الأسرار التي عرفتها «حماس» عن جيش إسرائيل

تفاصيل الهجوم الواسع المفاجئ على مواقع عسكرية ومستوطنات

سيارات محترقة في موقع حفل موسيقي هاجمه مقاتلو حركة «حماس» قرب حدود قطاع غزة السبت قبل الماضي (أ.ف.ب)
سيارات محترقة في موقع حفل موسيقي هاجمه مقاتلو حركة «حماس» قرب حدود قطاع غزة السبت قبل الماضي (أ.ف.ب)
TT

الأسرار التي عرفتها «حماس» عن جيش إسرائيل

سيارات محترقة في موقع حفل موسيقي هاجمه مقاتلو حركة «حماس» قرب حدود قطاع غزة السبت قبل الماضي (أ.ف.ب)
سيارات محترقة في موقع حفل موسيقي هاجمه مقاتلو حركة «حماس» قرب حدود قطاع غزة السبت قبل الماضي (أ.ف.ب)

كان المسلحون العشرة من غزة يعرفون بالضبط كيفية العثور على مركز الاستخبارات الإسرائيلية، وكيفية الدخول إليه.

وبعد عبورهم إلى إسرائيل توجهوا شرقاً على متن 5 دراجات نارية، وكان مسلحان على متن كل دراجة يطلقان النار على سيارات مدنية عابرة بينما كانوا يتقدمون.

وبعد 10 أميال انحرفوا عن الطريق إلى منطقة من الغابات لينزلوا خارج بوابة غير مأهولة إلى قاعدة عسكرية. ثم فجّروا الحاجز بعبوة ناسفة صغيرة ودخلوا القاعدة وتوقفوا لالتقاط صورة جماعية. ثم أطلقوا النار على جندي إسرائيلي أعزل كان يرتدي قميصاً، فقتلوه.

لوهلة، بدا المهاجمون غير متأكدين من وجهتهم التالية. ثم أخرج أحدهم شيئاً من جيبه: خريطة مرمزة بالألوان للمجمع.

وإذ أعيد توجيههم، وجدوا باباً غير مغلق لمبنى محصن. بمجرد دخولهم، دخلوا غرفة مليئة بالحواسيب - مركز الاستخبارات العسكرية. وتحت سرير في الغرفة، وجدوا جنديين يحتميان. وأطلق المسلحون النار عليهما فقتلوهما.

سُجل هذا التسلسل بكاميرا مثبتة على رأس مسلح قُتل لاحقاً. راجعت صحيفة «نيويورك تايمز» اللقطات، ثم تحققت من الأحداث عبر مقابلات مع مسؤولين إسرائيليين والتحقق من شريط فيديو للجيش الإسرائيلي عن الهجوم.

كيبوتز بيري الذي هاجمته حركة «حماس» في 7 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

إنهم يقدمون تفاصيل مخيفة حول كيفية تمكن «حماس»، التي تسيطر على قطاع غزة، من مفاجأة أقوى جيش في الشرق الأوسط يوم السبت الماضي، والتفوق عليه. لقد اقتحمت «حماس» الحدود واجتاحت أكثر من 30 ميلاً مربعاً، واحتجزت أكثر من 150 رهينة، وقتلت أكثر من 1300 شخص في أكثر الأيام دموية بالنسبة لإسرائيل في تاريخها الممتد 75 عاماً.

مع التخطيط الدقيق والوعي غير العادي بأسرار إسرائيل ونقاط ضعفها، طغت «حماس» وحلفاؤها على طول جبهة إسرائيل مع غزة بعد الفجر بقليل، مما صدم الإسرائيليين الذين لطالما اعتبروا تفوق جيشهم عقيدة.

باستخدام الطائرات المسيّرة، دمرت «حماس» أبراج المراقبة والاتصالات الرئيسية على طول الحدود مع غزة، وفرضت نقاطاً عمياء واسعة على الجيش الإسرائيلي. وقال مسؤولون إن «حماس» فتحت باستخدام المتفجرات والجرارات فجوات في الحواجز الحدودية، مما سمح لـ200 مهاجم بالدخول في الموجة الأولى و1800 آخرين في وقت لاحق من اليوم نفسه. وبالدراجات النارية والشاحنات الصغيرة، اقتحم المهاجمون إسرائيل، واجتاحوا ما لا يقل عن 8 قواعد عسكرية، وشنوا هجمات ضد المدنيين في أكثر من 15 قرية ومدينة.

تُظهر وثائق التخطيط لدى «حماس»، ومقاطع الفيديو للهجوم، والمقابلات مع مسؤولي الأمن، أن هذه الحركة الفلسطينية كان لديها فهم متطور بشكل مدهش لكيفية عمل الجيش الإسرائيلي، ومكان تمركز وحدات محددة، وحتى الوقت اللازم لوصول التعزيزات.

ويقول الجيش الإسرائيلي إنه بمجرد انتهاء الحرب، سوف يفتح تحقيقاً في كيفية تمكن «حماس» من اختراق دفاعاته بمثل هذه السهولة. لكن سواء أهملت القوات المسلحة حماية أسرارها أو تسلل الجواسيس إليها، أثارت هذه الاكتشافات قلق المسؤولين والمحللين الذين تساءلوا كيف يمكن للجيش الإسرائيلي - المشهور بجمع المعلومات الاستخباراتية - الكشف عن غير قصد عن الكثير من المعلومات عن عملياته.

دمار في كيبوتز بيري قرب قطاع غزة (رويترز)

كانت النتيجة سلسلة مذهلة من الفظائع والمذابح، فيما وصفه الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ بأنه أسوأ قتل جماعي لليهود في يوم واحد منذ المحرقة. فقد حطم الهالة التي لا تُقهر لدى إسرائيل، وأثار هجوماً مضاداً إسرائيلياً على غزة أسفر عن مقتل أكثر من 1900 فلسطيني في أسبوع، لم يُشاهد بمثل ضراوته قط في غزة.

كما ألغى الهجوم الافتراضات القائلة بأن «حماس»، التي صنفتها إسرائيل ودول غربية عديدة منذ فترة طويلة بأنها جماعة إرهابية، أصبحت تدريجياً أكثر اهتماماً بإدارة غزة من استخدام القطاع لشن هجمات كبيرة على إسرائيل. قال علي بركة، أحد قادة «حماس»، في مقابلة تلفزيونية يوم الاثنين، إن «حماس» جعلت الإسرائيليين يعتقدون أنها «مشغولة بإدارة غزة». وأضاف أن «حماس كانت تستعد طوال الوقت، وفي خفاء تام، لهذا الهجوم الكبير».

