العراق يعلن عن مشروع «طريق التنمية» للربط البري بين دول الخليج وتركيا

 السوداني شدد على فرصة واعدة لالتقاء المصالح والتاريخ والثقافات

السوداني لدى تدشين أعمال مؤتمر «طريق التنمية» في بغداد اليوم (رئاسة الوزراء العراقية)
السوداني لدى تدشين أعمال مؤتمر «طريق التنمية» في بغداد اليوم (رئاسة الوزراء العراقية)
TT

العراق يعلن عن مشروع «طريق التنمية» للربط البري بين دول الخليج وتركيا

السوداني لدى تدشين أعمال مؤتمر «طريق التنمية» في بغداد اليوم (رئاسة الوزراء العراقية)
السوداني لدى تدشين أعمال مؤتمر «طريق التنمية» في بغداد اليوم (رئاسة الوزراء العراقية)

أعلن العراق خلال مؤتمر جمع مسؤولين من دول مجاورة في بغداد السبت، عن مشروع خطّ بري وخط للسكك الحديدية يصل الخليج بالحدود التركية، يطمح العراق عبره إلى التحول خطاً أساسياً لنقل البضائع بين الشرق الأوسط وأوروبا. وقال رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إنه سيكون ركيزة للاقتصاد المستدام غير النفطي وعقدة ارتباط تخدم جيران العراق والمنطقة.

وانطلقت اليوم السبت أعمال مؤتمر «طريق التنمية»، الذي تستضيفه بغداد ويحضره وزراء نقل معظم الدول الخليجية، إضافة إلى وزراء دول جوار العراق (تركيا، سوريا، الأردن، إيران).

وتقول الحكومة العراقية إن الطريق المزمع بناؤها ستنطلق من ميناء الفاو في محافظة البصرة (جنوباً) وتعبر 10 محافظات عراقية لتربط العراق بتركيا شمالاً وصولاً إلى الدول الأوروبية، ويفترض أن تنجز الطريق الممتدة لـ1200 متر بحلول عام 2028.

حقائق

ماذا نعرف عن تطوير ميناء الفاو؟

  • نسب الإنجاز التي تحققت في ميناء الفاو بلغت أكثر من 50%.
  • الطاقة الاستيعابية للميناء تصل إلى 99 مليون طن سنوياً، بتكلفة تصل إلى 4.6 مليار يورو.
  • يجرى إنشاء الميناء على مرحلتين، الأولى تنتهي عام 2028، والثانية في عام 2038.

وقال السوداني الراعي للمؤتمر في كلمة ألقاها، إنه «أسس له (المؤتمر) عبر تفاهماتٍ بناءة مع قادة وزعماء البلدان الشقيقة والصديقة لنا»، مضيفاً أن «طريق التنمية شريانٌ اقتصادي، وفرصةٌ واعدة لالتقاء المصالح والتاريخ والثقافات، بهذا المشروع الواعد، سينطلقُ العراق نحو شراكة اقتصادية معكم، تجعل بلداننا مصدّرة للصناعات الحديثة والبضائع».

ورأى السوداني أن «طريق التنمية بما يحمله من منصّات للعمل، وقيمة مضافة للنواتج القومية والمحلية، ورافعات اقتصادية، هو خطةٌ طموح ومدروسة لتغيير الواقع نحو بنية اقتصادية متينة، ونرى في هذا المشروع ركيزة للاقتصاد المستدام غير النفطي، وعقدة ارتباطٍ تخدم جيران العراق والمنطقة».

وأكد أن «ميناء الفاو الكبير، قطع شوطاً كبيراً نحو الإتمام، وسيكون بوابة لهذا الحراك الاقتصادي المهم، وسوف تتكامل مع الميناء المدن الحضرية، التي سنؤسس بجوارها مدينة صناعية ذكية هي الأحدث في المنطقة والعالم، وستحاكي التطور التكنولوجيَّ الحاليَّ والمتوقع للسنوات الخمسين المقبلة».

