«اليرموك»... الغلاء يوقف العودة وآثار «مجزرة الميغ» لا تزال ماثلة

«الشرق الأوسط» تستطلع وضع مخيم اللاجئين الفلسطينيين جنوب دمشق بعد 5 سنوات على «التحرير»

سوق شارع لوبيا في اليرموك (الشرق الأوسط)
سوق شارع لوبيا في اليرموك (الشرق الأوسط)
TT

«اليرموك»... الغلاء يوقف العودة وآثار «مجزرة الميغ» لا تزال ماثلة

سوق شارع لوبيا في اليرموك (الشرق الأوسط)
سوق شارع لوبيا في اليرموك (الشرق الأوسط)

تسببت موجة الغلاء الفاحش الأخيرة، في توقف شبه كامل لعودة نازحي مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين الواقع جنوب دمشق إلى منازلهم في المناطق الصالحة للسكن، نتيجة التكاليف الباهظة لإعادة الترميم، بعد الارتفاع الخيالي للأسعار، في وقت لا يزال أكثر من نصف مساحة المنطقة غارقاً في الدمار وآثار «مجزرة الميغ» ماثلة. وسط هذه الحال، تتزايد عروض يتلقاها النازحون وتجار المخيم، لبيع منازلهم ومحالهم التجارية بأسعار بخسة، تزامناً مع استمرار بطء الإجراءات الحكومية في إعادة تأهيل المنطقة، على الرغم من مضي أكثر من خمس سنوات على استعادة السيطرة عليها!. وبعد حديث نازحين من المخيم عن توقف أغلبية العائلات الحاصلة على «موافقات أمنية» بالعودة، عن عمليات ترميم منازلها بسبب ارتفاع أسعار مواد ومستلزمات الترميم عدة أضعاف، قامت «الشرق الأوسط» بجولة شملت أغلب مناطق المخيم حيث الانتشار الواسع لأصوات «تكسير» أسقف المنازل المنهارة من قبل «العفيشة» لاستخراج الحديد منها، مع مشاهدة العديد من الأشخاص في الطرقات وهم يحملون كميات من الحديد على دراجات عادية، بينما كانت شاحنات صغيرة وكبيرة متوقفة أمام مبانٍ يتم تحميل كميات الحديد المنهوب فيها.

سوق شارع لوبيا في اليرموك (الشرق الأوسط)

في مقابل ذلك، يختفي كلياً مشهد الشاحنات الصغيرة وهي محملة بمواد ومستلزمات الترميم (إسمنت، رمل، بلوك، أبواب، نوافذ...) وهي داخلة إلى المخيم. كما لوحظت ندرة سماع أصوات أصحاب مهن الترميم (بلاط، نجار، طيان...) وأصوات معداتهم، التي عادة ما تصدر من داخل الأبنية وتسمع في الطرقات. واستعاد النظام السوري السيطرة على المخيم الواقع على بُعد أكثر من سبعة كيلومترات جنوب دمشق، وتبلغ مساحته نحو كيلومترين مربعين، في مايو (أيار) 2018، عقب سيطرة فصائل المعارضة المسلحة، ومن ثم «داعش» و«هيئة تحرير الشام» أواخر عام 2012. وقد تسببت المعارك التي دارت فيه بحجم دمار تتجاوز نسبته 60 في المائة من الأبنية والمؤسسات والأسواق والبنى التحتية، وألحقته محافظة دمشق بها إدارياً خلال سنوات الحرب، بعدما كانت تديره منذ ستينات القرن الماضي «لجنة محلية» بشكل مستقل. حينها، تم منع نازحي المخيم من العودة إلى منازلهم، وانتشرت عمليات نهب وسرقة (تعفيش) محتوياتها ومكوناتها، حتى باتت الشقق الصالحة للسكن من الناحية الإنشائية والمحال التجارية في حالة قيد الإنشاء نتيجة «تعفيش» محتوياتها ومكوناتها من قبل عناصر جيش النظام وميليشياته، ووصل الأمر إلى هدم أسقف أبنية صالحة للسكن من أجل نهب الحديد الذي في داخلها.

