أغلبية سكان دمشق عاجزون عن تأمين متطلبات أبنائهم الدراسية

البعض يتجه إلى الدراسة والعمل... وآخرون يزوجون بناتهم مبكراً

طالبات يدخلن إلى الصفوف الدراسية في أول يوم للسنة الدراسية الأحد (سانا)
طالبات يدخلن إلى الصفوف الدراسية في أول يوم للسنة الدراسية الأحد (سانا)
TT

أغلبية سكان دمشق عاجزون عن تأمين متطلبات أبنائهم الدراسية

طالبات يدخلن إلى الصفوف الدراسية في أول يوم للسنة الدراسية الأحد (سانا)
طالبات يدخلن إلى الصفوف الدراسية في أول يوم للسنة الدراسية الأحد (سانا)

مع بدء العام الدراسي الجديد في مناطق النظام السوري، تسيطر مخاوف على السواد الأعظم في دمشق بشأن مستقبل أبنائهم بسبب عدم القدرة على تأمين متطلباتهم لمتابعة دراستهم، مع تعمق معاناتهم المعيشية إلى قعر جديد طوال الوقت.

وبينما يتوجه البعض إلى زج أبنائه في العمل بالترافق مع مواصلة دراستهم، وآخرون يجبرون على تزويج بناتهم القاصرات، تحمّل باحثة اجتماعية الحكومة، التي أوصلت العملية التعليمية إلى الحضيض، المسؤولية عن عجز الأسر عن تأمين متطلبات أبنائهم، بسبب عدم قدرة الحكومة عن توفير نفقات التعليم، ورمي الجزء الأكبر منها على كاهل الأسر المعدمة مادياً.

وافتتحت المدارس في مناطق سيطرة النظام أبوابها، اليوم الأحد، وتوجه أكثر من 3 ملايين و700 ألف طالب وطالبة إلى مقاعد الدراسة، وفق ما ذكرت وكالة (سانا) الرسمية.

الزي المدرسي للبنين والبنات معروض في محل بدمشق (الشرق الأوسط)

وبخلاف سنوات ما قبل الحرب، عندما كانت معظم الأسواق، تشهد قبل أسبوع من بدء العام الدراسي الجديد، سيولاً بشرية تتزاحم أقدامها على الأرصفة ووسط الأسواق، لشراء احتياجات الأبناء المدرسية، تراجعت الحركة خلال هذا الموسم إلى حد كبير، وبدت الصدمة واضحة على وجوه الناس في الأسواق، بسبب ارتفاع تكاليف مستلزمات الطالب إلى مستويات خيالية لا قدرة لهم عليها، وسط شكوى أصحاب المحال من ضعف غير معهود في الإقبال على الشراء.

استعارة من الأقارب

«أبو يوسف» موظف حكومي وأب لثلاثة أولاد، اثنان في المرحلة الابتدائية والأخر في مرحلة التعليم الثانوي، يؤكد لنا أثناء تواجده في سوق بإحدى مناطق دمشق الجنوبية، أن الموظف ليست لديه القدرة على شراء ملابس مدرسة لولد واحد، في ظل هذه الأسعار التي يمكن تتسبب له «بالصدمة وحتى الجلطة».

ودون أي إخفاء للأمر، يوضح أنه بالنسبة لطفليه الصغيرين تدبر أمرهما بملابس مدرسية قديمة «ماشي حالها» من عند أقاربه، بينما تمكنت زوجته من الحصول على حقيبتين قديمتين من الجيران، ولكن المشكلة بحسب الرجل، في تدبير أمر ابنه بالمرحلة الثانوية.

يضيف الرجل وابنه الذي نجح إلى الصف العاشر إلى جانبه «الراتب 160 ألف و(ثمن) البنطال والقميص الوسط، أكثر من 175 ألف. ومنذ أسبوع أجول على الأسواق وهو معي ولم نشترِ شيئاً لأن الأسعار نار». ويتابع أن هناك جمعية وعدت أمه بأن تؤمن له ثياباً وحذاءً وقرطاسية الأسبوع المقبل، على حين بدا الحزن على وجه ابنه الذي كان يردد وهو يحبس دموعه عبارة «بابا صحتك بالدنيا... بلا المدرسة... بلا المدرسة».

