زيارة محمد بن سلمان إلى باريس لتعزيز العلاقات ودعم اتفاقية الشراكة

تعاون اقتصادي ودفاعي وتنسيق إقليمي يتصدران مباحثات ولي العهد وماكرون

من لقاء موسع جمع ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي في الرياض 2 ديسمبر 2024 (واس)
من لقاء موسع جمع ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي في الرياض 2 ديسمبر 2024 (واس)
TT

زيارة محمد بن سلمان إلى باريس لتعزيز العلاقات ودعم اتفاقية الشراكة

من لقاء موسع جمع ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي في الرياض 2 ديسمبر 2024 (واس)
من لقاء موسع جمع ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي في الرياض 2 ديسمبر 2024 (واس)

يقوم الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي يومي الأحد والاثنين بزيارة رسمية لفرنسا تلبية لدعوة الرئيس إيمانويل ماكرون الذي سبق له أن قام بزيارة دولة إلى السعودية في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2024، أسفرت عن توقيع مجموعة واسعة من الاتفاقيات والتفاهمات، وأفضت خصوصاً إلى إطلاق «مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي ــ الفرنسي».

وتعد زيارة الأمير محمد بن سلمان، إلى باريس الثالثة من نوعها بعد زيارتين سابقتين قام بهما في يوليو (تموز) 2022 ويونيو (حزيران) 2023.

وغادر الأمير محمد بن سلمان، البلاد، الجمعة، متوجهاً إلى فرنسا. وذكر الديوان الملكي السعودي أن الزيارة تأتي بناءً على توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، واستجابة للدعوة الموجهة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

أول اجتماع لمجلس الشراكة

وتأتي هذه الزيارة بعد أن حقق البلدان قفزة كبيرة في علاقاتهما الثنائية عقب التوقيع على اتفاقية الشراكة التي اتبعت بمذكرة شكلت ما يشبه «خريطة الطريق» لهذه الشراكة التي تشمل العديد من المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والفنية والرياضية، وكلها وردت في البيان المشترك الذي صدر بمناسبة زيارة ماكرون الأخيرة للسعودية.

وليل الخميس ــ الجمعة، أصدر قصر الإليزيه بياناً اعتبر فيه الزيارة «انعكاساً لحيوية الحوار القائم بين فرنسا والمملكة السعودية وأنها سوف تتيح تعزيز الشراكة الاستراتيجية التي تجمع بلدينا». ويضيف البيان أنه «لهذه الغاية، سيعقد رئيس الجمهورية وولي العهد السعودي، للمرة الأولى، اجتماع مجلس الشراكة الاستراتيجية الفرنسي ــ السعودي».

بيد أن أول لقاء بين ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي سيتم، وفق البرنامج الرسمي للزيارة، مساء الأحد 23 أغسطس (آب) في «القصر الكبير» القائم في أسفل جادة الشانزليزيه حيث ستجرى، بحضورهما، مراسم اختتام «كأس العالم للرياضات الإلكترونية» التي استضافتها فرنسا للمرة الأولى، بطلب من السعودية.

وجاء في البيان الرئاسي أن استضافة باريس لهذه البطولة العالمية الكبرى «تعكس جاذبية فرنسا المتجددة لاستضافة الفعاليات الرياضية الدولية الكبرى، بعد النجاح الذي حققته، ولا سيما، خلال دورة الألعاب الأولمبية والبارالمبية في باريس عام 2024». ويضيف البيان أن ذلك «يجسد الطموح المشترك لفرنسا والمملكة العربية السعودية لجعل الرياضة والثقافة وسيلتين لتعزيز التقارب بين البلدين».

وتجدر الإشارة إلى أنها المرة الأولى التي تجرى فيها هذه الرياضات خارج العاصمة السعودية. وستشهد احتفالات ليل الأحد توزيع الجوائز على الفائزين في مجمل الرياضات التي تواصلت طوال سبعة أسابيع بمشاركة 2000 لاعب من مائة دولة ومائتي نادٍ، بينها نوادٍ سعودية بارزة. وبحسب المنظمين، فإن القيمة الإجمالية للجوائز تصل إلى 75 مليون دولار.