سوق شارع صفد في اليرموك (الشرق الأوسط)

ويتوزع المخيم على ثلاثة أقسام: الأول المخيم القديم، ويمتد من مدخل المخيم الشمالي (بداية شارع اليرموك الرئيسي) حتى شارع المدارس جنوباً (منتصف المخيم)، ومن شارع اليرموك الرئيسي غرباً وفلسطين شرقاً؛ والثاني يسمى منطقة غرب اليرموك ويمتد من مدخل المخيم شمالاً (دوار البطيخة) وحتى سوق السيارات جنوباً، ومن شارع اليرموك الرئيسي شرقاً حتى شارع الثلاثين غرباً. أما القسم الثالث، فيسمى منطقة التقدم، ويمتد من سوق السيارات شمالاً حتى مقبرة الشهداء جنوباً، ومن منطقة دوار فلسطين شرقاً وحتى حدود المخيم المحاذية للحجر الأسود غرباً. مع الدخول إلى شارع اليرموك الرئيسي من الجهة الشمالية، الذي تم فتحه قبل نحو أربعة أعوام مع شارعي الثلاثين وفلسطين على نفقة «منظمة التحرير الفلسطينية»، كانت هناك حركة ضعيفة للسيارات الخاصة والمارة، مع عدم ظهور علامات على تزايد عدد الشقق المسكونة في الأبنية على جانبي الطريق.

جامع عبد القادر الجزائري الذي حصلت فيه مجزرة الميغ في اليرموك (الشرق الأوسط)

توقف العودة في المخيم القديم الواقع شرقي شارع اليرموك الرئيسي، وهي المنطقة الأقل تضرراً ويتركز فيها معظم النازحين العائدين إلى منازلهم، يوضح لنا شاب وهو جالس أمام بوابة منزله أنه «لا يراد للمخيم أن يعود كما كان»، إلا أن كثيراً من العائلات وتحت وطأة الضغوط المعيشية «كانت مندفعة وتجري عمليات ترميم لمنازلها تمهيداً للعودة، ولكن الأغلبية توقفت بسبب ارتفاع ثمن المواد بشكل كبير». فيصل، وهو اسم مستعار لرب عائلة وأثناء تفقده لمنزله في المخيم القديم، ذكر أنه كان يرمم منزله للعودة إليه بعدما أرهقه بدل الإيجار، لكن ارتفاع أسعار المواد «بشكل غير معقول» أجبره على التوقف.

مدرسة الفالوجة التابعة لوكالة الغوث بعد الترميم في اليرموك (الشرق الأوسط)

يقول فيصل لـ«الشرق الأوسط»: «قبل شهرين كانت تكلفة ترميم شقتنا نحو 40 مليون ليرة، وقد استدنت جزءاً كبيراً من المبلغ من الأقارب والأصدقاء، وركّبت البوابة الخارجية للبناء والسيراميك والبلاط في الشقة، وتبقى الأبواب والنوافذ والتمديدات الصحية والكهربائية ودهان (طلاء) الجدران». ويضيف: «اليوم ومع هذه الأسعار، أحتاج لـ100 مليون على الأقل، وهذا مبلغ لا قدرة لدي على تأمينه فتوقفت، ومعظم من يرممون منازلهم توقفوا». وتشهد مناطق الحكومة السورية تسارعاً في التدهور الاقتصادي والمعيشي بعد الانهيار الكبير في سعر صرف الليرة أمام الدولار منذ أواخر يونيو (حزيران) الماضي، حيث وصل إلى نحو 16 ألف ليرة أمام الدولار الواحد، مما أدى إلى موجة ارتفاع عاتية في عموم الأسعار التي زاد بعضها مائة في المائة وبعضها 200 في المائة ووصل بعضها إلى 300 في المائة. ومما زاد الطين بلة، ترافق ذلك مع إصدار الحكومة حزمة قرارات برفع أسعار المحروقات بنسبة 150 إلى 200 في المائة، الأمر الذي زاد ارتفاع الأسعار بشكل حاد، مما أدى إلى حالة من القلق والغليان في عموم سوريا وخروج احتجاجات حاشدة في محافظة السويداء جنوب البلاد وإعلان الإضراب العام، وانضمام قرى وبلدات في درعا إليها، كما شهدت مناطق متفرقة في ريف دمشق والقلمون ودير الزور احتجاجات مماثلة.

