كانوا يختبئون في الأحراش المجاورة. قال غولدفوس: «كنا نجري بأسرع ما يمكننا نحو الخطر. لكي نكون أول من يصل هناك».

كان مركز الاستخبارات بالقرب من غزة من أول الأماكن التي استعادت إسرائيل السيطرة عليها. في وقت متأخر من الصباح، وصل الجنود وجنود الاحتياط من وحدات متنوعة إلى القاعدة من اتجاهات مختلفة، ليتغلبوا على 10 مسلحين من غزة والذين صوروا هجومهم القاتل على شريط فيديو. التقطت الكاميرا المثبتة على رأس قائد «حماس» لحظة إطلاق النار عليه وقتله. تسقط الكاميرا وترتد على الأرض. وعند توقف الفيديو، يمكن رؤية القائد على الأرض، ويكشف عن لحيته الطويلة وخط شعره الخفيف. في أجزاء أخرى من جنوب إسرائيل، جاءت التعزيزات الرسمية الأولى من وحدة كوماندوز إسرائيلية وصلت على متن مروحيات عسكرية، بحسب ضابط إسرائيلي كبير. تبعتها وحدات عمليات خاصة أخرى، بما في ذلك قوات البحرية الإسرائيلية، ووحدة استطلاع مدربة للعمل في عمق خطوط العدو بدلاً من الأراضي الإسرائيلية. في بعض الأحيان، كان أفراد قوات الكوماندوز ينضمون إلى قوات المتطوعين، وكانوا يهرعون إلى ساحة القتال لإنقاذ أفراد أسرهم.

توجه نوعام تيبون، الجنرال السابق، بسيارته جنوباً بمسدسه في محاولة لاستعادة كيبوتز ناحال عوز، حيث حوصر ابنه الصحافي «عامير». في وقت مبكر من بعد الظهر، انضم تيبون الأب إلى فرقة كانت تشق طريقها عبر الكيبوتز، من بيت إلى بيت. وبحلول بعد ظهر يوم الأحد، كان لا يزال هناك وجود لـ«حماس» في العديد من القرى والقواعد. لن تكون المنطقة بأكملها مؤمنة بالكامل لأيام.

ظهرت آدى شيري في نحو الساعة الخامسة بعد ظهر السبت في كيبوتز ناحال عوز، لتجد منزلها مبعثراً، والميكرويف مخلوعاً من الجدار، والأدراج مفصولة من الخزائن، وبركة من الدماء الجافة على الأرض. كانت قد سمعت معركة بالأسلحة النارية داخل وحول منزلها في وقت سابق من اليوم. واعتقدت أن «إرهابياً قُتل في المنزل وأن رفاقه المقاتلين نقلوا جثته الملطخة بالدماء». رفض بعض الناجين فتح أبواب منازلهم، حتى بعد وصول الجيش. وعندما وصل الجنود إلى منزل أوشريت ساباغ، وهي من سكان كيبوتز ناحال عوز، خشيت أن يكونوا «إرهابيين متنكرين». حتى بعد أن بدأ الجنود يحادثون بعضهم البعض بالعبرية ليثبتوا هويتهم، لم تقتنع السيدة ساباغ (48 سنة). كانت صلواتهم اليهودية فقط هي التي جعلتها تهدأ قليلاً.


مقالات ذات صلة

«حماس» تترقب رداً إيجابياً من «مجلس السلام» لإنقاذ اتفاق غزة

المشرق العربي السيسي وترمب يوقِّعان اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بشرم الشيخ في أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

«حماس» تترقب رداً إيجابياً من «مجلس السلام» لإنقاذ اتفاق غزة

علمت «الشرق الأوسط» من مسؤول في «حماس» بقطاع غزة، أن الحركة تترقب رداً من الوسطاء الذين يتواصلون بشكل مباشر مع المسؤولين في «مجلس السلام».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتلقون الطعام المقدم من برنامج الغذاء العالمي في غزة يوم الأربعاء (أ.ب)

