حرب غزة... ورقة بوتين لتصعيد حملته السياسية على الغرب

روسيا مستعدة لوساطة... وإعلامها منقسم بين الطرفين

الرئيس بوتين وخلفه وزير الخارجية لافروف في بشكيك، اليوم الجمعة (سبوتنيك - أ.ب)
الرئيس بوتين وخلفه وزير الخارجية لافروف في بشكيك، اليوم الجمعة (سبوتنيك - أ.ب)
TT

حرب غزة... ورقة بوتين لتصعيد حملته السياسية على الغرب

الرئيس بوتين وخلفه وزير الخارجية لافروف في بشكيك، اليوم الجمعة (سبوتنيك - أ.ب)
الرئيس بوتين وخلفه وزير الخارجية لافروف في بشكيك، اليوم الجمعة (سبوتنيك - أ.ب)

مهما بدا الموقف متناقضاً و«سوريالياً»، بحسب وصف دبلوماسي سابق، فإن روسيا التي فوجئت كما فوجئ العالم بقوة واتساع حجم هجوم «حماس» على مستوطنات غلاف غزة، السبت الماضي، اتخذت بعد تمهّل قصير موقفاً يشدد على الخط العام للرؤية الروسية للصراع في المنطقة. جوهر المدخل الروسي يقوم على ضرورة احترام القرارات الدولية والانطلاق من أهمية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة إلى جانب إسرائيل.

التناقض يظهر في مسارعة بلد يواجه اتهامات كثيرة باحتلال مناطق في بلد مجاور، إلى الدفاع عن مبادئ القانون الدولي، عندما يتعلق الأمر بصراع تخوضه أطراف أخرى. لكن هذه الازدواجية، كما قال الدبلوماسي السابق، ليست حكراً على روسيا، فهي ظهرت عند الأوكرانيين الذين يواجهون «الاحتلال الروسي»، لكنهم «يدعمون استخدام القوة الإسرائيلية المفرطة ضد شعب آخر يعاني من الاحتلال منذ عقود. وظهرت أيضاً عند الغرب الذي يقاتل روسيا في أوكرانيا، بينما يرسل حاملات الطائرات لدعم بلد آخر يشن عدواناً مماثلاً على شعب أعزل».

نزوح من غزة اليوم في ضوء تحذير إسرائيلي بهجوم وشيك (أ.ف.ب)

هذه المقاربة لا يتطرق إليها الروس على صفحات إعلامهم الذي انقسم بشدة إلى طرف ينتقد تصرفات الغرب ويذكّر بالدعم الإسرائيلي لأوكرانيا، وفريق يمثّل الغالبية الكبرى ويمعن في عقد مقارنات بين الفلسطينيين و«نازيّي أوكرانيا».

أما الموقف الرسمي فهو يحمل بشدة انعكاسات المواجهة المتفاقمة مع الغرب. أول تعليق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ركّز على «فشل سياسات واشنطن في الشرق الأوسط». قال الرئيس الروسي خلال أعمال منتدى اقتصادي قبل يومين: «احتكرت الولايات المتحدة القرار بشأن التسوية، وأبعدت الأطراف الأخرى، ماذا كانت النتيجة؟ فشلت في تطبيق القرارات الدولية ووضع حد للمواجهة المتفاقمة وأسفرت سياساتها عن الوضع الحالي». كما انتقد بوتين، في عبارة لافتة، الوعود الأميركية الكثيرة بـ«رخاء اقتصادي» في مقابل التنازل عن حقوق وطنية، وقال إن تلك الوعود لم تنجح في إقناع شعب فلسطين بإنهاء جوهر المشكلة التي تقوم على احترام حقه في بناء دولته وتقرير مصيره.

وهكذا اتضح أن المدخل الروسي للتعليق على الحدث انطلق من ضرورات حشد كل الأدوات في تعزيز رزمة الانتقادات للمواقف الغربية. وكل ما تلا ذلك من تصريحات ودعوات جاء في هذا الإطار، من دون أن يحمل تلويحاً جاداً بتقديم عون اقتصادي أو إغاثي أو سياسي لحماية سكان غزة.

