جبهة الضفة الغربية تدخل على خط التصعيد

هجمات ومواجهات واسعة في ذروة التأهب الإسرائيلي وتسليح أكبر للمستوطنين... والجيش يقتل 11 في «جمعة الغضب»

محتجون فلسطينيون في نابلس يوم الجمعة (رويترز)
محتجون فلسطينيون في نابلس يوم الجمعة (رويترز)
TT

جبهة الضفة الغربية تدخل على خط التصعيد

محتجون فلسطينيون في نابلس يوم الجمعة (رويترز)
محتجون فلسطينيون في نابلس يوم الجمعة (رويترز)

دخلت الضفة الغربية يوم (الجمعة) على خط التصعيد الحالي في المنطقة، بعد أيام من التسخين الذي فُرض سلفاً على الضفة عبر تصعيد تحركات الجيش الإسرائيلي من جهة، وانفلات أكبر للمستوطنين من جهة ثانية، بعد الهجوم الكبير الذي شنته «كتائب القسام» على إسرائيل يوم السبت الماضي.

ونفذ مقاتلون فلسطينيون هجمات عدة على حواجز عسكرية ومستوطنات في مناطق مختلفة في الضفة التي تبدو وكأنها على صفيح ساخن، وخاضوا اشتباكات بالرصاص في جنين وطولكرم شمال الضفة، في حين اندلعت مواجهات عنيفة بين آلاف المتظاهرين والجيش الإسرائيلي في معظم المدن الفلسطينية بعد تظاهرات ضخمة، خرجت في «جمعة غضب» دعت إليها حركة «حماس» لـ«نصرة غزة».

إحراق إطارات مطاطية خلال احتجاجات في الخليل يوم الجمعة (أ.ف.ب)

وقتل الجيش الإسرائيلي ما لا يقل عن 11 فلسطينياً في الضفة، في بيت أولا والخليل وبيت لحم وطوباس ونابلس وطولكرم ورام الله، وأصاب نحو 200 آخرين في مواجهات مفتوحة، ليرتفع عدد الذين قتلتهم إسرائيل في الضفة منذ عملية «طوفان الأقصى» في غزة، إلى 46 فلسطينياً.

وسُجلت أعنف المواجهات في محيط مصانع «جيشوري» الاستيطانية في طولكرم، وقتل الجيش هناك 3 فلسطينيين، كما قتل فلسطينياً في مواجهات في نابلس، وفلسطينياً في بيت لحم، وفلسطينياً في رام الله، وآخر في طوباس، واثنين في الخليل، في حين قُتل اثنان آخران في مواجهات أخرى، وسط توقعات بأن الحصيلة قد ترتفع أكثر.

فلسطينيون خلال صدامات مع جنود إسرائيليين في الخليل يوم الجمعة (أ.ف.ب)

ودخول ساحة الضفة على خط التصعيد لم يكن مفاجئاً، بل كان متوقعاً لإسرائيل التي عززت فرقة الضفة سلفاً بمئات الجنود استعداداً لموجة من العمليات والمواجهات، ونفذت مئات عمليات الاعتقال لكبار مسؤولي «حماس» وناشطيها وناشطين آخرين منذ السبت الماضي، لكن هذا التصعيد لم تكن ترغب به إسرائيل على الأرجح؛ لكونها متورطة في حرب كبيرة في جبهة غزة، ومتأهبة على جبهة الحدود الشمالية المتوترة مع لبنان.

وكان الجيش الإسرائيلي أحكم قبضته على الضفة الغربية بعد هجوم «حماس» في غزة فوراً، وعزل المدن الفلسطينية بالكامل بالبوابات الحديدية والسواتر الترابية والمكعبات الإسمنتية، في تحرك هو الأول من نوعه منذ الانتفاضة الثانية. وزاد الجيش هذه الإغلاقات يوم الجمعة، وأعلن الضفة منطقة عسكرية مغلقة، في مؤشر على مرحلة طويلة يستعد لها في المنطقة.