ووفق السوداني فإن بلاده وخلال سعيها لإنشاء الطريق المزمع بناؤها «ستعتمد على الممرّات متعددة الوسائط، وأكثر من (1200) كم من السكك الحديدية، وتشغيلها البيني المشترك، والطرق السريعة، وستيسّر سكك الحديد والطرق السريعة عملية نقل البضائع، والوظائف التي ستخلقها هذه المشاريع ستكون بصمةً إيجابيةً تنقل شعوب المنطقة إلى مرحلة من التكامل والاستقرار ومواجهة للتحدّيات».

تفاؤل كبير

ويسود التفاؤل الكبير حديث السوداني ومستشاريه حول تنفيذ طريق التنمية، ويقولون إنها ستوفر أكثر من 100 ألف فرصة عمل، وتحقق نحو 4 مليارات دولار سنوياً للبلاد وبتكلفة إنجاز نهائية تقدر بنحو 17 مليار دولار، كما أنها ستسهم في خفض معدل وقت مرور البضائع من الخليج وآسيا إلى أوربا وبالعكس من 30 يوماً إلى 15 يوماً فقط.

ويؤكدون أن نسبة إنجاز المشروع وصلت إلى نحو 40 في المائة بالنظر لنقطة انطلاقه من ميناء الفاو الجنوبي الذي تنفذ أعماله منذ نحو سنتين شركة «دايو» الكورية.

وأورد بيان للجنة النقل والاقتصاد في مجلس النواب نقلته وكالة الأنباء العراقية أن المشروع سيكون «استثمارياً للدول المشاركة وكل دولة بإمكانها إنجاز جزء من المشروع»، مشيراً إلى أنه «من المؤمل أن ينجز المشروع ويكتمل خلال 3 - 5 سنوات»، مضيفاً أن «آلية الاستثمار سوف تناقش بعد عقد المؤتمر مع الدول المشاركة».

ولا يعرف على وجه التحديد ما إذا كان العراق سيتحمل تكلفة المشروع الإجمالية أم أن دولاً أخرى ستسهم في ذلك.

وكان السوداني قد قال خلال زيارته إلى تركيا في مارس (آذار) الماضي، إنه تحدث مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن أن «مشروع طريق التنمية والقناة الجافة هو ليس للعراق وتركيا، بل للمنطقة والعالم، يربط الشرق بالغرب، فهو الممر العالمي لنقل البضائع والطاقة».

وبدوره، قال المتحدث باسم مجلس الوزراء باسم العوادي، أمس السبت، إن «10 دول شاركت في مؤتمر طريق التنمية، 6 منها جيران العراق، وبحضور جميع دول الخليج، باستثناء الأشقاء في البحرين إذ قدموا اعتذاراً في اللحظات الأخيرة لأسباب فنية».

وأضاف في تصريحات لوكالة الأنباء الرسمية، أن «المؤتمر جاء لعرض فكرة المشروع وتعريف الدول به ووضع المخططات، ثم بعد ذلك يترك الخيار لكل الدول أن تناقش الموضوع».

وأشار العوادي إلى أن «الخط الاستراتيجي الأساسي سيكون طريق السكة الحديدية بمعدل 1175 كم، بالإضافة إلى الطريق البرية بمعدل 1190 كم، لهما مساران مختلفان في الجنوب، لكن يلتقيان في شمال محافظة كربلاء المقدسة، ويسيران جنباً إلى جنب لحين وصولهما إلى فيشخابور».

وكشف عن أن «مهمة هذه الطريق هي نقل البضائع بمختلف أنواعها من أوروبا إلى تركيا عبر العراق وإلى الخليج، وأيضاً السلع الخليجية والموارد الخليجية تنقل من الخليج عبر العراق ثم تركيا وأوروبا».

في مقابل ذلك، يرى بعض المراقبين المحليين أن حكومة السوداني «تسعى لبث روح الأمل في حياة مواطنيها الذين لا يثقون كثيراً بالوعود الحكومية، حتى لو لم تكن قادرة حقاً على تنفيذ هذا المشروع الطموح».

ويتحدث آخرون عن أن «تجربة البلاد خلال العقدين الأخيرين بالنسبة لتنفيذ المشاريع الكبيرة غير مطمئنة، لجهة التلكؤ وسوء الإدارة والفساد في إنجاز المشاريع».