الرئيس الروسي مستعد لـ«وساطة» بين إسرائيل والفلسطينيين (أ.ف.ب)

في وقت لاحق، أكّد الرئيس الروسي أن بلاده مستعدة لتقديم جهود «وساطة» بين الطرفين، من دون أن يوضح المدخل الذي سوف تنطلق منه إذا وافق الطرفان على تلك الجهود. وهو أمر له دلالاته، لأن روسيا كانت تقليدياً تعلن استعدادها لاستقبال مفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ثم تتحدث لاحقاً عن أن هذا يتطلب «موافقة الطرفين»، وهو أمر لا يمكن تحقيقه عملياً. أيضاً، قال الرئيس الروسي: «يتعيّن علينا البحث عن حل سلمي لتفاقم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي نظراً لأنه في الوضع الراهن لم تعد هناك بدائل أخرى». هذه العبارة كانت لافتة أيضاً، ففي حين يراقب العالم تحضيرات متسارعة لحرب برية شاملة، وعملية تهجير شاملة جديدة للفلسطينيين من غزة، تركّز تصريحات الكرملين على تكرار خطاب سياسي صحيح من وجهة النظر القانونية، لكنه منفصل عن الواقع المتسارع في تدهوره وعن ألسنة اللهب المتصاعدة حول غزة.

سُئل الرئيس الروسي في ندوة حوارية عن موضوع التهجير، فقال: «إلى أين يذهبون؟ (...) هذه أرضهم». عبارة أخرى تعكس دقة الموقف الروسي في التعامل مع الملف وفقاً لمدخل مبدأي، لكنها لم ترتبط بإعلان موقف جدي من جانب روسيا لعرقلة التحرك الإسرائيلي، المستند كما يبدو إلى غطاء غربي شامل انطلاقاً من حق إسرائيل في «الدفاع عن نفسها».

لقاء سابق بين بوتين والرئيس الفلسطيني محمود عباس في سوتشي على البحر الأسود عام 2021 (سبوتنيك - أ.ب)

سألت «الشرق الأوسط» الدبلوماسي السابق الذي لا يخفي معارضته للحرب في أوكرانيا، عن تفسيره لهذه المواقف، فقال: «قد يعكس هذا في جانب مهم منه ضحالة الرهان الروسي والصيني على إقامة عالم جديدة متعدد الأقطاب، حتى الآن على الأقل».

لتفسير عبارته، قال الدبلوماسي إن «اللحظة العالمية» مواتية لموسكو وبكين لترسيخ فكرة هدم آليات هيمنة الغرب على اتخاذ القرار العالمي، لكن الطرفين فضّلا تكرار خطاب سابق على إطلاق أفكار جديدة أو إعلان تحرك ملموس لوقف التحركات العسكرية الإسرائيلية، ولمواجهة عمليات «حشد القوات الغربية في البحر المتوسط والمنطقة». ورأى أن هذا الحشد مهمته الرئيسية «تخويف أطراف إقليمية»، مشيراً إلى أن روسيا لم تقم بأي خطوة عملية لإعلان اعتراضها على ذلك.

في المقابل، قال بوتين الجمعة أمام قمة رابطة الدول المستقلة، في بشكيك عاصمة قرغيزيا، تعليقاً على العملية البرية المحتملة في غزة، إن «استخدام المعدات العسكرية الثقيلة في المناطق السكنية يحمل تداعيات، في الوقت الذي سيكون فيه تنفيذ تلك العملية من دون المعدات أكثر صعوبة». كيف يمكن فهم تلك العبارات؟ يظهر، كما يبدو، أن موسكو ما زالت تتعامل مع الملف ليس بصفته حدثاً كبيراً يمكن أن يغيّر المنطقة والعالم، بل باعتباره «ورقة من أوراق المواجهة مع الغرب». أي أن موسكو ليست مقتنعة بعد بأن التحرك الإسرائيلي الحالي المستند إلى دعم غربي واضح وكامل يقوم على وضع مقدمات لـ«حل نهائي» للمسألة الفلسطينية، بل باعتبار المواجهة الحالية «واحدة من حلقات الصراع المتكررة».