غزة... ترحيب لا يخلو من تحفظ على نتائج الانتخابات الأميركية

كما تابعت القوى السياسية في قطاع غزة والمنصات التابعة لها نتائج الانتخابات الإسرائيلية، اهتمت أيضاً بالانتخابات الأميركية؛ وتنوعت ردود فعلها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يتفحصون خيمة مدمرة وآثار دماء بعد غارة إسرائيلية بمدينة غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)

خاص مناطق انتشار العصابات بغزة تتحول لملاذ آمن للمجرمين والقتلة

قالت مصادر إن مناطق العصابات المسلحة في قطاع غزة، والتي تنتشر بالأساس في أجزاء تقع تحت سيطرة القوات الإسرائيلية، تحولت إلى ملاذ آمن لمرتكبي الجرائم الجنائية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشاركون في جنازة الطفل الفلسطيني يامن صقر البالغ من العمر 8 سنوات الذي قُتل بغارة جوية إسرائيلية داخل مجمع ناصر الطبي بخان يونس جنوب قطاع غزة أمس (د.ب.أ) p-circle

مقتل 8 فلسطينيين بينهم طفل في غارتين إسرائيليتين على قطاع غزة

قُتل ثمانية فلسطينيين بينهم طفل، وأُصيب نحو عشرين آخرين بجروح في غارتين جويتين إسرائيليتين، ظُهر الأحد، في قطاع غزة، حسبما أفاد به الدفاع المدني ومصادر طبية.

«الشرق الأوسط» (غزة )
المشرق العربي طفل يملأ وعاء بماء الشرب عند نقطة توزيع في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة السبت (د.ب.أ)

إسرائيل تلوّح مجدداً باحتلال مدينة غزة... وقلق من استخدام «حماس» طائرات التهريب

نقل موقع «واللا» العبري، عن ضباط في قيادة المنطقة الجنوبية بالجيش الإسرائيلي، قولهم إن قواتهم تستعد لتنفيذ مناورة برية تهدف إلى احتلال مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«حزب الله» يحول ملف متفجراته إلى مادة تجاذب لبناني

مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)
مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)
TT

«حزب الله» يحول ملف متفجراته إلى مادة تجاذب لبناني

مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)
مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)

تحولت قضية متفجرات «حزب الله» التي ضبطتها السلطات اللبنانية في الشهر الماضي إلى مادة تجاذب سياسي، إثر تكرار الحزب هجومه على الولايات المتحدة، في وقت تتصاعد فيه الدعوات الداخلية لإخراج الملف القضائي من التأثيرات السياسية، وكان آخرها ما صدر عن البطريرك الماروني بشارة الراعي في هذا السياق.

وبدأ القضاء اللبناني، الأسبوع الماضي، إجراءات ملاحقة عناصر في «حزب الله» تورطوا في نقل شحنة المتفجرات؛ إذ مثل العنصران الموقوفان، علي الكردي وهيثم أمهز، أمام قاضي التحقيق العسكري الأول غادة أبو علوان، حيث استجوبتهما في قضية الشاحنة، بالتوازي مع الادعاء على 11 آخرين غيابياً، وإصدار مذكرات بحث وتحرٍّ بحقهم.

مناصرون لـ«حزب الله» بمسيرة على دراجات نارية في منطقة بشارة الخوري في بيروت اعتراضاً على توقيف ضالعيَن بنقل المتفجرات (أرشيفية - المركزية)

وفي ظل رفض «حزب الله» تلك الإجراءات، تدعم قوى داخلية الإجراءات القضائية، وقال البطريرك الراعي في عظة الأحد: «إنّ ملف ضهر البيدر (موقع توقيف شاحنة المتفجرات في شرق لبنان) دخل مرحلة قضائية جديدة؛ ما يقتضي أن يأخذ التحقيق مجراه كاملاً بعيداً عن الاستباق والتجاذب والتوظيف السياسي».