مقبرة الشهداء في آخر شارع التقدم في اليرموك وتظهر أن الدمار على حاله فيها (الشرق الأوسط)

بطء حكومي في إعادة الخدمات

وعلى الرغم من صدور عدة قرارات رسمية بإعادة النازحين من المخيم إلى منازلهم بعد سنوات من سيطرة النظام عليه، وتوجيهات محافظ دمشق محمد كريشاتي قبل نحو عام بـ«الإسراع بتقديم الخدمات للقاطنين في التجمعات السكنية بمخيم اليرموك»، فإن أكثر من ناشط من أهالي المخيم أكد أن عدد العائلات التي حصلت على موافقات أمنية للعودة لا يتجاوز 1600 من أصل أكثر من 6 آلاف طلب، بينما لا يتعدى عدد العائلات التي عادت إلى منازلها بشكل فعلي 600 عائلة بسبب افتقاد المنطقة للخدمات الأساسية، علماً أن عدد سكان المخيم قبل اندلاع الحرب في عام 2011، كان ما بين 500 و600 ألف نسمة بينهم أكثر من 160 ألف لاجئ فلسطيني. ويلاحظ أن أعمال محافظة دمشق في المخيم بطيئة جداً، واقتصرت حتى الآن على ترميم شبكة مياه الشرب في المخيم القديم، بينما لا وجود لشبكات الكهرباء، مع مشاهدة عدد من الحافلات الصغيرة تعمل في نقل القاطنين من المخيم إلى خارجه والعودة بهم إليه، إضافة إلى منح المحافظة عدداً من الأشخاص رخصة «معتمد بيع خبز». وبينما بدا أن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أنهت ترميم مدرسة الفالوجة في شارع المدارس شمال المخيم القديم وتواصل ترميم أخرى، لا يزال الدمار على حاله في جامع عبد القادر الجزائري شمال المخيم القديم، الذي استهدفته طائرة من طراز «ميغ» في 16 ديسمبر (كانون الأول) عام 2012 وهو مليء بمئات العوائل التي نزحت إلى المخيم هرباً من القصف الذي استهدف الأحياء المجاورة له، مما أسفر حينها عن عشرات الضحايا والجرحى جلهم من الأطفال والنساء وحصول موجة النزوح الكبرى منه. وباتت تلك الضربة تعرف عند اللاجئين الفلسطينيين في سوريا بـ«مجزرة الميغ» أو «مجزرة جامع عبد القادر الحسيني».

شارع العروية في حي التقدم ويظهر أن الدمار على حاله

في أسواق المخيم القديم الشهيرة وهي «سوق شارع اليرموك الرئيسي» و«سوق شارع لوبيا» و«سوق شارع صفد»، لا توجد أي علامات تشير إلى إقدام أصحاب المحال التجارية فيها على ترميم محالهم من أجل إعادة افتتاحها، بعدما كانت تلك الأسواق قبل سنوات الحرب تشهد حالات ازدحام خانقة بمتسوقين كانوا يتوافدون إليها من كل مناطق دمشق وحتى من المحافظات الأخرى.

طغيان للدمار والنهب

أما في «شارع الـ30» الرئيسي الذي تم فتحه أمام السيارات والمارة، فلا يزال مشهد الدمار طاغياً في الجهة الشرقية منه، من منازل سُويت بالأرض وأخرى متهاوية وخراب كبير لا يزال على حاله، من دون وجود أي مؤشرات على عودة الأهالي إلى المنطقة أو أية أعمال لجهات حكومية لإعادة خدمات أساسية لها. ولكن مع التعمق في الجادات شرقاً، حيث نسبة الدمار أقل، يلاحظ عودة عائلات قليلة جداً للسكن في منازلها، على الرغم من افتقاد المنطقة للخدمات. المشهد في منطقة التقدم جنوباً شبيه بمشهد الأبنية المطلة على شارع الثلاثين في منطقة «غرب اليرموك»، إذ فيما عدا فتح الطريق الرئيسية وعدد من الطرق الفرعية (شارع دير ياسين، شارع العروبة) لا يزال مشهد الدمار هو الطاغي على المنطقة الممتدة من سوق السيارات شمالاً، وحتى مقبرة الشهداء جنوباً، التي مازال الدمار فيها على حاله، مع ندرة وجود قاطنين في المنطقة بسبب الدمار الكبير الذي طال عمقها أيضاً. وبينما تراجعت عمليات نهب الحديد من أسقف المنازل المنهارة من قبل «العفيشة» في شارع الثلاثين، تنشط بشكل كبير في منطقة التقدم، إذ تشاهد أكوام الحديد أمام الأبنية ووسط الطرقات مع وجود شاحنات صغيرة وكبيرة من أجل نقلها.

