عبد العزيز وخزعل الكعبي... تكامل بين الحياد والمصلحة

الملك عبد العزيز والشيخ خزعل في أحد اللقاءات الرسمية (من أرشيف الدكتورة سامية الجابري)
الملك عبد العزيز والشيخ خزعل في أحد اللقاءات الرسمية (من أرشيف الدكتورة سامية الجابري)
TT

عبد العزيز وخزعل الكعبي... تكامل بين الحياد والمصلحة

الملك عبد العزيز والشيخ خزعل في أحد اللقاءات الرسمية (من أرشيف الدكتورة سامية الجابري)
الملك عبد العزيز والشيخ خزعل في أحد اللقاءات الرسمية (من أرشيف الدكتورة سامية الجابري)

نشأت بين الملك عبد العزيز والشيخ خزعل الكعبي حاكم الاحواز وما يسمى عرب ستان وعاصمتها المحمرة أحد ابرز العواصم الخليجية في تلك الفترة علاقة ودية تحكمها المصالح المتبادلة وتعزيز المكانه الإقليمة للطرفين، ضمن معادلة اقليمية متغيرة، واتسمت هذه العلاقة بينهما بين الحياد والمصلحة وفق ما عبرت عنه الدكتورة سامية سليمان الجابري، استاذ التاريخ الحديث المشارك في جامعة حائل، في حوار مع "الشرق الأوسط، تناولت فيه بداية العلاقة بين الزعيمين خلال مرحلة إعادة تشكل الكيانات السياسية في شبه الجزيرة العربية،

وجاء الحوار وفق ما يلي:

كيف تصفين العلاقة بين الملك عبد العزيز والشيخ خزعل الكعبي وظروف هذه العلاقة وما ما مثلته في تلك الفترة؟

في مرحلة التشكّل السياسي لما عرف لاحقًا بمصطلح " الشرق العربي الحديث"، وفي إطار هذه التحولات، نشأت علاقة تكاملية ذات طابع استراتيجي بين الملك عبد العزيز بن سعود والشيخ خزعل الكعبي، تَجلّت بصورة واضحة في المراسلات المتبادلة واللقاءات الرسمية بينهما. ورغم اختلاف البيئة السياسية التي انطلق منها كلٌّ منهما، فقد أسست هذه العلاقة لنمط من التفاعل السياسي القائم على تبادل المصالح وتعزيز المكانة الإقليمية للطرفين ضمن معادلة إقليمية متغيرة.

منذ أن استعاد الملك عبد العزيز مدينة الرياض، أدرك أنّه يتعامل مع شبكة خارجية معقدة وحساسة من المصالح الإقليمية والدولية. وانطلاقًا من هذه الرؤية، سعى إلى بناء منظومة من العلاقات مع القوى المحلية أولًا، ثم وسّع دائرة تفاعلاته تبعًا لتنامي نفوذه السياسي والعسكري لتشمل قوى إقليمية أكثر فاعلية كبريطانيا. وقد حرص في هذا المسار على فتح قنوات تواصل مع زعامات مؤثرة على الضفة المقابلة من الخليج العربي، في إطار استراتيجية تستهدف تحقيق التوازن وحماية موقعه السياسي الناشئ. وفي المقابل، كان الشيخ خزعل يتطلع إلى إيجاد فضاء عربي-خليجي قادر على موازنة المركزية الإيرانية المتصاعدة في طهران.

الملك عبد العزيز

دور الوسيط

ما هي جذور العلاقة بين الملك عبد العزيز والشيخ خزعل؟

يمكن إرجاع جذور العلاقة بين الملك عبد العزيز والشيخ خزعل إلى مرحلة مبكرة من مسار تأسيس الدولة السعودية على يد الملك عبد العزيز آل سعود، وتحديدًا خلال فترة إقامته عند الشيخ مبارك الصباح في الكويت، قبل استرداد الرياض. فقد أتاح هذا الظرف للملك عبد العزيز فرصة اللقاء المتكرر بالشيخ خزعل، الذي كان يتردد كثيرًا في زيارة الشيخ مبارك، بحكم العلاقات الوثيقة بينهما. وقد اقتصرت طبيعة العلاقة بين الملك عبد العزيز والشيخ خزعل على دور الوسيط الذي اضطلع به الأخير، لا سيما في الخلافات التي تكون الكويت أحد أطرافها. وهو ما جعل مواقف الشيخ خزعل السياسية مرتبطة إلى حدّ كبير بمصالح الكويت وتوجهاتها، فضلًا عن الروابط الشخصية التي جمعته بأمرائها.

