قمة الرياض... تحرك لكسر الحصار وإنهاء الاحتلال

محمد بن سلمان يرفض «الحرب الشعواء» والتهجير القسري... ومطالبة عربية ــ إسلامية للجنائية الدولية بالتحقيق في «مجازر» غزة

الأمير محمد بن سلمان يتوسط قادة الدول العربية والإسلامية المشاركين في قمة الرياض لبحث الحرب الإسرائيلية على غزة أمس (واس)
الأمير محمد بن سلمان يتوسط قادة الدول العربية والإسلامية المشاركين في قمة الرياض لبحث الحرب الإسرائيلية على غزة أمس (واس)
TT

قمة الرياض... تحرك لكسر الحصار وإنهاء الاحتلال

الأمير محمد بن سلمان يتوسط قادة الدول العربية والإسلامية المشاركين في قمة الرياض لبحث الحرب الإسرائيلية على غزة أمس (واس)
الأمير محمد بن سلمان يتوسط قادة الدول العربية والإسلامية المشاركين في قمة الرياض لبحث الحرب الإسرائيلية على غزة أمس (واس)

في ظل ظروف استثنائية تعيشها المنطقة، استضافت الرياض أمس قمة عربية - إسلامية غير عادية شاركت فيها 57 دولة، وخرجت بجملة قرارات استثنائية أبرزها كسر الحصار الذي تفرضه إسرائيل على غزة والتشديد على وقف حربها على القطاع وإنهاء الاحتلال. وأكدت القمة، التي جاء انعقادها في ظل واحدة من أسوأ الكوارث التي يعيشها الفلسطينيون، ضرورة العمل من أجل إدخال المساعدات الإنسانية، بما في ذلك الوقود، «فوراً» إلى قطاع غزة.

وشدد الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، لدى ترؤسه أعمال القمة، على رفض بلاده القاطع لـ«الحرب الشعواء» التي يتعرض لها الفلسطينيون، مجدداً التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للعمليات العسكرية وتوفير ممرات إنسانية لإغاثة المدنيين. وقال مخاطباً قادة ورؤساء الدول العربية والإسلامية: «إننا أمام كارثة إنسانية تشهد على فشل مجلس الأمن والمجتمع الدولي في وضع حد للانتهاكات الإسرائيلية الصارخة للقوانين والأعراف الدولية والقانون الدولي الإنساني، وتبرهن على ازدواجية المعايير والانتقائية في تطبيقها، وتهدد الأمن والاستقرار العالميين، ولذلك فإن الأمر يتطلب منا جميعاً جهداً جماعياً منسقاً للقيام بتحرك فعّال لمواجهة هذا الوضع المؤسف، وندعو إلى العمل معاً لفك الحصار بإدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية وتأمين المستلزمات الطبية للمرضى والمصابين في غزة».

كما أكد ولي العهد السعودي رفض المملكة القاطع لاستمرار العدوان والاحتلال والتهجير القسري لسكان غزة، مشدداً على موقف بلاده بتحميل سلطات الاحتلال مسؤولية الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني ومقدراته. وأوضح أن السبيل الوحيد لتحقيق الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة يأتي بإنهاء الاحتلال والحصار والاستيطان وحصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة وإقامته دولته المستقلة بحدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مشدداً على أن ذلك هو ما يضمن استدامة الأمن واستقرار المنطقة ودولها.

ورفض القادة في البيان الختامي توصيف حرب إسرائيل «الانتقامية» في غزة بأنها تأتي «دفاعاً عن النفس»، مطالبين مجلس الأمن الدولي بقرار «حاسم ملزم يفرض وقف العدوان» الإسرائيلي في غزة. كما أكّدوا مطالبتهم بالتوصل إلى «حل شامل» يضمن وحدة غزة والضفة الغربية «أرضاً لدولة فلسطينية». وطالب البيان جميع الدول بوقف تصدير الأسلحة والذخائر إلى سلطات الاحتلال.

ودعا البيان إلى «كسر الحصار على غزة وفرض إدخال قوافل مساعدات إنسانية عربية وإسلامية ودولية، تشمل الغذاء والدواء والوقود إلى القطاع بشكل فوري». وطالبت القمة المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في «جرائم الحرب والمجازر الهمجية الوحشية واللاإنسانية التي ترتكبها حكومة الاحتلال الاستعماري» في الأراضي الفلسطينية.

وكشف وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان عن تشكيل لجنة وزارية من عدة دول فاعلة من ضمنها السعودية، بالإضافة للأمينين العامين لجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، للتحرك دولياً لوقف الحرب في غزة وإطلاق عملية سياسية لتحقيق السلام الدائم والشامل. وقال في مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط إن «هذه اللجنة شملت دولتين في مجموعة العشرين؛ هما السعودية وإندونيسيا، وشملت أكبر اقتصاد في أفريقيا وأكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكّان، وهذه رسالة واضحة ومهمة بأن العالم الإسلامي يدعم القضية الفلسطينية بشكل قوي وأساسي، والمجتمع الدولي لن يستطيع أن يتجاهل الرسالة أمام هذا الموقف الموحّد من هذه الدول الكبرى».