الرئيس الفرنسي مستقبلاً ولي العهد السعودي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس 16 يونيو 2023 (واس)

وسيكون يوم الاثنين حافلاً حيث سيستقبل الرئيس الفرنسي، رسمياً، ضيفه الأمير محمد بن سلمان في قصر الإليزيه، على أن يعقد بعد الظهر لقاء ثنائي، يعقبه ترؤسهما لاجتماع «مجلس الشراكة» الذي سيختتم، وفق البرنامج الرسمي، بالتوقيع على مجموعة من الاتفاقيات. وبعدها سيحضر الزعيمان اختتام منتدى الأعمال السعودي، الذي يلتئم في باريس بمناسبة الزيارة الرسمية. وينتهي الاثنين بعشاء رسمي في قصر الإليزيه على شرف الأمير محمد بن سلمان والوفد المرافق.

وبحسب القصر الرئاسي، فإن محادثات الطرفين سوف تتناول «القضايا الاقتصادية والاستراتيجية الكبرى التي تشكل إطار الشراكة الفرنسية السعودية». كما سيتبادلان الآراء بشأن أبرز التحديات الإقليمية، في سياق يستدعي تنسيقاً وثيقاً بين فرنسا وشركائها في منطقة الخليج من أجل دعم الاستقرار والسلام في الشرقين الأدنى والأوسط.

جولة على الأزمات الإقليمية

تقول مصادر رئاسية فرنسية إن زيارة الأمير محمد بن سلمان تأتي وسط «أزمة إقليمية اندلعت قبل عدة أشهر ولا أحد يمتلك تصوراً حول كيفية انتهائها». وتعتبر باريس أن اختيار ولي العهد السعودي المجيء إلى فرنسا «إشارة مهمة».

وستوفر الزيارة نفسها الفرصة للرئيس ماكرون والأمير محمد بن سلمان، للتباحث بخصوص الأزمات الإقليمية، وأولاها إغلاق مضيق هرمز ونتائجه وكيفية إنهاء هذه الحالة، مع التركيز على العمل الذي يتم القيام به حول تنويع طرق إمداد الطاقة والتواصل بين الشرق الأوسط وأوروبا. وأفادت مصادر الإليزيه بأن ثمة تقدماً قد تحقق بشأن عدد من المشاريع التي فضلت عدم الخوض في تفاصيلها.

وبحسب المصادر المشار إليها، فإن الجانبين سيتناولان مجموعة من الملفات الإضافية، وهي ثلاثة: الملف اللبناني الذي بشأنه دعت باريس لاجتماع تصفه مصادرها بـ«التحضيري والتقني»، وتحديداً على مستوى رؤساء أركان جيوش 15 دولة. وفُهم أن الولايات المتحدة ستكون حاضرة فيه. وتقول باريس إنها تعمل مع الرياض حول هذا الملف «بشكل وثيق»، مؤكدة أن البلدين يتشاركان «تمسكهما بالسيادة اللبنانية ودعم السلطات هناك».

وأشارت مصادر الإليزيه إلى وجود «مشاريع أخرى» يتم العمل حولها بعيداً عن الأضواء. لكن المؤشرات تدل على أنها تتناول ملف انتهاء ولاية قوة اليونيفيل الدولية في جنوب لبنان وأن باريس وروما تعملان على بلورة صيغة تجنب الفراغ، علماً أن الأمم المتحدة طرحت عدة خيارات.

وليس بعيداً عن لبنان، سيكون الملف السوري حاضراً على طاولة المباحثات. وتفيد باريس بأنها تعمل بالتعاون مع الرياض حول هذا الملف مذكرة بأن الرئيس ماكرون قام بزيارة رسمية لسوريا مؤخراً.

ولي العهد السعودي خلال لقاء سابق مع الرئيس الفرنسي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس 16 يونيو 2023 (واس)

غير أن الاهتمامات الدولية والإقليمية لن تغطي على الهدف الأول للزيارة وهو تعزيز العلاقات الثنائية بين باريس والرياض.

