إنشاء المدن وأنسنتها... برهان السعودية على متانة اقتصادها

خبير سياسي: مشاريع «نيوم» ستكون إرثاً في تاريخ ولي العهد

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال إعلانه عن إطلاق منطقة «ذا لاين» في مدينة نيوم (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال إعلانه عن إطلاق منطقة «ذا لاين» في مدينة نيوم (واس)
TT

إنشاء المدن وأنسنتها... برهان السعودية على متانة اقتصادها

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال إعلانه عن إطلاق منطقة «ذا لاين» في مدينة نيوم (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال إعلانه عن إطلاق منطقة «ذا لاين» في مدينة نيوم (واس)

بينما ألقت جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا وأسعار الطاقة وارتفاع نسب التضخم العالمية، بظلالها على كثير من اقتصاديات العالم الكبرى، أماطت السعودية اللثام عن متانة اقتصادها، عبر الإعلان عن التقدم في مشاريع مناطقها الوليدة من مدينة نيوم. واعتُبر الإعلان عن هذه المشاريع الفريدة من نوعها ضمن خطة السعودية التنموية «رؤية 2030» شيئاً مبهراً في حينه، لكن الأكثر إبهاراً هو استمرار التقدم اليوم في كثير من هذه المشاريع بوتيرة عالية، رغم الظروف الاقتصادية الدولية.

تجاوز آثار جائحة كورونا في وقت قياسي
في الثامن من أبريل (نيسان) العام الماضي، كشف وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن بلاده قد «تجاوزت آثار جائحة كوفيد-19 نتيجةً لسرعة الاستجابة والإجراءات غير المسبوقة التي اتّخذتها لحماية المواطنين والمقيمين ودعم النشاط الاقتصادي، التي قُدّرت بنحو 13.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي».
وأعطت دلالات هذا التاريخ انطباعاً بأن البلاد قد بدأت بعده العودة بالتدريج لاستئناف العمل على خطتها التنموية «رؤية السعودية 2030» لكن الواقع كان مختلفاً وسار بوتيرة عالية لم تعتَدْ عليها المنطقة وليس السعودية فحسب، حيث أذاعت وكالة الأنباء الرسمية ووسائل إعلام محليّة ودولية قبل ذلك التاريخ بشهرين، في العاشر من يناير (كانون الثاني)، الإطلاق الرسمي لمشروع منطقة «ذا لاين» في مدينة نيوم الجديدة كليًّا شمال غربي السعودية. أي أن هذا الإعلان المثير للدهشة لمشروع بهذه المزايا غير المسبوقة، جاء في الوقت نفسه الذي كانت فيه البلاد ما زالت تتعافى من الآثار الاقتصادية الناجمة عن الجائحة.

إبهار بصري من الطبيعية 100 في المائة
وفي الإعلان نفسه، دُهش المراقبون، بالإبهار البصري الذي أزاح الستار عن منطقة وليدة سوف تسبق مثيلاتها من المناطق اللاتي لم تولد بعد، إلى أن تكون أول منطقة مخلوقة من الطبيعة بنسبة تقارب الـ95 في المائة، وسوف تعتمد في تركيبتها للحياة والبناء على 100 في المائة من المصادر المتجددة والنظيفة.
يشير ذلك إلى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، قد التزم بتعهده الذي أعلنه قبل عام فقط من الانتشار المروّع لفيروس كورونا حول العالم، عندما قال إبَّان مشاركته إلى جانب قادة شرق أوسطيين، في منتدى اقتصادي عقد في العاصمة السعودية الرياض، في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2018: «الشرق الأوسط سيكون أوروبا الجديدة، هذه حربي وحرب السعوديين».

اقتصاد يتجاوز الظروف
كان يمكن تخيل أن تساهم جائحة كورونا، والتقلّبات في أسواق الطاقة والحرب في أوكرانيا، وارتفاع نسب التضخم، في جعل هذا التصريح المدوّي، «تعهّداً مع وقف التنفيذ»، لكن إطلاق مشروع منطقتي «أوكساچون» الصناعية و«تروجينا» السياحية في نيوم، وإعلان تصاميم منطقة «ذا لاين» في نيوم أيضاً، واكتمال أجزاء رئيسية من مشروع وجهة البحر الأحمر، كشف عن متانة اقتصاد البلاد، بالقدر الذي راهن عليه ولي العهد السعودي للدفع بهذه المشاريع العملاقة إلى الأمام، في وقتٍ عصيب على كبرى اقتصاديات العالم، وعلى المملكة التي كانت في قلب العاصفة حينما اجتاح فيروس كورونا الكون، وترأست حينه مجموعة العشرين، لتقود كبرى اقتصاديات العالم إلى مواجهة اقتصادية حامية الوطيس مع الجائحة.