وبينما كانت محال بيع الألبسة المدرسية والحقائب والأحذية بكامل جهوزيتها، لاستقبال الزبائن، لاحظنا أن معظمها كان خالياً إلا من أصحابها والعاملين فيها. يقول لنا أحدهم: «الغالبية تسأل عن الأسعار وعندما تسمع بها تغادر مباشرة. من بين كل 15 زبوناً، قد يشتري واحد قميصاً أو بنطالاً بعد مجادلة طويلة على السعر، فالناس وضعها المادي سيء للغاية»، لافتاً إلى أن أرباحه اليومية بالكاد تغطي بدل إيجار المحل وأجور العمال والضرائب ومصروف عائلته اليومي.

ازدياد شريحة الفقراء

بحسب تقارير أممية صدرت منذ أشهر، يعيش أكثر من 90 في المائة من السوريين تحت خط الفقر، واتسعت هذه الشريحة وفق باحثين محليين، بعد قرار زيادة الرواتب الذي أعلنت عنه الحكومة السورية بداية أغسطس (آب) الماضي، الذي صاحبه قرار آخر بزيادة أسعار الوقود بنسب مضاعفة، مما أدى إلى ارتفاع جديد غير مسبوق بأسعار جميع السلع والخدمات.

تسوق احتياجات التلاميذ من محل في دمشق (رويترز)

وتذكر دراسات أجرتها صحيفة «قاسيون» المحلية، أن متوسط تكاليف المعيشة لأسرة سورية مكونة من خمسة أفراد، قفز خلال النصف الثاني من أغسطس (آب) إلى نحو 10.38 مليون ليرة، مقارنة مع نحو 6.56 مليون ليرة في بداية يوليو (تموز).

أما الحد الأدنى لتكاليف المعيشة، بحسب «قاسيون»، فقد وصل في أغسطس إلى نحو 6.45 مليون ليرة من نحو 4.1 مليون ليرة في الشهر الذي سبقه. في المقابل، ارتفع الحد الأدنى للأجور إلى 185.9 ألف ليرة سورية؛ أي أقل من 13.6 دولار شهرياً.

المستلزمات المدرسية

خلال جولتنا، تبين أن سعر بنطال المرحلتين الثانوية والتعليم الأساسي - الحلقة الثانية (من الصف السابع حتى التاسع)، يتدرج حسب الجودة من 80 ألف ليرة إلى 200 ألف، والقميص من 65 ألف حتى 150 ألف، بينما الأحذية تتراوح أسعارها ما بين 50 و100 ألف، والحقائب ما بين 100 ألف إلى 200 ألف، واللباس الرياضي ما بين 100 ألف و200 ألف.

وبذلك تصل تكلفة شراء لوازم الطالب الواحد، من لباس مدرسي وحذاء وحقيبة ولباس رياضي بالحد الأدنى، إلى 400 ألف ليرة سورية.

ولا تنته تكاليف مستلزمات الطالب عند ذلك، فهو بحاجة إلى القرطاسية التي ارتفعت أسعارها بشكل كبير، وقد تكون بحاجة الى تجديدها أكثر من مرة خلال العام الدراسي، إذ يصل سعر دفتر السلك الجيد 200 ورقة، الذي يخصصه البعض للمرحلة الثانوية إلى 30 ألف ليرة، عدا عن الكتب المدرسية التي يتجاوز ثمن أقل نسخة منها للمرحلة الثانوية 50 ألف ليرة، لتتعدى تكاليف مستلزمات الطالب المدرسية أكثر من نصف مليون ليرة.

توظيف الأبناء

في ظل هذه الحال، تتجه كثير من العائلات في سبيل متابعة أبنائها لدراستهم، إلى توظيفهم في عمل مسائي بعد انتهاء دوامهم المدرسي. وتوضح «مريم»، التي لديها ولدان في مرحلة التعليم الأساسي - الحلقة الثانية، أن عائلتها «تعيش على تبرعات أهل الخير»، وهي بالكاد تكفي لإيجار المنزل والأكل. وتضيف: «طوال العطلة الصيفية كانا يعملان في محل بقالة، وقد اتفقت مع صاحبه أن يواصلا العمل لديه أثناء العام الدراسي، ولكن في الفترة المسائية بعد أن يعودا من المدرسة»، مشددة على أنه إذا لم تتصرف على هذا النحو، فإن «سامر» و«إياد» لن يتابعا دراستهما.