ورداً على السؤال حول تأخر انعقاد «مجلس الشراكة الاستراتيجية» بين البلدين، فإن السبب يعود إلى أن المجلس يلتئم برئاسة ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي، وهي المرة الأولى التي يلتقيان فيها وجهاً لوجه منذ زيارة الرئيس ماكرون للسعودية قبل أقل من عامين.

ونوهت باريس بالبعثة الموسعة التي ترافق ولي العهد السعودي في زيارته والتي تعكس من جهة نظر فرنسا تنوع مجالات الشراكة وقوة العلاقات التي نسجها الطرفان. وتؤكد المصادر الفرنسية أن فرنسا تمثل، من بين الدول الأوروبية كافة «الشريك الأكبر والأكثر تأثيراً والراغب في مواكبة السعودية في مسارها الصاعد».

ومن جانب آخر، فإن الوفد الموسع «سيتيح إجراء اجتماعات وزراية متعددة المجالات ما يعكس اتساع العلاقات وتنوعها».

وعندما سئلت مصادر الإليزيه عن نظرتها للاتفاق الدفاعي الذي أبرم في مكة المكرمة بين السعودية وباكستان وتركيا، في الثامن من الشهر الحالي، كان ردها أنه يشكل «صورة للهندسة الإقليمية الجديدة»، وأنه «سيكون بالغ الأهمية أن نستمع للرؤية السعودية» حول هذا التطور.

البحث عن وسيلة للخروج من مأزق الحرب

يجمع المراقبون في باريس على اعتبار أن الصفة التي تغلب على العلاقات السعودية ــ الفرنسية أنها «وثيقة ومنتجة»، وأن التواصل بين ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي «دائم» والتنسيق بينهما قائم بشأن الملفات التي تفرض نفسها على إقليم الشرق الأوسط، بدءاً من الحرب الأميركية - الإيرانية، إلى أوضاع لبنان وغزة واليمن وأمن الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر.

ويرى برتراند بيزانسينو، السفير الفرنسي السابق في الرياض، أن زيارة ولي العهد السعودي تندرج في ثلاثة سياقات؛ أولها يتناول تطورات الوضع الإقليمي حيث يتساءل العديد من قادة الدول الخليجية حول أفضل الوسائل للخروج من الأزمة التي تضرب المنطقة. ورغم تفهمهم للدور المركزي الذي تلعبه الولايات المتحدة، فإنهم يرون أنهم ملزمون بالبحث عن أشكال أخرى لضمان أمنهم ومصالحهم.

والسياق الثاني عنوانه أن للدول الأوروبية حضوراً في المنطقة، ولها مصالح سياسية واقتصادية واستراتيجية ودور يمكن أن تلعبه، وأن تفاهمها مع الرياض يساعدها على ذلك.

ويشير بيزانسينو إلى أهمية فرنسا باعتبار أنها من بين الدول الأوروبية، التي تقوم بدور رائد في الشرق الأوسط.

ومن هنا تجيء فائدة التشاور والتنسيق معها حول أفضل الصيغ للخروج من الوضع المأزوم، ولكن أيضاً مع الأطراف الأخرى الفاعلة؛ أكانت باكستان أو تركيا أو غيرهما من الأطراف. ويتوقع بيزانسنو أن تأتي محادثات الإليزيه على الاتفاق الأمني الثلاثي (السعودي ــ الباكستاني ــ التركي).

أما السياق الثالث فيتناول الشراكة الاستراتيجية المتعددة المجالات المبرمة بين البلدين والمشاريع المشتركة التي أطلقاها معاً، اقتصادياً وثقافياً وتعليمياً ورياضياً، التي ستكون موضع بحث وتبادل.

لكن السفير السابق يتوقع طرح ملفات أخرى بالغة الأهمية سيتم التشاور بشأنها، وعلى رأسها الملف الفلسطيني، إن في غزة أو في الضفة الغربية.

وتجدر الإشارة إلى أن باريس والرياض أطلقتا العام الماضي مبادرة إعادة إحياء «حل الدولتين» الذي حصد دعماً واسعاً في الأمم المتحدة قبل عام من الآن، ودفع دولاً رئيسية، أولاها فرنسا وبريطانيا، إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

ويتوقع المراقبون أن يكون الملفان اللبناني والسوري حاضرين على طاولة المباحثات، خصوصاً أن باريس تخطط لاستضافة اجتماع تمهيدي في 17 سبتمبر (أيلول) المقبل، مخصص لدعم الجيش اللبناني وقوات الأمن الداخلي.