من جهته، قال الأمين العام لجامعة الدول العربية، إن «قرار القمة يستمد قوته من صدوره عن 57 دولة عربية وإسلامية تقول لإسرائيل والعالم الغربي لا». واستطرد أن هذا يمثل «ضغطاً شديداً على من أتاحوا لإسرائيل الكارت الأبيض لتتصرف بتلك التصرفات الهمجية».


مقالات ذات صلة

تركيا: على «الناتو» إعادة ضبط علاقاته مع ترمب في قمة أنقرة

العالم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يتحدث خلال مؤتمر صحافي مشترك في أنقرة... تركيا 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ) p-circle

تركيا: على «الناتو» إعادة ضبط علاقاته مع ترمب في قمة أنقرة

قالت تركيا، الاثنين، إنه يتعيّن على دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) العمل خلال القمة المقبلة في يوليو (تموز) بأنقرة على إعادة ضبط العلاقات مع الرئيس الأميركي ترمب.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
العالم أعلام دول مجموعة السبع في يوم اجتماع وزراء خارجية المجموعة بالقرب من باريس - 26 مارس 2026 (رويترز)

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

تسعى مجموعة السبع المجتمعة في باريس إلى بلورة موقف مشترك مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مع رئيسة وزراء إيطاليا في روما خلال مايو 2023 (الرئاسة الجزائرية)

«قمة غاز» جزائرية - إيطالية الأربعاء المقبل... وتحذيرات فرنسية من استمرار القطيعة

من بين أهداف زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية، جيورجيا ميلوني، وفق مصادر صحافية جزائرية، تعزيز التعاون الصناعي، والطاقوي عبر مختلف مراحل سلسلة الإنتاج.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يحضران مؤتمراً صحافياً في برلين ألمانيا 23 يوليو 2025 (رويترز)

ماكرون يلتقي ميرتس في بروكسل الأربعاء عشية قمة للاتحاد الأوروبي

أعلنت الرئاسة الفرنسية أن الرئيس إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس سيلتقيان الأربعاء في بروكسل لتنسيق جهودهما عشية قمة للاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا وزير خارجية قبرص قسطنطينوس كومبوس يتحدث إلى وسائل الإعلام في يوم انعقاد اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في بروكسل 16 مارس 2026 (رويترز)

قبرص تستضيف اجتماعات الاتحاد الأوروبي رغم هجوم مسيّرة إيرانية على أراضيها

تستعد قبرص لاستقبال اجتماعات وزراء الاتحاد الأوروبي حسبما كان مخططاً لها في غضون الأشهر المقبلة رغم استهداف مسيّرة إيرانية على أراضيها في وقت سابق من هذا الشهر.

«الشرق الأوسط» (نيقوسيا)

«التعاون الإسلامي» تؤكد دعمها وتضامنها مع الأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل

شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)
شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)
TT

«التعاون الإسلامي» تؤكد دعمها وتضامنها مع الأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل

شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)
شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)

أعربت الأمانة العامة لمنظمة «التعاون الإسلامي» عن بالغ القلق إزاء تدهور أوضاع الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، البالغ عددهم أكثر من 9500 أسير، من بينهم 73 أسيرة و350 طفلاً، علاوة على المعتقلين من قطاع غزة الذين لا يُعرَف عددهم.

وحذّرت الأمانة العامة من خطورة ما يتعرّض له الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي «من جرائم ممنهجة وغير إنسانية، وآخرها المصادقة على عقوبة الإعدام بحقهم، وحرمانهم من أبسط الحقوق الإنسانية التي كفلها لهم القانون الدولي الإنساني، من تعليم وعلاج واتصال بالعالم الخارجي، علاوةً على إخضاعهم للتعذيب والاعتداء عليهم بشكل متعمَّد ومنهجي، والتجريد من الإنسانية والإرهاب النفسي، والعنف الجنسي، والاغتصاب، والتجويع، والحبس الانفرادي، وغيرها من الإجراءات التي ترتقي إلى مستوى جريمة حرب وجريمة إبادة جماعية، بموجب القانون الجنائي الدولي»، وفقاً لـ«وكالة الأنباء السعودية (واس)».

وأكدت الأمانة العامة أن هذه الإجراءات، التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي، «تشكل انتهاكاً لجميع المعايير والقواعد التي ينص عليها القانون الدولي الإنساني، وميثاق حقوق الإنسان، واتفاقيات جنيف، وغيرها من المواثيق الدولية ذات الصلة؛ الأمر الذي يتطلب مضاعفة الجهود لملاحقة ومساءلة إسرائيل، وفق القانون الجنائي الدولي».

وحمّلت الأمانة العامة للمنظمة إسرائيل «المسؤولية الكاملة عن حياة جميع الأسرى الفلسطينيين، لا سيما الأطفال والنساء والمرضى وكبار السن». وجدَّدت دعوتها جميع أطراف المجتمع الدولي إلى «تحمّل مسؤولياتها وإلزام الاحتلال الإسرائيلي باحترام واجباته تجاه حقوق الأسرى الفلسطينيين».


السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».