سوريا والعراق يبحثان توحيد الموقف حول حصتهما من مياه دجلة والفرات

مشهد من مدينة العمارة يُظهر مدى انحسار مياه الفرات (رويترز)
مشهد من مدينة العمارة يُظهر مدى انحسار مياه الفرات (رويترز)
TT

سوريا والعراق يبحثان توحيد الموقف حول حصتهما من مياه دجلة والفرات

مشهد من مدينة العمارة يُظهر مدى انحسار مياه الفرات (رويترز)
مشهد من مدينة العمارة يُظهر مدى انحسار مياه الفرات (رويترز)

يسعى الجانبان السوري والعراقي إلى توحيد المواقف فيما يخص حقوقهما من مياه نهرَي دجلة والفرات. وقالت وسائل إعلام سورية رسمية إن وزير الموارد المائية، تمام رعد، بحث مع نظيره العراقي، عون ذياب، سبل تعزيز التعاون الثنائي في مجال الموارد المائية، وأهمية توحيد المواقف من أجل ضمان حقوق البلدين المائية «وفقاً للأعراف والمواثيق الدولية».

لقاء الوزيرين الذي جرى في بغداد بعد اختتام مؤتمر المياه الثالث أعماله في بغداد، يوم الاثنين، جاء بينما تستعد بغداد لإرسال وفد إلى تركيا لبحث ملف المياه، حسبما كشفت عنه مصادر إعلامية عراقية، ووسط تحذيرات من كارثة بيئية قد تضرب مناطق واسعة خلال الصيف. ويأمل العراقيون أن يحصلوا على حصة عادلة من مياه نهرَي دجلة والفرات وفق المعاهدات الدولية.

وخلال لقاء وزيرَي الموارد المائية السوري والعراق في بغداد بعد اختتام مؤتمر المياه الثالث أعماله يوم الاثنين، جرى بحث أهمية توحيد المواقف والرؤى، من أجل ضمان حقوق البلدين المائية «وفقاً للأعراف والمواثيق الدولية».

ونقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) عن الوزير السوري إشارته خلال اللقاء إلى «حرص البلدين على إدامة التشاور، وتفعيل أعمال اللجان المشتركة لمحطات القياس، لما فيه منفعتهما المتبادلة». كما نوه الوزير السوري إلى نجاح مؤتمر بغداد الدولي الثالث للمياه. ونقلت عن الوزير العراقي قوله إن التداعيات السلبية للتغيرات المناخية وشحّ المياه أديا إلى توجه الحكومة العراقية لاعتماد تقنيات الري الحديثة في تنفيذ مشاريعها الإروائية.

وتضمنت توصيات مؤتمر المياه الثالث في بغداد دعوة الدول المتشاطئة في حوضَي نهرَي دجلة والفرات إلى الانضمام لاتفاقية المياه «هلسنكي 1992» واتفاقية الأمم المتحدة عام 1997، بهدف الحفاظ على المياه العابرة للحدود من التلوث، بُغية ضمان استدامة التنوع الأحيائي في مناطق الأهوار وبيئة شط العرب والأراضي الرطبة بصورة عامة. وذلك بعد دخول الجفاف وانخفاض منسوب نهرَي دجلة والفرات الموسم الرابع جراء بناء تركيا مشاريع مائية ضخمة على المثلث الحدودي (سوريا والعراق وتركيا)، مثل سدّ «إليسو» الذي أدى إلى تخفيض كميات المياه المتدفقة عبر نهرَي الفرات ودجلة إلى سوريا والعراق، ووصلت المياه في نهر الفرات خلال السنوات الأخيرة إلى مستوى 200 متر مكعب في الثانية، وهو أقل من نصف الكمية المتفق عليها بين البلدين في عام 1987.

ويهدد انخفاض منسوب المياه والتغيرات مناخية، كالجفاف والتصحر، الموارد الزراعية على طرفي الحدود، وفق تقديرات البنك الدولي التي تشير إلى أن ندرة المياه ستكلف دول الشرق الأوسط بين 6 و14 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2050 بسبب التأثيرات المرتبطة بالمياه على الزراعة والصحة والدخل، ما يشير إلى تداعيات خطيرة على المدى القريب على الاستقرار الوطني والإقليمي.