"ترابط" 

وأعربت معظم الدول المشاركة عن دعمها للمشروع وقال أكد ممثل الوفد التركي علي رضا غوناي، أن أنقرة شريك رئيسي في طريق التنمية.

وقال غوناي في كلمته خلال المؤتمر: "نحن شريك رئيسي في طريق التنمية الذي يعد مكسباً للجميع، ان المسؤولية تكمن في إزالة الحواجز للتجارة بين العراق وتركيا، وطريق التنمية من شأنه أن يزيد الترابط بين دول المنطقة".

من جانبه، قال وزير النقل السعودي صالح الجاسر، خلال مؤتمر صحافي إن "المملكة حريصة على تعزيز العلاقات المشتركة مع العراق، وخلال اليومين الماضيين شهدا انعقاد مجلس التنسيقي العراقي – السعودي وبمشاركة عدد من الوزراء".

وزير النقل السعودي صالح الجاسر خلال مشاركته في مؤتمر بغداد اليوم (رئاسة الوزراء العراقية)

وأضاف أن "منفذ جميمة- عرعر شهد تصاعدا في حركة نقل البضائع والمسافرين، وان التجارة بين البلدين وصلت الى أكثر من مليار دولار خلال العام الماضي".

وتابع أنه "خلال الاسابيع مر عبر المنفذ حوالي 6 آلاف معتمر يوميا عبر منفذ جميمة- عرعر والمنفذ مهيئ لاستقبال 70 ألف حاج".

بدوره، قال وكيل وزير النقل الإيراني أفندي زاده وفق تصريحات نقلتها وكالة الأنباء العراقية إن "دور السكك الحديد مهم جداً، وهذا المشروع الجديد في العراق سيكون له دور ممتاز في نقل البضائع".

 نقص في "الانسيابية"

وهناك أعمال قائمة حالياً لتأهيل ميناء الفاو في أقصى جنوب العراق والمجاور لدول الخليج والذي سيكون محطة أساسية لتسلم البضائع قبل نقلها براً.

وتعدّ منطقة الخليج منطقة نقل بحري مهمة لا سيما في مجال نقل الموارد النفطية التي تستخرجها دول المنطقة.
وتساءل المستشار في اقتصاديات النقل الدولي زياد الهاشمي في حديث لوكالة الصحافة الفرنسية عن مدى جدوى هذا المشروع الذي اعتبر أنه يفتقر إلى «الانسيابية».

وثمة مشاريع عالمية أخرى تضع في صلب أهدافها التحول شرياناً أساسياً في النقل العالمي، مثل «طريق الحرير الجديد» الذي أعلنه في عام 2013 الرئيس الصيني شي جينبينغ.

وسمي هذا المشروع رسمياً مشروع «الحزام والطريق» ويضمّ 130 دولةً، ويهدف إلى تطوير البنى التحتية البرية والبحرية من أجل تحقيق ربط أفضل بين الصين (آسيا) وأوروبا وأفريقيا.


مقالات ذات صلة

انخفاض صادرات الصين من المعادن النادرة إلى اليابان في ديسمبر

الاقتصاد سفينة تنقيب عن المعادن النادرة في بحر اليابان (رويترز)

انخفاض صادرات الصين من المعادن النادرة إلى اليابان في ديسمبر

انخفضت صادرات الصين من المعادن الأرضية النادرة إلى اليابان في ديسمبر الماضي بنسبة 8 في المائة مقارنةً بشهر نوفمبر

«الشرق الأوسط» (بكين-طوكيو)
شمال افريقيا وزراء خارجية مصر وقبرص واليونان في مؤتمر صحافي بالقاهرة (الخارجية المصرية)

مصر لتطوير تعاونها مع قبرص واليونان

أكدت مصر أهمية مواصلة تطوير «تعاونها الثلاثي» مع قبرص واليونان، وتعزيز الشراكة في قطاعات حيوية للدول الثلاثة بينها الطاقة والغاز والتجارة والاستثمار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الاقتصاد محطة حاويات شركة «هانجين شيبنغ» في ميناء بوسان الجديد بمدينة بوسان الكورية الجنوبية (رويترز)