جنود إسرائيليون خلال مواجهات مع فلسطينيين في ضاحية وادي الجوز بالقدس الشرقية يوم الجمعة (أ.ف.ب)

وخشية إسرائيل من تصعيد متدرج في الضفة، ليس مردها أن الأحداث تجر أحداثاً والدم يطلب الدم عادة، لكن بالنظر إلى أنها كانت قبلة التصعيد قبل هجوم «حماس»، ولأن قادة هذه الحركة، السياسيين والعسكريين على حد سواء، دعوا الضفة الغربية إلى الدخول على خط المعركة، وهي دعوة بدأها القائد العام لـ«كتائب القسام» محمد الضيف الذي دعا بشكل واضح مع إعلانه بداية معركة «طوفان الأقصى» كل فلسطيني في الضفة لحمل بندقيته أو سكينه أو بلطته والانضمام للمعركة، ثم كررها مسؤولون في «حماس» تعهدوا أن تنتقل المواجهة إلى ساحات أخرى.

ويخشى الجيش الإسرائيلي بشكل رئيسي أن تتحرك خلايا «حماس» النائمة في الضفة، خصوصاً أن محمد الضيف أمر بذلك، وهي خلايا استجابت في السابق لدعوات «حماس» إلى إشعال الضفة، إضافة إلى التحرك الشعبي الطبيعي ضد الدمار والقتل الإسرائيلي غير المسبوق في غزة.

وسجلت الضفة الغربية قبل يوم الجمعة عدة هجمات، في بداية تصعيد يُعتقد أنه سيستمر مع استمرار الحرب على غزة، وتغيير إسرائيل قواعد إطلاق النار في الضفة، وتسليح المستوطنين المنفلتين بشكل أكبر.

جانب من المواجهات يوم (الجمعة) بين فلسطينيين وجنود إسرائيليين في حوارة قرب نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

وإضافة إلى قتل الجيش الإسرائيلي فلسطينيين لم يشكلوا أي خطر حقيقي الأسبوع الماضي، قتل مستوطنون متطرفون 4 فلسطينيين في هجمات على بلدة قصرة قرب نابلس. وأظهرت لقطات فيديو مستوطناً مسلحاً يطلق النار من مسافة قريبة جداً يوم الجمعة على فلسطيني أعزل في قرية «التوانة» القريبة من الخليل، في حين كان الجنود يشاهدون ذلك دون أي اكتراث.

وكان وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، أشرف على تسليح المستوطنين في الضفة الغربية. وظهر بن غفير يوم الخميس في نقطة توزّع أسلحة على المستوطنين، قائلاً إن وزارته اشترت نحو 4 آلاف قطعة سلاح من أصل نحو 20 ألف قطعة، وستوزعها تباعاً على عشرات اليهود في المستوطنات.

وينادي بن غفير بعمليات واسعة في الضفة، إحدى الجبهات التي تستعد لها إسرائيل، وكذلك في الداخل ضد العرب، وهي جبهة أخرى تخشى إسرائيل أنها قد تدخل الخط، ما جلب ضده انتقادات إسرائيلية كبيرة. وتعرض بن غفير لهجوم من مختلف الأطياف السياسية لإثارته احتمال تجدد أعمال العنف بين اليهود والعرب في المدن المختلطة في إسرائيل كما حدث قبل عامين، وقال مسؤولون حكوميون إنه «شخص غير مسؤول»، وطالبوه بضبط النفس، في حين اتهمت مصادر في الشرطة الزعيم اليميني المتطرف بنشر الخوف.

ولا تريد إسرائيل التورط في حرب متعددة الجبهات ما أمكن، على الرغم من أنها تقول منذ شهور طويلة إنها مستعدة لحرب قد تندلع على جبهات متعددة (غزة ولبنان وسوريا والضفة والداخل وربما إيران).