وتسيطر تركيا على أكثر من 90 في المائة من المياه التي تصب في نهر الفرات، و44 في المائة منها في نهر دجلة. وأدت مواصلة تركيا قطع تدفق نهر الفرات إلى الدول المجاورة وصبه في السدود التركية، إلى نقص الغذاء والطاقة في سوريا، وتفاقم أزمة المياه في العراق، وفقدان ما لا يقل عن سبعة ملايين شخص إمكانيتهم الوصول إلى المياه. وذلك بعد 4 سنوات من الجفاف وتفاقم التغير المناخي، ما يزيد احتمالات تأجج الصراع في المنطقة.

ويطالب الجانبان السوري والعراقي بتطبيق مبادئ القانون الدولي بشأن تنظيم استغلال المياه. فنهرا دجلة والفرات دوليان طبقاً لتعريف الأمم المتحدة الذي يقول إن النهر الدولي هو «المجرى المائي الذي تقع أجزاء منه في دول مختلفة». كما يريان أن حوضَي نهرَي دجلة والفرات مستقلان بعضهما عن بعض، ولكل جانب منهما حوضه ومساره ومنطقته. ويطالبان بالتوصل إلى اتفاق ثلاثي، بين تركيا وسوريا وإيران، لتحديد الحصص المائية لكل دولة بالاعتماد على القانون والعُرف الدوليين.

في المقابل ترفض تركيا الموافقة على اتفاقية الأمم المتحدة حول استخدام المجاري المائية للأنهار الدولية غير الملاحية، بزعم أنها لا تلحظ مبدأ سيادة الدول على الممرات المائية الدولية التي تمر من أراضيها، كما ترفض التوقيع على أي اتفاقية دولية لتحديد حصص الدول في المياه بموجب مبادئ القانون الدولي. وتركز على بحث التعاون الفني لضمان حسن الاستغلال الأمثل للمياه.

لأن تركيا ترى أن نهرَي دجلة والفرات ليسا نهرَين دوليين كي تنطبق عليهما أحكام القانون الدولي للمياه، وإنما هما مياه عابرة للحدود لكونهما ينبعان ويتغذيان ثم يجريان عبر الأراضي التركية. كما ترى أن حوضَي دجلة والفرات مجرى مائي واحد، وليسا حوضَين منفصلين بحكم أن النهرَين يلتقيان عند المصب.


مقالات ذات صلة

مصر لتوسيع الشراكة المائية مع أوزبكستان وسط تحديات «سد النهضة»

شمال افريقيا وزير الري المصري خلال لقاء مع النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الأوزبكي (وزارة الري المصرية)

مصر لتوسيع الشراكة المائية مع أوزبكستان وسط تحديات «سد النهضة»

خطوة جديدة تتخذها القاهرة في توسيع شراكاتها المائية عبر محادثات مع أوزبكستان بهدف تعزيز التعاون الثنائي والتنسيق الدولي بشأن «حوكمة الأنهار الدولية».

محمد محمود (القاهرة)
صحتك يقلل الكمون من الانتفاخ والغازات (بيكساباي)

ماذا يحدث لمعدتك عند شرب ماء الكمون يومياً؟

يؤدي شرب ماء الكمون يومياً إلى تحسين عملية الهضم وتقليل الانتفاخ والغازات، بفضل محتواه من مركبات تحفز إفراز الإنزيمات الهاضمة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان أوسمان ديون (تركي العقيلي) p-circle 05:41

خاص البنك الدولي: 12 مليار دولار سنوياً لتحويل أمن الغذاء في المنطقة إلى فرصة اقتصادية

يتحول الأمن الغذائي في المنطقة إلى فرصة اقتصادية تستقطب الاستثمارات في المياه والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، مع بروز السعودية مركزاً إقليمياً.