الأمير محمد بن سلمان والرئيس ماكرون شهدا توقيع مذكرة تفاهم بشأن تشكيل مجلس الشراكة الاستراتيجي في الرياض 2 ديسمبر 2024 (واس)

ويعزو العديد من المحللين اتفاق مكة الذي يؤكد صانعوه أنه «دفاعي محض وغير موجه ضد أحد» لرغبة الأطراف الثلاثة في إيجاد توازنات جديدة في الإقليم.

ومن جانبه، يعتبر بيزانسينو أن الدول المعنية ودولاً خليجية أخرى راغبة في أن يسمع رأيها في أي حل مستقبلي وأن تحفظ مصالحها، خصوصاً أن لا أحد اليوم قادر على تلمس صورة الحل للحرب المتعددة الأشكال القائمة بين الولايات المتحدة وإيران.

ولذا، فإن أحد أهداف اتفاق مكة يكمن في أنه يوفر «الثقل الكافي» لأطرافه من أجل التأثير في مجرى الأحداث وحتى يكون أي اتفاق قادم ملائماً للمصلحة الخليجية.

وثمة ملف آخر مرتبط بأمن مضيق هرمز، الذي من أجله دعت الرياض لمؤتمر ضم 43 وفداً أسفر عن إطلاق «التحالف الدفاعي البحري» للمحافظة على أمن البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وعن التزام 14 دولة بالمشاركة فيه.

وفي 14 الشهر الحالي، أعلنت الرياض رسمياً عن قيام «التحالف البحري للدفاع عن البحر الأحمر». والسؤال المطروح اليوم يتناول إمكانية التنسيق بين «المهمة البحرية الأوروبية» في البحر الأحمر المسماة «أسبيديس» التي أطلقت في فبراير (شباط) من عام 2024، و«التحالف» الذي أطلقته السعودية، خصوصاً أن الطرفين يعملان للهدف عينه. وليس من المستبعد أن يكون هذا الجانب حاضراً في محادثات الإليزيه، الاثنين المقبل.


مقالات ذات صلة

السعودية تطلق خدمة «أبشر سفر للزوار» للقادمين عبر المنافذ البرية

الخليج تتيح خدمة «أبشر سفر للزوار» إنهاء إجراءات السفر واستكمال المتطلبات رقمياً قبل الوصول إلى المنافذ البرية (واس)

السعودية تطلق خدمة «أبشر سفر للزوار» للقادمين عبر المنافذ البرية

تتيح خدمة «أبشر سفر للزوار» التي ستدخل حيّز الإلزام بعد 6 أشهر من تاريخ الإطلاق، للزوّار، تسهيل إجراءات دخول المسافر والمركبات آلياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مبنى مجلس النواب المصري في العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة (رويترز)

«النواب» المصري يوافق على تفويض السيسي بدعم السعودية عسكرياً

وافق مجلس النواب المصري (البرلمان)، الاثنين، بأغلبية ثلثي أعضائه، على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ كل ما يلزم لدعم السعودية عسكرياً.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
الخليج وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

وزير الخارجية السعودي يبحث تعزيز العلاقات مع البرازيل وجنوب أفريقيا

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي مع رونالد لامولا، وزير العلاقات الدولية والتعاون في جنوب أفريقيا، سبل تعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا جلسة سابقة في مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (صفحة مجلس النواب على فيسبوك)

البرلمان المصري يوافق على تقديم دعم دفاعي إلى السعودية

وافق البرلمان المصري، الاثنين، على تقديم دعم دفاعي إلى السعودية، بناء على طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض (واس)

إصلاحات «رؤية 2030» ترفع تصنيف السعودية في مؤشر الشفافية العقارية

رفعت إصلاحات «رؤية 2030» تصنيف السعودية في مؤشر الشفافية العقارية العالمي 2026، لتدخل فئة الأسواق الشفافة للمرة الأولى، محققةً المرتبة 35 عالمياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

