برلمان لبنان يقرّ زيادة الرواتب رغم اعتراضات دستورية

نواب «القوات» و«الكتائب» والمعارضة قاطعوا الجلسة... و«التيار» أمّن نصابها

جانب من جلسة التشريع التي عقدها البرلمان اللبناني اليوم (الشرق الأوسط)
جانب من جلسة التشريع التي عقدها البرلمان اللبناني اليوم (الشرق الأوسط)
TT

برلمان لبنان يقرّ زيادة الرواتب رغم اعتراضات دستورية

جانب من جلسة التشريع التي عقدها البرلمان اللبناني اليوم (الشرق الأوسط)
جانب من جلسة التشريع التي عقدها البرلمان اللبناني اليوم (الشرق الأوسط)

أقر مجلس النواب اللبناني، اليوم، زيادات على رواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين وسط اعتراضات مسيحية على قيام البرلمان بالتشريع في ظل الفراغ الرئاسي.

واقر المجلس قانونين؛ الأول يرمي إلى فتح اعتمادات في موازنة العام 2023 تُخصص لإعطاء تعويض مؤقت لجميع العاملين في القطاع العام وللمتقاعدين الذين يستفيدون من معاش تقاعدي، إضافةً إلى زيادة تعويض للنقل المؤمّن لجميع الموظفين في القطاع العام. والاقتراح الثاني يتعلق بفتح اعتماد بقيمة 265 مليار ليرة لتغطية نفقات إعطاء حوافز مالية بدل نقل لأساتذة الجامعة اللبنانية لتمكينهم من استكمال العام الجامعي الحالي.

جانب من احتجاجات للمودعين أمام مصارف في بيروت الخميس الماضي (أ.ب)

يأتي إقرار الاعتمادات التي ستطول نحو 400 ألف عائلة، بعدما كان قد حذّر رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، من عدم القدرة على دفع رواتب القطاع العام أواخر الشهر الحالي، رغم توافر السيولة في الخزينة، إذا لم يقر مجلس النواب الاعتمادات الإضافية على الأجور، مؤكداً أن هناك تحصيلاً جيداً لإيرادات الدولة.

وكانت الحكومة قد أقرّت في شهر أبريل (نيسان) الماضي، زيادة رواتب القطاع العام أربعة أضعاف، إضافة إلى راتبين إضافيين وزيادة على المواصلات كانت قد أقرّت في وقت سابق، وذلك بعد انهيار قيمة العملة المحلية (الليرة) إلى مستوى غير مسبوق ووصول سعر صرف الدولار اليوم إلى نحو 93 ألف ليرة، بعدما كان لسنوات طويلة مستقراً عند حدود الـ1500 ليرة.

مقر البرلمان اللبناني في بيروت (إ.ب.أ)

وعُقدت اليوم، الجلسة التشريعية الثانية خلال الفراغ الرئاسي المستمر منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، رغم الاعتراض عليها من بعض الأفرقاء الذين يرون أن التشريع البرلماني في ظل الفراغ الرئاسي غير دستوري، إضافةً إلى رفضهم إقرار الاعتمادات الإضافية في ظل غياب موازنة عام 2023. ونتيجة هذه الاعتراضات، اقتصرت المشاركة في جلسة البرلمان بشكل رئيسي، على كل من «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة أمل) والحزب «التقدمي الاشتراكي» و«التيار الوطني الحر» و«اللقاء التشاوري المستقل» الذي يضم أيضاً كتلة «الاعتدال الوطني».

وفي حين هاجم حزب «القوات اللبنانية» والكتل المعارضة جلسة مجلس النواب مجددين موقفهم لجهة اعتبارها غير دستورية، شارك «التيار الوطني» (الذي كان يعارض جلسات التشريع) بشرط أن يقتصر جدول أعمالها على بند الرواتب للقطاع العام فقط دون إضافة أي بنود أخرى، معلناً أنه لن تتمّ المشاركة في أي تشريع مستقبلي لا تنطبق عليه وضعيّة «الطارئ والضروري»، إضافةً إلى عدم إمكانية إيجاد حل له سوى عبر التشريع من المجلس النيابي، كما كان الحال بالنسبة إلى البلديات والمخاتير و«قانون الشراء العام».