حليف موثوق

ماذا عن الوساطة البريطانية عبر الشيخ خزعل في أزمة الأحساء والعجمان 1913م؟

يُعدّ الدور الذي لعبه الشيخ خزعل في أزمة الأحساء والعجمان عام 1913م نموذجًا واضحًا لتلك الوساطات التي تولّاها بتوجيه بريطاني، وتماشيًا مع المصالح الكويتية. ففي ذلك العام، نجح الملك عبد العزيز في استرداد إقليم الأحساء من الحكم العثماني، مما تسبب في نشوء خلاف حاد مع قبيلة العجمان التي رفضت الانصياع للحكم الجديد، وانسحبت إلى حدود الكويت طلبًا للحماية، فاستقبلهم الشيخ مبارك الصباح وأعلن حمايته لهم. وقد اعتبر الملك عبد العزيز موقف الشيخ مبارك تدخّلًا مباشرًا في شؤونه الداخلية، وأبدى عزمه على محاصرة العجمان داخل الأراضي الكويتية، وهو ما أثار قلقًا كبيرًا لدى البريطانيين الذين كانوا يحرصون في تلك المرحلة على منع أي مواجهة عسكرية بين القوى الإقليمية في الخليج، خشية أن يؤدي ذلك إلى تهديد أمن طرق التجارة والنفوذ البريطاني في المنطقة.

مؤتمر الكويت بين النجاح والفشل

ما هي ظروف دعوة الشيخ خزعل للملك عبد العزيز إلى مؤتمر الكويت بعد احتدام النزاع بين بريطانيا والدولة العثمانية؟

قبل انعقاد المؤتمر، لعب الشيخ خزعل دورًا بارزًا في التمهيد له؛ إذ وجه رسالة إلى الملك عبد العزيز آل سعود يدعوه فيها إلى المشاركة، مؤكّدًا متانة العلاقة التي تربطهما، ومستندًا إلى الروابط الوثيقة بين الملك عبد العزيز وأمير الكويت، التي انعكست سابقًا في تجاوب الشيخ مبارك الصباح مع بعض مطالب عبد العزيز، ومنها ما يتعلق بقضية العجمان. وفي رسالته تلك، لم يغب عن الشيخ خزعل التأكيد على أهمية توطيد علاقة الملك عبد العزيز بالحكومة البريطانية، التي كانت تُظهر نفسها في تلك المرحلة كراعٍ لمصالح العرب وداعمٍ لنهضتهم السياسية.

اتفاقية المحمرة بين نجد والعراق

ما هو الدور الذي اضطلع فيه الشيخ خزعل لحل الخلافات والنزاعات الخيجية خصوصاً بين نجد والعراق

في محاولات تسوية النزاعات الخليجية، اضطلع الشيخ خزعل بدور مهم في حل الخلاف القائم آنذاك بين نجد والعراق، والذي تمحور حول تبعية بعض القبائل الحدودية، إلى جانب إشكالات تتعلق برسوم الحدود المشتركة حيث استضاف مفاوضات رسمية بين ممثلي الطرفين في عاصمة إمارته، مدينة المحمرة .مثل الجانب النجدي أحمد الثنيان آل سعود، بينما مثّل العراق صبيح نشأت، وبحضور المندوب السامي البريطاني السير برسي كوكس، في تأكيد واضح على رعاية بريطانيا للمفاوضات، وسعيها إلى احتواء النزاع ضمن الأطر السلمية التي تحفظ مصالحها الاستعمارية في الخليج والعراق.