عُمان تدعو إلى ميثاق لعدم الاعتداء بين دول الخليج وإيران والعراق

بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية العُماني خلال إلقائه محاضرة في كلية «جيرتون» بجامعة كامبريدج البريطانية مساء الاثنين (الخارجية العمانية)
بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية العُماني خلال إلقائه محاضرة في كلية «جيرتون» بجامعة كامبريدج البريطانية مساء الاثنين (الخارجية العمانية)
TT

عُمان تدعو إلى ميثاق لعدم الاعتداء بين دول الخليج وإيران والعراق

بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية العُماني خلال إلقائه محاضرة في كلية «جيرتون» بجامعة كامبريدج البريطانية مساء الاثنين (الخارجية العمانية)
بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية العُماني خلال إلقائه محاضرة في كلية «جيرتون» بجامعة كامبريدج البريطانية مساء الاثنين (الخارجية العمانية)

دعا وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي، الاثنين، إلى تأسيس منظومة أمنية إقليمية جديدة تضم دول مجلس التعاون الخليجي الست والعراق وإيران، تقوم على ميثاق جماعي لعدم الاعتداء، وتُنهي عقوداً من الاعتماد على القوى الخارجية في إدارة أمن المنطقة، محذراً من أن استمرار استبعاد إيران من الترتيبات الأمنية في المنطقة أسهم في تكريس عدم الاستقرار وتصاعد النزاعات.

وكشف البوسعيدي، في محاضرة ألقاها في كلية «جيرتون» بجامعة كامبريدج البريطانية، الاثنين، بعنوان «الأمن الشامل في الخليج»، عن توصل المحادثات العُمانية الإيرانية إلى الخطوط العريضة لترتيب مؤقت يهدف إلى ضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، لكنه أقرّ بأن تنفيذ هذا الترتيب لا يزال يواجه عقبات سياسية، تتطلب تنازلات متبادلة من طهران وواشنطن.

وأكد أن سلطنة عُمان لا تزال ترى أن الاتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني كان قريباً من التحقق قبل اندلاع الحرب، وأن الأسس التي قامت عليها المفاوضات لم تتغير، رغم الصعوبات التي تعترض استئنافها.

الاتفاق النووي

وفي استعراضه لجهود الوساطة العُمانية، أوضح البوسعيدي أن مسقط يسّرت خمس جولات من المحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة خلال أبريل (نيسان) ومايو (أيار) 2025، وثلاث جولات أخرى في فبراير (شباط) 2026، بهدف تسوية الخلاف بشأن البرنامج النووي الإيراني وإنهاء 47 عاماً من العداء بين البلدين.

وقال إن الجانب العُماني كان يعتقد أن المفاوضات أحرزت تقدماً كبيراً، وأن الاتفاق أصبح في متناول اليد، مضيفاً: «ونحن ما زلنا نتمسك بهذا الرأي حتى يومنا هذا».

وأشار إلى أن «البنود الأساسية لمثل هذا الاتفاق قائمة، إذا قرر الطرفان العودة إلى هذه المفاوضات»، لكنه أقرّ بأن العودة إلى طاولة التفاوض أصبحت شديدة الصعوبة بعد الحرب التي اندلعت في 28 فبراير الماضي، بينما كانت المحادثات النووية لا تزال جارية.

وتحدث الوزير العُماني عن مرحلة ثانية من المفاوضات بدأت عقب توقيع مذكرة تفاهم بين إيران والولايات المتحدة في 17 يونيو (حزيران)، قال إنها أوقفت النزاع المسلح، وفتحت المجال أمام محادثات عُمانية إيرانية بشأن ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز.

مضيق هرمز

وكشف البوسعيدي أن المحادثات والمشاورات الفنية بين مسقط وطهران أسفرت عن وضع الخطوط العريضة لترتيب مؤقت بشأن حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، غير أن هذا الترتيب لم يصل إلى مرحلة التنفيذ بسبب استمرار الخلافات السياسية.