«حماس» في الكيبوتز!

كان مسلحو «حماس» داخل منزل آدي شيري، على الجانب الآخر من الباب المفتوح. كانت شيري وزوجها وأطفالهما الثلاثة يختبئون داخل غرفة نوم ابنهم الأكبر، ويستمعون إلى المسلحين المتجولين في غرفة معيشتهم. «من فضلك ساعدنا»، رسالة نصية أرسلتها شيري إلى صديق عندما اقترب أحد المهاجمين للغاية من باب غرفة النوم. ثم أمسك بمقبض الباب. كان يوم عائلة شيري قد بدأ بإطلاق صواريخ من غزة، بعد الساعة السادسة صباحاً بقليل. هرعت شيري، الخبيرة الاقتصادية، وزوجها أورين، المهندس، مع أطفالهما إلى غرفة نوم ابنهما الأكبر، والتي تحولت إلى ملجأ من القنابل.

في البداية، بدت أحداث الصباح مألوفة بشكل مزعج. تعيش عائلة شيري في كيبوتز «ناحال عوز»، وهي قرية ريفية يبلغ عدد سكانها 500 نسمة في إسرائيل، على بعد بضع مئات من الياردات شرق الحدود مع غزة. إن إطلاق الصواريخ في الصباح الباكر - وما أعقبه من اندفاع إلى الغرفة الآمنة - هو سمة متكررة للحياة في المنطقة.

تذكر آدي شيري طريقة تفكيرها وتقول: «كالعادة دائماً». لكن هذا الصباح، سرعان ما بدا الأمر مختلفاً. واستمرت الصواريخ في التدفق، وتوجه العديد منها إلى عمق الأراضي الإسرائيلية. ثم جاء دوي طلقات نارية من الحقول المحيطة بالقرية. ترك أورين وشيري غرفة النوم ونظرا من خلال المصاريع على نوافذ غرفة المعيشة. تذكرت آدي شيري زوجها وهو يصرخ: «يا إلهي. حماس في الكيبوتز! حماس في الكيبوتز!».

آثار المعارك في كيبوتز بيري الذي هاجمته حركة «حماس» في 7 أكتوبر الحالي (إ.ب.أ)

كانت الساعة 7:20 صباحاً. وكان المئات من مهاجمي «حماس»، يحملون بنادق وقاذفات صواريخ محمولة على الكتف ويرتدون عصابات رأس خضراء، ويتدفقون عبر حقول القرية.

كان ذلك جزءاً من هجوم منسق قامت فيه فرق من المهاجمين، من خلال الوثائق والفيديو، بتعيين أهداف محددة. وبينما اجتاح بعضهم القواعد العسكرية، اندفع آخرون بالدخول إلى مناطق سكنية، واختطاف وقتل المدنيين. كانوا يصلون إلى شارع منزل شيري في غضون دقائق. اضطرت العائلة إلى التصرف بسرعة. لم يكن ملجأ القنابل الخاص بهم - غرفة نوم ابنهم المراهق - مُحكم الغلق. أمسك الوالدان بكرسي ووضعاه تحت مقبض الباب - مما جعل من الصعب فتحه. ثم جروا خزانة صغيرة ووضعوها على الكرسي. ثم انتظروا. كانت هناك قاعدة للجيش بجوار القرية. وتذكرت آدي شيري وهي تفكر أن قواتها سوف تكون هنا في غضون دقائق. وما لم تكن تعرفه أن العديد منهم كانوا قد قتلوا بالفعل.

«خذوا الجنود والمدنيين»

على طول الحدود، كان مسلحو «حماس» قد اجتاحوا بالفعل معظم، إن لم يكن جميع، قواعد الحدود الإسرائيلية.

أظهرت لقطات من كاميرات محمولة على رأس المهاجمين، بما في ذلك شريط الفيديو الذي يصوّر الغارة على مركز الاستخبارات، أن مسلحي «حماس» - من لواء النخبة المدرب تدريباً عالياً - يُحطمون حواجز عدة قواعد في الضوء الأول من الصباح.

بعد الاختراق، كانوا بلا رحمة، مطلقين النار على بعض الجنود في أسرّتهم بملابسهم الداخلية. وقال ضابط كبير بالجيش الإسرائيلي إنهم في عدة قواعد يعرفون بالضبط أين تقع أجهزة الاتصالات ويدمرونها.

مع تعطل الكثير من أنظمة الاتصالات والمراقبة، لم يتمكن الإسرائيليون في كثير من الأحيان من رؤية قوات نخبة «حماس» قادمة. وقد وجدوا صعوبة في طلب المساعدة والحصول على استجابة. وفي كثير من الحالات، لم يتمكنوا من حماية أنفسهم، ناهيكم عن القرى المدنية المحيطة.

كيبوتز بيري في صورة من الجو (رويترز)

أظهرت وثيقة تخطيط لـ«حماس» - عثر عليها المستجيبون الإسرائيليون في إحدى القرى - أن المهاجمين كانوا منظمين في وحدات محددة جيداً ذات أهداف وخطط قتالية واضحة. أوضحت الوثيقة أن إحدى الفصائل عينت ملّاحين ومخربين وسائقين، بالإضافة إلى وحدات من الهاون في المؤخرة؛ لتوفير غطاء للمهاجمين. كان لدى المجموعة هدف محدد - الكيبوتز - وتم تكليف المهاجمين باقتحام القرية من زوايا محددة. وكانت لديهم تقديرات لعدد القوات الإسرائيلية المتمركزة في المواقع القريبة، وعدد المركبات التي تحت تصرفهم، والمدة التي تستغرقها قوات الإغاثة الإسرائيلية للوصول إليهم.

الوثيقة مؤرخة في أكتوبر (تشرين الأول) 2022 تشير إلى أن الهجوم كان مخططاً له منذ عام على الأقل.