الشيخ خزعل الكعبي أمير الأحواز (من ارشيف الدكتورة سامية الجابري)

ومع أن الاجتماعات أسفرت عن مشروع اتفاق مبدئي، فإن هذا الاتفاق لم يحظَ بمصادقة رسمية من قبل القيادتين في نجد والعراق، لأسباب سياسية تتعلق بعدم توافق الرؤى بشأن الحدود القبلية، ورفض بعض الشيوخ المحليين للقرارات المقترحة. وقد أدى ذلك إلى تعليق تنفيذ الاتفاق، وبقيت المشكلة الحدودية عالقة رغم الجهود الدبلوماسية التي بذلت في المحمرة. وفي العام التالي، أي في عام 1922م، تم تجاوز هذه العقبة عبر عقد مؤتمر العقير الشهير، والذي جاء بمبادرة من بريطانيا، وحضره الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود شخصيًا، إلى جانب المندوب البريطاني السير برسي كوكس، وممثلين عن العراق. وقد خلُص المؤتمر إلى ترسيم رسمي للحدود بين نجد وكل من الكويت والعراق، وهو ما شكّل خطوة حاسمة في إنهاء الخلاف الحدودي الطويل، وأرسى قواعد جديدة لتنظيم العلاقات بين الأطراف الثلاثة.

أثمر هذا التفاهم عن استقرار سياسي نسبي في المناطق المتنازع عليها، وعودة العلاقات بين نجد وجيرانها إلى مسارها الطبيعي، حيث أصبحت تحكمها روابط الجوار، والتاريخ، والمصالح الاقتصادية والاجتماعية المشتركة. ورغم أن دور الشيخ خزعل في مفاوضات المحمرة لم يحقق نتائج مباشرة، إلا أنه يُحسب له أنه ساهم في تهيئة مناخ الحوار، وساهم بدور غير مباشر في التمهيد لمخرجات مؤتمر العقير، الذي غيّر خارطة الحدود في شمال الجزيرة العربية.

موازنة المصالح في الخلافات الإقليمية

هل يمكن القول أن الشيخ خزعل كان فاعلاً سياسيا مستقلا وأن مواقفه تجاه القضايا الخلافات العربية تنطلق من موقف ذاتي؟

ارتبطت العلاقات السياسية للشيخ خزعل الكعبي، بعمق بالمعادلات الإقليمية السائدة في شبه الجزيرة العربية خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ولم تكن علاقاته مستقلة أو منفصلة عن التوجهات الكويتية أو السياسات البريطانية في الخليج، بل كانت تتحرك ضمن هذا الإطار وتُعاد صياغتها وفقًا لمواقف القوى التي كان يعتبرها حلفاء إستراتيجيين، وعلى رأسهم الكويت وبريطانيا. فقد اتّسم موقف الشيخ خزعل تجاه الكيانات السياسية في شبه الجزيرة العربية، وخاصةً إمارة آل رشيد في حائل، بالتبدّل والتأثر بالظروف، إذ لم تربطه بها علاقات مباشرة أو ثابتة، بل كان موقفه يتغيّر تبعًا لمواقف الكويت وتوجهاتها السياسية. أو بدافع ينسجم مع التوجه البريطاني في المنطقة. وعليه، فإن موقفه من آل رشيد كان مرآةً لموقف الكويت، فإذا كانت الكويت على خلاف مع آل رشيد، وقف الشيخ خزعل إلى جانبها. وإذا رأت الكويت التقارب أو التهدئة، تبنّى الموقف ذاته.

ولعل من أبرز الشواهد على هذا الارتباط، تدخله النشط والفعّال لحل الخلاف الذي نشب بين الشيخ مبارك الصباح وأمير حائل آنذاك عبد العزيز بن متعب آل رشيد، حيث لعب الشيخ خزعل دور الوسيط، ونجح في احتواء التوتر بين الطرفين، ما يعكس انسجامه مع التوجه الكويتي وسعيه لدعم استقرار موقف حليفه الأساسي، الشيخ مبارك. وفي سياق مماثل، حاول الشيخ خزعل لاحقًا لعب دور الوسيط في الخلاف بين نجد وحائل حيث بعث رسالة وساطة إلى الملك عبد العزيز تضمنت مبادرة منه بشأن التهدئة بينه وبين عبد العزيز بن رشيد. في محاولة منه لتقريب وجهات النظر وتخفيف حدة الصراع، إلا أن مساعيه لم تثمر هذه المرة، ولم ينجح في تحقيق تسوية ذلك لأن ا لملك عبد العزيز رفض مضمون الوساطة، معللًا ذلك بما قام به عبد العزيز بن رشيد من تجاوزات.