وقال إنه «يصعب تصور تنفيذ أي ترتيب من هذا القبيل ما لم تكن إيران والولايات المتحدة على استعداد لتقديم تنازلات والتوصل إلى تفاهم عملي»، موضحاً أن ذلك يتطلب التراجع عن بعض الإجراءات التي اتخذت خلال الحرب الأخيرة، وأدت إلى توقف حركة الملاحة البحرية إلى حد بعيد.

وربط الوزير العُماني بين استعادة الملاحة وتهيئة الظروف لاستئناف التفاوض الأميركي الإيراني، معتبراً أن معالجة أزمة المضيق تمثل إحدى المحطات الأساسية على طريق العودة إلى المحادثات.

وفي هذا السياق، شدد على أن أزمتي البرنامج النووي الإيراني ومضيق هرمز تكشفان خللاً في بنية الأمن الإقليمي، نتيجة خضوع القضايا التي تمس دول الخليج بصورة مباشرة لأولويات القوى الخارجية، بدلاً من تولي دول المنطقة مسؤولية معالجتها.

إيران والمظلة الأمنية

ووجّه البوسعيدي انتقاداً إلى النموذج الأمني الذي اعتمدت عليه المنطقة خلال العقود الماضية، معتبراً أن الاستعانة بالقوى الخارجية لتوفير الحماية جاءت بكلفة سياسية ومالية كبيرة، ولم تكن مصالح تلك القوى متطابقة دائماً مع مصالح دول الخليج وشعوبها.

وقال إن «ما يعيقنا هو أن القضايا، التي ينبغي أن تعالجها دول الخليج نفسها على المستوى الإقليمي، باتت أكثر تعقيداً وبالتالي تستعصي على الحل»، بسبب عدم تطور الترتيبات الأمنية الإقليمية واعتمادها المفرط على المشاركة الخارجية.

وأضاف: «هذه الترتيبات لم تتطور بما يكفي لأنها اعتمدت كثيراً على مشاركة قوى خارجية». ورأى أن هذا النموذج أفرز حالة غير مستقرة (...) وأضعف قدرة دول المنطقة على بناء تفاهمات أمنية مستقلة.

واعتبر أن من أكثر نتائج هذا المسار ضرراً تحويل إيران إلى تهديد يُبنى النظام الأمني الإقليمي على أساس مواجهته، بدلاً من التعامل معها باعتبارها جزءاً من الجغرافيا السياسية للخليج.

وقال: «بدلاً من إيجاد هيكل أمن حقيقي يهدف إلى الحفاظ على علاقات مستقرة بين دول الخليج الثمان، أدى ذلك إلى خلق نظام إقليمي غير مستقر قائم على تصور خاطئ تماماً بوجود عداء إقليمي جوهري بين إيران ودول الخليج العربية».

وقال إن إقصاء إيران من الترتيبات الأمنية طوال ما يقرب من نصف قرن خلّف «عواقب سلبية عميقة، ليس على إيران فحسب، وإنما على المنطقة بأسرها».

وأضاف أن الخلافات بين إيران وجيرانها العرب لا تعني وجود عداء جوهري دائم بين الطرفين، مؤكداً أن «أي هيكل لأمن الخليج لا يشمل بلاد فارس لن يكون مستقراً بطبيعته».

وشدد على أن المطلوب ليس إقناع الحلفاء الخارجيين بالتخلي عن تصوراتهم تجاه إيران، وإنما تمكين دول الخليج نفسها من صياغة ترتيبات أمنها، بعيداً عن اشتراطات الأطراف الخارجية.

شراكات اقتصادية

وأوضح وزير الخارجية العُماني أن الدعوة إلى تولي دول الخليج مسؤولية أمنها لا تعني إنهاء علاقاتها مع الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما من الشركاء الدوليين، وإنما إعادة تحديد دور تلك الشراكات بحيث لا تكون العنصر الرئيسي في المنظومة الأمنية.

وأعرب عن أمله في أن تتطور العلاقات الخارجية للمنطقة باتجاه التعاون الاقتصادي والاستثمار، بدلاً من التركيز على الالتزامات العسكرية.

وكشف أن فكرة إنشاء منظومة أمنية شاملة تضم الدول الثماني كانت حاضرة في المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، قائلاً إنها ليست طرحاً جديداً، بل قضية ناقشها «باستفاضة ولساعات طويلة مع كلٍّ من إيران والولايات المتحدة».