مقالات ذات صلة

فصائل غزة تتحسب لهجوم إسرائيلي على «المنطقة الوسطى»

خاص فلسطينيون وسط غزة يفحصون موقع غارة إسرائيلية استهدفت سيارة شرطة (رويترز) p-circle

فصائل غزة تتحسب لهجوم إسرائيلي على «المنطقة الوسطى»

تهدد إسرائيل بالعودة إلى الحرب في غزة حال رفضت حركة «حماس» والفصائل الأخرى نزع سلاحها، بينما كثف الجيش الإسرائيلي من عملياته في مناطق وسط القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون في موقع حطام سيارة شرطة دمرتها غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

«لأول مرة منذ شهرين»... 323 شاحنة تدخل غزة في يوم واحد

للمرة الأولى منذ شهرين، شهد قطاع غزة زيادة ملحوظة في عدد الشاحنات التي تحمل مساعدات وبضائع تجارية، كما ارتفعت أعداد المسافرين عبر معبر رفح البري.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا فتاة فلسطينية تحمل وعاء ماء في مخيم للنازحين بخان يونس جنوب غزة (أ.ف.ب)

«رد مشروط» من «حماس» يضع محادثات القاهرة أمام «اختبار صعب»

تقف محادثات القاهرة بشأن استكمال تنفيذ وقف إطلاق النار في غزة، على أعتاب نقاشات محورية بشأن مستقبل سلاح حركة «حماس» والفصائل الأخرى.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي طفلة فلسطينية تحمل خبزاً في دير البلح وسط قطاع غزة ديسمبر الماضي (أ.ف.ب) p-circle

تفاقم أزمة الخبز في غزة... واتهامات لإسرائيل بـ«هندسة التجويع»

تفاقمت أزمة توافر الخبز في غزة مع استمرار عرقلة إسرائيل دخول الإمدادات لصالح مخابز القطاع التي أعيد فتحها بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

تشهد مصر جولة محادثات جديدة بين «حماس» التي وصلت إلى القاهرة، السبت، والممثل الأعلى لقطاع غزة في «مجلس السلام» والوسطاء.

محمد محمود (القاهرة )

سكان ضاحية بيروت يستغلون هدنة غير معلنة لتفقد منازلهم

دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
TT

سكان ضاحية بيروت يستغلون هدنة غير معلنة لتفقد منازلهم

دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

يتحرك النازحون من ضاحية بيروت الجنوبية، بحذر وقلق، باتجاه منازلهم. يتفقدون ما حل بها، وعلى عجل، يحاولون سحب جزء من الملابس أو الحاجيات اليومية، ويعودون أدراجهم إلى حيث نزحوا، مستغلين تهدئة هشّة، لا يعرفون ما إذا كانت وهماً، أو حقيقة.

ومنذ التصعيد الكبير يوم الأربعاء في الاسبوع الماضي، لم تتعرض ضاحية بيروت الجنوبية لأي غارة إسرائيلية، رغم أن المسيَّرات لا تفارق أجواءها. نقلت وسائل إعلام عن مسؤول في «حزب الله» أن هناك «ما يبدو أنه تحييد للعاصمة وضاحيتها الجنوبية»، من غير أن يجزم بذلك... لكن الدولة اللبنانية، لم تعلن شيئاً من هذا القبيل، كما لم تعلنه إسرائيل أو الولايات المتحدة، مما أبقى السكان في دائرة القلق.

لكن بين التهدئة غير المعلنة، وغياب الغارات، يتحرك الناس على قاعدة الفرصة المؤقتة، يختبرونها سريعاً، ثم ينسحبون، لأنهم لا يعرفون متى تُقفل مجدداً.