فرص للاستثمار الواعد
ويدلّل أمير منطقة تبوك - المنطقة الإدارية المجاورة لمدينة نيوم - الأمير فهد بن سلطان، على قدرة بلاده في الخروج من أقسى الظروف الاقتصادية بأفضل طريقة، من خلال مشروع «ذا لاين» قائلاً إنه سوف يمثل «نموذجاً عالمياً رائداً لمفهوم المجتمعات الحضرية مستقبلاً ويحقق الاستدامة ومثالية العيش بالتناغم مع الطبيعة وتوفير بيئة صحية جاذبة كما سيعزز من مكانة المملكة ويجعلها رائدة في هذا المجال نحو اقتصاد متجدد ومتنوع يرتكز على تقنيات حديثة وفق معايير نوعية».
وبالنظر إلى هذه النماذج، يجادل الدكتور بول سوليفان، خبير الطاقة والمحاضر في جامعة جون هوبكنز، بأن هناك فرصا هائلة للاستثمار الواعد في السعودية «يمكن للمستثمرين ذوي العقليات الإبداعية المستعدين لبذل الجهود في فهم ثقافة السعودية ومكانتها في العالم أن يستثمروا هناك، لكن إذا كانوا لا يعتقدون أنهم بحاجة إلى فهم ثقافي واستعداد للعمل من خلال تعقيدات الحقائق الدولية المتغيرة اليوم، فأنا أقترح عليهم البحث في مكان آخر» ويضيف الدكتور سوليفان أن مستقبل السعودية لا يقتصر على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح المعمول بها الآن فقط، بل إن مبادرة السعودية الخضراء على سبيل المثال لا الحصر تعمل على «تكريس استخدام الطاقة المتجددة، وتطوير تقنيات احتجاز الكربون، وزيادة خيارات النقل العام، وتعزيز كفاءة الطاقة وتنفذ في الوقت ذاته مشاريع لزراعة المزيد من الأشجار وحماية الأرض والبحار والقضاء على انبعاثات الكربون».

شروق الشمس وغروبها على خليج نيوم
ولا يُخفي البروفيسور في جامعة الدفاع الوطني في واشنطن ديفيد ديروش، مشاعره عندما كان ضابطاً في الجيش الأميركي «أول وظيفة لي كضابط شاب في الجيش الأميركي كانت في خليج العقبة، وكنت أشاهد كل يوم شروق الشمس وغروبها على الساحل السعودي الرائع وأنا مفتون بجمالها ... من الجيد أن أرى بأنني لست الوحيد الذي شعر بهذه الطريقة».
ويكشف ديروش عن إيمانه بأن مشاريع مدينة نيوم، وعلى وجه الخصوص منطقة «ذا لاين»، يمكن أن تحقق النجاح المرجو منها لسبب بسيط يرتبط بتاريخ المشاريع الكبرى الأخرى مثل «القطار الفرنسي السريع، وعمليات الإنزال على سطح القمر في الولايات المتحدة، والتطوير الأولي لميناء دبي، وقناة السويس، التي اعتُبرت أيضاً على نطاق واسع في بداية انطلاقها، على أنها غير قابلة للتحقق أو مستحيلة ومتهورة. واليوم تعتبر جميعها أمثلة على التفكير البصري الذي كان أنصاره متقدمين على عصرهم وتمكنوا من استخدام رؤيتهم ومواردهم لتغيير العالم كما نراه الآن»، مؤكداً في استطراد أن ولي العهد السعودي «يخوض مغامرة كبيرة وستكون هذه المشاريع جزءًا كبيرًا من إرثه ومكانته في التاريخ إذا تمكن من الاستمرار في إنجاحها».
وباتت مشاريع إنشاء المناطق الصناعية والسياحية والحضرية، القائمة على الطاقة النظيفة والمتجددة، وتحاكي تقنيات المستقبل، جزءًا لا يتجزأ في خطط تنمية الاقتصاد السعودي، كما عمدت السعودية إلى مشاريع موازية لأنسنة المدن القائمة في إطار خطتها للتنمية «رؤية 2030».