بسطة لبيع القرطاسية المدرسية جنوب دمشق (الشرق الأوسط)

ومع تفاقم الصعوبات المعيشية، تلجأ كثير من العائلات إلى ترميم ملابس وحقائب وأحذية أبنائها التي كانوا يستعملونها في العام السابق لاستخدامها في العام الدراسي الجديد، وتلفت سهير إلى أن أولادها قبلوا على مضض بالأمر، فالبنطال قصير نوعاً ما والصدرية لونها بهُت والحقيبة جرى إصلاحها بصعوبة، وتضيف لنا: «السنة قبلوا ولكن الخوف إذا استمر الغلاء»، فهي ترى أن استمرار الغلاء سيؤدي إلى عجزها عن تأمين تكاليف دراسة أولادها، وبالتالي سيتركون المدرسة ويدمر مستقبلهم.

الزواج بدل التعليم

أما أبو فراس الذي لديه ثلاث فتيات واحدة في مرحلة التعليم الابتدائي، واثنتان في المرحلة الإعدادية، فقد أكد أنه «عاجز تماماً» عن تأمين تكاليف دراستهن، لأن دخله الشهري من العمل مع معلم «بلاط» يكفي فقط تكاليف الأكل، ويوضح لنا، أن الأمر لم يعد سهلاً فتكاليف اللباس والقرطاسية وأجور النقل والدورات التعليمية، «بدها أموال كثيرة وكما ترى العين بصيرة واليد قصيرة». ويضيف والحسرة تخيم على وجهه: «جاء رجل أربعيني منذ أشهر وطلب سوسن (للزواج) ولم تقبل أمها. حالياً إن جاء خاطب سأزوجها».

وتسببت الحرب في سوريا لأكثر من 12 عاماً، بوصول عدد الأطفال المتسربين من التعليم في عموم مناطق البلاد إلى نحو المليونين و400 ألف طفل، وفق تقرير أصدرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في مايو (أيار) العام الماضي والذي أكد أن هناك أيضاً مليون و600 ألف طفل تحت تهديد خطر التسرب.

تلاميذ مع أهاليهم في محل لملابس المدارس تم التبرع بها من الأهالي (رويترز)

صدمة المواسم

باحثة اجتماعية في مجال التربية والتعليم توجهنا إليها، توضح أن أي موسم (بدء العام الدراسي، المونة، الأعياد...) بات يشكل «هماً كبيراً للأسر» في مناطق النظام بسبب صعوبة الحياة المعيشية وتزايد تفاقمهما يومياً. وتضيف: «ما يحصل في التعليم خطير جداً ويمكن وصفه كارثة بكل ما تعنيه الكلمة، لأن عجز الأسر عن توفير وجبة الطعام يجبرها على عدم إرسال أبنائها إلى المدارس وزجهم في العمل لمساعدتها في توفير لقمة العيش، وبالتالي هذا الأمر سيزيد نسبة المتسربين من التعليم. عجز الأسر يجبرها أيضاً على تزويج بناتها بعمر صغير للخلاص من تكليف معيشتهن ودراستهن، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة زواج القاصرات»، معتبرة أن استمرار هذه الأوضاع ستسبب حرمان نسبة كبيرة من الجيل الجديد من متابعة تعليمه والقضاء على مستقبله.

وتحمل الباحثة الاجتماعية حكومة النظام الذي «أوصل العملية التعليمية إلى الحضيض»، المسؤولية عن عجز الأسر عن تأمين متطلبات أبنائها لمتابعة تعليمهم، وتقول: «مع الانهيار المستمر لليرة السورية أمام الدولار المترافق مع ارتفاع جنوني في الأسعار، أصبحت تحمل الجزء الأكبر من تلك النفقات للأسر رغم فقرها المدقع». وتضيف: «الحكومة تقول إنها تواصل تقديم الدعم لقطاع التعليم وإن التعليم مجاني، ولكن حتى على مستوى تأمين أوراق المذاكرات باتت تطلب من الطلاب شراءها!. فعن أي دعم تتحدث؟».