وهذا في الواقع ما بدا من تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عندما قال إن روسيا «تأمل أن يأخذ الجميع على محمل الجد الالتزام بإنشاء دولة فلسطين، بعد انتهاء المرحلة الساخنة من الصراع الحالي في الشرق الأوسط». وشدد على «ضرورة التزام طرفي النزاع الفلسطيني الإسرائيلي باحترام القانون الإنساني وتجنب الاستخدام العشوائي للقوة وأن يتحلى الجميع بالمسؤولية الجدية لتنفيذ قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن إنشاء دولة فلسطينية على أساس المبادئ التي وافقت عليها الأمم المتحدة».

لقاء سابق بين بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكرملين عام 2020 (أ.ب)

حملت تلك العبارات تكراراً حرفياً لكلام بوتين أمام قمة الرابطة المستقلة، عندما قال إن «هدف المفاوضات المقبلة يجب أن يكون تنفيذ صيغة الأمم المتحدة، التي تنطوي على إنشاء دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، تتعايش في سلام ووئام مع إسرائيل (...) التي نرى أنها تعرضت لهجوم غير مسبوق في قسوته، وبالطبع لها الحق في الحماية، ولها الحق في ضمان وجودها السلمي، وفي الوقت نفسه، فإن الخسائر في صفوف المدنيين (...) غير مقبولة على الإطلاق». اللافت هنا ليس أن بوتين تعمّد أمام نظرائه الرؤساء إعلان تفهمه لخطوات إسرائيل خلافاً لتصريحات سابقة أمام وسائل الإعلام، بل الأهم من ذلك أنه تحدث عن «مفاوضات مقبلة» ليس مفهوماً كيف يمكن أن تنضج مقوماتها في الظروف الراهنة.

في هذه الأثناء، تواصل وسائل الإعلام الروسية محاولة تلمّس آفاق تطور الموقف، وسط قناعة كاملة بأن الحرب على غزة ستكون حاسمة هذه المرة.

ونقلت وكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية عن مستشار السياسات، فلاديمير بروتر، إن الغرض الرئيسي من جولة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في المنطقة وضع ترتيبات المرحلة بعد العملية البرية في غزة، ملاحظاً أن واشنطن لم تبدِ حماسة مباشرة للعملية، لكن إسرائيل سعت إلى إقناعها بأنها تشكل نقطة تحول أساسية ومهمة في الصراع. وزاد: «ستضطر واشنطن إلى الموافقة على تنفيذها، لأنه لا يوجد حل آخر للوضع الإسرائيلي الراهن».


مقالات ذات صلة

«الحرب تُغير المنطقة»... «حماس» إلى تجميد مسار انتخاب رئيسها

خاص فلسطينيون يلوحون بأعلام «حماس» خلال استقبال أسرى فلسطينيين في رام الله بالضفة الغربية نوفمبر 2023 (أ.ف.ب) p-circle

«الحرب تُغير المنطقة»... «حماس» إلى تجميد مسار انتخاب رئيسها

بعدما كانت «حماس» بصدد انتخاب رئيس لمكتبها السياسي، تحدثت مصادر كبيرة في داخل وخارج غزة إلى «الشرق الأوسط» عن اتجاه «شبه نهائي» لتجميد المسار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تبكي لدى زيارة قبور أقاربها في خان يونس جنوب قطاع غزة... الجمعة (إ.ب.أ)

آثار الحرب تخيّم على أجواء عيدَي الفطر والأم في قطاع غزة

ظلَّت آثار الحرب حاضرةً وخيَّمت على أجواء العيد في قطاع غزة، خصوصاً بعد أن شدَّدت إسرائيل مجدداً من إجراءاتها على إدخال البضائع؛ بحجة الظروف الأمنية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية- رويترز)

خاص مصادر لـ«الشرق الأوسط»: خالد مشعل تواصل مع فصائل غزة لبحث مصير السلاح

تواصل حركة «حماس» إجراء مشاورات داخلية، ومع الفصائل الفلسطينية، بشأن مصير السلاح في قطاع غزة الذي تنص خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على نزعه بشكل كامل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يقف بجوار مركبات عسكرية بالقرب من حدود إسرائيل مع قطاع غزة 1 مايو 2024 (رويترز)

إسرائيل تعلن اغتيال قائد لواء شمال غزة في منظومة «حماس» البحرية

أعلن الجيش الإسرائيلي أنه وجهاز الشاباك قضيا، يوم الاثنين، على قائد لواء شمال قطاع غزة في المنظومة البحرية التابعة لحركة «حماس» يونس محمد حسين عليان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي طائرة تحلق وسط تصاعد الدخان عقب غارة إسرائيلية على بيروت في 17 مارس 2026 (رويترز) p-circle

الأمم المتحدة: التهديدات الإسرائيلية للبنان بمصير يشبه غزة «غير مقبولة»

عدّت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الثلاثاء، تصريحات وزير إسرائيلي من اليمين المتطرف «غير مقبولة».