إشارات استفهام وتعجب

وبعدما يلفت أحد النشطاء إلى أن كثيراً من المناطق التي استعاد النظام السيطرة عليها عاد الأهالي إلى منازلهم، وتمت إعادة الخدمات الأساسية إليها، ومنها في ريف العاصمة القريب من المخيم، يرى أن «هناك إشارات استفهام وتعجب» إزاء إهمال المحافظة لمسألة إعادة الخدمات الأساسية للمخيم وترافق هذا الأمر مع «عروض كثيرة يتلقاها نازحو وتجار المخيم من أشخاص غير معروفين لبيع منازلهم ومحالهم التجارية بأسعار لا تذكر، قياساً بالأسعار الرائجة حالياً». وتمت اللبنات الأولى لإقامة مخيم اليرموك عام 1957، ومع توسع دمشق أصبح جزءاً أساسياً من مكوناتها الجغرافية والديموغرافية. وبات مخيم اليرموك أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في كل من سوريا ولبنان والأردن، ورمزاً لـ«حق العودة». كما يُعرف بـ«عاصمة الشتات الفلسطيني» لأنه يضم 36 في المائة من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، البالغ عددهم قبل الحرب أكثر من 450 ألف لاجئ.


مقالات ذات صلة

عودة «داعش» تجدد قلق الليبيين على وقع تحذير أميركي

شمال افريقيا مقاتل ليبي خلال المواجهات ضد «داعش» في سرت عام 2015 (أرشيفية-رويترز)

عودة «داعش» تجدد قلق الليبيين على وقع تحذير أميركي

عاد «شبح داعش» ليثير قلقاً بين الليبيين بعد عشر سنوات على سقوط ما كانت تعرف بـ«إمارة التنظيم» في سرت، مدفوعاً بتحذيرات أميركية

علاء حموده (القاهرة )
أفريقيا جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر «بجاجي» في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

«داعش» يهدد بإحراق مدينة في نيجيريا

هدّد تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» بحرق مدينة مالام فاتوري، الواقعة في أقصى شمال شرقي نيجيريا، وذلك بعد أسبوع من مقتل 75 من عناصر التنظيم الإرهابي.

الشيخ محمد (نواكشوط)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

السوداني: مهمة التحالف الدولي ضد «داعش» في العراق ستنتهي في موعدها

أكّد رئيس الوزراء العراقي، محمّد شياع السوداني، أن انتهاء مهمة التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن لمحاربة تنظيم «داعش» سيتمّ في موعده المقرر في سبتمبر (أيلول).

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية لفت تقرير لمفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إلى ضرورة إنقاذ الأطفال الموجودين في مخيم «روج» (أ.ف.ب)

تركيا تفاوض دمشق لنقل أكثر من 250 امرأة وطفلاً من عوائل «داعش» في «روج»

كشفت مصادر تركية عن مفاوضات مع دمشق لنقل أكثر من 250 امرأة وطفلاً من الجنسية التركية من مخيم «روج» في الحسكة شمال شرقي سوريا خلال الأشهر المقبلة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أفريقيا شاحنة للشرطة النيجيرية خارج السوق في مدينة مايدوغوري بعد الانفجارات الانتحارية الثلاثاء الماضي (رويترز)

نيجيريا: ضربات جوية ضد معاقل «داعش» والقضاء على عشرات الإرهابيين

أعلن الجيش النيجيري أن العمليات الجوية المستمرة في جبهات عدة تركز على حرمان الجماعات الإرهابية والإجرامية من حرية الحركة داخل البلاد.