جلسة لمجلس الوزراء اللبناني في 13 يونيو الحالي (دالاتي ونهرا - د.ب.أ)

وخلال الجلسة، ردّ رئيس البرلمان نبيه بري، على المعارضين، مشيراً إلى أن «هناك من يرى في الدستور ألا تجتمع الحكومة والمجلس النيابي، وألا يعمل المجلس ولا يشرّع. وعليه إذا أردنا أن نردّ على هؤلاء (أي نستمع لهم) فلن نعمل».

من جهته، أكد رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، أن «الاعتمادات» للاقتراحين اللذين تم اعتمادهما «مؤمَّنة»، مشدداً على أن «مجلس الوزراء يقوم بدوره ليسيّر عمل الدولة ولا يمرر شيئاً غير ضروري».

وفي رد منه على منتقديه لعدم إعداد موازنة عام 2023، قال رئيس حكومة تصريف الأعمال: «سأدعو مجلس الوزراء لمناقشتها في جلسات متتابعة، وسنرسلها إلى المجلس النيابي لمناقشتها. هناك واردات ستغطي الزيادات والاعتمادات الواردة في اقتراحي القانون. وأؤكد أننا نقوم بدورنا لتسيير أمور الدولة». ورد على منتقديه بالقول: «نعم جدول أعمال مجلس الوزراء يكون كاملاً من أجل تسيير عمل الدولة».

رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي (دالاتي ونهرا - د.ب.أ)

من جهته، توقف النائب أسامة سعد، عند التداعيات التي ستنتج عن هذه الزيادات في ظل الوضع المالي والاقتصادي القائم. وقال: «نسأل من أين ستأتي الاعتمادات. نحن كنواب لا نعرف التداعيات التي ستنتج عن الزيادات، وهو حق للموظفين في القطاع العام وفي كل المجالات»، سائلاً: «كيف ستعالج الحكومة هذه التداعيات؟».

وبعد الجلسة ردّ أيضاً النائب في كتلة بري، قاسم هاشم، على رافضي التشريع، مذكّراً إياهم بقرار المجلس الدستوري الذي ردّ الطعن المقدم في قانون التمديد للمجالس البلدية والاختيارية، ما يعني أنه منح حق التشريع للبرلمان. وقال هاشم، في تصريح من البرلمان، إن «الجلسة دستورية بكل المعايير ونُحيل أصحاب رأي تفسير الدستور إلى المجلس الدستوري في قراره الأخير رد طعن الانتخابات البلدية، حيث أكد في فقرتين إعطاء الحق للمجلس النيابي بالتشريع في ظل الفراغ الرئاسي». وتابع أن المادة 75 من الدستور التي تحدد منع المجلس من التشريع خلال جلسات الانتخاب (لرئيس الجمهورية) محصورة في تلك الجلسات، ولكن بما أن جلسات الانتخابات تنتهي بإقفال محضرها «فهذا يعنى أن للمجلس الحق في التشريع بعد ذلك».

وأضاف هاشم: «ما نحن بصدده اليوم هو إقرار قوانين تتعلق بحقوق الموظفين في القطاع العام والمتقاعدين والعسكريين، وهذا واجب علينا كمجلس بتأمين حقوق الناس ورواتبهم، لأن الدستور يُبنى على قاعدة أساسية (هي) أن الشعب مصدر السلطات، وعندما نكون أمام قضية تتعلق بالناس فالواجب يتطلب تجاوز بعض التفاصيل لإيصال الحقوق لأصحابها». وتابع: «الحكومة تقدمت بمشاريع قوانين لفتح الاعتمادات المطلوبة (للقوانين التي أُقرت في الجلسة)، لكن للأسف البعض رفض هذه المشاريع من باب الجدل والسجال حول صلاحية حكومة تصريف الأعمال في إرسال مثل هذه المشاريع في مثل هذه الظروف، علماً بأنه في ظل الظروف الاستثنائية الضرورات تُبيح المحظورات، فكيف إذا كانت حقوقاً للناس لتأمين رواتبهم في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية ضاغطة؟».

أما خارج البرلمان فجددت الكتل المعارضة للتشريع موقفها الرافض لهذه الخطوة، وهو ما عبّر عنه حزب «القوات اللبنانية» ونواب المعارضة.