وأضاف: «يبقى السلام فوق كل الحسابات حاجة وطنية وجودية؛ فلبنان يحتاج سلاماً ثابتاً، لا أن يبقى أسير احتمال حرب جديدة كلما اشتعلت المنطقة. وهذا يقتضي دولة تمسك بقرارها، ومرجعية وطنية واحدة في الأمن والسلم، ومؤسسات قادرة على حماية الاستقرار. من هنا، تبرز أهمية تحييد لبنان عن صراعات المحاور والحروب؛ فالحياد ليس انكفاءً عن الحق، ولا ابتعاداً عن محيط لبنان، بل حماية الوطن من أن يتحول إلى ساحة دائمة لصراعات الآخرين، وتأكيداً لدوره بوصفه ساحة لقاء وحوار ورسالةً للسلام».

هجوم «حزب الله»

وتصاعد الانقسام إثر بيان أصدرته سفارات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان وكندا وأستراليا تحت عنوان «أصدقاء لبنان»، الخميس، دعت فيه إلى «مسار قضائي سريع ومستقل، بمنأى عن أي تدخل سياسي، بما يضمن المساءلة الكاملة».

مناصرون لـ«حزب الله» يتجمعون عند ضريح الأمين العام السابق حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت لإحياء الذكرى السنوية الثانية لاغتياله (أرشيفية - أ.ب)

ولم يتوقف «حزب الله» منذ الجمعة، عن مهاجمة البيان الممهور باسم «أصدقاء لبنان». وعد النائب حسين الحاج حسن، الأحد، البيان، «تدخلاً متكرراً في القضاء اللبناني».

ورأى أن «قضية شاحنة متفجرات المقاومة باتت قضية وطنية أميركية، في ظل البيانات المتكررة الصادرة عن وزارة الخارجية الأميركية، واتصالات وزير الخارجية، ومواقف السفير الأميركي لدى لبنان واعتراضاته»، متسائلاً عن «مشروعية تدخل ما يُسمّى أصدقاء لبنان في شؤونه الداخلية، وما إذا كانت تلك الدول تقبل بتدخل الآخرين في شؤونها الوطنية».

ودعا إلى «اتخاذ موقف واضح ورفض الوصاية الخارجية، والتصرف بوصفها سلطة دولة لا سلطة خاضعة أو صامتة أمام تدخلات السفراء».

جعجع ينفي الانصياع للخارج

تلك الاتهامات ينفيها خصوم الحزب الذين يدعمون إجراءات الدولة اللبنانية. وانتقد رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، «استمرار بعض اللبنانيين في التعامل مع القرار السياسي وكأنه يُصنع حصراً في الخارج»، معتبراً أن «هذه الذهنية تعيد البلاد إلى أجواء القرن التاسع عشر، عندما كانت القنصليات الأجنبية تلعب دوراً أساسياً في تحديد المسارات السياسية، في ظل غياب القوى المحلية المنظمة والقادرة على التأثير».

مسار التفاوض

وينسحب التجاذب على مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل الذي تمضي به الدولة اللبنانية برعاية ووساطة أميركيتين. وفي مقابل رفض «حزب الله» لهذا المسار، وهجومه على الدولة وطلبه المتكرر منها التراجع عنه، يلقى هذا الموقف دعماً داخلياً.

وجدّد رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» و«اللقاء الديمقراطي» النائب تيمور جنبلاط، تأييده «للتفاوض الهادف إلى تحرير الأرض، ووقف الاعتداءات، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها»، مذكّراً بأن «التقدمي» كان في طليعة الأحزاب التي بحثت هذا المسار مع الرئيس جوزيف عون في قصر بعبدا، وأعلن آنذاك تأييده خطوات الرئيس عون، ورفض تخوين السلطة اللبنانية؛ لأنّ التفاوض مشروع، والهدف النهائي منه كان ويبقى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية.