هلا صغبيني (الرياض)
شمال افريقيا وزير الزراعة المصري خلال لقائه عدداً من المزارعين (مجلس الوزراء المصري)

تعهدات مصرية بتوفير الاحتياجات المائية للمزارعين رغم تحديات «سد النهضة»

جهود كبيرة تتحدث عنها وزارة الري المصرية لتوفير الاحتياجات المائية مع الاحتفال بـ«عيد الفلاح» بالبلاد في ظل عجز مائي تشهده، وسط تحديات أزمة «سد النهضة».

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي وزير الري المصري هاني سويلم يستقبل وفداً فنياً رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات (الري المصرية)

العراق يطّلع على التجربة المصرية في معالجة المياه وإعادة استخدامها

يستهدف العراق الاستفادة من التجربة المصرية في مجال معالجة وإعادة استخدامات المياه؛ إذ بحث وفد فني عراقي نظم وتطبيقات الري الحديث المطبقة في مصر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

سلام لبزشكيان: لبنان يتطلع إلى علاقة مع إيران تحترم سيادة البلدين

خلال لقاء رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام مع رئيس الجمهورية الإيرانية مسعود بزشكيان في نيويورك يوم 24 سبتمبر 2026 (صفحة رئاسة مجلس الوزراء اللبناني على «إكس»)
خلال لقاء رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام مع رئيس الجمهورية الإيرانية مسعود بزشكيان في نيويورك يوم 24 سبتمبر 2026 (صفحة رئاسة مجلس الوزراء اللبناني على «إكس»)
TT

سلام لبزشكيان: لبنان يتطلع إلى علاقة مع إيران تحترم سيادة البلدين

خلال لقاء رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام مع رئيس الجمهورية الإيرانية مسعود بزشكيان في نيويورك يوم 24 سبتمبر 2026 (صفحة رئاسة مجلس الوزراء اللبناني على «إكس»)
خلال لقاء رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام مع رئيس الجمهورية الإيرانية مسعود بزشكيان في نيويورك يوم 24 سبتمبر 2026 (صفحة رئاسة مجلس الوزراء اللبناني على «إكس»)

عقد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام اجتماعاً مع رئيس الجمهورية الإيرانية مسعود بزشكيان، في نيويورك، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، بحضور وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

وشدد سلام على أن لبنان دفع ثمناً باهظاً من أمنه واستقراره واقتصاده، وأنه لا يريد أن يكون ساحة لصراعات إقليمية أو لتبادل الرسائل، وفق ما نقلته رئاسة الوزراء اللبنانية.

وأوضح أن العلاقة بين لبنان وإيران تاريخية بين البلدين والشعبين، وأن لبنان يتطلع إلى فتح صفحة جديدة فيها وبناء علاقة سليمة من دولة إلى دولة، تقوم على احترام سيادة كل منهما واستقلاله، وعدم التدخل في شؤون الآخر، وعلى المصالح المشتركة.

وقال سلام: «نتمنى لإيران وشعبها كل الخير والأمن والاستقرار والازدهار والنمو». كما دعا إيران إلى ترشيح سفير جديد لها في لبنان.

وأكد أن الأولوية هي لانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف اعتداءاتها، وللمضي في بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وحصر السلاح بيدها.


آلاف السوريين يواجهون تبعات قانونية وقضائية معقدة

طوابير لسوريين في مطار حلب الدولي (هيئة الطيران المدني)
طوابير لسوريين في مطار حلب الدولي (هيئة الطيران المدني)
TT

آلاف السوريين يواجهون تبعات قانونية وقضائية معقدة

طوابير لسوريين في مطار حلب الدولي (هيئة الطيران المدني)
طوابير لسوريين في مطار حلب الدولي (هيئة الطيران المدني)

لا تزال القرارات الأمنية والتهم القضائية الصادرة بحق آلاف السوريين خلال فترة حكم نظام بشار الأسد، تطارد الكثير من الناشطين والسياسيين الذين يكتشفون وجود أحكام غيابية ومذكرات بحث جنائية لا تزال سارية بحقهم، رغم تعدد القرارات والإجراءات الحكومية لمعالجة هذا الملف الشائك، وإلغائها الملاحقات الأمنية بحق المعارضين.