الشيخ محمد (نواكشوط)

بارو يحمّل «حزب الله» مسؤولية جرّ لبنان إلى الحرب

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

بارو يحمّل «حزب الله» مسؤولية جرّ لبنان إلى الحرب

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)

يتزايد الضغط الدولي والدعوات الداخلية لتحييد لبنان عن أتون الحرب، مع اتساع رقعة المواجهة، وتفاقم الخسائر البشرية والمادية، وهو ما عبَّر عنه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الذي حمّل «حزب الله» مسؤولية انجرار لبنان إلى الحرب، مؤكداً أن «لبنان لا يمكن أن يكون ساحة اقتتال لدول أخرى».

وأشار بارو إلى أن «لبنان لم يكن من المفترض أن ينجر إلى هذه الحرب»، معتبراً أن قرار الانخراط فيها «اتُّخذ من قبل الحزب»، وثمَّن في المقابل «قرارات الحكومة اللبنانية بشأنه».

ودعا بارو إسرائيل إلى «الامتناع عن شن أي عملية برية أو استهداف البنى التحتية المدنية والمناطق المكتظة بالسكان، لا سيما بيروت»، في محاولة فرنسية للموازنة بين الضغط السياسي والتحذير من تداعيات التصعيد العسكري.

وتندرج مواقف بارو ضمن سياق أوسع من التحرّك الدبلوماسي الفرنسي الهادف إلى منع توسّع الحرب، في ظل مخاوف من انهيار الاستقرار الهش في لبنان، وما قد يرافقه من تداعيات أمنية وإنسانية على الداخل اللبناني وعلى المنطقة كلها، في وقت تتقاطع فيه التحذيرات من انزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.

أطفال لبنان يحتفلون بأحد الشعانين (إ.ب.أ)

الراعي: نداء للسلام

داخلياً، ارتفعت نبرة التحذير من التكلفة الإنسانية للحرب؛ إذ أطلق البطريرك الماروني بشارة الراعي نداءً صريحاً لوقف العنف، قائلاً: «كفى حرباً وقتلاً وتدميراً»، مشدداً على أن «قوة الإنسان في تمسكه بالحق والسلام».

وفي عظة أحد الشعانين من الصرح البطريركي في بكركي، رسم الراعي صورة قاتمة للواقع الميداني، متحدثاً عن «أطفال قصفت أعمارهم صواريخ الحرب»، وعن عائلات مشرّدة تعاني البرد والمطر من دون مقومات الحياة الأساسية، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية المتفاقمة.

وأشاد بالدور الإغاثي الذي تقوم به المؤسسات والأفراد، مع إشارة خاصة إلى المساعدات التي وصلت من مصر، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الدعم الإنساني مع استمرار النزوح من المناطق الحدودية.

كما توقف عند سلسلة الخسائر البشرية، مشيراً إلى سقوط مدنيين وصحافيين وعناصر من الطواقم الطبية والجيش اللبناني، مستحضراً حادثة مقتل مواطن ونجله في جنوب البلاد، في دلالة على اتساع دائرة الاستهدافات، وتداخل المدني بالعسكري في مسرح العمليات.

قداس الشعانين في مقر البطريركية المارونية في بكركي برئاسة البطريرك الراعي (الوكالة الوطنية للإعلام)

الشعانين في مواجهة الحرب

وربط الراعي بين رمزية أحد الشعانين والواقع اللبناني، معتبراً أن أغصان الزيتون التي يحملها المؤمنون «ليست مجرد رمز، بل موقف وخيار واضح للسلام»، في مواجهة تصاعد خطاب العنف والانقسام، داعياً اللبنانيين إلى التمسك بالأمل رغم قسوة المرحلة، وإلى اختيار السلام نهجاً ثابتاً، في مقابل «الانزلاق نحو مزيد من التوتر».

وأكد أن «قوة الإنسان لا تكمن في العنف، بل في قدرته على التمسك بالسلام والثبات في الحق»، معتبراً أن «هذه المرحلة تتطلب شهادة حقيقية للسلام على مستوى الأفراد والمجتمع».

ودعا إلى الصلاة من أجل حماية لبنان وأبنائه، ومن أجل تحقيق «سلام عادل وشامل ودائم»، يحفظ البلاد من مزيد من الانهيار.