وشدّد جنبلاط على التزام «التقدمي» بمرجعية اتفاق الطائف وبنوده لا سيما اتفاقية الهدنة، مشدّداً على أن مهمة بناء الدولة ومؤسساتها، وفي مقدّمتها حصر السلاح، وبسط الجيش سلطته على جميع أراضيه هدف يجب أن يُجمع عليه جميع اللبنانيين.


منظمة «بدر» العراقية تطالب بفتح المنافذ مع إيران

تتعرض الحكومة العراقية إلى ضغوط للتراجع عن قرارها بإغلاق منفذ «الشيب» مع إيران (هيئة المنافذ الحدودية)
تتعرض الحكومة العراقية إلى ضغوط للتراجع عن قرارها بإغلاق منفذ «الشيب» مع إيران (هيئة المنافذ الحدودية)
TT

منظمة «بدر» العراقية تطالب بفتح المنافذ مع إيران

تتعرض الحكومة العراقية إلى ضغوط للتراجع عن قرارها بإغلاق منفذ «الشيب» مع إيران (هيئة المنافذ الحدودية)
تتعرض الحكومة العراقية إلى ضغوط للتراجع عن قرارها بإغلاق منفذ «الشيب» مع إيران (هيئة المنافذ الحدودية)

عبَّرت منظمة «بدر» العراقية الحليفة لطهران التي يقودها هادي العامري، الأحد، عن «غضبها» من تصريحات أدلى بها وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين بشأن إغلاق المنافذ البرية مع إيران.

وما زالت قضية إغلاق «منفذ الشيب» الحدودي مع إيران، تثير الكثير من الجدل والاعتراضات التي تصدر عن الجماعات الحليفة لطهران في العراق، كما تثير اعتراض جماعات المصالح الاقتصادية العادية المرتبطة بالمنفذ، وتلك التي تستغل ضعف الرقابة والترتيبات الأمنية والإجرائية لعبور مختلف المواد المحظورة. وما زال بعض أصحاب الشاحنات ينظمون وقفات احتجاجية للمطالبة بفتح المنفذ الذي يقع في محافظة ميسان الجنوبية المحاذية لإيران.

معبر «الشلامجة» الحدودي مع إيران في محافظة البصرة جنوب العراق (أ.ف.ب)

وجاءت التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية فؤاد حسين لقناة «الجزيرة» لتعيد التذكير بالقضية وتطرح الحديث عنها من جديد. حيث قال إن «الولايات المتحدة طلبت رسمياً من العراق إغلاق جميع منافذه الحدودية مع إيران، باستثناء منفذين فقط».

وترجح بعض المصادر السياسية أن الطلب الأميركي قُدم خلال لقاء رئيس الوزراء علي الزيدي مع المبعوث الأميركي توم برَّاك الأسبوع الماضي، أو خلال الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الزيدي والرئيس دونالد ترمب الذي سبق اللقاء.

كان المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء قال عن اتصال الزيدي بترمب، إنه «تناول أهمية التنسيق والتشاور بين البلدين إزاء التحديات الراهنة، والعمل على دعم الاستقرار الإقليمي» وإن الزيدي أكَّد للرئيس الأميركي «موقف العراق الداعي إلى احترام سيادة الدول، وعدم استخدام أراضيه منطلقاً للاعتداء على دول الجوار».

من لقاء الزيدي مع برَّاك (وكالة الأنباء العراقية)

وأغلقت السلطات العراقية «منفذ الشيب» الحدودي في 21 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لأسباب قالت إنها تتعلق بـ«مراجعة الترتيبات والتدابير الأمنية في المنفذ، بالإضافة إلى عدم الجاهزية الفنية والتقنية والتطويرية لرفع مستوى الأجهزة والتقنيات الرقابية».