في مكان آخر، نصب مهاجمون آخرون كميناً للتعزيزات العسكرية الإسرائيلية عند مفارق الطرق الرئيسية، طبقاً لأربعة من كبار الضباط والمسؤولين. وكان لدى بعض الوحدات تعليمات محددة للقبض على الإسرائيليين لاستخدامهم ورقةَ مساومة في عمليات تبادل الأسرى مع إسرائيل في المستقبل. وجاء في الوثيقة: «خذوا الجنود والمدنيين أسرى ورهائن للتفاوض معهم».

«سوف نموت»

كان المهاجمون قد شقوا طريقهم إلى منزل عائلة شيري قبل الساعة العاشرة صباحاً بقليل، وفقاً للرسائل التي أرسلتها آدي شيري لأصدقائها لها في ذلك الوقت. ووفقاً لقيادة القرية، لقد قتلوا حراس الكيبوتز، بالإضافة إلى متطوع أمن مدني هرع لمواجهتهم في اللحظات الأولى من الهجوم، وباتوا يتحركون من بيت إلى بيت، محاولين العثور على أناس لقتلهم أو لخطفهم. كتبت آدي شيري على هاتفها: «أرجوكم أرسلوا المساعدة».

سيارات مهجورة في موقع هاجمته حركة «حماس» على حدود قطاع غزة السبت الماضي (أ.ف.ب)

في منزل عائلة شيري، اقتحموا الباب عنوة. وقالت آدي شيري إنهم بعد ذلك دخلوا المنزل وهم يصرخون ونهبوه. تذكرت وقتها فكرة واحدة سيطرت عليها: «سوف نموت». انتظرت العائلة بصمت مرعب، آملة أن يتجاهل الدخلاء باب غرفة النوم ويظنون أن الجميع كانوا بعيدين. آدي شيري وزوجها وضعا كل ثقلهما على الخزانة، لتثبيت الكرسي تحت مقبض الباب. وقف غاي (15 عاماً)، ابنهما الأكبر، بجانب الباب، حاملاً دمبل (ثقلاً حديدياً) يزن 18 رطلاً. إذا كان هناك شخص ما قد اقتحم المكان، فإن الخطة هي أن تسقط على رأس المعتدي. ثم تحرك المقبض. وبدأ الوالدان في دفع الخزانة. واستمر المقبض في التحرك. ثم توقف. لقد ابتعد المهاجم.

على بعد بضعة شوارع، كان لعائلة ميكي ليفي، التي تشرف على حدائق الكيبوتز، موقف مماثل. قال ليفي (47 عاماً) في مقابلة أجريت معه إنه بعد أن طاردته فرقة من المهاجمين داخل غرفته الآمنة، أطلقوا النار على الباب المصفح. اخترقت بعض الطلقات الباب، مما أحدث فيه فتحات كبيرة، وقال ليفي إنه أطلق النار بمسدسه أيضاً، مما أدى إلى تمزيق الباب أكثر. كانت زوجته وابنتاه الصغيرتان في مأوى إلى الجانب.

وبعد تغيير تكتيكاتهم، جلب المهاجمون اثنين من جيرانه - أم وابنتها البالغة من العمر 12 عاماً، كما قال ليفي. قال ليفي إن الأم وابنتها طُلب منهما تحت تهديد السلاح إقناعه بفتح الباب. وروى ليفي أن إحداهما قالت له: «اخرج وتوقف عن إطلاق النار. لن يفعل الإرهابيون أي شيء لك». في نهاية المطاف، تخلى المهاجمون عن هذا النهج وعادوا بصاروخ «آر بي جي»، بحسب ما يقول ليفي. وأضاف أنه عندما أطلق ليفي النار على أحد المهاجمين في فخذه، غادروا المكان أخيراً. الأم وابنتها، كما يشتبه ليفي، صارتا الآن أسيرتين في غزة.

«الجثث تحترق»

قال العميد دان غولدفوس إنه قاد سيارته جنوباً من دون أن يعرف بالضبط إلى أين يجب أن يذهب. كان غولدفوس (46 عاماً)، وهو قائد مظلي، في إجازة بمنزله حيث كان يمارس الركض في منطقته بشمال تل أبيب. ثم شاهد شريطاً مصوراً من الجنوب «يظهر فيه إرهابيون يمشون عبر مدينة، من دون عوائق على الإطلاق». ومن دون انتظار الأوامر، قال العميد إنه ركض إلى المنزل وارتدى زيه الرسمي وتوجه جنوباً. وحمل الأسلحة مع جنديين من قاعدته بوسط إسرائيل واتصل بأصدقائه وزملائه لمعرفة ما يحدث. القليلون فقط أدركوا الأمر. أما البقية، «فلم يكن هناك أي شخص يفهم الصورة الكاملة»، كما قال غولدفوس في مقابلة لاحقة.

إن سرعة ودقة وحجم هجوم «حماس» أوقع الجيش الإسرائيلي في حالة من الفوضى، ولساعات عديدة بعد ذلك، تُرك المدنيون ليدبروا أمورهم بأنفسهم. قال غولدفوس، بحسب المعلومات القليلة التي استطاع الحصول عليها، إنه توجه مع الجنود إلى قرية شمال ناحال عوز، ثم ساروا تدريجياً إلى الجنوب. كانت الساعة نحو العاشرة صباحاً، وكان هناك مجزرة وفظائع في كل مكان حوله. اصطف الإسرائيليون القتلى على الطرق إلى جانب أبواب السيارات المحروقة والمقلوبة. في موقع الحفل الموسيقي الراقص طوال الليل في الهواء الطلق، قتل المسلحون ما يُقدر بنحو 260 من رواد الحفل. تذكر غولدفوس مشاهد الموقع: «كانت الجثث تحترق». كان هجوم «حماس» سبباً في إطلاق العنان لحملة عنف جنونية لدى الجميع. وقد تدفق بعض سكان غزة عبر الحدود غير المحمية بعد اختراقها، وكانوا في بعض الأحيان يبثون ما يفعلونه على هواتفهم المحمولة. وقال الناجون إن سكاناً من غزة اقتحموا ونهبوا منازلهم، وسرقوا الحواسيب، والملابس، والأواني الفخارية، والتلفزيونات، والهواتف.

في بعض القرى الإسرائيلية، احترق سكان في منازلهم، بينما كان مسلحون يطاردون المدنيين عند كل منعطف، بحثاً عن أشخاص يعتقلونهم أو يقتلونهم. اختطفوا الأجداد والأطفال الصغار وطفلاً رضيعاً عمره 9 أشهر واقتادوهم إلى غزة، وبعضهم كان محصوراً بين الخاطفين على متن دراجات نارية.