أميركا والصين واليابان تواصل تصدرها قائمة الأسواق التصديرية لكوريا الجنوبية

أظهرت بيانات، الأحد، استمرار تصدر الولايات المتحدة والصين واليابان قائمة الأسواق التصديرية للمنتجات الزراعية والغذائية الكورية الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد شعار المنتدى الاقتصادي العالمي في مكان انعقاده بدافوس السويسرية (رويترز)

السعودية في دافوس... مشاركة مرتقبة في نقاشات الاقتصاد العالمي والتحولات الجيوسياسية

يستعد الوفد السعودي للمشاركة في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي 2026 من خلال حضور واسع في عدد من الجلسات الحوارية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
الاقتصاد «إنفيديا» كانت تتوقع أكثر ‌من مليون طلب من العملاء الصينيين قبل تعليق الإنتاج (رويترز)

موردو «إنفيديا» يعلقون الإنتاج بسبب قيود صينية على رقائق «إتش 200»

ذكرت صحيفة «فايننشيال تايمز» أن موردي مدخلات رقائق «إتش 200» التي تنتجها «إنفيديا» علقوا الإنتاج ​بعد أن منعت الصين دخولها البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

عون: الجيش «نظّف» جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي

رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
TT

عون: الجيش «نظّف» جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي

رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)

أكد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون، اليوم (الثلاثاء)، أن «ما حققته الحكومة بين 5 أغسطس (آب) و5 سبتمبر (أيلول) بشأن حصر السلاح بيد الدولة ليس قليلاً».

وأضاف عون، خلال استقباله السلك الدبلوماسي: «منذ أكثر من 10 أشهر تمكّن الجيش من السيطرة على جنوب الليطاني ونظّف المنطقة من السلاح غير الشرعي».

وقال: «رغم كل الاستفزازات والتخوين والتجريح والتجني سنواصل أداء واجبنا تجاه الدولة».

وتابع: «نؤكد تطلعنا إلى استمرار مسارنا حتى تعود الدولة كاملة تحت سلطة واحدة، وسنوقف نهائياً أي استدراج أو انزلاق في صراعات الآخرين على أرضنا».

وختم: «سنعمل كي يكون جنوب لبنان كما كل حدودنا الدولية في عهدة قواتنا المسلحة حصراً».

وتواصل إسرائيل شن غارات على لبنان رغم وقف إطلاق النار الذي تمّ التوصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بعد حرب استمرّت أكثر من عام. وتقول إسرائيل بشكل أساسيّ إن هذه الضربات تستهدف «حزب الله،» وأحياناً حركة «حماس» الفلسطينية.

وكان الجيش اللبناني أعلن قبل أسبوعين إنجاز المرحلة الأولى من خطة نزع سلاح «حزب الله»، التي أقرتها الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة. إلا أن إسرائيل شككت في الخطوة وعدّتها «غير كافية بتاتاً»، مجددة مطلبها بنزع سلاح الحزب في كل لبنان.


السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
TT

السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)

يتوجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الثلاثاء)، إلى مدينة دافوس السويسرية، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يُعقد خلال الفترة من 19 إلى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «روح الحوار».

وصرح المتحدث الرسمي باسم «الرئاسة المصرية»، محمد الشناوي، في بيان صحافي اليوم، بأن جدول أعمال المنتدى يتضمّن سلسلة من الفعاليات يشارك فيها قادة دول ورؤساء منظمات دولية وإقليمية، إلى جانب ممثلين عن كبرى مؤسسات القطاع الخاص.

وأشار الشناوي إلى أن جلسات المنتدى سوف تتناول موضوعات تتعلق بتعزيز التعاون الدولي، ودعم مسارات الازدهار العالمي، وتوسيع الاعتماد على التكنولوجيا والابتكار بوصفها قاطرة للنمو، فضلاً عن الاستثمار في رأس المال البشري.