وبينما يتصدر مجلس الشعب السوري مسار العدالة الانتقالية، بوصفه المقر التشريعي الذي أنهى القوانين الاستثنائية، ومن بينها إلغاء محكمة الإرهاب، يبقى ملف المحكومين والملاحقين بقضايا جنائية إبان سنوات الأزمة السورية معلقاً دون حلول جذرية، ليفشل في طي صفحة هذه المعاناة المستمرة وتسوية هذا الملف الشائك، والتي تواجه العديد من العائدين إلى البلاد عبر المنافذ البرية أو الجوية.

ورغم سلسلة القرارات والمراسيم الحكومية التي صدرت تباعاً بهدف معالجة هذه المعضلة وتفكيك إرث الحقبة الماضية، فإن الآلاف من السوريين ما زالوا يواجهون تبعات قانونية وقضائية معقدة، حيث يرى حقوقيون أن الإجراءات التنفيذية ما زالت عاجزة عن مواكبة التوجهات التشريعية الجديدة، مما يبقي مصير العديد من الملاحقين قضائياً معلقاً بين وعود العدالة وبيروقراطية المؤسسات.

المشرعون السوريون يحضرون الجلسة الأولى لمجلس الشعب في دمشق يوم 12 يوليو 2026 (إ.ب.أ)

في شهر مارس (آذار) لعام 2025، أصدرت وزارة الداخلية قراراً بإلغاء جميع بلاغات منع السفر المتضمنة طلبات التوقيف والإعلام والمراجعة والتخلف عن الخدمتين الإلزامية والاحتياطية الصادرة بحق المواطنين، مؤكدة وجود أكثر من ثمانية ملايين شخص، أي ما يقارب نحو ثلث الشعب السوري، كانوا مطلوبين لأجهزة المخابرات والأمن التابعة للنظام البائد.

تبعها إعلان وزير العدل مظهر الويس، في شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، إلغاء المحاكم والأحكام الاستثنائية، تماشياً مع قرار إلغاء القانون رقم 22 لعام 2012 الخاص بإنشاء «محكمة قضايا الإرهاب» الاستثنائية، وعزل القضاة الذين أداروا هذه المحكمة.

شمل الإلغاء جميع القضايا السياسية وقضايا الرأي والتهم الكيدية، بينما استُثنيت الجنايات الخطيرة التي تتعلق بالحقوق الشخصية (مثل التسبب بموت إنسان) أو الجرائم المنظمة مثل اتجار المخدرات، التي أُحيلت للقضاء العسكري العام للنظر فيها وفق الأصول القانونية العادلة، الأمر الذي حافظ على استمرارية الملاحقات المتعلقة بالقضايا الجنائية.

إلغاء لا يسقط التهم

يؤكد عضو مجلس الشعب السوري، عقيل حسين، أهمية تشريع المجلس قرار إلغاء محاكم الإرهاب والمحاكم العسكرية والقرارات والمراسيم الأمنية «الاستثنائية» التي أصدرها النظام البائد خلال فترة الثورة بحق السوريين، «وهي تشمل إلغاء جميع القرارات والأحكام المترتبة والصادرة عنها».

القرار «غير مرتبط بملف الأحكام الجنائية التي يرجع حلها للمؤسسات المختصة، إلا أنه يسهم في تعجيل إنهاء هذا الملف ومعاناة المتضررين»، بحسب حسين، الذي أشار إلى وجود عمل مشترك بين مختلف الجهات «لوضع آلية قادرة على تسريع المعالجة والاستجابة المباشرة».