خلال معظم هذه الفوضى، لم يكن الجيش الإسرائيلي موجوداً في أي مكان تقريباً. بالقرب من كيبوتز ريم، قال غولدفوس إنه التقى قائداً كبيراً آخر بالصدفة. وقد هرع الضابط مثله إلى مكان الحادث من دون أي تعليمات، وجمع مجموعة صغيرة من الجنود. ثم بعد ذلك، توصل الرجلان إلى استراتيجية خاصة بهما؛ إذ قال غولدفوس: «لا توجد أوامر هنا. تحركوا من هنا صوب الجنوب، وسوف أتحرك من هنا صوب الشمال». هكذا وقع بعض الهجوم المضاد الإسرائيلي، حيث سارع الجنود أو المتطوعون المدنيون - بمن فيهم الجنرالات المتقاعدون في الستينيات - إلى المنطقة وفعلوا كل ما في وسعهم.

وصل الجنرال السابق إسرائيل زيف إلى معركة قريبة مستقلاً سيارته الخاصة. قال يائير غولان، نائب رئيس الأركان المتقاعد وعضو الكنيست اليساري السابق، إنه أخذ مسدساً وبدأ في إنقاذ الناجين من مذبحة وقعت في حفل موسيقي ممن كانوا يختبئون في الأحراش المجاورة. قال غولدفوس: «كنا نجري بأسرع ما يمكننا نحو الخطر. لكي نكون أول من يصل هناك».

كان مركز الاستخبارات بالقرب من غزة من أول الأماكن التي استعادت إسرائيل السيطرة عليها. في وقت متأخر من الصباح، وصل الجنود وجنود الاحتياط من وحدات متنوعة إلى القاعدة من اتجاهات مختلفة، ليتغلبوا على 10 مسلحين من غزة والذين صوروا هجومهم القاتل على شريط فيديو. التقطت الكاميرا المثبتة على رأس قائد «حماس» لحظة إطلاق النار عليه وقتله. تسقط الكاميرا وترتد على الأرض. وعند توقف الفيديو، يمكن رؤية القائد على الأرض، ويكشف عن لحيته الطويلة وخط شعره الخفيف. في أجزاء أخرى من جنوب إسرائيل، جاءت التعزيزات الرسمية الأولى من وحدة كوماندوز إسرائيلية وصلت على متن مروحيات عسكرية، بحسب ضابط إسرائيلي كبير. تبعتها وحدات عمليات خاصة أخرى، بما في ذلك قوات البحرية الإسرائيلية، ووحدة استطلاع مدربة للعمل في عمق خطوط العدو بدلاً من الأراضي الإسرائيلية. في بعض الأحيان، كان أفراد قوات الكوماندوز ينضمون إلى قوات المتطوعين، وكانوا يهرعون إلى ساحة القتال لإنقاذ أفراد أسرهم.

توجه نوعام تيبون، الجنرال السابق، بسيارته جنوباً بمسدسه في محاولة لاستعادة كيبوتز ناحال عوز، حيث حوصر ابنه الصحافي «عامير». في وقت مبكر من بعد الظهر، انضم تيبون الأب إلى فرقة كانت تشق طريقها عبر الكيبوتز، من بيت إلى بيت. وبحلول بعد ظهر يوم الأحد، كان لا يزال هناك وجود لـ«حماس» في العديد من القرى والقواعد. لن تكون المنطقة بأكملها مؤمنة بالكامل لأيام.

ظهرت آدى شيري في نحو الساعة الخامسة بعد ظهر السبت في كيبوتز ناحال عوز، لتجد منزلها مبعثراً، والميكرويف مخلوعاً من الجدار، والأدراج مفصولة من الخزائن، وبركة من الدماء الجافة على الأرض. كانت قد سمعت معركة بالأسلحة النارية داخل وحول منزلها في وقت سابق من اليوم. واعتقدت أن «إرهابياً قُتل في المنزل وأن رفاقه المقاتلين نقلوا جثته الملطخة بالدماء». رفض بعض الناجين فتح أبواب منازلهم، حتى بعد وصول الجيش. وعندما وصل الجنود إلى منزل أوشريت ساباغ، وهي من سكان كيبوتز ناحال عوز، خشيت أن يكونوا «إرهابيين متنكرين». حتى بعد أن بدأ الجنود يحادثون بعضهم البعض بالعبرية ليثبتوا هويتهم، لم تقتنع السيدة ساباغ (48 سنة). كانت صلواتهم اليهودية فقط هي التي جعلتها تهدأ قليلاً.


مقالات ذات صلة

مصادر من «حماس» تُقر بـ«تباين» مع الوسطاء حول خطة نزع السلاح

خاص مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ) p-circle

مصادر من «حماس» تُقر بـ«تباين» مع الوسطاء حول خطة نزع السلاح

كشفت مصادر فلسطينية أن مصر وقطر وتركيا شاركت في صياغة خطة «مجلس السلام» لنزع السلاح من غزة، بينما أقرت مصادر من «حماس» بوجود «تباين» مع الوسطاء بشأنها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) فيليب لازاريني (رويترز) p-circle

«الأونروا» تطالب بالتحقيق في مقتل 390 من موظفيها خلال حرب غزة

أكد فيليب لازاريني، مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، أن مناقشات تدور حالياً لإجراء تحقيق أممي في مقتل عدد من موظفيها خلال حرب غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (في الوسط) وعدد من النواب يحتفلون بعد أن أقر البرلمان الإسرائيلي قانوناً يُجيز عقوبة الإعدام للفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين - في الكنيست بالقدس (أ.ب) p-circle

إدانات فلسطينية وعربية ودولية لإقرار الكنيست «قانون إعدام الأسرى»

أدانت فصائل فلسطينية ومسؤولون في السلطة الفلسطينية ودولية عربية وألمانيا والاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إقرار الكنيست قانوناً يجيز إعدام الأسرى.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
خاص جنود إسرائيليون أثناء عملية عسكرية قرب مستشفى الشفاء في مدينة غزة نوفمبر 2023 (أ.ف.ب) p-circle

خاص «تُسجل حتى 500 متر»... فصائل غزة تكثف ملاحقة أجهزة التجسس الإسرائيلية

تكثف أجهزة أمن الفصائل الفلسطينية المسلحة في غزة عمليات البحث عن أجهزة تجسس إسرائيلية تشمل كاميرات متطورة، وأجهزة تنصت فائقة «تُسجل في نطاق يصل إلى 500 متر».