«الشرق الأوسط» (جنيف)

الأردن يرفض تمديد إقامة دبلوماسي إيراني ومنح اعتماد لآخر

وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي (رويترز)
وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي (رويترز)
TT

الأردن يرفض تمديد إقامة دبلوماسي إيراني ومنح اعتماد لآخر

وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي (رويترز)
وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي (رويترز)

أعلن وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، اليوم (الأربعاء)، أنّ بلاده رفضت تمديد إقامة دبلوماسي إيراني في عمّان، كما رفضت منح اعتماد لآخر، مع تواصل الضربات الإيرانية نحو الأردن والمنطقة رداً على الهجوم الإسرائيلي الأميركي على طهران.

وقال الصفدي، في مقابلة مع قناة «المملكة» الرسمية، إن «الأردن رفض تمديد إقامة أحد الدبلوماسيين الإيرانيين، كما رفض منح اعتماد لآخر، في رسالة واضحة تعبّر عن موقفه من السياسات الإيرانية».

وأضاف أن «الأردن كان منفتحاً على الحوار مع إيران قبل الحرب بهدف بناء علاقات طيبة، شريطة وقف إيران الممارسات التي تهدّد أمن الأردن واستقراره والدول العربية».

وأوضح الصفدي أن بلاده «تعرضت لأكثر من 240 صاروخاً وطائرة مسيرة إيرانية خلال الأيام الـ26 الماضية»، مشيراً إلى أن «هذا يمثل خطراً حقيقياً».

وأكد أن بلاده تقدمت بشكوى إلى الأمم المتحدة بشأن الاعتداءات الإيرانية «بهدف حفظ حقنا في التعامل مع هذه الاعتداءات والمطالبة بتعويضات عن الأضرار الناجمة عنها، إضافة إلى تثبيت حقنا في الدفاع عن النفس».

وأشار إلى أن «الأردن أبلغ الإيرانيين بضرورة التوقف عن استهداف أراضيه، لأننا لسنا طرفاً، ولم تبدأ الحرب من عندنا».

وأوضح الصفدي أن «الأردن لا يوجد فيه قواعد أجنبية، ولكن يوجد فيه قوات عسكرية لدول صديقة (...)، ضمن اتفاقيات دفاع واضحة زادت منذ الحرب على الإرهاب في المنطقة».


مصدر لـ«الشرق الأوسط»: القاهرة ستستقبل وتدرب آلاف المرشحين للعمل بشرطة غزة

أعضاء من كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة «حماس» وكتائب القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي ينتشرون عند التقاطعات في غزة (أ.ف.ب)
أعضاء من كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة «حماس» وكتائب القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي ينتشرون عند التقاطعات في غزة (أ.ف.ب)
TT

مصدر لـ«الشرق الأوسط»: القاهرة ستستقبل وتدرب آلاف المرشحين للعمل بشرطة غزة

أعضاء من كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة «حماس» وكتائب القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي ينتشرون عند التقاطعات في غزة (أ.ف.ب)
أعضاء من كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة «حماس» وكتائب القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي ينتشرون عند التقاطعات في غزة (أ.ف.ب)

أكَّد مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، أن وزارة الداخلية المصرية ستستقبل آلافاً من المرشحين للعمل في الشرطة الفلسطينية التي ستضمن الأمن في قطاع غزة، وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار.

وقال المصدر، إن المرشحين سيصلون خلال أسبوع إلى القاهرة ويتم توزيعهم على معاهد وإدارات التدريب، وسيخضعون لتدريبات على كل أنواع العمل الشرطي لمدة 6 أسابيع، مشيراً إلى أن عدداً آخر من المرشحين سيتوجه إلى الأردن لحضور برامج مشابهة.