بدورها، تقر مصادر أمنية في حديثها لـ«الشرق الأوسط» باتباع النظام البائد كل الوسائل للتضيق على السوريين، ومنها التهم الجنائية، وتركيزه على تهم قضايا الإرهاب لحساسيتها الدولية. إلا أنها لم تفوت الفرصة للحديث عن «حسم جزء كبير من هذه الادعاءات، بينما تحمل التهم الجنائية والقضايا الشخصية وضعاً خاصاً، بسبب التعقيدات التقنية وارتباط العديد من الجهات في هذا الملف».

واعترفت المصادر الأمنية بوجود حالة من «البطء في المعالجة بسبب الحجم الضخم، وارتباطه بالقضايا المدنية وتشعبها، ومواجهة البعض لمشاكل في حال كانت تهمهم متعلقة بادعاء شخصي أو ما شابه ذلك».

إلا أنها أشارت أيضاً إلى قدرة المتضررين على مراجعة مراكز الاختصاص في دمشق لتسوية أي مشكلة استثنائية، من قبيل استمرار الملاحقات رغم إغلاق ملف البلاغ، أو ضياع إضبارته الخاصة وغيرها من الأمور».

استمرار إرث النظام البائد

ومع ذلك، لا يزال كثير من المطلوبين يواجهون مساراً بيروقراطياً طويلاً أمام تسوية وضعهم القانوني، ما أدى إلى تقييد حريتهم وحقوقهم المدنية، فقد تحدث البعض عن وجود ادعاءات جنائية شخصية موجهة ضدهم.

وبالعودة إلى أساس الدعوى، تبين تقديمها خلال فترة وجودهم خارج البلاد، ومنهم من أشار إلى غياب الجهة المدعية أساساً، بينما أكد آخرون عادوا إلى سوريا وجود أمر إلقاء القبض لقضايا جنائية، وخلال مراجعتهم المؤسسات والمراكز العدلية، تبين ضياع مستندات الدعوى وتلفها، فيما ظلت الملاحقة القضائية مستمرة.

وأشار بعض من واجه هذه المشكلة إلى وجود «حالة من ضعف الربط التقني وقلة خبرة الموظفين الجدد»، حيث اضطر العديد من الأشخاص لمراجعة المراكز العدلية والأفرع الجنائية في دمشق، ليتبين شطب سجلاتهم، بينما لا تزال مذكرات التوقيف المرسلة للمنافذ الحدودية سارية المفعول».

وتكمن الأزمة، وفقاً لمصادر حقوقية متقاطعة، في وجود فجوة تنظيمية واسعة بين القرارات السياسية والأمنية ومفرداتها، وسجلات النيابة العامة والمحاكم المختصة، وتحول هذه البيروقراطية دون شطب القيود الجنائية تلقائياً؛ إذ يتطلب إلغاء مذكرة البحث أو إسقاط الحكم الغيابي إجراءات قانونية معقدة وطويلة، تبدأ بالتماس «كف بحث» ومراجعة الجهة القضائية الصادرة عنها.

الحلول موجودة

أول رحلة مباشرة ومنتظمة للخطوط الجوية السورية تحمل مغتربين سوريين قادمة من فيينا في النمسا (هيئة الطيران المدني)

رغم أن السلطات الجديدة اتخذت خطوات مهمة في هذا الاتجاه، «فإنها لا تزال غير كافية، واستمرار معاناة المتضررين يؤكد عدم حل المشكلة»، بحسب القانوني والناشط الحقوقي ميشيل شماس.

ويوضح شماس في حديثه لـ«الشرق الأوسط» وجود فروقات بين صدور قرار عام ووصول أثر هذا القرار إلى كل قاعدة بيانات وكل جهة وكل ملف، فالنظام السابق هو الذي أنشأ هذه الملفات، والدولة الجديدة هي التي ورثت مؤسساته وسجلاته، ويجب أن تتحمل مسؤولية مراجعتها وتصحيحها.

ويرى شماس أن مشروع إلغاء محكمة الإرهاب أو إنهاء العمل بالقوانين الاستثنائية التي استخدمها النظام ضد المعارضين «خطوة ضرورية، إلا أنها لا تحل المشكلة، لا سيما أن إلغاء المحكمة لا يمحو تلقائياً آثار آلاف الأحكام والمذكرات والإشارات التي صدرت عنها أو عن أجهزة أخرى».