ورأى أن مرحلة ما بعد الحرب يمكن أن تتيح فرصاً اقتصادية كبيرة للولايات المتحدة ودول المنطقة، إذا أمكن الانتقال من إدارة الصراعات إلى بناء شراكات قائمة على المصالح المشتركة.


الكويت: الإعدام لثلاثة متهمين بالتخابر مع إيران والتخطيط لاغتيال وزير الداخلية

اثنان من المتهمين: الشيخ حسين عبد الله المعتوق وحسن عبد الهادي حاجيه (الشرق الأوسط)
اثنان من المتهمين: الشيخ حسين عبد الله المعتوق وحسن عبد الهادي حاجيه (الشرق الأوسط)
TT

الكويت: الإعدام لثلاثة متهمين بالتخابر مع إيران والتخطيط لاغتيال وزير الداخلية

اثنان من المتهمين: الشيخ حسين عبد الله المعتوق وحسن عبد الهادي حاجيه (الشرق الأوسط)
اثنان من المتهمين: الشيخ حسين عبد الله المعتوق وحسن عبد الهادي حاجيه (الشرق الأوسط)

قضت محكمة الجنايات الكويتية، ممثلة بدائرة أمن الدولة، الاثنين، بإعدام 3 متهمين وحبس 8 آخرين لمدة 5 سنوات، في قضية تتعلق بالتخابر مع إيران و«حزب الله» اللبناني، والتخطيط لاغتيال النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الكويتي الشيخ فهد اليوسف، إلى جانب شخصيات وقيادات في الدولة.

وأصدرت المحكمة، برئاسة المستشار ناصر البدر، حكمها بإعدام كل من الشيخ حسين عبد الله المعتوق، وحسن عبد الهادي حاجيه، وعبد الرضا حيدر دهقاني (إيراني)، بعد إدانتهم في القضية التي تضمنت اتهامات بالإضرار بالمصالح القومية للكويت، والتخابر مع جهات أجنبية، والانضمام إلى تنظيم «حزب الله» اللبناني.

وبحسب تفاصيل القضية، أسندت النيابة العامة إلى المتهمين ارتكاب أفعال من شأنها المساس باستقلال البلاد ووحدتها وسلامة أراضيها، والسعي والتخابر مع إيران و«حزب الله» لتنفيذ أعمال عدائية ضد الكويت، شملت التخطيط لاغتيال وزير الداخلية وشخصيات قيادية أخرى.

وكشفت أوراق القضية أن بقية المتهمين من الرابع إلى العاشر عقدوا اجتماعات للتخطيط لعملية الاغتيال، ووزعوا الأدوار فيما بينهم، على أن يتولى المتهم الحادي عشر توفير المعدات اللازمة لتنفيذ المخطط، وذلك بتوجيهات من المتهمين الثلاثة الأوائل الذين صدرت بحقهم أحكام الإعدام.

كما وجهت النيابة إلى المتهمين من الرابع إلى العاشر تهمة الشروع في استخدام مفرقعات لتنفيذ العملية، وإشاعة الذعر في البلاد، بينما اتهمت المتهم الحادي عشر بالشروع في جلب مواد متفجرة لتمكين بقية المتهمين من تنفيذ المخطط.

وفي حيثيات حكمها، شددت المحكمة على خطورة الأفعال المنسوبة إلى المتهمين، معتبرة أنها استهدفت النيل من أمن البلاد، وإثارة الاضطراب في المجتمع، وزعزعة الثقة بقدرة السلطات العامة على حماية الأرواح والممتلكات، وصون الأمن.

وأكدت المحكمة أن «أمن الوطن ليس مصلحة لفرد أو فئة، وإنما هو حق للمجتمع بأسره»، مشددة على أن سيادة الدولة لا تقبل أن تنازعها فيها إرادة أجنبية، أو أن تُفرض على أراضيها أوامر تصدر من خارج حدودها.

وأضافت في حيثياتها أن مؤسسات الدولة ورموز سلطتها لا يجوز أن تتحول إلى أهداف لمخططات تستمد توجيهاتها من جهات أجنبية، في إشارة إلى طبيعة الاتهامات التي تضمنتها القضية وارتباطها بأمن الدولة وسيادتها.