بحث عن عام دراسي

في منطقة المريجة، تختصر زينب هذه المفارقة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «ما يُقال عن تحييد بيروت، لم يمنحها شعوراً حقيقياً بالأمان، لكنه أتاح لها نافذةً صغيرة لاتخاذ قرارٍ ظلّ مؤجلاً». نزلت إلى منزلها، مترددة، محكومةً بحسابٍ دقيق بين الخوف والحاجة، فقط لتجلب الكتب المدرسية لابنتها البالغة من العمر خمسة عشر عاماً.

تقول: «لم يكن النزول قراراً سهلاً، لكنني شعرت بأن عليّ استغلال أي هامش يُقال إنه متاح، مهما كان هشّاً». بالنسبة إليها، لم تكن الخطوة مجرّد إجراء عملي، بل محاولة لحماية ما تبقّى من انتظام حياة ابنتها. وتفصح: «يكفي ما نخسره يومياً من أمان واستقرار، لا أريد أن تخسر عامها الدراسي أيضاً».

داخل المنزل، بدت اللحظة مشحونة بالتناقض. الشوارع هادئة أكثر من اللازم، والحيّ مألوف وغريب في آنٍ معاً. تحرّكت بسرعة، كأنها تختصر الزمن، جمعت الكتب والدفاتر وبعض الحاجيات، وغادرت من دون أن تطيل البقاء. «كان فعلاً من أفعال الأمومة في وجه القلق»، تقول إن التعليم في مثل هذه الظروف يتحول إلى «محاولة للتمسّك بالحياة».

لكن هذا الهامش لا يبدّل في القاعدة العامة، فالأمان لا يزال غائباً. تتعامل زينب مع عناوين التهدئة بحذر، مشيرةً إلى أنها لا تبني عليها «قرارات طويلة الأمد»، بل تتحرك «وفق فرص صغيرة». في نظرها، الهدوء الحالي «ليس طمأنينة، بل صمت ثقيل يسبق المجهول».

مبنى متضرر جراء غارة جوية إسرائيلية في بيروت (د.ب.أ)

نزول خاطف

في بئر العبد، يصف حسن ما جرى خلال الأيام الماضية بأنه «نزول خاطف» لا أكثر. لم تكن عودةً فعلية إلى الحياة، بل لحظات قصيرة اقتنصها الأهالي لاستعادة بعض ما تركوه خلفهم. يؤكد أنّ «الذي كان ينتظر الفرصة، كان ينزل لعشر دقائق أو ربع ساعة بالكاد، يلتقط ما يستطيع، ثم يغادر فوراً».

هذا السلوك، برأيه، يعكس تبدّل حسابات الناس مع امتداد الحرب. «كثيرون نزلوا لجلب ملابس صيفية وربيعية، بعدما ظنّوا في البداية أن النزوح سيكون قصيراً. الآن صار واضحاً أن الأمور قد تطول».

يضيف: «لكن الحاجة ليست وحدها ما يدفع الناس إلى النزول. أحياناً الحنين هو الدافع الأول». يستعيد حسن تجربته الشخصية حين توجّه إلى برج البراجنة، حيث غيّر زيت سيارته. يكشف عن أنّه «لم يكن الأمر مجرد تصليح سيارة، بل محاولة للتمسّك بتفصيل صغير من حياتي الطبيعية». في تلك اللحظة، بدت بعض المحال مفتوحة بشكل متقطّع، في مشهد يعكس إصراراً خجولاً على الاستمرار.

المشهد في الضاحية، كما يصفه، متقلّب ومربك: «في لحظة تشعر بشيء من الأمان، ترى الناس في الشارع أو محالاً مفتوحة، فتقول إن الحياة عادت. لكن هذا الإحساس هشّ. بعض الطرق تشهد حركة محدودة، فيما تبدو أخرى شبه مشلولة، كأنها تعيش بين حالتين: الحياة والتوقف».