امرأة تشارك في احتجاجات أمام مصارف لبنانية الأسبوع الماضي (أ.ب)

وانتقد رئيس «القوات» سمير جعجع النواب الذين شاركوا في الجلسة لا سيما «التيار الوطني الحر» من دون أن يسميهم. وقال: «النوّاب الذين ادّعوا أنّ مشاركتهم في جلسة اليوم هي لتجنيب موظّفي القطاع العام انقطاعاً برواتبهم، لا يقولون الحقيقة، إنّما يتذرعون بحجّة لتبرير انعقاد هذه الجلسة، إذ إنّ الاعتمادات الإضافية التي أقرّتها (جلسة البرلمان) كان يمكن وبسهولة للحكومة إقرارها، كما أقرّت الكثير من الاعتمادات في السنة المنصرمة». وأضاف في بيان: «أمّا إذا قال قائل إنّ الحكومة لا تستطيع صرف اعتمادات إضافية لأنّ احتياطي موازنة 2023 قد نفد، فالإشكالية نفسها تُطرح... باعتبار أن مجلس النواب فتح اعتماداً في موازنة غير موجودة هي موازنة 2023، وبالتّالي كان بإمكان مجلس الوزراء أن يفتح هذه الاعتمادات التي أقرّها المجلس اليوم وقوننتها حين تتوافر الظروف لذلك، أيّ حين يُرسل هذا المجلس موازنة 2023 إلى البرلمان». وفي الخلاصة، رأى جعجع أن «جلسة اليوم هي من صُنع معرقلي انتخاب رئيس جديد للبلاد. أما الحلّ الفعلي لمشكلاتنا، فيكمن في البدء ملء سدّة الرئاسة وليس الافتئات على الدستور والقوانين لتمرير قرارات بشكل غير مدروس، الأمر الذي يؤدّي إلى مزيد من تأزيم الوضع في لبنان».

ووقّع نواب «القوات» أيضاً على بيان أصدره نواب المعارضة بما فيهم حزب «الكتائب اللبنانية»، معلنين مقاطعتهم الجلسة، واصفين إياها بـ«غير دستورية». وقال النواب في بيان لهم: «موقفنا المتمثل بعدم حضور جلسات تشريعية نابع من منطلق مبدئي ودستوري، كما هو اليوم حماية لحقوق اللبنانيين عامة وموظفي القطاع العام خاصة، فالمجلس النيابي، الذي يصادر رئيسه (نبيه بري) إرادته سعياً إلى التطبيع مع الفراغ، لا يمكنه التشريع في ظل شغور موقع رئاسة الجمهورية، حسب الدستور، وهو يعد هيئة ناخبة حصراً حتى انتخاب الرئيس».

وأكد البيان أنّ «الجلسة غير دستورية لأنه لا يمكن إقرار اعتمادات إضافية في ظل غياب موازنة 2023، التي لم تُعدّها الحكومة الفاقدة للثقة النيابية والشعبية والتي لم تقدم أي حلول لكل الأزمات التي نعاني منها».

كما أشار نواب المعارضة إلى أنّ «المطروح اليوم يعيدنا إلى نفس المنطق الذي بدأ منذ إقرار سلسلة الرتب والرواتب غير المدروسة التي سرّعت بالانهيار، مروراً بالزيادات الأخيرة العشوائية غير المموّلة على رواتب وأجور القطاع العام التي أدت إلى تضخم كان نتيجته تدني القيمة الشرائية لهذه الرواتب إلى أقل من النصف».

ورأى النواب المعارضون أنّ «هذا النهج الذي يفتقر إلى الجدية وإلى رؤية وخطة شاملة، لا يمكنه معالجة المشكلات، خصوصاً في غياب مصادر تمويل فعلية لهذه الاعتمادات، بل سيؤدي إلى تضخم جديد يقلّص قيمة الزيادة».

جلسة البرلمان لانتخاب رئيس للجمهورية الأسبوع الماضي (أ.ب)

وعلى هذا الأساس، جدد النواب دعوتهم «إلى الالتئام فوراً تحت قبة البرلمان في جلسة انتخابية مفتوحة بدورات متعددة، كما ينص الدستور، حتى الوصول إلى انتخاب رئيس جمهورية إصلاحي قراره حر وملتزم الحفاظ على سيادة لبنان، يباشر بإعادة تكوين السلطة في سبيل إطلاق عملية الإنقاذ ومعالجة كل نتائج الأزمة بشكل مدروس وعلمي ومتاح وعلى رأسها رواتب موظفي القطاع العام».