ولفت المتحدث إلى أن الرئيس المصري سوف يلتقي على هامش أعمال المنتدى، نظيره الأميركي دونالد ترمب، وذلك للتباحث حول آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وبحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة بما يخدم مصالح البلدين ويعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي.


ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
TT

ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» يوم الخميس في دافوس، في خطوة استنفرت القادة الغربيين المجتمعين في بلدة التزلج السويسرية، وسط تصاعد الضغوط الأميركية لحسم المواقف من المبادرة الجديدة.

ويدرك حلفاء واشنطن، وكذلك بعض خصومها وفي مقدّمهم الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ، أن عامل الوقت لا يعمل لصالحهم، مع تكثيف البيت الأبيض ضغوطه على قادة الدول الـ65 المدعوة لتأكيد موقفها من المجلس، وتوقيع الميثاق التأسيسي بحلول الساعة 10:30 صباح الخميس في دافوس. ويتوقّع أن يعرض ترمب ملامح المبادرة التي يروّج لها باعتبارها «إطاراً دولياً جديداً» لإدارة النزاعات، في خطاب أمام قادة الأعمال المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي يوم الأربعاء.

ومع اتساع دائرة الدعوات لتشمل دولاً لا تجمعها علاقات ودية، تتزايد التساؤلات حول طبيعة تفويض «مجلس السلام» وآليات اتخاذ القرار داخله. ويرى دبلوماسيون مجتمعون في دافوس أن المبادرة، التي يُفترض أن تبدأ بملف غزة قبل أن تمتد لاحقاً إلى بؤر ساخنة أخرى حول العالم، قد تُشكّل تحدياً مباشراً لدور الأمم المتحدة، وتعيد رسم قواعد إدارة الصراعات الدولية خارج الأطر التقليدية.

ميثاق المجلس: من غزة إلى النزاعات العالمية

بعد إعلانه المرحلة الثانية من خطة السلام في قطاع غزة في 17 يناير (كانون الثاني)، وجّه البيت الأبيض دعوة إلى أكثر من 60 دولة للانضمام إلى «مجلس السلام»، الذي يشكّل ركناً أساسياً في برنامج أُقرّ في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب وقف إطلاق النار في القطاع. وكان الهدف الأصلي من المجلس هو دعم الإدارة الفلسطينية عبر تنسيق جهود إعادة الإعمار وتحفيز التنمية الاقتصادية، بعد عامين من الحرب بين إسرائيل و«حماس».

دافوس تشهد الخميس تدشين «مجلس السلام» (رويترز)

وحظي المجلس حينها بموافقة رسمية بموجب تفويض صادر عن مجلس الأمن الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، على أن يقتصر دوره جغرافياً على غزة وينتهي تفويضه في عام 2027. غير أن وثيقة الميثاق التي تسرّبت إلى وسائل الإعلام تكشف عن مراجعة جوهرية في طموحات الرئيس الأميركي، إذ توسّع نطاق المهمة ليشمل «تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الرشيد والقانوني، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاعات»، من دون أي إشارة مباشرة إلى غزة.

رئاسة دائمة... وعضوية مشروطة

وتشير الوثائق الأولية إلى أن الرئيس ترمب سيحظى برئاسة دائمة للمجلس، فيما تُمنح الدول عضوية لمدة ثلاث سنوات، قابلة للتحوّل إلى عضوية دائمة مقابل مساهمة مالية قدرها مليار دولار. وفيما لم تتضح بعد الجهة المستفيدة من هذه المساهمات، لمّح مسؤولون أميركيون في تسريبات صحافية إلى أنها ستُخصّص لصندوق إعادة إعمار القطاع الفلسطيني.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن إعادة إعمار غزة ستتطلب نحو 53 مليار دولار، ما يضيف بعداً مالياً بالغ الحساسية إلى المبادرة.

«استبدال» الأمم المتحدة

يرى ترمب نفسه على نحو متزايد كمهندس عالمي لـ«السلام بالقوة»، ويسعى إلى تكريس هذا الدور عبر طرح إطار دولي جديد يتجاوز، بحسب رؤيته، «بطء آليات العمل داخل الأمم المتحدة» وما يعتبره حالة من «الشلل المؤسسي» التي تعوق الاستجابة للأزمات الدولية.