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص مقاتلون من «كتائب القسام» في مدينة غزة شهر نوفمبر الماضي (إ.ب.أ) p-circle

خاص مصادر لـ«الشرق الأوسط»: اختطاف قائد ميداني في «القسام» من غزة

اختطف مسلحون مجهولون، مساء الأحد، قيادياً ميدانياً في «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس»، في حي تل الهوى، جنوب غربي مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

بعد إقرار إسرائيل قانون الإعدام... خوف وغضب يتجاذبان أهالي المعتقلين الفلسطينيين

أقارب الأسرى الفلسطينيين يحملون لافتات ويهتفون بشعارات خلال مسيرة في مدينة نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
أقارب الأسرى الفلسطينيين يحملون لافتات ويهتفون بشعارات خلال مسيرة في مدينة نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

بعد إقرار إسرائيل قانون الإعدام... خوف وغضب يتجاذبان أهالي المعتقلين الفلسطينيين

أقارب الأسرى الفلسطينيين يحملون لافتات ويهتفون بشعارات خلال مسيرة في مدينة نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
أقارب الأسرى الفلسطينيين يحملون لافتات ويهتفون بشعارات خلال مسيرة في مدينة نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

في رام الله وسط الضفة الغربية، اعتصم أهالي معتقلين فلسطينيين وممثلون للفصائل الفلسطينية ورجال دين ونشطاء أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ضد إقرار الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون عقوبة الإعدام، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأقرّ الكنيست الإسرائيلي في وقت متأخر مساء الاثنين مشروع قانون قد يتيح إعدام فلسطينيين مُدانين بتهم «الإرهاب» على خلفية هجمات دامية.

ومن بين أهالي المعتقلين المعتصمين، ميسون شوامرة، التي وصلت مع ملصق يحمل صورة ابنها منصور المحتجز في السجون الإسرائيلية منذ أكثر من ثلاث سنوات من دون محاكمة.

وتقول الأم التي يحاكم ابنها بتهمة الشروع بالقتل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أنا خائفة على ابني... أمهات الأسرى لم يتمكّن من النوم الليلة الماضية».

وتضيف: «يمكن أن يشمله القرار ويمكن ألّا يشمله».

وينص الإطار العام للنص على أن كل شخص «يتسبب عمداً في وفاة (شخص آخر) بقصد الإضرار بمواطن أو مقيم إسرائيلي، وبنية إنهاء وجود دولة إسرائيل، يُعاقب بالإعدام أو بالسجن المؤبد».

غير أنه ينص، بالنسبة إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، على أن تكون عقوبة الإعدام هي العقوبة الافتراضية إذا صنّفت المحاكم العسكرية الإسرائيلية جريمة القتل على أنها «عمل إرهابي».

وتحكم المحاكم المدنية في إسرائيل بالإعدام أو السجن مدى الحياة على من يُدان بالقتل مع نية إلحاق الأذى بالدولة.

أقارب الأسرى الفلسطينيين يحملون لافتات خلال مسيرة في مدينة نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

ورغم أن القانون لا يطبق بأثر رجعي، فإن منتقديه يقولون إن التمييز يوضح وجود نظام قضائي غير متكافئ، إذ إنه وبهذه الصيغة، يمكن لإسرائيل تطبيق عقوبة الإعدام على أي مواطن فلسطيني يقتل مواطناً إسرائيلياً، ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال تطبيقها على إسرائيلي يقتل فلسطينياً.

وفي رام الله، تجمع العشرات وحملوا صوراً وملصقات لمعتقلين فلسطينيين في السجون الإسرائيلية من بينها ملصق مع رسم لمعتقل معصوب العينين محاطاً بحبلي مشنقة، في إشارة إلى ما يخشون تطبيقه.

وكتب على الملصق: «نداء عاجل وأخير: أوقفوا قانون إعدام الأسرى قبل فوات الأوان».

ومن بين المشاركين في الاعتصام، رئيس نادي الأسير الفلسطيني عبد الله زغاري الذي قال: «هذا التشريع الفاشي والعنصري يجسد عنصرية الاحتلال في التعامل مع الفلسطينيين بشكل خاص، ويخالف كل الشرائع والقوانين الدولية».

أما شوامرة فترى أنه رغم قسوة القانون فإنه لن يثني الشباب الفلسطينيين عن «المقاومة».

وتقول: «تطبيق عقوبة الإعدام لن يخيف الشباب... المقاومة ستستمر».

أما هيثم وهو موظف في منظمة إنسانية دولية فيقول مكتفياً بذكر اسمه الأول: «إنه أمر فظيع وكان متوقعاً».

ويضيف: «ماذا نتوقع من حكومة تضم أشخاصاً مثل (رئيس الوزراء بنيامين) نتنياهو و(وزير الأمن القومي إيتمار) بن غفير، و(وزير المالية بتسلئيل) سموتريتش»، وجميعهم أعضاء في حكومة ينظر إليها على أنها الأكثر يمينية منذ تأسيس إسرائيل في عام 1948.

وبعد إقرار الكنيست للنص، احتفل بن غفير في أحد أروقة البرلمان، يحوطه عدد من النواب.

في المقابل، اعتبر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، الثلاثاء، أن تطبيق القانون الإسرائيلي للإعدام بحق من يوصفون بأنهم «إرهابيون» والذي صيغ ليطبق حصراً على الفلسطينيين، سيكون بمثابة «جريمة حرب».

«يجب أن نخجل»

في إسرائيل، تباينت الآراء حول إقرار قانون عقوبة الإعدام بين مؤيد ومعارض.

ويقول مئير لحاف من تل أبيب إن التشريع «بدائي وغبي جداً».

ويضيف لحاف، وهو طبيب، أن هذه الإجراءات «مقيتة وغير مقبولة في مجتمعنا، يجب أن نخجل».

أما توم وهو مهندس برمجيات لم يذكر سوى اسمه الأول فأورد: «ما لا يعجبني هو أنه لا ينطبق على الجميع. يجب أن ينطبق على الجميع، يهوداً وعرباً ومسلمين على حد سواء».