ولفت المصدر، إلى أن الاتحاد الأوروبي هو الجهة التي تتولى الإشراف على هذه العملية وتنسيقها مع السلطات المصرية، كما يتولى تمويل البرنامج التدريبي الذي يُضاف لتدريبات سابقة تمت بمصر والأردن.

واعتبر أن التدريب «يعكس عزم الأطراف في المضي قدماً نحو تنفيذ بنود الاتفاق، مع حرص الدولة المصرية على عدم نسيان أو تهميش هذا الملف الحيوي».

ويأتي المسار التدريبي ضمن ترتيبات يعمل عليها الممثل السامي لقطاع غزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ميلادينوف، بشأن مستقبل القطاع، وفق آليات تبادلية وتدريجية، غير أنها تترقب مسار النقطة الأبرز المتعلقة بنزع سلاح من قطاع غزة وعلى الأخص الحركات المسلحة، وفي مقدمتها «حماس».

ويذهب خبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة لا يزال تحت الضوء ولم يبتعد كثيراً رغم انشغال واشنطن بحرب إيران، غير أن هناك مخاوف بشأن مسار نزع السلاح، وإمكانية تنفيذه.

مسار تبادلي وتدريجي

وقال ميلادينوف، في كلمة أمام مجلس الأمن مساء الثلاثاء، إنه بالاتفاق مع ضامني اتفاق وقف إطلاق النار - الولايات المتحدة ومصر وتركيا وقطر - وضع إطار عمل شاملاً لنزع السلاح وإعادة إدماج الجماعات المسلحة، كشرط لبدء الإعمار.

ووفق ما نقله موقع الأمم المتحدة، فإن إطار العمل يقوم على 5 مبادئ؛ أولها بحسب ملادينوف «التبادلية»، حيث سيتم نزع السلاح بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي المرحلي، والثانية الترتيب عبر التعامل أولاً مع أخطر الأسلحة والصواريخ والذخيرة الثقيلة والمعدات المتفجرة والبنادق الهجومية لدى الجماعة المسلحة، وتحييد الأنفاق. ثم التعامل أخيراً مع الأسلحة الشخصية عبر عملية تسجيل وجمع.

نيكولاي ميلادينوف الممثل السامي لـ«مجلس السلام» لغزة خلال كلمة في منتدى دافوس 22 يناير 2026 (أ.ب)

وتشمل المبادئ الأخرى، التحقق من نزع السلاح وتوفير تدابير عفو وبرامج إدماج للمرتبطين بالجماعات المسلحة، مع تمديد الأطر الزمنية لتنفيذ ذلك عندما تبذل الأطراف مساعيَ حميدة، وفق ملادينوف، مقدماً الشكر لمصر على موافقتها على أن تكون الشريك التدريبي الرئيسي لتطوير نواة القوة الشُرطية في غزة.

ويعتقد أستاذ العلوم السياسية المختص بالشأنيين الفلسطيني والإسرائيلي الدكتور طارق فهمي، أن هذه المقاربة التبادلية تتقاطع مع الرؤية الأميركية التي تفصل مستويات السلاح.

وقال فهمي لـ«الشرق الأوسط» إن «الخطة تمضي بضغوط دولية ومن الوسطاء والإطار المطروح في هذا الصدد، وأبدى تخوفه من انتكاسات جرَّاء تصاعد الحرب في إيران»، موضحاً أن مصر استقبلت بالفعل عدة دفعات فلسطينية في أكاديمية الشرطة المصرية وهو ما تم كذلك في الأردن، بهدف إعداد قوة شُرَطية بديلة تعمل بمهنية عالية بالتنسيق مع لجنة التكنوقراط.

واعتبر أن خطة ملادينوف ضرورية في هذا التوقيت لضمان استقرار غزة وحمايتها من تداعيات أي صراع إقليمي محتمل، خاصة في ظل التجاذبات الإيرانية الإسرائيلية الأميركية.

دعم ترمب ضروري

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن الأمر لا يتوقف على تصريحات أو مقترحات خاصة، وأن الموضوع في غزة معقد، خاصة وأن هناك محاولات لا تزال مستمرة لتهجير الفلسطينيين، لافتاً إلى أن نجاح هذه الخطة يتوقف على دعم الرئيس الأميركي دونالد ترمب لها.