مقالات ذات صلة

مقتل صحافية لبنانية بغارة إسرائيلية على الجنوب

المشرق العربي مسجد مدمر في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

مقتل صحافية لبنانية بغارة إسرائيلية على الجنوب

قُتلت الصحافية اللبنانية آمال خليل، الأربعاء، جراء غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة الطيري القريبة من الحدود في جنوب لبنان، كما أعلن الدفاع المدني اللبناني

المشرق العربي تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الرئيس اللبناني مطمئن لنتائج اتصاله بترمب

كشفت مصادر سياسية عن محاولات تولاها أصدقاء مشتركون لرأب الصدع بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون و«حزب الله».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي طفل يقف على حطام مبنى دمرته غارة إسرائيلية في بلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

لبنان يشترط تثبيت وقف إطلاق النار لبدء المفاوضات مع إسرائيل

حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات مع إسرائيل، ويتمثل بتثبيت وقف إطلاق النار

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم العربي دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

ترسم إسرائيل عبر موجة إنذارات غير مسبوقة الاتساع خريطة حركة جديدة، لا تقتصر على تقييد عودة السكان، بل تمتد لتشي بإعادة توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي من مراسم تشييع مدنيين قُتلوا بغارات إسرائيلية في بلدة البازورية بجنوب لبنان (أ.ب)

لبنان يتطلع لتمديد الهدنة وتحديد موعد التفاوض لإيحاد «حل دائم» مع إسرائيل

تتجه الأنظار إلى اللقاء الثاني الذي يجمع سفيري لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة في واشنطن؛ لتمديد وقف إطلاق النار وتحديد موعد وموقع المفاوضات المباشرة

«الشرق الأوسط» (بيروت)

فرنسا تجدد دعمها غير المحدود للبنان... حتى بعد رحيل «اليونيفيل»

صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)
صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تجدد دعمها غير المحدود للبنان... حتى بعد رحيل «اليونيفيل»

صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)
صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)

أجرى رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، جولة «مختصرة» إلى لوكسمبورغ وفرنسا، حيث وفرت له محطته الأولى فرصة للتواصل مع الاتحاد الأوروبي الذي كان وزراء خارجيته يعقدون اجتماعاً دورياً. وعرض سلام وضع لبنان الواقع بين المطرقة الإسرائيلية وسندان «حزب الله»، وما يطمح إليه من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. وجاءت كلمته أمام الوزراء الأوروبيين واضحة لجهة عرض موقف لبنان ومطالبه، وأهمها اعتبار أن وضع حد للحرب الأخيرة يعد «ضرورة» بالنسبة إليه كونه يعاني من «وضع داخلي أضعف الدولة»، لافتاً إلى أن الدولة التي «لا تمسك بقرار السلم والحرب تبقى دائماً في خطر».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام على مدخل قصر الإليزيه بعد ظهر الثلاثاء (أ.ب)

وأوضح سلام: «لا يمكن أن تقوم دولة مستقلة من غير أسس السيادة ولا سيادة من غير سلطة رسمية واحدة تمسك بناصية القرارات الوطنية». وشرح سلام ما يتوقعه لبنان من المفاوضات، إذ إن هدف الدولة «الاستفادة من الفرصة المتوافرة من أجل التوصل إلى حل نهائي» مع إسرائيل.

ورغم أن سلام لم يعد بقرارات أوروبية جديدة تتناول لبنان، فإنه حصل على دعم سياسي ودبلوماسي لمساعدته على استعادة استقرار لبنان من جهة وتعزيز خياراته وأساسها التوجه إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.

وحسب وزير خارجية لبناني سابق، من المهم للبنان أن تلجأ الحكومة إلى تفعيل ما يسمى «الدبلوماسية العامة» لما لها من أثر مباشر على الرأي العام الخارجي، بدل الاكتفاء بالحوار الداخلي بين الأطراف وانتظار زوار الخارج، سيما أن لبنان يعد «الحلقة الأضعف في النزاع الحالي»، وهو بحاجة إلى كل أنواع الدعم.