وبالنسبة لرجل الأعمال نوح ليفي فإن عقوبة الإعدام «أمر جيد جداً».

ويضيف: «كان يجب أن نطبق القانون منذ وقت طويل، الفلسطينيون قتلوا أبرياء، ولهذا علينا اتخاذ إجراءات لمنع كارثة مستقبلية لإسرائيل».

طبقت إسرائيل عقوبة الإعدام مرتين فقط، الأولى كانت في عام 1948 بعد تأسيس الدولة، وكان ذلك بحق ضابط متهم بالخيانة العظمى، أما المرة الثانية فكانت عندما أعدمت المسؤول النازي أدولف أيخمان.

وبدأ القانون الجديد يواجه تحديات قانونية.

وقدمت عدة منظمات حقوقية إسرائيلية، إلى جانب ثلاثة أعضاء في البرلمان، التماسات إلى المحكمة العليا الإسرائيلية لإلغائه.

وقالت جمعية حقوق المواطن في إسرائيل إن القانون أنشأ «مسارين متوازيين، كلاهما مصمم ليطبق على الفلسطينيين»، ويجب إلغاؤه لأسباب دستورية.

ومعلوم أن مشروع القانون يتعارض مع القوانين الأساسية لإسرائيل، التي تحظر التمييز التعسفي.


إدانات واسعة لإقرار إسرائيل «قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين»

والدة الأسيرين الفلسطينيين أحمد ومعين أبو لاوي تبكي خلال مظاهرة في نابلس بالضفة الغربية المحتلة يوم الثلاثاء بعد إقرار إسرائيل لإعدام الأسرى الفلسطينيين (أ.ف.ب)
والدة الأسيرين الفلسطينيين أحمد ومعين أبو لاوي تبكي خلال مظاهرة في نابلس بالضفة الغربية المحتلة يوم الثلاثاء بعد إقرار إسرائيل لإعدام الأسرى الفلسطينيين (أ.ف.ب)
TT

إدانات واسعة لإقرار إسرائيل «قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين»

والدة الأسيرين الفلسطينيين أحمد ومعين أبو لاوي تبكي خلال مظاهرة في نابلس بالضفة الغربية المحتلة يوم الثلاثاء بعد إقرار إسرائيل لإعدام الأسرى الفلسطينيين (أ.ف.ب)
والدة الأسيرين الفلسطينيين أحمد ومعين أبو لاوي تبكي خلال مظاهرة في نابلس بالضفة الغربية المحتلة يوم الثلاثاء بعد إقرار إسرائيل لإعدام الأسرى الفلسطينيين (أ.ف.ب)

أدانت ونددت دول ومنظمات عربية وإسلامية وأوروبية، بإقرار الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي «قانوناً» يفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين المدانين بتنفيذ هجمات ضد إسرائيليين.

وقررت جامعة الدول العربية عقد اجتماع لمجلسها في دورة غير عادية على مستوى المندوبين الدائمين، الخميس المقبل، بناءً على طلب من دولة فلسطين لمناقشة كيفية التصدي للجرائم والانتهاكات الإسرائيلية، و«قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين».

وصوت أعضاء الكنيست، مساء الاثنين، بأغلبية 62 صوتاً مقابل 47 لاعتماد الإعدام شنقاً «عقوبة افتراضية» للفلسطينيين الذين تدينهم المحاكم العسكرية بارتكاب «أعمال إرهابية مميتة».

وتمت صياغة القانون بطريقة تطال الفلسطينيين وحدهم وتستثني صراحة الإسرائيليين أو المقيمين في إسرائيل من نطاقه؛ إذ إن الفلسطينيين وحدهم هم من يمثلون أمام المحاكم العسكرية بحكم خضوع الضفة الغربية للاحتلال، بينما يُحاكم الإسرائيليون أمام المحاكم المدنية.

مستوطنون وجنود إسرائيليون مسلحون في بلدة حوارة بالضفة الغربية المحتلة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وبحسب نص «القانون الإسرائيلي» ستكون عقوبة الإعدام شنقاً إلزامية بحق كل شخص «يتسبب عمداً في وفاة (شخص آخر) بقصد الإضرار بمواطن أو مقيم إسرائيلي، وبنية إنهاء وجود دولة إسرائيل»، وسيتم تطبيق العقوبة في غضون 90 يوماً من صدور الحكم، وإذا وجد رئيس الوزراء أسباباً خاصة تستدعي تأجيل تنفيذ الحكم، فله أن يتقدم بطلب إلى المحكمة التي أصدرت الحكم يطلب فيه تأجيل التنفيذ لفترات إضافية، شريطة ألا يتجاوز مجموع هذه الفترات 180 يوماً.

وسمح القانون للقضاة اختيار السجن المؤبد في ظل «ظروف خاصة» محددة بشكل مبهم.

ويتطلب الحكم أغلبية بسيطة من القضاة بدلاً من قرار بالإجماع، مع إلغاء أي حق في الاستئناف. وهذا التعديل مهم لأن القانون المعمول به سابقاً ولم ينفذ كان يتطلب مصادقة كل القضاة.

ورغم وجود بند منفصل يسمح للمحاكم بفرض عقوبة الإعدام على أي شخص، بمن في ذلك المواطنون الإسرائيليون، فإن هذا البند يقتصر فقط على أولئك الذين «يتسببون عمداً في وفاة شخص بهدف نفي وجود دولة إسرائيل»، وهو تعريف صُمّم خصيصاً لاستبعاد مرتكبي الهجمات اليهود.

أسير فلسطيني عقب الإفراج عنه من سجن إسرائيلي قرب مدينة الخليل في الضفة الغربية (رويترز)

وأدان مسؤولون في السلطة وحركات فلسطينية القرار، ووصفه نائب رئيس دولة فلسطين حسين الشيخ بأنه «تصعيد خطير»، داعياً إلى تحرك دولي عاجل لوقف تنفيذه.

وقالت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية، إن المصادقة الإسرائيلية تعد «تشريعاً للإبادة وتبنياً للإعدام الميداني»، ومشددة على أنه «لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية، ولا انطباق لقوانينها على الشعب الفلسطيني».