ويعتقد مطاوع، أن المقاربة التبادلية التدريجية تعزِّز مسار الاتفاق، خاصة وهي تعطي اطمئناناً للفلسطينيين، وقد يصاحبه وجود للقوات الدولية مما يشجع على الوصول لحل حقيقي، معتبراً أن تدريب قوات جديدة بمصر أمر جيد وأن ثمة هيكلة تتم بشكل احترافي.

وأكدت مصادر من حركة «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، الثلاثاء، تلقي وفدها مقترحاً، قبل أيام، بشأن نزع السلاح من قطاع غزة، من قبل الهيئة التنفيذية لـ«مجلس السلام».

ويتوقع فهمي أن تقبل «حماس» النقاش حول ذلك في ظل الضغوط عليها، لا سيما من الجانبين المصري والتركي والانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، والمخاوف من البيئة الدولية المعقَّدة المرتبطة بحرب إيران، على ألا تبدي اعتراضات جوهرية تعيق مسار الاتفاق.

ويرى مطاوع، أن أبرز المخاوف، تتعلق بعدم وجود ضمانات لتنفيذها، لا سيما من إسرائيل التي عليها التزام الانسحاب التدريجي، وقد لا تفعل ذلك، مشيراً إلى أن استعداد الأطراف لتنفيذ تلك الخطة سينعكس على اتفاق غزة وسيحدد مستقبله.


التوغل الإسرائيلي بجنوب لبنان يلامس الليطاني... ومحاصرة بنت جبيل

متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

التوغل الإسرائيلي بجنوب لبنان يلامس الليطاني... ومحاصرة بنت جبيل

متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

دخلت المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله» الأربعاء، مرحلة أكثر اتساعاً وتعقيداً، مع تكثيف غير مسبوق للغارات الجوية التي تواكب توغلاً برياً اقترب من الوصول إلى ضفاف نهر الليطاني من ناحية الطيبة - ديرسريان، ويتوسع لمحاصرة مدينة بنت جبيل، كبرى مدن جنوب الليطاني.

الدخان يتصاعد من جراء اعتراض صاروخ إيراني فوق منطقة ساحل علما في جبل لبنان (رويترز)

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أعلن المصادقة على أهداف عسكرية جديدة في لبنان، مشيراً إلى أن الجيش الإسرائيلي سيتحرك للسيطرة على المنطقة حتى نهر الليطاني. وأكد أن القتال ضد «حزب الله» سيستمر بشكل مستقل عن أي مسار مرتبط بإيران، في وقت نقلت فيه وسائل إعلام إسرائيلية عن مصادر عسكرية تأكيدها استمرار العمليات دون ربطها بالملف الإيراني.

محاولات التوغل

وبدأ الجيش الإسرائيلي بالتمهيد لمحاصرة مدينة بنت جبيل، كبرى مدن جنوب الليطاني، حيث تشير محاور التوغل إلى أنه يتقدم من ثلاث جهات، الشرقية من ناحية مارون الراس ويارون اللتين ربط سيطرته فيهما، والثاني من المحور الشمالي عبر عيترون باتجاه أطراف عيناثا، والثالث من المحور الغربي إذ تقدم من القوزح وعيتا الشعب وراميا، باتجاه دبل التي أحكم سيطرته عليها، ويقاتل على أطراف بيت ليف لقطع خطوط إمداد واسعة عن بنت جبيل.

بالموازاة، أحرزت القوات الإسرائيلية تقدماً من الطيبة باتجاه دير سريان التي نفذ فيها سلاح الجوي غارات عنيفة ومتزامنة، في محاولة للتقدم باتجاهها والنزول إلى ضفة الليطاني، بما يمكنه من إطلاق هجمات على وادي الحجير وعزله عن الإمدادات بالأودية من الجهة الشمالية.

وفي السياق نفسه، أحرزت القوات الإسرائيلية تقدماً باتجاه الأحياء الشمالية لمدينة الخيام في القطاع الشرقي، وبات القتال في آخر جيوب في المنطقة، وسط قصف مدفعي إسرائيلي، يوازيه قصف مدفعي من «حزب الله» إلى القوات المتمركزة في الأحياء الشرقية والجنوبية لبلدة الخيام.