ويرى أن الحل السريع موجود، ويتمثل «بتشكيل لجنة قضائية مستقلة وقاعدة بيانات موحدة، لتصنيف الملفات إلى جنائية حقيقية وسياسية وأمنية، وإلغاء جماعي للقيود السياسية، وتوفير خدمة رسمية يستطيع المواطن من خلالها معرفة وضعه القانوني دون وسيط».


«طعن وأوراق بيضاء»... ماذا يجري في انتخابات رئاسة «حماس» في غزة؟

(من اليمين) القياديون في «حماس»: محمد درويش وخليل الحية ونزار عوض الله خلال لقاء مع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في فبراير 2025 (موقع خامنئي - أ.ف.ب)
(من اليمين) القياديون في «حماس»: محمد درويش وخليل الحية ونزار عوض الله خلال لقاء مع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في فبراير 2025 (موقع خامنئي - أ.ف.ب)
TT

«طعن وأوراق بيضاء»... ماذا يجري في انتخابات رئاسة «حماس» في غزة؟

(من اليمين) القياديون في «حماس»: محمد درويش وخليل الحية ونزار عوض الله خلال لقاء مع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في فبراير 2025 (موقع خامنئي - أ.ف.ب)
(من اليمين) القياديون في «حماس»: محمد درويش وخليل الحية ونزار عوض الله خلال لقاء مع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في فبراير 2025 (موقع خامنئي - أ.ف.ب)

كشفت 4 مصادر من «حماس» داخل وخارج قطاع غزة، في إفادات منفصلة لـ«الشرق الأوسط» عن أن جولة الإعادة لانتخاب رئيس المكتب السياسي للحركة بالقطاع، قد تم إيقافها، بعد فشل الحسم في الجولة الأولى التي جرت قبل 3 أسابيع.

وتطابقت تصريحات المصادر حول أن الجولة الأولى «لم تحسم بسبب استخدام من يحق لهم الانتخاب أوراقاً بيضاء، وذلك في تكرار للظاهرة التي كانت قد حدثت خلال انتخابات تحديد الرئيس العام للمكتب السياسي في مايو (أيار) الماضي، وأعيدت بجولة ثانية حسمها لصالحه خليل الحية، على حساب خالد مشعل».

كما أشارت 3 مصادر من قطاع غزة والخارج إلى أن إيقاف جولة الإعادة على قيادة مكتب «حماس» في غزة جاء على خلفية تقديم نزار عوض الله (المقيم في الخارج)، الذي ينافس علي العامودي (المقيم في الداخل)، وكلاهما من أعضاء المكتب السياسي، طعناً في بعض الإجراءات التي اتُبعت في جولة الإعادة.

لقطة من فيديو نشره الإعلام العسكري لحركة «حماس» تُظهِر مقاتلاً من «كتائب القسام» خلال هجوم 7 أكتوبر 2023 (رويترز)

وقال المصدر الرابع الموجود خارج غزة إن «هناك خلافات أخرى دفعت باتجاه تجميد الانتخابات مؤقتاً على أن تستكمل قريباً بعد إجراء بعض الترتيبات» التي لم يوضحها. ورأى أن «هذه خلافات طبيعية، في إطار القوانين والأنظمة التي تحكم أي عملية انتخابية داخل الحركة».

وربطت بعض المصادر جانباً من إرجاء الحسم إلى «الوضع الأمني وما يمر به القطاع، وظروف التعامل مع واقع الانتخابات بعد حرب غزة»، كما أشار مصدر آخر إلى أن الانتخابات «تجري في ظل تتبع إسرائيل للكثير من المعلومات الاستخباراتية التي تهدف لمحاولة الوصول لأي من المشاركين في الانتخابات أو غيرها، وهذه جميعها أسباب دفعت لبروز ثغرات قانونية أدت للواقع الحالي».