مقالات ذات صلة

امتحانات الشهادات الثانوية العامة في السويداء تعود إلى إشراف الدولة

المشرق العربي اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)

امتحانات الشهادات الثانوية العامة في السويداء تعود إلى إشراف الدولة

دخول وفد وزاري إلى محافظة السويداء للإشراف على الامتحانات لعام 2026، وفق الشروط القانونية المتبعة والتي تمليها وزارة التربية.

موفق محمد (دمشق)
شمال افريقيا وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يتوسط مجموعة يابانية خلال مبادرة لتشجيع الطلاب على التداول في البورصة (وزارة التربية والتعليم)

الحكومة المصرية تسعى لتشجيع الطلاب على التداول في البورصة

أقرَّت الحكومة المصرية تدريس مادة «الثقافة المالية» لطلاب المرحلة الثانوية؛ بهدف تشجيع الطلاب على التداول في البورصة.

أحمد جمال (القاهرة)
شؤون إقليمية أطفال يحتفلون بـ«عيد السيادة الوطنية والطفولة» الـ106 أمام ضريح مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك في أنقرة الخميس (إعلام تركي)

تركيا: هجمات المدارس تخيم على احتفالات «عيد السيادة الوطنية والطفولة»

خيَّم الهجومان الداميان اللذان وقعا في مدرستين بجنوب تركيا، مؤخراً، على احتفالها بـ«عيد السيادة الوطنية والطفولة» الذي وافق الذكرى 106 لتأسيس البرلمان.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
يوميات الشرق طلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس السودان (سونا)

بعد ضبطه بحالة غش... طالب يحاول قتل معلم في السودان

حاول أحد الطلاب قتل معلم ومدير مركز امتحانات الشهادة الثانوية بمدرسة في محلية ريفي كسلا، بشرق السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم )
شؤون إقليمية امرأة تبكي عند مدخل مدرسة «آيسر تشاليك» الإعدادية في كهرمان ماراش وقد نثرت عائلات ضحايا الهجوم المسلح الزهور على الدرَج وقررت السلطات إغلاقها حتى تحديد مصيرها النهائي (أ.ف.ب)

تركيا تتحرك لتشديد العقوبات على الأطفال مرتكبي الجرائم وعائلاتهم

تتهم المعارضة التركية الحكومة بالإهمال وسوء إدارة المدارس وتطالب بإقالة وزير التعليم يوسف تكين.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
TT

«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

تفتح تسريبات إعلامية متقاطعة من داخل «حزب الله» حول تفعيل قتال «الاستشهاديين» (الانتحاريين) باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة على الجبهة الجنوبية، مع بروز حديث عن خيارات قتالية غير تقليدية تعيد إلى الواجهة مفردات الحرب في ثمانينات القرن الماضي.

وكشفت تسريبات إعلامية من مصادر عسكرية في «حزب الله» عن أنّ الحزب يدرس العودة إلى «تكتيكات الثمانينات»، بما في ذلك تفعيل ما وصفته بـ«مجموعات الاستشهاديين».

ويكتسب هذا الطرح بعداً إضافياً في ضوء سوابق خطابية داخل الحزب، إذ كان الأمين العام السابق لـ«حزب الله»، حسن نصر الله، قد وصف خلال «حرب الإسناد» عام 2024 المقاتلين في الجنوب بـ«الاستشهاديين»، في توصيف عكس طبيعة القتال وظروفه الميدانية. ويعيد استحضار المصطلح اليوم طرح تساؤلات حول دلالاته، بين كونه تعبيراً تعبويّاً أو مؤشراً إلى خيارات عملياتية محتملة.

قيود البيئة والتحول التكنولوجي

قال العميد المتقاعد يعرب صخر لـ«الشرق الأوسط» إن «الواقع الميداني في جنوب لبنان يجعل الحديث عن عودة العمليات الانتحارية أقرب إلى الطرح النظري منه إلى الخيار العملي».

وأضاف: «الجنوب اليوم شبه خالٍ من السكان بفعل النزوح والدمار، وهو ما يفقد هذا النوع من العمليات أحد أهم عناصره، أي القدرة على التخفي داخل البيئة المدنية».