مقالات ذات صلة

ولي العهد السعودي ورئيس وزراء كندا يبحثان العلاقات والتطورات

الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)

ولي العهد السعودي ورئيس وزراء كندا يبحثان العلاقات والتطورات

استعرض الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مستجدات أوضاع المنطقة وتداعياتها الأمنية والاقتصادية.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج الأمير محمد بن سلمان لدى ترؤسه جلسة مجلس الوزراء التي عُقدت في جدة (واس)

السعودية تجدد دعمها الجهود الهادفة إلى إرساء السلم والاستقرار العالميين

جدد مجلس الوزراء السعودي، الثلاثاء، مواقف المملكة الثابتة ودعمها المستمر جميع الجهود والمساعي الدبلوماسية الهادفة إلى إرساء دعائم السلم والاستقرار العالميين.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج نائب وزير الخارجية المهندس وليد الخريجي خلال استقباله مستشار رئيس وزراء بنغلاديش للشؤون الخارجية همايون كبير (واس)

ولي العهد السعودي يتلقى رسالة خطية من رئيس وزراء بنغلاديش

تلقى الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، رسالة خطية من طارق رحمن رئيس الوزراء في بنغلاديش الشعبية، تتصل بالعلاقات الثنائية بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في جدة الجمعة (واس)

محمد بن سلمان وزيلينسكي يبحثان التطورات الإقليمية والدولية

بحث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مُجريات الأحداث الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها تطورات الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج ولي العهد السعودي ورئيس الاتحاد السويسري غي بارميلان (واس) p-circle 00:34

ولي العهد السعودي يستعرض أوجه التعاون مع رئيس الاتحاد السويسري  

التقى الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في محافظة جدة، الخميس، رئيس الاتحاد السويسري، غي بارميلان. وجرى خلال اللقاء استعراض أوجه…

«الشرق الأوسط» (جدة)

ولي العهد السعودي ورئيس وزراء كندا يبحثان العلاقات والتطورات

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)
TT

ولي العهد السعودي ورئيس وزراء كندا يبحثان العلاقات والتطورات

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)

استعرض الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مستجدات الأوضاع الراهنة في المنطقة وتداعياتها الأمنية والاقتصادية على المستويين الإقليمي والدولي.
جاء ذلك خلال اتصال تلقاه ولي العهد السعودي من رئيس الوزراء الكندي يوم الأربعاء، بحث الجانبان خلاله العلاقات الثنائية بين البلدين، واستعرضا مجالات التعاون القائمة وسبل تعزيزها وتطويرها في عدد من المجالات.


«الداخلية» السعودية: إجراءات بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية

وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
TT

«الداخلية» السعودية: إجراءات بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية

وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)

أعلنت وزارة الداخلية السعودية، الأربعاء، مباشرة الجهات المختصة في حينه الإجراءات النظامية بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية، والتي تمثل خطاً أحمر لا يُقبل المساس به، أو التأثير عليه.

جاء ذلك في بيان للوزارة أشار إلى «ما تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي من محتوى من شأنه المساس بالوحدة الوطنية، وتهديد السلم والأمن المُجتمعي، متضمناً عبارات مثيرة للتعصب القبلي المقيت»، في تصرف غير مسؤول، ولا يعكس وعي المجتمع السعودي، وإدراكه لخطورة تلك الممارسات الشاذة التي لا تمثل إلا أصحابها.

وحذَّرت «الداخلية» من «كل ما من شأنه المساس بالنظام العام»، مؤكدة أن الجهات الأمنية تقف بحزم أمام كل من يحاول النيل من اللُّحمة الوطنية بإثارة النعرات القبلية المقيتة، وأن الجزاء الرادع سيكون مصيره»، باعتبار أن تلك الأفعال تعدّ جريمة خطيرة يُعاقب عليها القانون.

من جانبها، أكدت النيابة العامة، في منشور على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي، أن إثارة النعرات القبلية أو الدعوة للتعصب والكراهية بين أفراد المجتمع جرائم يعاقب عليها النظام، وتعرّض مرتكبيها للمساءلة الجزائية والعقوبات المقررة.

بدورها، قالت «هيئة تنظيم الإعلام»، في منشور عبر حسابها على منصة «إكس»، إن «قيمنا المجتمعية ترفض كل أنواع الفرقة وإثارة النعرات القبلية»، مؤكدة أن «أي محتوى يتضمن تعصباً قبلياً، أو قدحاً بالأنساب تصريحاً أو تلميحاً، يعدّ مخالفة صريحة للفقرة الرابعة من المادة الخامسة من نظام الإعلام المرئي والمسموع».

وأشارت الهيئة إلى ممارسات غير مباشرة تثير النعرات القبلية، هي: «الإيحاء بوجود أفضلية على أساس الانتماء، وإبراز الانتماء القبلي خارج سياق المحتوى، وعبارات عامة تحمل معاني تمييزية مبطنة، وطرح قضايا اجتماعية بإيحاءات توحي بالفرقة».