الجميّل: رجاء بقيامة لبنان

سياسياً، انضم رئيس حزب «الكتائب» سامي الجميّل إلى موجة الدعوات للتهدئة، مؤكداً أن لبنان «سيقوم من جديد رغم كل الألم». وفي رسالة لمناسبة أحد الشعانين، توجّه الجميّل إلى أهالي الجنوب، كاتباً على منصّة «إكس»: «في أحد الشعانين، عيد الرجاء والسلام، نتشبّث أكثر بإيماننا بأنّ النور أقوى من الظلام، وأنّ لبنان سيقوم من جديد رغم كل الألم».

وقال: «في هذه المناسبة، نتوجّه بقلوبنا إلى أهلنا في الجنوب، إلى العائلات التي حُرمت، هذا العام، من الاجتماع حول مائدة واحدة، ومن عيش فرحة العيد كما اعتادت كل سنة. نصلّي أن تعود هذه الأيام محمّلة بالسلام، وأن يجتمع كل بيت من جديد، وأن تبقى العائلة مصدر قوّتنا وصمودنا».

وتعكس هذه المواقف تقاطعاً واضحاً بين الضغوط الدولية والتحذيرات الداخلية، في لحظة دقيقة يمر بها لبنان، حيث تتزايد المخاوف من تحوّل المواجهة الحالية إلى حرب مفتوحة. وفيما تتواصل الاتهامات بشأن مسؤولية التصعيد، تتقدم في المقابل الدعوات إلى حماية المدنيين، ووقف استهداف البنى التحتية، والعمل على تحييد لبنان عن صراعات المحاور، في ظل إدراك متزايد بأن تكلفة الانزلاق الكامل إلى الحرب ستكون باهظة على المستويات كافة.


من بين الأنقاض... متطوعون يُخاطرون لإنقاذ حيوانات في ضاحية بيروت الجنوبية

عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» يتجه إلى ضاحية بيروت الجنوبية في 26 مارس (أ.ف.ب)
عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» يتجه إلى ضاحية بيروت الجنوبية في 26 مارس (أ.ف.ب)
TT

من بين الأنقاض... متطوعون يُخاطرون لإنقاذ حيوانات في ضاحية بيروت الجنوبية

عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» يتجه إلى ضاحية بيروت الجنوبية في 26 مارس (أ.ف.ب)
عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» يتجه إلى ضاحية بيروت الجنوبية في 26 مارس (أ.ف.ب)

يقفز كمال وخليل وريم على دراجتين ناريتين، يرتدون قفازات سميكة، ويحملون صناديق بلاستيكية صغيرة، ويتّجهون نحو ضاحية بيروت الجنوبية في محاولة لإنقاذ الحيوانات الأليفة من بين الركام التي تركها أصحابها خلفهم حين فرّوا على عجل من الغارات الإسرائيلية.

ومنذ بدء الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، والتي أرغمت أكثر من مليون شخص على النزوح، يجوب فريق الإنقاذ التابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» غير الحكومية على الدراجات النارية شوارع ضاحية بيروت الجنوبية التي ضاقت بركام المباني المهدمة بفعل الغارات، محاولين البحث عن الحيوانات العالقة.

تحت المطر، يتوجه الفريق من أحياء بيروت التي اكتظت بالنازحين نحو ضاحيتها الجنوبية المهجورة، للاستجابة إلى نداءين، الأول بحثاً عن قطة منزل قفزت من نافذة محطمة في الطابق الأرضي خوفاً من القصف، وأخرى تبدو عليها أعراض الشلل ربما نتيجة القصف.

عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» ينقل قطة تم إنقاذها إلى مستشفى بيطري في بيروت (أ.ف.ب)

يقول المتطوع خليل حمية (45 عاماً) حين كان يستعدّ للتوجه إلى عمله: «لا نفقد الأمل حين لا نجد القط، لأنه سيعود، فهذا ملجؤه».

على أطراف حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبية، معقل «حزب الله»، يركن عصام عطار سيارة دفع رباعي بانتظار خروج الدراجات النارية التي استقلها زملاؤه لإنقاذ الحيوانات الأليفة، استعداداً لنقلها إلى المستشفى.