وعبّر مسؤولون أوروبيون، ولا سيما في أروقة دافوس، عن مخاوفهم من سعي ساكن البيت الأبيض إلى تحجيم دور الأمم المتحدة، أو حتى «استبدالها»، عبر توسيع صلاحيات «مجلس السلام» خارج إطار غزة. وتزداد هذه الهواجس في ظل انعقاد اجتماعات المجلس في غياب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي اعتذر عن المشاركة في أعمال دافوس بسبب إصابته بالزكام، وفق نائب المتحدث باسمه فرحان حق.

«مجلس السلام» لن يكون محصوراً بغزة فقط (أ.ف.ب)

ويشير ميثاق المجلس، الذي نُشرت نسخة منه في وسائل إعلام عدة، إلى أن «العديد من مقاربات بناء السلام تُضفي طابعاً مؤسسياً على الأزمات، بدلاً من قيادة المجتمعات إلى تجاوزها»، داعياً إلى «التحلّي بالشجاعة للابتعاد عن أساليب ومؤسسات أخفقت مراراً في تحقيق أهدافها».

حذر أوروبي وتهديدات مبطّنة

يعمل حلفاء أوروبيون على تنسيق موقف مشترك والسعي لتعديل بنود الميثاق المقترح، بحسب مصادر مطّلعة، في وقت تتكثف فيه المشاورات خلف الكواليس، سواء عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة أو في أروقة دافوس المتوتّرة.

ويدرك الأوروبيون أن الوقت ليس في صالحهم مع اقتراب موعد الخميس، ولا سيما في ظل تزامن هذه الجهود مع مرحلة دقيقة من المفاوضات المرتبطة بالحرب الروسية المستمرة على أوكرانيا، ومع تهديدات ترمب بـ«شراء» غرينلاند الدنماركية.

وكان الموقف الفرنسي الأشد حدّة داخل القارة الأوروبية، إذ استبعد الرئيس إيمانويل ماكرون انضمام باريس إلى المجلس «في هذه المرحلة»، مشيراً إلى تساؤلات جوهرية تتعلق باحترام مبادئ وهيكلية الأمم المتحدة. وردّ ترمب لاحقاً بلهجة ساخرة، ملوّحاً في منشور على منصة «تروث سوشال» بفرض رسوم جمركية تصل إلى 200% على صادرات فرنسية، قبل أن يستدرك بأن باريس «ليست ملزمة بالمشاركة».

مواقف دولية متباينة

من جانبها، عبّرت إسرائيل عن «تحفّظات» على المجلس. فرغم دعم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو «مبدأ» «مجلس السلام»، اعتبر مكتبه أن اللجنة المنفصلة المعنية بغزة، والتي يُفترض أن تعمل تحت مظلة المجلس، «لم يتم التنسيق بشأنها مع إسرائيل وتتعارض مع سياستها»، ولا سيما بعد إدراج مسؤولين من قطر وتركيا ضمنها.

في المقابل، أبدت دول أخرى انفتاحاً مشروطاً. وقال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إنه منفتح «من حيث المبدأ» على الانضمام، مع التشديد على ضرورة مناقشة الشروط. فيما امتنع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن تأييد المبادرة، مكتفياً بالإشارة إلى مشاورات مع الحلفاء.

وفي أميركا اللاتينية، أكّد الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أنه سيصبح عضواً مؤسساً في المجلس، فيما عرضت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني نفسها «وسيطاً محتملاً». عربياً، قبل ملك المغرب محمد السادس الانضمام إلى المجلس، ليصبح أول زعيم عربي يؤكد مشاركته، إلى جانب دول مثل فيتنام وكازاخستان والمجر (هنغاريا).

وأبدت موسكو وبكين حذراً لافتاً. فقد أعلن الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تلقى دعوة رسمية، وأن موسكو تدرس تفاصيلها. أما الصين، فأكدت تسلّمها الدعوة من دون الإفصاح عمّا إذا كانت ستقبلها، في ظل هدنة تجارية هشّة مع واشنطن.