وقوبل إغلاق المنفذ بجملة من الانتقادات والاعتراضات التي صدرت عن القوى والأحزاب الحليفة والمقربة من إيران التي اعتبرت أن «الإغلاق يندرج ضمن الامتثال للضغوط والحصار الاقتصادي الأميركي المفروض على إيران».

«معبر باشماخ» الحدودي مع إيران في قضاء بنجوين شمال السليمانية بإقليم كردستان العراق (أ.ف.ب)

وأكد مسؤول في هيئة المنافذ الحدودية لـ«الشرق الأوسط»، وجود 4 من أصل 5 منافذ ما زالت مفتوحة مع الجانب الإيراني، و«منفذ الشيب» هو الوحيد الذي ما زال مغلقاً، بينما تشير بعض المصادر الأمنية إلى أن «الإغلاق مرتبط بقضايا أمنية حساسة، خاصة بعد أن تردد أن المنفذ كان الممر لتنفيذ هجمات صاروخية ضد المملكة العربية السعودية في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي».

«منظمة بدر»

وقالت منظمة «بدر» في بيان، إنها «تابعت التطورات الأخيرة، وتحديداً ما جاء في تصريح وزير الخارجية العراقي بوجود طلبات وإملاءات أميركية لإغلاق المنافذ الحدودية مع الجمهورية الإسلامية في إيران».

وأعربت «كتلة بدر النيابية» عن رفضها القاطع «لهذه الإملاءات»، وذكرت أنها «تؤكد على رفض الإملاءات والتمسك بالسيادة الوطنية، وأن ما كشفه تصريح السيد الوزير يناقض المبررات الفنية السابقة ويكشف عن أجندات تستهدف جنوبنا المجاهد وتتدخل في القرار السيادي». في إشارة إلى المبررات التي قدمتها الحكومة سابقاً بشأن أسباب غلق المنفذ الحدودي.

كما أكدت أن «العراق دولة ذات سيادة كاملة، وأن شعبنا وقواه الوطنية لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام أي انتهاك للسيادة أو انصياع لأجندات خارجية تضر بمصالح البلاد».

وأعلنت المنظمة الحليفة لإيران «الرفض القاطع لسياسة الحصار وتجويع الشعوب، وإن العلاقات العراقية الإيرانية عميقة وصاغتها دماء التحرير ومواجهة الإرهاب»، وأضافت: «نعلن رفضنا التام لأن يكون العراق أداةً في مشروع محاصرة الشعب الإيراني المسلم، ونعتبر المساهمة في ذلك تنكراً للمواقف الأخوية وتفريطاً في تضحيات الشهداء».

مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية (أرشيفية - أ.ف.ب)

ورأت أن «الإغلاق المتواصل لمنافذ رئيسية، وفي مقدمتها منفذ الشيب الحدودي بمحافظة ميسان تسبَّب في أضرار معيشية واقتصادية كبيرة للمواطنين، وإن الاستمرار بالتضييق على منافذ الجنوب دون غيرها، يمثل ازدواجية غير مقبولة تتطلب مراجعة فورية».

وطالبت الحكومة بـ«الثبات على موقف العراق المعلن بالنأي بنفسه عن الصراعات، وعدم الانجرار خلف السياسات الهيمنية والحروب غير القانونية التي تزيد من توتر المنطقة».

ودعت إلى «فتح المنافذ المغلقة فوراً وتقديم مصلحة المواطن والسيادة الوطنية على أية ضغوط خارجية».


الزيدي من «مدينة الصدر»: لن أبقي على حاملي السلاح في العراق

الزيدي في «مدينة الصدر» ليل السبت - الأحد (وكالة الأنباء العراقية)
الزيدي في «مدينة الصدر» ليل السبت - الأحد (وكالة الأنباء العراقية)
TT

الزيدي من «مدينة الصدر»: لن أبقي على حاملي السلاح في العراق

الزيدي في «مدينة الصدر» ليل السبت - الأحد (وكالة الأنباء العراقية)
الزيدي في «مدينة الصدر» ليل السبت - الأحد (وكالة الأنباء العراقية)

فيما ردت كتائب «حزب الله» العراقية، وهي أحد الفصائل المسلحة التي لا تزال ترفض نزع سلاحها، على ما أعلنه رئيس الوزراء علي الزيدي، بشأن امتلاكها استثمارات بمليارات الدنانير وملايين الدولارات، بدأ الأخير، على ما يرى المراقبون السياسيون في بغداد، «معركة مفتوحة» ضد حاملي السلاح، وتعهد بأنه «لن يُبقي عليهم».