وفي ظلّ القصف الإسرائيلي وتقييد «حزب الله» التصوير في الضاحية الجنوبية، لم يكن من الممكن لصحافيي «وكالة الصحافة الفرنسية» الدخول برفقة الفريق إلى الداخل. ويقول عطار عن الحيوانات: «إنها أرواح... لا ذنب لها في الحرب».

«هلع»

منذ بدء الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» مطلع مارس (آذار)، أنقذت فرق «أنيمالز ليبانون» أكثر من 241 حيواناً من جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية.

وأدّت هذه الحرب إلى مقتل أكثر من 1100 شخص، حسب إحصاءات السلطات اللبنانية.

وفي هذه المدينة التي لا صافرات إنذار فيها، يعلم الناس بوجود تحذيرات إسرائيلية تمهيداً لغارات عندما يبدأ إطلاق النار في الهواء بوصفها وسيلة تحذير شعبية.

وتقول مديرة العمليات في «أنيمالز ليبانون» ريم صادق إن إطلاق النار والانفجار الذي يليه يرعبان القطط التي تختبئ من الخوف، ولا تتمكن عائلاتها من العثور عليها بعد ذلك، فيما تهرع لإخلاء منزلها.

عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» ينقل قطة تم إنقاذها إلى مستشفى بيطري في بيروت (أ.ف.ب)

وتشرح ريم صادق: «القطط تصاب بالهلع من أصوات القصف، وقد تصبح عدائية» ومن ثم يصعب التقاطها.

وتضيف: «قد نكون الوحيدين الذين نملك الخبرة لنتمكن من العثور عليها».

ويستحيل إعادة بعض هذه القطط إلى أصحابها الذين باتوا مشردين وينامون تحت خيم في الشوارع أو داخل مراكز إيواء، ولذلك تبقى في عهدة المنظمة.

وزادت الحرب كذلك مهمات المنظمة تعقيداً، فهي تحاول إخراج شبلين من البلاد إلى قبرص، بعدما توقفت رحلات الطيران إلى جنوب أفريقيا.

ويواصل فريق «أنيمالز ليبانون» مهمات الإنقاذ، إلى جانب مهمات إطعام الحيوانات الشاردة وتوزيع الطعام والدواء البيطري في الأماكن التي يقيم فيها النازحون.

ولا تقتصر مخاطر هذا العمل على القصف، بل أحياناً على السلوك العدواني لبعض الحيوانات التي لا «تفهم أحياناً ما الذي نفعله» أثناء محاولة إنقاذها، كما يقول حمية.


التهديد الإيراني للمنشآت التعليمية يربك مجتمع «الأميركية» في بيروت

الجامعة الأميركية في بيروت (أرشيفية - رويترز)
الجامعة الأميركية في بيروت (أرشيفية - رويترز)
TT

التهديد الإيراني للمنشآت التعليمية يربك مجتمع «الأميركية» في بيروت

الجامعة الأميركية في بيروت (أرشيفية - رويترز)
الجامعة الأميركية في بيروت (أرشيفية - رويترز)

أربك التهديد الإيراني باستهداف منشآت أكاديمية أميركية في الشرق الأوسط، الأحد، القطاع التعليمي في لبنان، وهو ما دفع الجامعة الأميركية في بيروت، إلى إبلاغ طلابها بأنه «لا دليل على تهديدات مباشرة ضد جامعتنا»، لكنها اتخذت تدبيراً احترازياً يتمثل في تفعيل نظام التعليم عن بُعد بالكامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وهدد «الحرس الثوري» الإيراني، فجر اليوم (الأحد)، باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفاد بأن ضربات أميركية وإسرائيلية دمّرت جامعتين في إيران.

وقال «الحرس الثوري» في بيان نشرته وسائل إعلام إيرانية: «إذا أرادت الحكومة الأميركية ألا تتعرض هذه الجامعات في المنطقة لردود انتقامية، عليها إدانة قصف الجامعات في بيان رسمي قبل الاثنين 30 مارس (آذار) ظهراً».

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

إجراء احترازي

بعد مزاعم عن اجراءات استثنائية، أبلغت «‏الجامعة الأميركية في بيروت» طلابها وموظفيها برسالة، قالت فيها: «لا يوجد لدينا أي دليل على تهديدات مباشرة ضد جامعتنا أو حرمها الجامعي أو مراكزها الطبية»، حسبما أفادت وكالة الأنباء «المركزية».