بين من ينزل ليتفقد بيته من داخل السيارة فقط، ومن يرفض المخاطرة تماماً، تتباين ردود الفعل. إذ يشدّد على أنّ «الحنين يدفعك إلى النزول، لكن الخوف يوقفك عند أول زاوية».

صدمة في «اللسان تيريز»

في منطقة السان تيريز، تأخذ هذه التجربة منحى أكثر قسوة. يقول أحد أبناء المنطقة إنّه استند إلى ما تردّد عن تحييد بيروت لينزل إلى منزله، مدفوعاً بهامش من الأمان قيل إنه متاح. كان المنزل قد تعرّض لدمار جزئي، لكنه بقي قائماً، ما عزّز لديه الأمل بأن يجد ما تركه كما هو.

تصاعد الدخان عقب غارات جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أكن مطمئناً بالكامل، لكنّني شعرت بأن الفرصة قد لا تتكرّر»، مضيفاً أنّه أراد «أن يرى البيت بعينيه بعد أسابيع من الغياب».

لكن اللحظة التي توقّع أن تحمل شيئاً من الطمأنينة تحوّلت إلى صدمة. «فوجئت بأنّ المنزل تعرّض للسرقة، والأغراض لم تعد موجودة». لم تكن الخسارة مادية فقط، بل نفسية أيضاً: «شعرت بأنّ الأمان الذي استندت إليه لم يكن موجوداً أصلاً».

يصف إحساسه عند الوصول بأنه «ثقيل لا يُوصف»، مضيفاً: «ما يُقال شيء، وما نعيشه شيء آخر». بالنسبة إليه، كشفت التجربة عن هشاشة كلّ ما يُبنى على عناوين التهدئة، وطرحت سؤالاً أكبر عن معنى الأمان نفسه في ظل واقع متقلّب.

الضاحية في المنطقة الرمادية

في حارة حريك، يبدو المشهد أكثر ميلاً إلى الحذر. يقول مروان إن الحركة لا تزال «محدودة ومتقطعة، مع غياب أي مؤشر إلى عودة واسعة للسكان. بعض الأحياء شبه خالية، وأخرى تشهد حركة خجولة لا تعكس اطمئناناً فعلياً».

هذا التفاوت، برأيه، يرتبط بتقدير كلّ مجموعة لمستوى المخاطر. «الناس يتصرفون بحذر شديد، هناك من يفضّل التريث، وآخرون يحاولون تدبير أمورهم بالحد الأدنى». لكن العامل الحاسم يبقى القلق، حتى لدى من يخرجون لقضاء حاجاتهم.

في تجربته الشخصية، اضطر مروان إلى النزول لتأمين احتياجات أسرته، خصوصاً الملابس. لم يكن الأمر مجرد تدبير موسمي، بل «استعداداً لمرحلة قد تطول». يقول: «جلبت ملابس صيفية وربيعية لأنني أشعر بأن الحرب لن تنتهي قريباً».

أما عن الإحساس بالأمان، فيصفه بأنه «ارتياح مؤقت سرعان ما يتلاشى». ويرى أنّ «الحديث عن التهدئة يمنح الناس لحظة نفسية أفضل، لكن في داخلهم لا يزالون يتوقعون الأسوأ. لذلك، لا يتصرفون كأن الأمور حُسمت نحو التهدئة».


سوريون أكراد يتدفقون إلى مراكز حكومية طلباً لجنسية حرموا منها لعقود

زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)
زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)
TT

سوريون أكراد يتدفقون إلى مراكز حكومية طلباً لجنسية حرموا منها لعقود

زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)
زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)

في صالة مكتظة داخل ملعب في مدينة القامشلي بشمال شرقي سوريا، ينتظر فراس أحمد، مع عشرات الأكراد الذين يحملون مستندات وصوراً شخصية، أن يحين دوره ليتقدّم بطلب الحصول على الجنسية السورية، وهو الحق الذي حرم منه عشرات الآلاف لعقود.