كيف دعمت «قمة جدة» العمل الخليجي المشترك؟

أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
TT

كيف دعمت «قمة جدة» العمل الخليجي المشترك؟

أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)

وجّه قادة دول مجلس التعاون الخليجي خلال قمتهم التشاورية، في جدة غربي السعودية، الثلاثاء بضرورة استعجال استكمال متطلبات تحقيق الوصول لكافة المشاريع الخليجية المشتركة، بما في ذلك النقل، والخدمات اللوجستية، مع الإسراع في تنفيذ مشروع سكك الحديد الخليجية، مشيرين إلى أهمية مشروع الربط الكهربائي بين دول المجلس، والإسراع بالبدء في أخذ خطوات تجاه إنشاء مشروع أنابيب لنقل النفط والغاز، ومشروع الربط المائي بين دول مجلس التعاون، والمضي قدماً في دراسة إنشاء مناطق للمخزون الاستراتيجي الخليجي، إلى جانب التأكيد على أهمية تكثيف التكامل العسكري ما بين دول المجلس، والإسراع في إنجاز مشروع منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية.

وعكست هذه التوجيهات التي كشف عنها البيان الإعلامي لجاسم البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، عقب القمة، إشاراتٍ لافتة جاءت بالتوازي مع أخذ السعودية زمام المبادرة للدعوة لهذه القمة التشاورية، حيث تضمّنت «التوجيهات السامية»، كما وصفها البديوي، مصطلحات واضحة ومباشرة اشتملت على «الاستعجال» و«الإسراع» في مناسبتين، إلى جانب «أهمية»، والدعوة المباشرة لتكثيف التكامل العسكري، الأمر الذي لقي تفاعلاً واسعاً يكشف عن جدية، ووضوح في المبادرة السعودية، واللقاء التشاوري الخليجي، للخروج بنتائج حقيقية لهذا اللقاء في ظل الظروف الراهنة شديدة التعقيد.

ولي العهد السعودي وملك البحرين قبيل القمة (واس)

ودلّلت تعليقات أمير قطر الشيخ تميم بن حمد عقب القمة على ذلك قائلاً: «قمتنا الخليجية التشاورية اليوم في جدة تجسد الموقف الخليجي الموحد تجاه الأوضاع الراهنة، وما تستلزمه من تكثيف التنسيق، والتشاور، بما يعزز الدور الفاعل لدولنا في دعم المسارات الدبلوماسية، وصون أمن المنطقة، واستقرار شعوبها، وتحقيق تطلعاتها نحو التنمية، والازدهار».

امتداد لجهود ولي العهد السعودي وقادة الخليج

الدكتور عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، قال لـ«الشرق الأوسط» إن استضافة المملكة للقمة الخليجية التشاورية جاءت استجابة لبحث الظروف التي تمر بها منطقة الخليج العربي جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية-الإيرانية، والتشاور، وتنسيق مواقف دول مجلس التعاون الخليجي على ضوء ما أسفرت عنه هذه الحرب، ولاحتواء تداعيات الأزمة الراهنة، سواء من الناحية الأمنية، أو الاقتصادية، أو غيرهما. واستدرك أنها تهدف إلى تعزيز الجهود المبذولة لمعالجة هذه الأزمة، وتداعياتها، لتحقيق استقرار المنطقة، وحفظ مصالح دول مجلس التعاون، وتعزيز أمنها الجماعي، وتابع أنها تأتي امتداداً لجهود الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، وقادة دول مجلس التعاون الخليجي.

ولي عهد الكويت لدى وصوله إلى جدة وفي استقباله ولي العهد السعودي (واس)

الدكتور عبد العزيز يرى أن رؤية الملك سلمان بن عبد العزيز -لتعزيز العمل الخليجي المشترك، وترسيخ الوحدة الاقتصادية، وتطوير المنظومتين الدفاعية، والأمنية، وصولاً إلى تكامل خليجي أكثر رسوخاً واستدامة، بما يحقق قيمة مضافة لحماية مصالح دول مجلس التعاون الحيوية، ويعزز التعامل الجماعي مع ما قد تفرضه الأزمة الحالية من تحديات، أو تحسباً لأي أزمات قد تطرأ على المنطقة مستقبلاً- تعد من الملفات التي طرحت على طاولة لقاء القادة.