لكن الجامعة قالت في الرسالة نفسها: «حرصاً منا على سلامتكم، سنعمل بنظام التعليم عن بُعد بالكامل يومي الاثنين والثلاثاء باستثناء الموظفين الأساسيين»، وهو ما ظهر على أنه إجراء احترازي. وأضافت الرسالة الممهورة بتوقيع رئيس الجماعة فضلو خوري: «بناءً عليه، لن تُعقد أي أنشطة تعليمية أو امتحانات داخل الحرم الجامعي خلال هذين اليومين. لقد كانت وستبقى أولويتنا القصوى هي سلامة مجتمعنا والأشخاص الذين نخدمهم». وحثّ «جميع الأطراف، دون استثناء، على تحييد المؤسسات التعليمية وعدم استهدافها في صراعاتهم».

المركز الطبي التابع للجامعة اللبنانية - الأميركية يقدم خدمات عاجلة للنازحين من الحرب (رويترز)

مؤسستان في بيروت

هناك مؤسستان تعليميتان معنيّتان بشكل أساسي في بيروت؛ هما «الجامعة الأميركية في بيروت»، و«الجامعة اللبنانية - الأميركية». ونفت الأخيرة في رسالة للطلاب، أن تكون تلقت أي إشعار من السلطات اللبنانية حول تحذيرات أمنية، وتعهدت بمواصلة التركيز على مهمتها الأكاديمية والصحية، ضمن الخطط المعلن عنها.

وليل الجمعة - السبت، سُمع دوي انفجارات في طهران طالت جامعة العلوم والتكنولوجيا في شمال شرقي المدينة، وأدت إلى إلحاق أضرار بالمباني من دون وقوع إصابات، حسبما أفادت تقارير إعلامية.

مطار بيروت وأخبار مضللة

في غضون ذلك، ردّت وزارة الأشغال العامة والنقل على «الأخبار المضللة المتزايدة أخيراً عبر بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، التي تتضمّن مزاعم بإقفال المطار أو توقّف الرحلات أو تعرّض الأجواء اللبنانية لمخاطر مباشرة»، مؤكدةً أنّ «مطار رفيق الحريري الدولي - بيروت يعمل بشكل طبيعي، ولا يوجد أي قرار بإقفاله أو تعليق حركة الملاحة الجوية فيه، كما لم تُلغَ الرحلات الجوية على النحو الذي يتم الترويج له».

ووفقاً للمعطيات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للطيران المدني، لا يوجد أي إلغاء جديد لرحلات، وقد تم تسجيل 12 رحلة جوية حتى الساعة الثامنة من صباح الأحد، ما «يؤكد استمرار الحركة التشغيلية ضمن الأطر المعتادة، كما أنّ الأجواء اللبنانية غير مغلقة، وما يُشاع حول استخدام أجواء مطار بيروت لأغراض غير مدنية هو محض ادعاءات عارية تماماً عن الصحة»، بحسب وزارة الأشغال.

أما فيما يتعلق بتراجع عدد الرحلات، فأكدت الوزارة أنّ «ذلك يندرج ضمن السياق العالمي العام المرتبط بالظروف الراهنة التي تشهدها مختلف مطارات المنطقة، ولا يُشكّل مؤشراً استثنائياً خاصاً بلبنان».

وأضافت الوزارة: «تتابع وزارة الأشغال العامة والنقل من كثب، مع الهيئة العامة للطيران المدني، والأجهزة الأمنية المختصة في مطار رفيق الحريري الدولي، حسن سير عمله للحفاظ عليه بوصفه شرياناً أساسياً يربط لبنان بالعالم، ولتأمين التواصل بين اللبنانيين المقيمين والمغتربين، وتحذّر من خطورة تداول الأخبار غير الدقيقة أو المضلّلة، لما لذلك من تداعيات سلبية، وتدعو وسائل الإعلام والمواطنين إلى التحلّي بأعلى درجات المسؤولية، وتوخّي الدقة والحصول على المعلومات حصراً من المصادر الرسمية المعتمدة».