شكلت معركة روضة مهنا عام 1906، التي انتصر فيها الملك عبد العزيز على ابن رشيد، نقطة تحول حاسمة في المشهد السياسي في الجزيرة العربية. فبعد هذا الانتصار، بدأت كفة الملك عبد العزيز ترجح بوضوح، وظهرت مؤشرات على قرب سقوط إمارة آل رشيد، مما عزز من احتمالية توسع الملك عبد العزيز شمالًا باتجاه حائل، وربما أبعد من ذلك نحو حدود الكويت. هذا التحول أثار قلق الكويت وبريطانيا معًا، حيث خشيتا من أن يؤدي توسع النفوذ السعودي إلى تقليص نفوذهما في شمال الخليج.

وفي هذا الإطار، بادر الشيخ مبارك الصباح بعرض فكرة على بريطانيا، تمثّلت في أن تتولى الأخيرة حماية متعب بن عبد العزيز آل رشيد، بهدف إيقاف زحف الملك عبد العزيز نحو الشمال، وتأمين الحدود الكويتية من أي تهديد محتمل. ومن الواضح أن هذا الطرح لم يكن بمعزل عن دعم وتأييد الشيخ خزعل، الذي كان يرى في تحالفه مع الكويت وتحقيق الاستقرار السياسي مصلحة مباشرة له، لا سيما في ظل نفوذ بريطانيا القوي في المنطقة.

وعند دراسة المشهد السياسي بشكل عام، يتبين أن علاقة الشيخ خزعل بالملك عبد العزيز لم تكن علاقة عداء، لكنها في الوقت ذاته لم تُبنَ على التحالف المستمر، بل كانت خاضعة لمتطلبات الواقع السياسي، وكانت قائمة على مصالح متبادلة ومحدودة، غالبًا ما تدور حول تسوية الخلافات بين نجد والكويت، أكثر من كونها علاقة ثنائية مستقلة.

من جهة أخرى، يتضح أن سياسة الشيخ خزعل لم تتصف بالحياد في الملفات الإقليمية، بل كانت تميل بوضوح لصالح الكويت، وكان دعمه لها يمتد إلى الجوانب السياسية والعسكرية على حد سواء. فجميع وساطاته وتحركاته الدبلوماسية كانت تصب في حماية المصالح الكويتية وتثبيت موقعها الإقليمي، إما بحكم العلاقات التاريخية والمصلحية التي ربطته بأسرة الصباح، أو تأثرًا بالتوجهات البريطانية التي كانت تمارس نفوذها غير المباشر عبر حلفائها المحليين.


مقالات ذات صلة

سعوديون يحتفلون بـ«اليوم الوطني» في شوارع مصر

يوميات الشرق العلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة (الشرق الأوسط)

سعوديون يحتفلون بـ«اليوم الوطني» في شوارع مصر

جاب مواطنون سعوديون كورنيش النيل رافعين العلم السعودي، وشاركهم مواطنون مصريون الاحتفال.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
عالم الاعمال «دايسون» تطرح جهاز «إيرراب آي دي» بلون أخضر حصري في السعودية

«دايسون» تطرح جهاز «إيرراب آي دي» بلون أخضر حصري في السعودية

أعلنت «دايسون» طرح إصدار محدود من جهاز «إيرراب آي دي» الأخضر في السعودية، تزامناً مع اليوم الوطني.

رياضة سعودية الأمير فهد بن جلوي خلال استقباله المهنئين باليوم الوطني السعودي (الشرق الأوسط)

البعثة السعودية في دورة الألعاب الآسيوية: «عزنا بطبعنا»

احتفى الوفد السعودي المشارك في دورة الألعاب الآسيوية العشرين بذكرى اليوم الوطني للمملكة، تحت شعار «عزّنا بطبعنا».