عدم ارتهان القرار الخليجي لجهات أخرى

وتوقع بن صقر خلال حديثه أن القمة سوف تبني على نجاح دول المجلس في التصدي للهجمات الإيرانية بالصواريخ الموجهة، والمسيرات، والبناء على هذا النجاح في وضع استراتيجية دفاعية متكاملة وشاملة لدول المجلس، تبدأ بالتسليح الحديث الذي يناسب الأجيال الجديدة من الحروب، والتدريب، والشراكات الدفاعية الخارجية، بما يرسي قواعد دفاع استراتيجية قوامها الاعتماد على الذات، والشراكات المناسبة، والمفيدة، وعدم ارتهان القرار الخليجي لأي جهات أخرى.

ولي العهد السعودي مستقبلاً أمير قطر (واس)

وكان القادة الخليجيّون أكدوا على حق دول المجلس في الدفاع عن نفسها، فردياً أو جماعياً، وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وفي اتخاذ كافة الإجراءات لحماية سيادتها، وأمنها، واستقرارها، وعلى التضامن الكامل بين الدول الأعضاء، وأن أمن دوله كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي اعتداء تتعرض له أي دولة عضو يعد اعتداءً مباشراً على كل دوله، وفق ما نصت عليه اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.

كما أشار الأمين العام للمجلس إلى إشادة القادة بما أظهرته القوات المسلحة لدول المجلس من «شجاعة وبسالة عاليتين في الدفاع عن دول المجلس في وجه الاعتداءات الإيرانية السافرة، وبما أبدته هذه القوات من قدرات وجاهزية مكنتها -بعد توفيق الله- من التصدي للاعتداءات الصاروخية، وبالطائرات المسيرة، والتعامل معها باحترافية وكفاءة عاليتين»، إلى جانب الحفاظ على أمن الدول الأعضاء، ومقدرات شعوبها.

الممرات البديلة «نقاش الفترة المقبلة»

وتوقّع بن صقر أن العمل على إيجاد ممرات بديلة لتأمين سلاسل إمدادات الطاقة سوف يكون محل نقاش خليجي جاد في الفترة المقبلة، وهو الأمر الذي تناوله بيان الأمين العام لمجلس التعاون الذي كشف عن توجيه القادة إلى الإسراع بالبدء في أخذ خطوات تجاه إنشاء مشروع أنابيب لنقل النفط والغاز، علاوةً على استعجال استكمال متطلبات تحقيق الوصول لكافة المشاريع الخليجية المشتركة، بما في ذلك النقل، والخدمات اللوجستية، مع الإسراع في تنفيذ مشروع سكك الحديد الخليجية.

وزير الخارجية السعودي استقبل نظيره الإماراتي عقب وصوله للمشاركة في القمة (واس)

ويتّفق أحمد الإبراهيم، المحلل السياسي، مع هذا الطرح، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن البيان الذي أعقب القمة عكس أهميّتها، وأكّد على أن السعودية كما تولّت الأمر، وأمّنت سلاسل الإمداد لوجستيّاً لدول الخليج خلال الأزمة، وعملت على تأمين ممرات بديلة للطاقة عبر خط أنابيب شرق–غرب كجزء من معالجة أزمة مضيق هرمز، جدّدت اليوم خطواتها المبدئية عبر جمع دول الخليج على طاولة واحدة، للتعامل مع المرحلة المقبلة.

«توجيهات صريحة ومباشرة»

وأضاف: «هذه من المرّات النادرة التي أشهد فيها بياناً مباشراً وصريحاً يتضمن التوجيهات الصارمة، خاصةً في التعامل مع المتطلّبات المستقبلية، والسيناريوهات المفتوحة على كافة الاحتمالات الآن، مع احتمالية تعثر المفاوضات الأميركية–الإيرانية، أو أي سيناريو خطير قادم».

جاسم البديوي الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي أدلى ببيان عقب القمة (مجلس التعاون)

بدوره يرى المحلل السياسي محمد الدوسري أن أهمية مجلس التعاون الخليجي تكمن في مقدرته على العبور من الكثير من الأزمات، ومن ذلك الحرب العراقية-الإيرانية، وأزمة احتلال العراق للكويت، ودور المجلس -وعلى رأسه السعودية- في تجاوز العديد من المحن، مشدّداً على أن العقل الجمعي لمواطني الخليج يرى أهمية توحيد الموقف الخليجي لعبور الأزمات، ومن ذلك الأزمة الجارية، وانعكاسات إغلاق مضيق هرمز.

«الخيمة السعودية»

ونوّه الدوسري إلى أن اللقاء التشاوري لقادة دول الخليج هو بمثابة رسالة لاجتماعها، واستظلالها في «الخيمة الكبيرة»، وهي السعودية، لتفتح آفاقاً جديدة، وتتفق على معالجة وتجاوز الأخطار الحالية المحدقة.