وعلى مدى الأيام الأخيرة، ألغى الزيدي عقوداً بملايين الدولارات في مواقع مختلفة، بدءاً من«مطار بغداد» ووزارة النقل، إلى «مطار الموصل». وتداولت مواقع مقربة من الحكومة أسماء الجهات المسلحة التي تولت السيطرة على تلك العقود.

تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» (رويترز)

والزيدي الذي لم يهتم للبيانات التي أصدرتها «كتائب حزب الله» ضده، وضد مقربين منه بمن فيهم شقيقه، اختار مكاناً شعبياً يمثل أكبر حاضنة تتمسك بها كل القوى الشيعية؛ هي «مدينة الصدر» شرق العاصمة بغداد، لإعلان مواقفه الحازمة، حيث زارها في ساعة متأخرة من ليل السبت - الأحد، وعقد لقاءات مباشرة مع المواطنين، واختار مطعماً شعبياً وجه منه رسائل مباشرة إلى الفصائل المسلحة، بدت كأنها إعلان بدء «معركة مفتوحة لا رجعة عنها ولا تسويات».

وفي أخطر رسالة وجهها إلى الفصائل وسط الحاضرين في المطعم، قال إن «حاملي السلاح لن أبقيهم أبداً»، مضيفاً أنه «إذا كان غيري أبقاهم فلأنه كان ينتفع منهم».

وجاء رد الزيدي على الفصائل المسلحة غداة الاتهامات التي وجهتها «كتائب حزب الله» إلى شقيقه، قائلة في بيان لها: «نتوجه بحديث مباشر وصريح إلى حسن الزيدي، المسؤول الإعلامي والأمني في مكتب رئيس الوزراء. إن كل ما تقوله من ادعاءات حول الاستثمارات والشركات وما شابهها - سواء صحت أم افتعلت افتراء - نعدّها بأكملها، مع جميع متعلقاتها، (هدية) لك من الكتائب، لتضاف إلى ممتلكاتكم». كما توجهت إلى «هيئة النزاهة الموقرة؛ إذا كانت عالية نصيف تُساق إلى الحبس بسبب تجاوزات قانونية جُمِع على أثرها مبلغ قدره 4 مليارات دينار، والصيهود يُحبس لأجل 300 مليون دينار، وحسين طالب على 40 ملياراً، فهل تتكرمون بسؤال للزيدي: من أين لك هذا؟».

مطار البصرة الدولي (وكالة الأنباء العراقية)

وكان الزيدي وجّه السبت، بإلغاء عقود 3 شركات في «مطار الموصل» لارتباطها بجهات مسلحة وإحالتها إلى شركات عالمية. وقال مصدر لـ«وكالة الأنباء العراقية» الرسمية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء وجه بإلغاء عقد شركة (سكاي بلس) لتأجير كاونترات مطار الموصل على خلفية ارتباطها بجهات مسلحة، وإحالته إلى شركات عالمية. ووجه أيضاً بإلغاء عقد تأجير المرأب الداخلي غير المسقف في مطار الموصل الدولي مع شركة (سما المطار) على خلفية ارتباطها بجهات مسلحة، وإحالته إلى شركات عالمية، وإلغاء عقد تأجير مكتب التاكسي في مطار الموصل الدولي مع شركة (الفيصل الشامخ) على خلفية ارتباطها بجهات مسلحة، وإحالته إلى شركات عالمية».