وتابع: «التطور التكنولوجي في مجالات الرصد والاستطلاع، إلى جانب امتلاك إسرائيل بنك أهداف واسعاً، يجعل تنفيذ مثل هذه العمليات شديد الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً، في ظل المراقبة المستمرة والتتبع الدقيق، فضلاً عن صعوبة الحركة والوصول الميداني».

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)

وأوضح أن «التلويح بوجود عمليات مثل هذه على الحدود مع إسرائيل يُستخدم في سياق دعائي»، معتبراً أن «الرسالة الفعلية تتجاوز البعد العسكري لتطال الداخل اللبناني، حيث يجري توظيف هذا الخطاب بوصفه أداة ضغط على المسؤولين والقوى السياسية، لدفعهم نحو خيارات معينة في السياسة الخارجية».

وأضاف: «استحضار أسلوب الثمانينات لا يقتصر على العمليات الانتحارية، بل يستدعي أيضاً نمطاً كاملاً شمل الخطف والاغتيالات».

وخلص إلى أن «المقارنة بين واقع الجنوب اليوم وما كان عليه في ثمانينات القرن الماضي ليست دقيقة»، مؤكداً أن «الحديث عن عودة هذا النمط القتالي يبقى في إطار الشعارات والضغط السياسي، أكثر منه خياراً عسكرياً قابلاً للتنفيذ في ظل المعطيات الحالية».

بين النظرية والتطبيق

في المقابل، قال العميد المتقاعد فادي داوود لـ«الشرق الأوسط»: «الكلام عن استعادة أساليب ثمانينات القرن الماضي ليس مجرد طرح إعلامي، بل يعكس وجود هذا الخيار ضمن بنك القدرات المتاحة لدى الحزب».

وأضاف أن الحديث عن الانتحاريين الجاهزين للتنفيذ «يندرج في إطار القدرات البشرية التي لطالما شكّلت أحد عناصر قوة الحزب/». وتابع: «هذه العمليات، رغم التطور التكنولوجي الكبير في وسائل الرصد والمراقبة، لا تزال قادرة على إحداث تأثير ميداني، لأن التكنولوجيا تبقى محدودة الفعالية في مواجهة عنصر بشري مصمّم على الوصول إلى هدفه».

وأوضح أن «فعالية هذا النوع من العمليات تبقى مرتبطة بطبيعة الهدف ومستوى الحماية الأمنية المحيطة به، والإجراءات الميدانية التي تحيط بالمقار والمنشآت»، مشيراً إلى أن «إمكانية النجاح تختلف من حالة إلى أخرى تبعاً لهذه المعايير».

ولفت إلى أن «أي استخدام محتمل لهذه القدرات سيبقى موجهاً نحو أهداف إسرائيلية»، مضيفاً أن «تنفيذ عمليات من هذا النوع في الداخل الإسرائيلي يتطلب قدرة على التسلل والوصول المباشر إلى الهدف، وهو أمر يواجه تحديات كبيرة ميدانياً، ما يجعل نسبة النجاح متفاوتة».

ورأى أن «مجرد التلويح بهذا الخيار يحمل بُعداً نفسياً واستراتيجياً، إذ يعيد إلى الذاكرة الإسرائيلية تجارب سابقة، ويوجه رسالة بأن أي تسوية لا تراعي التوازنات قد تقود إلى تصعيد خارج الأطر التقليدية».

أنقاض مبانٍ مدمّرة في بلدة كفركيلا الحدودية جنوب لبنان (رويترز)

دلالات المصطلح ميدانياً

في موازاة ذلك، نقل مصدر مواكب لعمليات «حزب الله» لـ«الشرق الأوسط» أن «استخدام مصطلح الاستشهاديين لا يُقصد به بالضرورة العودة إلى نمط العمليات الانتحارية التقليدية، بل يعكس طبيعة المرحلة الميدانية في ظل الحصار المفروض على مناطق في جنوب لبنان».

وأضاف: «المقاتلون يدركون تماماً حجم المخاطر التي تحيط بهم، ويتعاملون معها على أساس القتال حتى أقصى الحدود».