المتهمون و«خلية العبدلي»

وتعيد أحكام الإعدام الصادرة عن محكمة الجنايات الكويتية، الاثنين، بحق حسين عبد الله المعتوق وحسن عبد الهادي حاجيه وعبد الرضا حيدر دهقاني، إلى الواجهة قضية «خلية العبدلي» التي شغلت الأوساط الأمنية والقضائية في الكويت منذ اكتشافها عام 2015، بعدما ارتبطت أسماء المحكوم عليهم الثلاثة بقضايا سابقة تتعلق بالتخابر مع إيران و«حزب الله» اللبناني.

وتعود قضية «خلية العبدلي» إلى أغسطس (آب) 2015، عندما أعلنت السلطات الكويتية ضبط كميات من الأسلحة والذخائر والمتفجرات في مزارع بمنطقة العبدلي قرب الحدود العراقية، شملت نحو 19 طناً من الذخائر و144 كيلوغراماً من المواد المتفجرة، إلى جانب قذائف صاروخية وأسلحة نارية. ووجهت النيابة العامة آنذاك إلى المتهمين تهماً بالتخابر مع إيران و«حزب الله»، وارتكاب أفعال من شأنها المساس بأمن الكويت ووحدة أراضيها.

وكان حسن عبد الهادي حاجيه أبرز المتهمين في القضية، إذ قضت محكمة الجنايات بإعدامه في يناير (كانون الثاني) 2016، وأيدت محكمة الاستئناف الحكم في يوليو (تموز) من العام نفسه، قبل أن تلغي محكمة التمييز عقوبة الإعدام في يونيو (حزيران) 2017، وتستبدل بها السجن المؤبد.

أما عبد الرضا حيدر دهقاني، وهو إيراني الجنسية، فكان من المتهمين في القضية نفسها، وصدر بحقه حكم غيابي بالإعدام في يناير 2016، على خلفية اتهامات بالتخابر والمشاركة في أنشطة الخلية.

وفي قضية منفصلة ارتبطت بالتستر على مدانين في «خلية العبدلي»، برز اسم رجل الدين الكويتي حسين عبد الله المعتوق، الأمين العام للتحالف الإسلامي الوطني، بعدما اتهمته النيابة العامة بالتخابر مع إيران، والمساعدة في إخفاء مطلوبين للعدالة، وتمكينهم من الفرار خارج البلاد. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2019، أيدت محكمة التمييز الحكم بحبسه 5 سنوات مع الشغل والنفاذ.

وبذلك، تعيد القضية الجديدة أسماء ثلاثة سبق أن وردت في ملفات قضائية متصلة بـ«خلية العبدلي» إلى دائرة الأحكام القضائية المتعلقة بأمن الدولة، لكن هذه المرة على خلفية اتهامات تشمل التخطيط لاغتيال النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الشيخ فهد اليوسف، والتخابر مع إيران والانضمام إلى «حزب الله» اللبناني.


ولي العهد السعودي يتلقى رسالة من رئيس كازاخستان

نائب وزير الخارجية السعودي خلال تسلمه الرسالة من نظيره الكازاخستاني في الرياض الاثنين (واس)
نائب وزير الخارجية السعودي خلال تسلمه الرسالة من نظيره الكازاخستاني في الرياض الاثنين (واس)
TT

ولي العهد السعودي يتلقى رسالة من رئيس كازاخستان

نائب وزير الخارجية السعودي خلال تسلمه الرسالة من نظيره الكازاخستاني في الرياض الاثنين (واس)
نائب وزير الخارجية السعودي خلال تسلمه الرسالة من نظيره الكازاخستاني في الرياض الاثنين (واس)

تلقى الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، رسالة خطية، من الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف، تتصل بالعلاقات الثنائية بين البلدين.

تسلم الرسالة، المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي، خلال استقباله في مقر الوزارة بالرياض، الاثنين، أرمان إساجالييف نائب وزير خارجية كازاخستان

واستعرض الجانبان خلال الاستقبال العلاقات الثنائية السعودية وكازاخستان، وناقشا الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.