وبات واضحاً أن ملف حصر السلاح بيد الدولة يواجه تعثراً متزايداً، بعد إعلان فصائل مسلحة مثل «كتائب حزب الله» و«النجباء» و«كتائب سيد الشهداء»، رفضها تسليم سلاحها مثلما فعلت فصائل أخرى أبرزها «عصائب أهل الحق»، و«كتائب الإمام علي» التي حصلت مقابل موقفها على وزارات وهيئات وسفارات، في حين أن الهدنة الراهنة باتت مرتبطة بالمواجهة المحتملة بين أميركا وإيران وما تسرب عن توجيه الأميركيين تحذيراً إلى الزيدي، بشأن إمكانية توجيه ضربات إلى تلك الفصائل في حال تحركت ضد دول الجوار أو القواعد الأميركية بالمنطقة.

تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)

وساطة..

في موازاة ذلك، بدأت القوى السياسية، لا سيما بعض الأطراف من البيت الشيعي ممثلاً بـ«الإطار التنسيقي»، تتحرك من أجل عدم اتساع نطاق المواجهة بين الحكومة من جهة والفصائل من جهة أخرى، طالما أنها بدأت تمس، طبقاً لسياسي ونائب عراقي مطلع ومقرب من الطرفين، «أحد أهم الجوانب التي كان يحرص الجميع طوال السنوات الماضية على عدم الاقتراب منها؛ وهي اللجان الاقتصادية والاستثمارات».

ويضيف النائب والسياسي العراقي لـ«الشرق الأوسط»، طالباً عدم الإشارة إلى اسمه أو موقعه، أن «بعض قوى الإطار التنسيقي وخلال المفاوضات بين أطراف منها والفصائل المسلحة، بدأت تميل بطريقة ما، إلى الفصائل لجهة عدم نزع السلاح وفق الرؤية التي قدمها الزيدي، لا سيما بعد تفاهماته مع الولايات المتحدة الأميركية والرئيس دونالد ترمب، الذي التقاه مرتين؛ الأولى خلال زيارته إلى واشنطن في شهر يوليو (تموز) الماضي، والثانية في نيويورك أثناء اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، حيث تبين لدى بعض قادة الإطار، أن اتفاق الزيدي - ترمب قد لا يقف عند حدود حاملي السلاح، وإنما يمتد إلى أطراف أخرى في المنظومة الشيعية».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بالبيت الأبيض في يوليو 2026 (أ.ب)

ويرى السياسي العراقي أن «موقف الزيدي، ورغم ردود الكتائب العنيفة ضده، يعني بداية مخيفة لكل القوى والأحزاب السياسية التي تملك لجاناً اقتصادية تتخادم في قسم منها مع حاملي السلاح، بهدف توفير الحماية للطرفين».

وفي هذا السياق، يقول عبد الرحمن الجبوري رئيس «أكاديمية التطوير السياسي والحكم الرشيد» لـ«الشرق الأوسط»، إنه «من حيث المبدأ، وبصفتي مواطناً مهتماً ومتابعاً وأعيش في وسط الخراب والدمار بلا احترام ولا خدمات، من حقي أن أشك في كل من تصدى للسلطة والحكم». وأضاف أن «التراشق بين رئيس الوزراء والفصائل يعمق هذا الانفصال بين المواطن وجميع رجال السلطة».

وعن المطالب الأميركية بشأن نزع السلاح، يقول الجبوري إن «المطالب واضحة تماماً وبشكل رسمي، كما عبر عن ذلك وزير الخارجية فؤاد حسين ورئيس الوزراء... وحتى يحافظ على العلاقة مع أميركا والاستقرار الداخلي، سينفذها (الزيدي) بلا تردد»، مشيراً إلى أن «الفصائل تعدّ هذا التنفيذ تهديداً وجودياً لها، ورئيس الوزراء من وجهة نظرها لم يعد محايداً في حرب إيران وأميركا».