لماذا عادت الأوراق البيضاء؟

وبشأن استخدام الأوراق البيضاء مجدداً، قال مصدران من داخل القطاع، إنها طبيعية تعود لخلاف الفكر حول الشخصيات المتنافسة ونهجها الذي قد تتبعه ويراه البعض غير مناسباً للمرحلة الحالية، كما جرى في الانتخابات العامة.

ولم تحدد أي من المصادر، فيما إذا كان رئيس المكتب السياسي للحركة، خليل الحية، يدعم أي من المتنافسين: علي العامودي، أو نزار عوض الله.

وتمر «حماس» بمرحلة شديدة التعقيد لم تمر بها منذ تأسيسها عام 1987، عقب هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 الذي بدأته بمهاجمة المواقع والبلدات الإسرائيلية المحاذية للقطاع، والذي دفع إسرائيل لشن حرب طويلة ومتواصلة.

ماذا نعرف عن علي العامودي؟

وكانت مصادر قد كشفت لـ«الشرق الأوسط» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عن أن العامودي، وهو أسير محرر وعضو مكتب سياسي، وكان مسؤولاً عن الدائرة الإعلامية للحركة قبل الحرب، أصبح مسيراً لأعمال مكتبها السياسي في قطاع غزة، بعدما تم تكليفه وعدد من المقربين من قائد «حماس» الراحل يحيى السنوار، بإدارة الحركة في القطاع، وغالبيتهم ممن يقطنون في خان يونس جنوب القطاع.

والعامودي، وهو محرر أفرج عنه خلال صفقة الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط عام 2011، أصبح منذ نحو عام الشخصية المركزية والمحورية في إدارة القطاع، وكان من الأشخاص المقربين جداً من السنوار، خلال فترة اعتقالهما في السجون الإسرائيلية، وعند تحررهما، ورافقه كثيراً في كثير من الاجتماعات والمناسبات، وغيرها، وجرت عملية تكليف له بالتزكية والتشاور لإدارة القطاع، فيما رأت بعض المصادر حينها أن ما جرى تم بطريقة التفافية على القوانين الداخلية، وهذا ما قد يفسر إجراء الانتخابات الداخلية بغزة.

وخلال الفترة الماضية، أثير الكثير من الجدل حول قرارات العامودي بغزة، وما أجراه من تغييرات وإعفاء مسؤولين من مناصبهم، ما تسبب بحالة غضب في أوساط قيادات محلية بالقطاع، ما دفع بعض أعضاء المكتب السياسي في الخارج، حينها للتدخل ومحاولة حل أي أزمات.

ماذا نعرف عن نزار عوض الله؟

يعد نزار عوض الله من الجيل التاريخي في حركة «حماس»، الذي قاد سراً إدارة المكتب السياسي للحركة في الفترة الممتدة ما بين نهاية 2004 وحتى بدايات 2007، كما كان له دور بارز في عديد من المحطات المهمة في تاريخ الحركة المعاصر، ومنها قيادته لملف مفاوضات صفقة شاليط، وكذلك مشاركته الفاعلة والمهمة في مفاوضات الحرب الأخيرة، إلى جانب لعبه دوراً مهماً في جولات المصالحة الفلسطينية التي كانت تجري بين عدة عواصم بعد سيطرة حركته على القطاع عام 2007.

وكان عوض الله مقرباً للغاية من الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة «حماس»، وكذلك مع عبد العزيز الرنتيسي، وغيرهما من القيادات التاريخية والأولى للحركة، والذي كان هو واحداً منهم.

ولمع نجم عوض الله، وهو مهندس معماري يبلغ من العمر (68 عاماً)، ويقطن في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، وقصف منزله عدة مرات في حروب سابقة.

وخلال الانتخابات الداخلية الأخيرة التي جرت عام 2021، نافس يحيى السنوار على قيادة المكتب السياسي في قطاع غزة، والتي خسرها حينها لصالح السنوار بعدما جرت جولة إعادة ثانية للانتخابات آنذاك.