علي القطان (ناغويا)
يوميات الشرق ارتسمت معالم العاصمة في عمق الأفق وسط فضاء حضري تتسع تفاصيله للفرح (واس)

السعودية تكتسي بالأخضر في احتفالها باليوم الوطني

توشحت مدن ومناطق السعودية باللون الأخضر احتفاء باليوم الوطني الذي يوافق 23 سبتمبر من كل عام، واحتفت مختلف مناطق البلاد ببرنامج واسع من الفعاليات.

إبراهيم القرشي (جدة) «الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج يأتي إطلاق اسم الملك عبد العزيز على الجامع ترسيخاً لإرثه الوطني (الهيئة الملكية للرياض)

جامع الملك عبد العزيز شمال الرياض... يخلّد إرث المؤسس بالذاكرة الوطنية

وجّه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بإطلاق اسم الملك عبد العزيز على جامع سيتم تنفيذه شمال مدينة الرياض، وتخصيص مساحة أرض تبلغ 88 ألف متر مربع.

عمر البدوي (الرياض)

السعودية تدعو إلى تحرك دولي لحماية الملاحة وتحذر من تداعيات هجمات الحوثيين

الفريق الركن فهد بن عبد الله الغفيلي نائب رئيس هيئة الأركان العامة السعودية خلال مشاركته في أعمال منتدى «حوار المنامة 2026» (الشرق الأوسط)
الفريق الركن فهد بن عبد الله الغفيلي نائب رئيس هيئة الأركان العامة السعودية خلال مشاركته في أعمال منتدى «حوار المنامة 2026» (الشرق الأوسط)
TT

السعودية تدعو إلى تحرك دولي لحماية الملاحة وتحذر من تداعيات هجمات الحوثيين

الفريق الركن فهد بن عبد الله الغفيلي نائب رئيس هيئة الأركان العامة السعودية خلال مشاركته في أعمال منتدى «حوار المنامة 2026» (الشرق الأوسط)
الفريق الركن فهد بن عبد الله الغفيلي نائب رئيس هيئة الأركان العامة السعودية خلال مشاركته في أعمال منتدى «حوار المنامة 2026» (الشرق الأوسط)

دعت السعودية، الأحد، إلى تحرك دولي مشترك لحماية الممرات البحرية، وضمان حرية الملاحة، محذرة من استخدام المضايق أدوات للضغط السياسي والعسكري، أو تحويلها إلى ساحات للصراع والتنافس، في ظل التهديدات التي تواجه حركة السفن والتجارة الدولية، وتصاعد التوترات في المنطقة.

وأكد الفريق الركن فهد بن عبد الله الغفيلي، نائب رئيس هيئة الأركان العامة السعودية، خلال مشاركته في جلسة «الأمن البحري عند نقطة تحول حاسمة»، ضمن أعمال منتدى «حوار المنامة 2026» في العاصمة البحرينية، أن أمن الممرات البحرية وحرية الملاحة مسؤولية مشتركة تقع على عاتق المجتمع الدولي، وأن التهديدات التي تواجه هذه الممرات تمس مصالح جميع الدول، وتستوجب استجابة جماعية فاعلة.

وشدّد الغفيلي على أن المضايق البحرية يجب ألا تتحول إلى أدوات للضغط أو التصعيد، مؤكداً أن «الأمن البحري ليس مسؤولية دولة واحدة، والقوة لا يمكن أن تكون بديلاً عن القانون».

وأوضح أن الرؤية السعودية للأمن البحري تقوم على احترام سيادة الدول وحقوقها، وضمان حرية الملاحة وسلامتها، ورفض الاعتداء على السفن المدنية والعسكرية، مع الالتزام بالقانون الدولي بصفته أساساً لتسوية النزاعات ومنع المواجهات.

وحذّر من تحويل الخلافات السياسية بين الدول إلى تهديد للملاحة والتجارة العالمية، مشيراً إلى أن حماية الممرات البحرية لا تتحقق بالقدرات العسكرية وحدها، وإنما تتطلب الشفافية والالتزام بالقواعد الدولية، وتوفير قنوات للتواصل وآليات لخفض التصعيد خلال الأزمات.