لكن الولايات المتحدة أكدت أنها تحترم حق إسرائيل في تحديد قوانينها الخاصة، وقال ناطق باسم الخارجية الأميركية: «تحترم الولايات المتحدة حق إسرائيل السيادي في تحديد قوانينها وعقوباتها الخاصة بالأفراد المدانين بالإرهاب»، مضيفاً: «نحن على ثقة بأن أي إجراء مماثل سينفَّذ في ظل محاكمة عادلة».

وأدان الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم محمد البديوي، بأشد عبارات الاستنكار القرار الإسرائيلي.

وقال البديوي إن «هذا القرار الذي صدر من الكنيست الإسرائيلي، يعتبر انتهاكاً صارخاً وخرقاً لكل القوانين والأعراف الدولية والإنسانية»، داعياً المجتمع الدولي للقيام بواجباته القانونية والإنسانية، في وقف هذه القرارات والممارسات غير القانونية لقوات الاحتلال الإسرائيلية، التي تمثل تهديداً للشعب الفلسطيني.

وأعربت الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي عن إدانتها الشديدة للقرار، معتبرة ذلك خطوة خطيرة وغير مسبوقة لمنح رخصة لجريمة القتل والإعدام السياسي ضد الشعب الفلسطيني، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقية جنيف الرابعة والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وطالبت جامعة الدول العربية المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والمحكمة الجنائية الدولية، بالتحرك الفوري والحازم لإلغاء القانون، وحذرت من خطورة تداعياته.

كما أدانت مصر الإجراء الإسرائيلي بأشد العبارات، وقالت إنه «تقويض جسيم للضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، ويكرس نهجاً تمييزياً ممنهجاً، ويعزز نظام الفصل العنصري من خلال التفرقة في تطبيقه بين الفلسطينيين وغيرهم، بما يخالف أبسط مبادئ العدالة والمساواة أمام القانون».

أوروبياً؛ نددت المفوضية الأوروبية بشدّة، الثلاثاء، بالتصويت الإسرائيلي، وقال المتحدث باسم المفوضية أنور العنوني إنه «خطوة واضحة إلى الوراء، سواء من حيث إقرار عقوبة الإعدام، أو من حيث الطابع التمييزي للقانون».

ورأت رئيسة الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، بيترا باير، الثلاثاء، أن الكنيست الإسرائيلي قد يفقد صفة المراقب لدى الجمعية بعد إقراره قانون عقوبة الإعدام. وأضافت بيترا باير أن هذا التصويت «يهدد بشكل خطير صفة إسرائيل بأنها (مراقب)» لدى الجمعية البرلمانية.

مستوطنون يمرّون قرب عناصر من الشرطة الإسرائيلية أثناء إخلاء 11 عائلة فلسطينية من بطن الهوى في حي سلوان بالقدس الشرقية (أ.ف.ب)

ورفضت بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، في بيان مشترك، القانون وأعربت عن قلقها البالغ إزاءه، وقالت إنها تعارضه.

ووصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، القانون بأنه «خطوة إضافية نحو الفصل العنصري». وقال في منشور على موقع «إكس»: «إنها خطوة غير متوازنة، إذ لن تطبق على الإسرائيليين الذين قد يرتكبون الجرائم نفسها. جريمة واحدة، وعقوبات مختلفة». وأضاف: «لا يمكن للعالم أن يبقى ساكتاً».

ويمثل إقرار القانون انتصاراً كبيراً لوزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، الذي قام بتوزيع الشمبانيا احتفالاً مع أعضاء الائتلاف الحكومي بنجاح تمرير القانون.

وتم سن القانون رغم أن عقوبة الإعدام موجودة رسمياً في القانون الإسرائيلي، إلا أنها لم تُنفذ سوى مرة واحدة فقط، وذلك عند إعدام النازي أدولف آيخمان عام 1962. وحتى صدور هذا التشريع الجديد، كانت المحاكم الإسرائيلية لا تفرض عقوبة الإعدام إلا في ظروف ضيقة للغاية وبقرار إجماعي من هيئة القضاة، وهو شرط لم يتحقق قط.

بن غفير وعدد من النواب يحتفلون بقانون يُجيز الإعدام للفلسطينيين المدانين بهجمات (أ.ب)

ودعم نتنياهو وحزبه الليكود القانون، كما دعمت باقي كتل الائتلاف، القانون، إضافة إلى حزب «إسرائيل بيتنا» المعارض.

وعارض القانون حزب «يش عتيد» بزعامة يائير لبيد، وقائمة «الجبهة - العربية للتغيير» ذات الأغلبية العربية، وحزب «الديمقراطيون» اليساري.

وقدمت جمعية الحقوق المدنية في إسرائيل التماساً أمام المحكمة العليا ضد القانون «الأكثر تطرفاً واستثنائية وحكراً على الفلسطينيين». ويتطلع الملتمسون إلى قرار من المحكمة العليا يلغي أو يجمد القانون، وهي قضية قد تتحول إلى أزمة دستورية في إسرائيل.


تحذيرات أممية من «خطورة» الوضع لبنانياً ومطالب بنزع سلاح «حزب الله»

دورية لقوة «اليونيفيل» في القليعة بجنوب لبنان (رويترز)
دورية لقوة «اليونيفيل» في القليعة بجنوب لبنان (رويترز)
TT

تحذيرات أممية من «خطورة» الوضع لبنانياً ومطالب بنزع سلاح «حزب الله»

دورية لقوة «اليونيفيل» في القليعة بجنوب لبنان (رويترز)
دورية لقوة «اليونيفيل» في القليعة بجنوب لبنان (رويترز)

تعالت الدعوات في مجلس الأمن، خلال جلسة طارئة عُقدت، الثلاثاء، من أجل وقف التدهور «الخطير للغاية» في لبنان بسبب الحرب بين إسرائيل و«حزب الله». وطالب المسؤولون الأمميون وممثلو الدول بوقف القتال، داعين إلى الحفاظ على الدور الذي تضطلع به القوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان «اليونيفيل» لتطبيق القرار 1701.

وحمل أعضاء المجلس بشدة على قرار «حزب الله» دفع لبنان مجدداً إلى الحرب، مشيدين بقرارات الحكومة اللبنانية لنزع سلاح التنظيم المدعوم من إيران وحظر نشاطاته العسكرية والأمنية، رافضين في الوقت نفسه استهداف إسرائيل للمدنيين والمنشآت المدنية.