محطة باريس

بين لوكسمبورغ وباريس، تعد المحطة الثانية الأكثر أهمية بالنسبة للبنان وللعلاقة مع فرنسا. وليس سراً أن باريس لم تستسغ امتناع لبنان عن الرد على يحيئيل ليتر، سفير إسرائيل في واشنطن، عقب لقائه السفيرة اللبنانية ندى معوض حماده، والذي دعا فرنسا إلى «البقاء بعيداً» عن أي مفاوضات مع لبنان.

وكانت فرنسا تفضل أن يصدر رد على ليتر يتضمن تمسكاً بمواكبة لا بل بحضور فرنسي في المفاوضات على غرار ما حصل في خريف 2024 في سياق الاتصالات التي أفضت إلى اتفاق وقف إطلاق النار وتشكيل «آلية الرقابة» أي «الميكانيزم» وضمت آنذاك الولايات المتحدة وفرنسا معاً. وأفادت مصادر الإليزيه أن «فرنسا جزء من البلدان التي لها دور ملموس جداً ومباشر في تعزيز موقع الحكومة اللبنانية» و«دعم عملها بشكل ملموس للغاية» لجهة مساعدتها على نزع سلاح «حزب الله»، مضيفة أن الأميركيين والإسرائيليين «يعون ذلك تماماً».

الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء سلام خلال المؤتمر الصحافي عقب انتهاء محادثاتهما (أ.ف.ب)

فرنسياً، استفاد ماكرون من المؤتمر الصحافي المشترك مع سلام للرد، إذ قال: «الوجود حول طاولة المفاوضات أو عدم الوجود مسألة ثانوية... وفرنسا ليست بحاجة إلى هذه الطاولة حتى تكون إلى جانب لبنان. صداقتنا لهذا البلد لا تحتاج إلى طاولة». وأفادت مصادر فرنسية بأن باريس شعرت بنوع من «الإجحاف» عندما «نسي» الرئيس اللبناني جوزيف عون توجيه الشكر لها لجهودها في دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لفرض وقف إطلاق النار لعشرة أيام بين إسرائيل و«حزب الله»، مكتفياً بشكر «الصديق» ترمب والمملكة العربية السعودية. لذا، فإن مصادر الإليزيه وفي حوار عن بُعد مع مجموعة صحافية، شددت على أهمية الدور الذي لعبه ماكرون ومعه الدبلوماسية الفرنسية. بيد أن قراءة واقع الحال تبين أن إصرار لبنان على المشاركة في المفاوضات ما كان ليغير شيئاً، لأن القرار النهائي لدى الولايات المتحدة مكسوبة الولاء لإسرائيل التي «تناهض» كل ما تقوم به باريس.

خيارات ماكرون

ما أكده ماكرون في المؤتمر الصحافي هو أن فرنسا «تدعم لبنان دون تحفظ» في خيار اللجوء إلى المفاوضات المباشرة. وفرنسا، كما لبنان، تدعو إلى «تمديد الهدنة» وإعادة إحياء «آلية الرقابة» كونها تدفع باتجاه «ديمومة الاستقرار الذي لا يمكن أن يكون دائماً إلا بعد انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية»، بالإضافة إلى «تخليها عن أي أطماع» بالأراضي اللبنانية. ودعا تل أبيب إلى أن تعي أن ضمان أمنها «لا يأتي إلا عبر دولة لبنانية قوية وليس عن طريق سياسة زرع الفوضى».

صورة لما تبقى من منزل في بيت ليف قصفته القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

كذلك تبنى ماكرون مقاربة الدولة اللبنانية باعتبار ما قام به «حزب الله» في الثاني من مارس (آذار) بتوجيه عدة صواريخ إلى الأراضي الإسرائيلية بمثابة «خطأ استراتيجي كبير» وربط استقرار لبنان بنزع سلاحه، منوّهاً أن هدفاً مثل هذا «لا يمكن أن يتحقق إلا على أيدي اللبنانيين أنفسهم وبدعم من الأسرة الدولية». ولفت الرئيس الفرنسي إلى أن حصرية السلاح «لا يمكن أن تتوافر بعصى سحرية» بل يجب أن «تندرج في إطار استراتيجية سياسة شاملة».