ودعا نائب رئيس هيئة الأركان السعودي إلى تبني مفهوم شامل للأمن البحري، يرتكز على الوقاية والكشف المبكر عن التهديدات، وتعزيز التنسيق بين الدول وتبادل المعلومات الاستخباراتية والخبرات، بما يتيح التعامل مع المخاطر قبل تحولها إلى أزمات تهدد أمن المنطقة والمصالح الدولية.

وأكد أهمية حماية السفن والموانئ وتأمين خطوط الملاحة، من خلال تعاون دولي يجمع بين القدرات الدفاعية والالتزام بالقانون الدولي، ويحول دون استخدام الممرات البحرية في النزاعات السياسية والعسكرية.

وشدّد الغفيلي على أن أهمية المضايق والممرات البحرية تتجاوز حدود الدول المطلة عليها، نظراً إلى ارتباطها بالتجارة العالمية وسلاسل الإمداد، مؤكداً ضرورة أن تبقى مجالاً للتعاون والتنسيق بين الدول، بعيداً عن الصراعات والتنافس العسكري.

واختتم بالتأكيد على أهمية تغليب الحوار على المواجهة، والعمل المشترك لحماية أمن البحار واستقرارها، بما يصون مصالح الدول، ويضمن استمرار حركة الملاحة والتجارة الدولية.


«مجلس التعاون» يؤكد التمسك بالدبلوماسية مع إيران... وتعزيز القدرات الدفاعية

جاسم محمد البديوي الأمين العام لمجلس التعاون خلال مشاركته في «حوار المنامة» (مجلس التعاون)
جاسم محمد البديوي الأمين العام لمجلس التعاون خلال مشاركته في «حوار المنامة» (مجلس التعاون)
TT

«مجلس التعاون» يؤكد التمسك بالدبلوماسية مع إيران... وتعزيز القدرات الدفاعية

جاسم محمد البديوي الأمين العام لمجلس التعاون خلال مشاركته في «حوار المنامة» (مجلس التعاون)
جاسم محمد البديوي الأمين العام لمجلس التعاون خلال مشاركته في «حوار المنامة» (مجلس التعاون)

أكد مجلس التعاون الخليجي تمسكه بالحلول الدبلوماسية لمعالجة التوترات مع إيران، بالتوازي مع تعزيز قدراته الدفاعية والأمنية المشتركة، محذراً من استمرار التهديدات التي تواجه دول المنطقة والممرات البحرية الدولية، وما تتركه من تداعيات على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.

وقال جاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون، خلال مشاركته في جلسة «مرتكزات الأمن الإقليمي» ضمن أعمال منتدى «حوار المنامة 2026»، السبت، إن دول المجلس لم تكن طرفاً في الحرب مع إيران ولم تسعَ إليها، مؤكداً استمرار قنوات التواصل مع طهران رغم التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة.

وشدد البديوي على أهمية استجابة إيران للجهود الدبلوماسية، واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، باعتبار ذلك أساساً لخفض التوترات واستعادة الاستقرار الإقليمي.

وفي ملف أمن الملاحة، دعا الأمين العام إلى عودة حركة السفن عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها، محذراً من أن استمرار اضطراب الملاحة يهدد إمدادات الطاقة ويرفع تكاليف النقل والتأمين، ويلقي بأعباء إضافية على الاقتصاد العالمي.

وأكد أن التطورات الأمنية الأخيرة أظهرت أهمية تعزيز منظومة الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون، بما في ذلك تطوير قدرات الإنذار المبكر لمواجهة الصواريخ الباليستية، ورفع مستوى التنسيق العسكري والأمني بين الدول الأعضاء.

وأشار إلى توجه دول المجلس لتعزيز أمن الطاقة، من خلال دراسة إنشاء مناطق للاحتياطيات الاستراتيجية، وتوسيع مشروعات خطوط أنابيب النفط والغاز، بما يحد من تأثير اضطراب الممرات البحرية على تدفقات الطاقة إلى الأسواق العالمية.

وفي الشأن اليمني، أدان البديوي الهجمات الحوثية التي تستهدف السعودية، مؤكداً أن أمن دول مجلس التعاون مترابط، وأن التهديدات التي تواجه أياً من دوله تمس أمن المنطقة واستقرارها.