وبطلب من فرنسا وإندونيسيا، عقد أعضاء مجلس الأمن جلسة طارئة، الثلاثاء، واستمعوا إلى 3 إحاطات من وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا ومساعد الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام خالد خياري ووكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية منسق المعونة الطارئة توم فليتشر.

المندوب اللبناني لدى الأمم المتحدة أحمد عرفة (أ.ف.ب)

ومع بدء الاجتماع الطارئ، قال لاكروا إن «الوضع تدهور بشكل خطير مع استمرار التصعيد بين (حزب الله) وإسرائيل عبر الخط الأزرق وما وراءه»، مضيفاً أن عمليات التقدم البري للقوات الإسرائيلية تتواصل وتمتد مسافة تصل إلى 11 كيلومتراً»، وأشار إلى «سيطرة القوات الإسرائيلية على مناطق واسعة شمال الخط الأزرق مباشرة». وأكد أنه «في هذه الفترة الخطيرة للغاية، فإن دعم المجلس القوي والموحد لـ«اليونيفيل» وقوات حفظ السلام التابعة لها ليس مهماً فحسب، بل هو ضروري ولا غنى عنه».

«تدهور خطير»

وتبعه مساعد الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام خالد خياري الذي حذر من أن «الوضع في لبنان يستمر بالتدهور بشكل خطير». وقال: «تواصل الأمم المتحدة دعوتها لجميع الأطراف إلى اللجوء إلى القنوات الدبلوماسية، ووقف الأعمال العدائية، والالتزام مجدداً التنفيذ الكامل للقرار 1701».

وفي إحاطته عبر دائرة مغلقة من بيروت، عرض فليتشر للأوضاع الإنسانية المزرية التي يواجهها المدنيون في لبنان بسبب الحرب ولما سماه «أسئلة مرهقة» بسبب الوضع الراهن، ومنه: «كيف سيتصرف هذا المجلس إذا احتلت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان، كما يصرّ بعض الوزراء الإسرائيليين؟ وهل سيصير نهر الليطاني خطاً عازلاً جديداً لإسرائيل؟». وقال: «سنُحدث خططنا للطوارئ، وسيتعين على عملياتنا التكيف مع القيود والإجراءات والعوائق الجديدة، كما هي الحال في غزة. لكن، كيف سيتعامل هذا المجلس مع هذا الواقع المتغير؟ ثانياً، كيف سيتصرف مجلس الأمن هذا إذا عاد لبنان إلى تكتيكات الماضي، حيث يُستهدف القادة ويُغتالون؟ ثالثاً، ما الذي يُمكن فعله لتجنب تحول سوريا إلى جبهة أخرى في صراع يمتد عبر لبنان والمنطقة؟».

الموقف الفرنسي

وتحدث المندوب الفرنسي الدائم لدى الأمم المتحدة جيروم بونافون عن «الحوادث الخطيرة للغاية» التي أدت إلى مقتل 3 جنود وجرح آخرين من قوة «اليونيفيل»، وقال إن بلاده تندد «بأشد العبارات الممكنة بإطلاق النار الذي أدى إلى مقتل جندي حفظ سلام إندونيسي تابع لـ(اليونيفيل) في 29 مارس (آذار)، وأصاب 3 جنود آخرين، وكذلك الانفجار الذي أدى إلى مقتل جنديين إندونيسيين آخرين من حفظة السلام في 30 مارس، وإصابة جنديين آخرين». وشدد بونافون على أن «مثل هذه الهجمات قرب مواقع قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة غير مقبولة ولا مبرر لها»، مضيفاً أن فرنسا «تطالب بإجراء تحقيق شامل في ملابسات هذه المآسي»، كما ندد بـ«الحوادث الخطيرة التي تعرضت لها أمس الكتيبة الفرنسية التابعة لـ(اليونيفيل) في منطقة الناقورة»، مؤكداً أن «هذه الخروقات الأمنية وأعمال الترهيب التي ارتكبها جنود إسرائيليون ضد أفراد الأمم المتحدة غير مقبولة ولا مبرر لها».

وندد القائم بأعمال البعثة البريطانية السفير جيمس كاريوكي بنشاطات «حزب الله» وزجه لبنان في الحرب، مؤكداً أن المملكة المتحدة تدعم قرارات الحكومة اللبنانية في ما يتعلق بنزع سلاح الحزب، وحظر نشاطاته العسكرية والأمنية.

الموقف الأميركي

المندوب الأميركي مايك والتز (أ.ف.ب)

وفي ظل جهود لإصدار موقف موحد من مجلس الأمن حيال تعرُّض «اليونيفيل» لاعتداءات متواصلة، قال المندوب الأميركي مايك والتز إن مجلس الأمن «مدين» لجنود حفظ السلام «بنهج حكيم في حفظ السلام يُدرك أن الإرهابيين لا يحترمون هذا المجلس، ولا يحترمون قواعد القانون الدولي». وأضاف أن «المعاناة في هذه المنطقة هائلة وطويلة الأمد، فالآباء والأبناء والأجداد، سواء كانوا إسرائيليين أو لبنانيين، مدنيين أو من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، لا ينبغي لهم أن يواجهوا المخاطر اليومية التي يُسببها الإرهابيون المدعومون من إيران». وقال: «يجب علينا دعم الحكومة، حكومة لبنان والقوات المسلحة اللبنانية، في ممارستها للسيادة»، مضيفاً أن «حزب الله (...) جماعة إرهابية لها تاريخ طويل في إخفاء الأسلحة والمقاتلين ومخازن الصواريخ في المدارس والمستشفيات ومنازل المدنيين»، داعياً مجلس الأمن إلى أن «ينعم النظر» وتركيز المساعدة في «إعادة توجيه الجهود الدولية نحو دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، والحد من المخاطر التي يتعرض لها حفظة السلام، والضغط على (حزب الله) وإيران لوقف نشاطاتهما المزعزعة للاستقرار».

السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون (أ.ف.ب)

المحاسبة

وقبيل الجلسة، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إنه يجب وضع حد للهجمات على جنود حفظ السلام، مذكراً بأنها تمثل «انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني ولقرار مجلس الأمن 1701، وقد ترقى إلى جرائم حرب». وأضاف أنه «لا بد من محاسبة المسؤولين» عن هذه الهجمات، وحض الأطراف على «خفض التصعيد فوراً، والالتزام الكامل بالتزاماتها بموجب قرار مجلس الأمن 1701».