اتخذت المحكمة العليا في إسرائيل قراراً يلغي الجلسة المقررة للتداول في طلب إخلاء مستوطنة وشطبت القضية، فأجازت بذلك الإبقاء على البؤرة الاستيطانية في «حومش»، شمال الضفة الغربية.
يأتي ذلك في الوقت الذي تدير فيه قوى السلام والحركات الليبرالية الإسرائيلية معركة جماهيرية واسعة دفاعاً عن جهاز القضاء، لصد هجمة اليمين المتطرف التي تستهدف إضعافه.
وزير الأمن القومي المتطرف، إيتمار بن غفير، رحب بهذا القرار، وعدّه «لحظة تاريخية مثيرة ترمز إلى الانتقال من حكومة التدمير إلى حكومة بناء وتطوير إسرائيل بأكملها». بينما قالت منظمة «ييش دين» الحقوقية الإسرائيلية، التي قدمت الالتماس باسم أصحاب الأراضي الفلسطينيين الذين دشنت المدرسة الدينية على أراضيهم، إن القرار بمثابة «مكافأة وتشجيع للمجرمين وتجاوز للقانون الدولي». وحذرت من ظاهرة النفاق للحكومة.

والبؤرة الاستيطانية المذكورة كانت قد أُقيمت مرة أخرى في مستوطنة «حومش»، التي تُعدّ واحدة من 4 مستوطنات تقع شمال الضفة الغربية تم إخلاؤها في سنة 2005، ضمن خطة الانفصال عن قطاع غزة. ومنذ تنفيذ القرار، يدير اليمين وقادة المستوطنين معركة شعبية شرسة لإلغائه. ويطالبون بإعادة تفعيل المستوطنات الأربع. ووضعوا لهم هدفاً بالبدء بـ«حومش». وبتشجيع من الحكومة، سمح لهم الجيش الإسرائيلي بإقامة مدرسة دينية. وعَدّ المستوطنون هذه المدرسة خطوة أولى نحو إعادة المستوطنة. لكن منظمة «يش دين» رفعت التماساً إلى المحكمة العليا تؤكد فيه أن القرار غير قانوني وأن المدرسة أُقيمت على أرض فلسطينية خاصة.

وعند تشكيل حكومة اليمين المتطرف برئاسة بنيامين نتنياهو، كان من أول قراراتها سنّ قانون في «الكنيست (البرلمان)»، يلغي خطة «فك الارتباط»، التي في إطارها تم إخلاء 4 مستوطنات في شمال الضفة. وفي محاولة للتحايل على الإجراءات القانونية، قامت الحكومة بنقل المدرسة بضع عشرات من الأمتار، لتصيح قائمة على أراضٍ مشاع.
وبناء على ذلك قررت المحكمة العليا، أمس (الأربعاء)، رد الالتماس وإلغاء الجلسة التي كانت مقررة لمناقشته، اليوم (الخميس). وأكد القضاة أن الطرق المؤدية إلى الموقع الجديد تمر أيضاً عبر أرض فلسطينية خاصة، إلا أن هذه المسألة «لم تكن في صميم الالتماس، ولم تشكل أساساً لقرار بإصدار أمر مشروط في هذه القضية»، لذلك أسقطتها من حساباتها.
واعتمدت المحكمة في قرارها على المزاعم التي قدمتها الحكومة بأنها ستعمل على إضفاء الشرعية وتسوية الأوضاع القانونية لمعهد تدريس التوراة في «حومش»، وذلك في أعقاب نقلها «من دون تصريح» من أرض فلسطينية خاصة، إلى ما تزعم سلطات الاحتلال الإسرائيلي أنه «أراضي دولة» تابعة للمجلس الاستيطاني «شومرون».
وجاء في قرار المحكمة أن «المجلس الاستيطاني (شومرون) أُعطي سلطة تخطيط وتنظيم المنطقة، وتم تقديم برنامج لخطة بهذا الخصوص إلى مكتب التخطيط تمهيداً للمصادقة على المعهد التوراتي وتسوية أموره القانونية». وادعت الدولة أنه «لا يوجد أي عائق أمام أصحاب الأراضي الخاصة (من الفلسطينيين) للوصول إلى أراضيهم، مع مراعاة وجود طرق وصول قائمة منذ عقود، بعضها يمر عبر أراض خاصة».

وجاء أيضاً أن «جوهر الالتماس يدور حول حقيقة أن مباني المعهد الديني في (حوميش) قد بُنيت على أرض فلسطينية خاصة، ولكن بعد نقل المباني، في مايو، إلى أراضي دولة قريبة فإن البناء غير القانوني على الأراضي الخاصة تمت إزالته بالفعل».
وحول مرور الطريق المؤدية إلى البؤرة الاستيطانية من أراضٍ فلسطينية خاصة، جاء في القرار أنه «صحيح أن الطريق الموصلة إلى البؤرة الاستيطانية تمر من أرضٍ خاصة، ولا يزال هنالك وجود عسكري على الأرض الخاصة، ولكن ليست هذه القضايا الرئيسية التي وردت في الالتماس».
ويُعدّ قرار المحكمة جزءاً من النهج الذي سارت عليه منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي للمناطق العربية، الذي أجازت فيه إقامة مستوطنات يهودية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان السورية وسيناء المصرية.
وخلال هجمة الحكومة اليمينية على الجهاز القضائي، تباهى عدد من القضاة المتقاعدين بأن المحكمة «هي التي منحت الشرعية القانونية للاستيطان». وقالت دوريت بنيش، رئيسة المحكمة السابقة، إن «التاريخ يسجل لجهاز القضاء في إسرائيل، سلسلة من أهم القرارات التي دعمت حكوماتها في وجه ناقديها في العالم، وتحدت بذلك القانون الدولي».