ويقول أحمد (49 عاماً): «الإنسان بلا جنسية يُعتبر من الموتى، تخيّلوا أنني لا أستطيع أن أسجل أولادي، أو البيوت بأسمائنا». ويشرح: «لم يملك جدي الجنسية، وكنا نعيش حتى الآن من دون وثائق» رسمية.

مركز لتلقي طلبات التجنيس في القامشلي (أ.ف.ب)

على طاولات اصطف أمامها طابور طويل، تناثرت استمارات التسجيل المختومة بشعار الدولة السورية، إلى جانب صور شخصية، ووثائق قديمة، بينما انهمك موظفون حكوميون في تسجيل البيانات، قبل أن تظهر على إحدى الشاشات عبارة «تمت بنجاح»، على ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» في تقرير لها الخميس.

ومنذ الأسبوع الماضي، يتوافد سوريون أكراد من «مكتومي القيد»، وممن لا يملكون أوراقاً ثبوتية رسمية إلى مراكز مخصصة للتسجيل، وتقديم الطلبات في مدن عدة في شمال شرقي سوريا، بينها القامشلي، والحسكة، والمالكية، إضافة إلى أخرى في محافظات حلب، ودير الزور، والرقة، ودمشق، بناء على إيعاز من وزارة الداخلية.

ويأتي ذلك تطبيقاً لمرسوم أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في يناير، ونصّ على منح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا، بمن فيهم مكتومو القيد، بعد عقود من حرمان عشرات الآلاف منهم من الجنسية.

كما أقر حقوقاً ثقافية ولغوية للأكراد، بينها اعتبار لغتهم «لغة وطنية».

وصدر المرسوم في خضم مناوشات استمرت لأسابيع بين المقاتلين الأكراد الذين كانوا يسيطرون على مساحات واسعة في شمال وشرق سوريا والقوات الحكومية، وانتهت بتوقيع اتفاق أواخر يناير نصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية وقواتها تباعاً في إطار مؤسسات الدولة.

مسنة كردية تقدم طلبها للتجنيس في القامشلي (أ.ف.ب)

وتبعت ذلك خطوات عدة، بينها دخول قوات الأمن إلى مدينتي الحسكة، والقامشلي، ثم تسلم الدولة إدارة مطار القامشلي في فبراير (شباط)، وتعيين القيادي العسكري الكردي البارز سيبان حمو في مارس (آذار) معاوناً لوزير الدفاع عن المنطقة الشرقية، في إطار تطبيق بنود الاتفاق.

«عانينا كثيراً»

وتقول غالية كلش، وهي أم لخمسة أطفال، باللغة الكردية: «عانينا كثيراً من الصعوبات، لم يستطع أولادي الخمسة استكمال دراستهم، ولم يكن بمقدورنا السفر نهائياً».

وتتابع: «حتى الآن منزلنا ليس مسجلاً باسمنا».

وانعكس الحرمان من الجنسية على تفاصيل الحياة اليومية برمّتها، من تعذُّر تسجيل الولادات، وتثبيت الملكيات، إلى صعوبات الدراسة، والتنقل، والعمل، والسفر، ما أبقى كثيرين على هامش الدولة من دون اعتراف قانوني كامل بوجودهم.

ويعود حرمان الأكراد من الجنسية إلى تدابير استثنائية نجمت عن إحصاء مثير للجدل أجري عام 1962 في محافظة الحسكة (شمال شرق)، وتمّ بموجبه سحب الجنسية من عشرين في المائة من المكون الكردي حينها.

وإثر ذلك، عانى الأكراد، الذين يشكلون أساساً نحو مليونين من أصل 20 مليون سوري، من التهميش من جانب الحكومات السورية المتعاقبة، فحرموا طيلة عقود من تعليم لغتهم، والاحتفال بأعيادهم، وممارسة تقاليدهم.