كذلك أكد ماكرون أن فرنسا مستعدة للوقوف إلى جانب لبنان بعد رحيل قوة «اليونيفيل» نهاية العام الحالي، وتسعى إلى أن تقوم بهذا العمل مع شركائها «الأكثر تعبئة» ووفق ما تريده وتقرره الدولة اللبنانية. وفي سياق تعداد ما تقوم به باريس لدعم الجيش وتقديم المساعدات الإنسانية والتربوية، وبالطبع الدعم السياسي، أضاف إليها استعداد باريس للمساهمة في إعادة إعمار المناطق التي تضررت بسبب الهجمات الإسرائيلية. ووجه ماكرون رسالة تحذيرية لإسرائيل تقول إنه «طالما أن هناك قوة تحتل أراضي لبنانية وتقصف لبنان، فإنها بذلك تضعف إمكانية نزع سلاح (حزب الله)».

ما سبق يؤكد أن باريس، وبغض النظر عن المطبات السياسية والدبلوماسية، عاقدة العزم على مواصلة مساعدة لبنان في هذه المحنة الجديدة رغم أن مواقفها تثير حفيظة إسرائيل وتفاقم توتر العلاقات الثنائية، المتوترة أصلاً. ووفر اللقاء لسلام فرصة لتوجيه عدة رسائل للداخل اللبناني وأولها أن المفاوضات المباشرة «ليست علامة ضعف لكنها عمل مسؤول لاكتشاف كل السبل التي تساهم في استعادة سيادة بلدنا وحماية شعبه».

وإزاء من يتهمه بالخيانة في لبنان ويكيل له التهم والشتائم حرص على تأكيد أنه «لا يسعى للمواجهة مع (حزب الله)، بل إنه يفضل تجنبها». ولمن يتهمونه بالضعف استدرك قائلاً بلهجة حازمة: «صدقوني، لن نسمح لـ(حزب الله) بترهيبنا».


إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يخوض الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» مناوشات «قواعد الاشتباك»، إذ يُظهر تبادل إطلاق النار في جنوب لبنان محاولات لحصر نطاق المواجهات في منطقة جنوب نهر الليطاني الحدودية مع إسرائيل، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية ضمن المناطق التي تسيطر عليها، في مقابل اقتصار عمليات الحزب على هذه المنطقة مترافقة مع ردود محدودة على خروق الهدنة ضمن نطاق شمال إسرائيل.

وأعلن «حزب الله»، أمس، أنه استهدف بمسيّرة، مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة داخل لبنان، «ردّاً على الخروق الإسرائيلية لوقف إطلاق النار».

وعشية لقاء سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، في لقاء ثانٍ، اليوم (الخميس)، حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات، قائلاً إنه يتمثل بتثبيت وقف النار، ودعا إلى وحدة الموقف الوطني لتقوية الفريق اللبناني المفاوض، كما حثّ الأجهزة الأمنية والعسكرية على دهم مواقع تخزين الأسلحة ومنع المظاهر المسلحة.


واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

ذكرت مصادر أن الولايات المتحدة أوقفت «شحنة مالية» تُقدَّر قيمتها بنصف مليار دولار كانت متجهة إلى العراق، وأنها علّقت أجزاء من تعاونها الأمني مع بغداد، في خطوة تهدف إلى الضغط على الحكومة العراقية بشأن تصرفات الميليشيات المدعومة من إيران، وفق «رويترز». وقالت مصادر غربية، لـ«الشرق الأوسط»، إن التنسيق بين واشنطن وبغداد «في أدنى مستوياته خلال الوقت الراهن».

واتهمت حركة «عصائب أهل الحق»، أحدُ أبرز أقطاب التحالف الحاكم، واشنطن بالسعي لعرقلة صرف رواتب الموظفين، مشيرة إلى أن «الأميركيين يتبعون أساليب ضغط مباشرة وغير مباشرة؛ بهدف جعل الحكومة العراقية تابعة لهم».

وأفادت تقارير بأن الولايات المتحدة «هددت في وقت سابق بوقف التعاون مع بغداد في حال لم تُقدِم الحكومة على اعتقال مسلحين ينتمون إلى فصيل موالٍ لإيران، كان قد نفّذ هجوماً قرب مطار بغداد مطلع الشهر الحالي استهدف دبلوماسيين أميركيين».