وتأتي هذه المواقف في وقت تتزايد فيه الدعوات خلال منتدى «حوار المنامة» إلى احتواء الأزمات الإقليمية، وتعزيز قدرة دول الخليج على حماية أمنها، مع الإبقاء على المسارات الدبلوماسية لتجنب اتساع المواجهات العسكرية.


السعودية ومصر تدعوان إلى احتواء الأزمات ومنع اتساع الصراعات

المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي خلال جلسة في «حوار المنامة 2026» (واس)
المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي خلال جلسة في «حوار المنامة 2026» (واس)
TT

السعودية ومصر تدعوان إلى احتواء الأزمات ومنع اتساع الصراعات

المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي خلال جلسة في «حوار المنامة 2026» (واس)
المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي خلال جلسة في «حوار المنامة 2026» (واس)

دعت السعودية ومصر، السبت، إلى تكثيف الجهود الدبلوماسية لاحتواء الأزمات الإقليمية ومنع اتساع الصراعات، محذرتين من تداعيات التصعيد العسكري على أمن المنطقة والملاحة الدولية وإمدادات الطاقة والاقتصاد العالمي، وذلك خلال مشاركتهما في أعمال الدورة الثانية والعشرين من منتدى «حوار المنامة 2026» الذي تستضيفه العاصمة البحرينية.

وفيما أكدت السعودية مواصلة مساعيها لخفض التوترات وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، حذرت مصر من أن أي جولة جديدة من المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران قد تكون أكثر خطورة وتدميراً، داعية إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء آليات إقليمية تحول دون اندلاعها.

وقال المهندس وليد الخريجي، نائب وزير الخارجية السعودي، خلال جلسة بعنوان «تداعيات الصراع الإقليمي التحويلي»، إن المنطقة تمر بمرحلة دقيقة، في ظل اتساع دوائر الصراع خلال الأعوام الماضية، وتفاقم المعاناة الإنسانية، وتزايد المخاطر التي تهدد الملاحة وإمدادات الطاقة والاقتصاد العالمي.

وشدد على ضرورة احتواء الأزمات وترسيخ مقومات الأمن والاستقرار، من خلال تسويات سياسية تعالج الأسباب الجذرية للنزاعات وتمنع تجددها، وتحفظ أمن الدول والشعوب.

وأوضح الخريجي أن السياسة السعودية تنطلق من ارتباط أمن المملكة باستقرار محيطها الإقليمي، وأن تحقيق التنمية والازدهار يتطلب سلاماً مستداماً، مؤكداً أن الرياض تواصل جهودها الدبلوماسية، بالتنسيق مع الدول الشقيقة والشركاء الدوليين، لخفض التصعيد وتسوية الخلافات سلمياً، على أساس احترام سيادة الدول وحسن الجوار وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

وأكد في الوقت نفسه أن المملكة تعمل على تعزيز قدراتها الدفاعية لحماية أمنها وسيادتها، وتطوير أمن بنيتها التحتية ومنشآتها الحيوية، وتعزيز الأمن السيبراني واستمرارية الخدمات الأساسية، إلى جانب توثيق التنسيق الخليجي وتوسيع شراكاتها الدفاعية.

وفي الشأن اليمني، جدد نائب وزير الخارجية السعودي دعم المملكة للحكومة الشرعية والجهود الرامية إلى التوصل لتسوية سياسية شاملة تحفظ وحدة اليمن وأمنه واستقراره.

وأدان استمرار هجمات الحوثيين ضد المملكة والأعيان المدنية وتهديدهم أمن الملاحة، معتبراً أن تصعيد الجماعة يقوض جهود التهدئة والمساعي الدبلوماسية لتسوية الأزمة اليمنية، ويسهم في توسيع دائرة الصراع وإضعاف فرص استعادة الاستقرار الإقليمي.

مصر تحذر من التصعيد

من جانبه، أعرب وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي عن قلق بلاده البالغ من احتمال تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، محذراً من أن أي تصعيد جديد ستكون له تداعيات أشد خطورة على المنطقة.