وبحسب تقديرات «شبكة ضحايا انعدام الجنسية» الكردية المحلية في الحسكة، يبلغ عدد مكتومي القيد في سوريا حالياً نحو 150 ألف شخص، وفق ما يشرح عضو الشبكة علي موسى.

ملفات التجنيس... (أ.ف.ب)

ويطالب موسى السلطات بإبداء «مرونة في تطبيق القرار، وتقديم تسهيلات للمقيمين خارج سوريا»، والذين لم يشملهم مرسوم الشرع، مع توفير بدائل، لا سيما أن كثيراً منهم يعانون «صعوبة السفر إلى سوريا بسبب القيود المتعلقة بكونهم طالبي لجوء في بلدان أوروبية، أو تخوفهم على إقامتهم في ظل ظروف الحرب الإيرانية التي أغلقت معظم المطارات بسببها».

ومن المقرر أن تبقي السلطات السورية مراكز التسجيل مفتوحة لمدة شهر.

ويوضح مسؤول شؤون الأحوال المدنية في الحكومة السورية عبد الله العبد الله، أن «المدة المفترضة للتسجيل هي شهر واحد قابل للتمديد». ويضيف: «أهم تعويض لهؤلاء الناس هو اكتساب الجنسية بعد حرمان استمر سنوات».

من أحد مراكز تلقي طلبات التجنيس في القامشلي (أ.ف.ب)

داخل مركز التسجيل، يروي محمّد أيو (56 عاماً) كيف لازمه الإحساس بالعجز باعتباره «مكتوم القيد». ويشرح: «تدرس سنوات طويلة، وفي النهاية يقولون لا شهادة لك»، مشيراً إلى أنه لم يتمكن بعد إنهاء المرحلة الثانوية من الحصول على وثيقة تتيح له متابعة دراسته الجامعية.

ويضيف أيو، الذي يعمل في التجارة العامة، أنّ الحرمان طال أيضاً حقوقاً مدنية أساسية، إذ «لم يكن لدينا الحق في الترشح، أو الانتخاب». ويوضح كيف تعذّر عليه الحصول على شهادة لقيادة السيارة، وحتى الإقامة في فندق في دمشق، كون ذلك تطلب الحصول على «ورقة أمنية» مسبقة.


دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)
صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)
TT

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)
صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

ورحّبت الخارجية، في بيان، بـ«عملية التسليم الجارية والنهائية للمواقع العسكرية التي كانت تشغلها القوات الأميركية في سوريا إلى الحكومة السورية»، مضيفةً أن التسليم جرى «بمهنية عالية وبالتنسيق الكامل بين الحكومتين السورية والأميركية».

وأتى ذلك بعيد إعلان وزارة الدفاع أن قواتها تسلّمت قاعدة «قسرك» في شمال شرقي البلاد بعد انسحاب قوات التحالف.

ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (سانا) عن وزارة الدفاع قولها في بيان، إن قوات الجيش السوري «تتسلم قاعدة (قسرك) الجوية بريف الحسكة، بعد انسحاب قوات التحالف الدولي». وسبق للتحالف أن انسحب من قواعد عدة في سوريا خلال الأسابيع الأخيرة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

وأشار بيان الخارجية السورية إلى أن استعادة الدولة السورية سيادتها على المناطق التي كانت خارج نطاق السيطرة، بما في ذلك الشمال الشرقي والمناطق الحدودية، تأتي ثمرةً للجهود المتواصلة التي بذلتها الحكومة السورية لتوحيد البلاد ضمن إطار دولة واحدة.

ورأت الخارجية أن اكتمال تسليم المواقع الأميركية يشكّل نتيجة طبيعية لنجاح عملية دمج «قوات سوريا الديمقراطية» ضمن البنى الوطنية وتحمّل الدولة السورية مسؤولياتها الكاملة في مكافحة الإرهاب والتصدي للتهديدات الإقليمية على أراضيها.

Your Premium trial has ended