وبعد سيطرته على مزرعة حلتا على السفح الغربي لجبل الشيخ، أعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، أنه اعتقل قائد خلية في تنظيم «سرايا المقاومة اللبنانية»، خلال عملية ليلية خاصة نفذتها وحدة «إيغوز» في منطقة مزارع شبعا جنوبي لبنان، مشيراً إلى أن العملية جاءت بعد متابعة استخبارية، وأن المعتقل نُقل إلى داخل إسرائيل للتحقيق.

غارات متزامنة على محاور متعددة

ميدانياً، شهد جنوب لبنان الأربعاء تصعيداً جوياً ومدفعياً واسعاً، مع سلسلة غارات وقصف طال عشرات البلدات في أقضية بنت جبيل وصور والنبطية ومرجعيون، في موازاة تحليق مكثف للطيران الحربي والمسيّر.

وتعرضت أطراف بنت جبيل ومارون الراس ويارون لقصف مدفعي، فيما شنَّ الطيران الحربي غارات على حانين والبرغلية وتول، واستهدف منازل في حاريص وكفرا وحنية. وامتد القصف إلى جويا ودبعال والدوير، بينما طالت المدفعية وادي الغندورية وفرون والخيام. كما شملت الغارات عربصاليم ورشاف والقليلة والحنينة، إضافة إلى حاروف وأرنون والشرقية، حيث دُمّر منزل بالكامل.

صورة التُقطت من منطقة مرجعيون في لبنان تظهر دخاناً يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية كفر تبنيت في جنوب البلاد 24 مارس الحالي (أ.ف.ب)

وأسفرت الغارات عن سقوط قتلى وجرحى، إذ أدت غارة على منزل في باتوليه إلى مقتل شخص وإصابة آخر، فيما أوقعت غارة على منزل بين زوطر الشرقية والغربية قتيلين ودمَّرت المبنى بالكامل. كما استُهدفت محطة محروقات عند المدخل الشرقي لبلدة الدوير، مما أدى إلى احتراقها وتدميرها جزئياً.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن الضربات شملت أيضاً محطات وقود تابعة لشركة «الأمانة»، التي يقول إنها تشكّل مصدراً مالياً رئيسياً لـ«حزب الله»، مؤكداً أن استهدافها يندرج ضمن خطة لضرب مصادر التمويل وتقويض القدرات التشغيلية للحزب.

حصيلة الضحايا ترتفع

وأفادت وزارة الصحة اللبنانية بسقوط 9 قتلى و47 جريحاً في غارات استهدفت مناطق عدة، بينها عدلون حيث سقط 4 قتلى، ومخيم المية ومية الذي استُهدفت فيه شقة سكنية، إضافة إلى بلدة حبوش التي شهدت سقوط 3 قتلى وعدد من الجرحى.

وبذلك ترتفع الحصيلة الإجمالية منذ بداية التصعيد إلى 1094، والجرحى إلى 3119 إلى جانب نزوح يفوق المليون شخص من المناطق المستهدفة.

ردّ واسع بالصواريخ والمسيّرات

وأعلن «حزب الله»، الأربعاء، تنفيذ سلسلة عمليات عسكرية واسعة استهدفت مواقع وتجمعات وآليات للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان وشمال إسرائيل والجولان، مستخدماً الصواريخ والمسيَّرات الانقضاضية والصواريخ الموجَّهة وقذائف المدفعية.

وقال الحزب، في بيانات متلاحقة، إنه استهدف تجمعات لجنود وآليات إسرائيلية في بلدات القوزح ودبل وبيت ليف والناقورة وعلما الشعب مارون الراس والطيبة، قبل أن يوسّع نطاق ضرباته لتشمل مستوطنة كريات شمونة. وتركّزت العمليات لاحقاً في القوزح، حيث أعلن استهداف دبابتَي «ميركافا» بصواريخ موجَّهة، وقصف تجمعات للجنود بالصواريخ والمدفعية، إضافة إلى استهداف مروحية عسكرية بصاروخ دفاع جوي أثناء محاولتها إخلاء إصابات، مما أدى إلى تراجعها.