وتابع: «المقصود بالمصطلح هو الجهوزية للالتحام في أصعب الظروف الميدانية، والاستمرار في المواجهة حتى الموت إذا فُرض ذلك، لا بوصفه خياراً تكتيكياً منفصلاً بل بوصفه جزءاً من طبيعة المعركة نفسها».


وزير الدفاع اللبناني: ذهبنا إلى المفاوضات للسلام مع إسرائيل وليس للاستسلام والمقايضة

وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

وزير الدفاع اللبناني: ذهبنا إلى المفاوضات للسلام مع إسرائيل وليس للاستسلام والمقايضة

وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)

أكد وزير الدفاع الوطني اللبناني اللواء ميشال منسى، الخميس، أن بلاده ذهبت إلى المفاوضات للسلام وليس للاستسلام والمقايضة.

ونقلت «الوكالة الوطنية للإعلام» عن اللواء منسي قوله، خلال لقائه شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز، الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، في دار الطائفة بفردان، الخميس: «ناقشت وشيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز في العدوان الإسرائيلي على وطننا، والسعي المتواصل لوقفه. التأكيد على صون الوحدة الوطنية، والالتفاف حول الشرعية اللبنانية، وحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني والأجهزة الرسمية كان قاسمنا المشترك، ومساعدة شعبنا على تجاوز المحنة كان هاجسنا، والترفع عن الحسابات الصغيرة لمصلحة الأهداف الوطنية الكبيرة سيبقى مبتغانا وهدفنا».

وأضاف: «إذا كنا ذاهبين إلى مفاوضات؛ فهي للسلام وليس للاستسلام. نحن نذهب للمفاوضة وليس للمقايضة. نريد وقف أنهار الدماء إكراماً للشهداء، ونرفض كلبنانيين، مسلمين ومسيحيين، إلا أن نبقى موحدين ومتحدين».

وأعرب عن أمله أن «تنتهي هذه المحنة وتعبر هذه الغيمة ويطلع نور الخلاص على لبنان وشعبه».

بدوره، شدد شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز على «واجب الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها الشرعية. وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية؛ خصوصاً في الظروف الراهنة، دعماً لتنفيذ المهام المنوطة بها في حماية لبنان وسيادته»، محذراً من كل «محاولات العبث بالسلم الأهلي، فلبنان القوي هو لبنان الموحَّد».


مقتل 9 أشخاص وإصابة 13 وفقدان 3 في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)
يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)
TT

مقتل 9 أشخاص وإصابة 13 وفقدان 3 في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)
يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)

قتل 9 أشخاص وأصيب 13 وفقد 3 آخرون في غارات إسرائيلية اليوم الخميس على جنوب لبنان.

ووفقاً لما ذكرته «الوكالة الوطنية للإعلام» في بيان لها: «أدى العدوان الجوي الذي نفذته الطائرات الحربية الإسرائيلية اليوم إلى استشهاد ثلاثة مواطنين في بلدة جبشيت وجرح سبعة آخرين وتدمير مبنى سكني».

وأشارت الوكالة إلى «استشهاد أربعة مواطنين في بلدة تول أيضاً وجرح ستة آخرين وتدمير مبنى سكني»، لافتة إلى «استشهاد مواطنين اثنين في بلدة حاروف وتدمير منزل».

وطبقاً للوكالة، «تعرض منزل عائلة موظف في مجلس الجنوب في بلدة الحنية - قضاء صور، لغارة صهيونية غادرة، ما أدى إلى انهياره بشكل كامل على رؤوس قاطنيه».

وقال مجلس الجنوب، في بيان صحافي، إن مصير الموظف وابنه ووالدته لا يزال مجهولاً في ظل منع فرق الإسعاف من الوصول إلى موقع الغارة، مناشداً الجيش اللبناني وقوات «اليونيفيل» ولجنة المكانيزم تسريع الاتصالات لوصول فرق الإسعاف إلى معرفة مصير الموظف وعائلته والقيام بما يلزم.

يذكر أن اتفاقاً لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل قد دخل حيز التنفيذ اعتباراً من منتصف ليل يوم الخميس قبل الماضي، بعد أسابيع من الغارات الجوية الإسرائيلية التي بدأت فجر الثاني من مارس (آذار) الماضي، رداً على هجمات لـ«حزب الله».