وقال عبد العاطي، خلال مشاركته في المنتدى: «ستكون الجولة القادمة أكثر خطورة وأكثر تدميراً، ولن تؤدي إلى أي نتيجة. علينا استخلاص الدروس من الماضي».

وتأتي التحذيرات المصرية في ظل تعثر الجهود الرامية إلى تثبيت وقف دائم لإطلاق النار بين واشنطن وطهران، واستمرار الخلافات بشأن إعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية والعقوبات النفطية.

وكان الوسطاء القطريون قد عادوا إلى طهران، الجمعة، في محاولة لاستئناف جهود التوصل إلى اتفاق، وسط تباين المواقف بشأن ترتيب الخطوات المطلوبة، وما إذا كانت الأولوية لاستئناف المفاوضات النووية أم لتخفيف الحصار والعقوبات.

وأكد عبد العاطي، خلال جلسة «ركائز الأمن الإقليمي»، رفض مصر الاعتداءات على دول الخليج وإدانتها، مشدداً على أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن المصري.

ودعا إلى تجاوز سياسة التعامل مع الأزمات بعد وقوعها، والعمل على بناء منظومة إقليمية للإنذار المبكر والاستجابة السريعة، قادرة على منع اندلاع النزاعات واحتواء التوترات قبل تحولها إلى مواجهات عسكرية.

وطرح الوزير المصري رؤية لتعزيز الأمن الإقليمي تستند إلى احترام سيادة الدول والقانون الدولي، وعدم استخدام القوة أو التدخل في الشؤون الداخلية، وتعزيز المسؤولية الإقليمية المشتركة عن الأمن، مع الجمع بين الدبلوماسية وقدرات الردع لحل النزاعات.

كما شدد على ضرورة حماية الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة والبنية التحتية الحيوية، محذراً من تأثير اتساع المواجهات العسكرية على الاقتصاد العالمي وسلاسل إمدادات الغذاء والطاقة

وربط عبد العاطي تحقيق الاستقرار الإقليمي بالتوصل إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، تقوم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، مع رفض التهجير والضم والاستيطان.

تحركات دبلوماسية

وفي سياق الجهود الدبلوماسية لاحتواء الأزمات، أجرى نائب وزير الخارجية السعودي سلسلة لقاءات ثنائية على هامش «حوار المنامة»، تناولت التطورات الإقليمية والدولية وسبل تعزيز التعاون الأمني والسياسي.

وبحث الخريجي مع دونالد بلوم، مساعد وزير الخارجية الأميركي، العلاقات السعودية - الأميركية والتطورات الإقليمية والجهود المبذولة لمعالجتها.

كما ناقش مع ياسوهيرو كوبي، نائب مستشار الأمن القومي الياباني، العلاقات الثنائية والمستجدات الدولية، فيما تناول لقاؤه مع أنيت ويبر، المبعوثة الخاصة للاتحاد الأوروبي للقرن الأفريقي، تطورات الأوضاع في القارة الأفريقية وسبل تعزيز العمل المشترك لتحقيق الأمن والاستقرار.

وتعكس المواقف السعودية والمصرية التي شهدها المنتدى تقارباً في الدعوة إلى خفض التصعيد، وتغليب الحلول السياسية، وتعزيز قدرة دول المنطقة على حماية أمنها، في ظل استمرار التوترات العسكرية والتهديدات التي تواجه الممرات البحرية وإمدادات الطاقة.

أمن الملاحة

وكان الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في البحرين، قد افتتح منتدى الأمن الإقليمي «حوار المنامة 2026»، بمشاركة وزراء ومسؤولين أمنيين وقادة عسكريين وأكاديميين من مختلف دول العالم.

وأكد على أهمية ضمان أمن الممرات المائية الحيوية الدولية، وحرية الملاحة البحرية، بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار وتحقيق التنمية والازدهار للمنطقة والعالم.

وقال ولي عهد البحرين، في كلمته، إن المملكة تواصل دعم الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز الجهود المشتركة والتعاون الدولي لما لها من أهمية في ترسيخ قواعد الأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين.