«حرب غزة»: مصر وقطر تكثفان جهودهما لـ«هدنة» جديدة

تزامناً مع دعوة بايدن لوقف إطلاق النار

فلسطينيون يسيرون في موقع الغارات الإسرائيلية على المنازل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)
فلسطينيون يسيرون في موقع الغارات الإسرائيلية على المنازل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)
TT

«حرب غزة»: مصر وقطر تكثفان جهودهما لـ«هدنة» جديدة

فلسطينيون يسيرون في موقع الغارات الإسرائيلية على المنازل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)
فلسطينيون يسيرون في موقع الغارات الإسرائيلية على المنازل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)

بينما تواصل مصر وقطر جهودهما من أجل الاتفاق على «هدنة» بين إسرائيل وحركة «حماس» يجري خلالها إتمام صفقة لتبادل المحتجزين من الجانبين. دعا الرئيس الأميركي جو بايدن، إسرائيل إلى «وقف مؤقت لإطلاق النار في غزة»، ما عده خبراء «محاولة لاستيعاب الغضب الشعبي»، مؤكدين «صعوبة» الوصول إلى اتفاق في ظل تباين المواقف بين حركة «حماس»، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو.

وقال الرئيس الأميركي، للصحافيين في البيت الأبيض، مساء الجمعة، إنه أجرى محادثات «مكثفة» مع نتنياهو في الأيام الأخيرة حثه خلالها على «وقف مؤقت لإطلاق النار، من أجل إطلاق سراح الرهائن».

وجاءت تصريحات بايدن بعد أيام من اجتماع استضافته القاهرة، الثلاثاء الماضي، لبحث «هدنة» وصفقة «تبادل الأسرى»، بمشاركة رؤساء استخبارات مصر، وإسرائيل، والولايات المتحدة، ورئيس وزراء قطر، انتهى دون «تحقيق تقدم».

وعقب اجتماع القاهرة، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، في بيان صادر عن مكتبه، الأربعاء الماضي، إن «حركة (حماس) لم تقدم عرضاً جديداً بخصوص اتفاق الرهائن»، راهناً «المضي قدماً في المفاوضات بتغيير موقف (حماس)». لكن رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، إسماعيل هنية، أكد في بيان، السبت، أن «الحركة لن ترضى بأقل من الوقف الكامل للعدوان الإسرائيلي وانسحاب القوات الإسرائيلية خارج قطاع غزة وعودة النازحين إلى ديارهم، خصوصاً إلى شمال القطاع».

صعود عمود دخان فوق خان يونس من رفح في جنوب قطاع غزة خلال قصف إسرائيلي سابق (أ.ف.ب)

وقال القيادي بحركة «فتح»، أستاذ القانون والنظم السياسية بجامعة القدس، الدكتور جهاد الحرازين، لـ«الشرق الأوسط»، إن «تصريحات الإدارة الأميركية خلال الفترة الأخيرة تهدف بالأساس إلى ضرورة وقف إطلاق النار مؤقتاً عبر (هدنة) تؤدي إلى إطلاق سراح الأسرى ضمن صفقة تبادل بين الجانبين (إسرائيل وحركة حماس)». وأضاف أن «الإدارة الأميركية معنية الآن أكثر من أي وقت مضى بوقف إطلاق النار، لا سيما وأنها بدأت تشعر بشيء من الإحراج أمام المجتمع الدولي، كون كل ما تقوم به إسرائيل يتم تحت غطاء أميركي داعم في الهيئات والمنظمات الدولية»، موضحاً أن «الرأي العام الغاضب والمظاهرات التي حدثت في الولايات المتحدة ودول عدة حول العالم، دفعت الإدارة الأميركية للمطالبة بتجنيب المدنيين مخاطر الحرب، والدعوة لوقف إطلاق النار، وازداد ذلك مع الأوضاع السياسية الداخلية في أميركا في عام الانتخابات الرئاسية».

وأفادت شبكة «إيه بي سي نيوز» الأميركية، السبت، أن وزارة الخارجية تلقت تحذيرات من دبلوماسييها في الشرق الأوسط من تنامي مشاعر العداء لواشنطن بسبب موقفها من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

وبدوره، أكد خبير الشؤون الإسرائيلية في «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، أن «تصريحات بايدن تأتي في سياق مباراة لاستيعاب وامتصاص غضب الرأي العام سواء في الداخل الأميركي أو في العالم عبر تصريحات علنية تظهر عدم موافقة واشنطن على ما تقوم به إسرائيل». لكن عكاشة أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «تلك التصريحات لن تكون فاعلة، دون إجراءات أخرى تتضمن نوعاً من الضغط الحقيقي على تل أبيب».

وخلال الأيام الماضية كثفت مصر وقطر اتصالاتها لتقريب وجهات النظر بين إسرائيل وحركة «حماس»، في إطار ما جرى التوافق عليه في اجتماعي باريس والقاهرة. ونقل موقع «أكسيوس» الإخباري عن مصدرين مطلعين قولهما، إن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ التقى «سراً» مع وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، الجمعة، لبحث صفقة تبادل الأسرى.

فلسطينيات يسرن بجوار منطقة تضررت بعد غارة إسرائيلية على مخيم جنين للاجئين في وقت سابق (أ.ب)

من جانبه، قال مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن «القاهرة مستمرة في التواصل مع جميع الأطراف المعنية لتقريب وجهات النظر وجسر الفجوة وصولاً باتفاق لوقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى»، مشيراً إلى أن «الرؤية المصرية ترتكز على إتمام الأمر على مراحل عدة، وصولاً إلى الصيغة النهائية لسلام شامل وحل الدولتين على مبادئ أوسلو ومبادرة السلام العربية».

في السياق نفسه، حمّل أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس، السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، إسرائيل مسؤولية «عرقلة» الوصول إلى اتفاق حتى الآن. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «نتنياهو غيَّر موقفه من حدود صفقة تبادل الأسرى، فبعد أن كانت (ورقة باريس) تقترح أن يتم التبادل بنسبة رهينة إسرائيلي مقابل 10 أو أكثر من الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال»، قال نتنياهو إنه «يقبل بصفقة تبادل بواقع واحد ثلاثة».

لكن الرقب أشار إلى «استمرار الجهود المصرية - القطرية بدعم أميركي من أجل الوصول إلى اتفاق على هدنة لمدة 45 يوماً يجري خلالها إطلاق جميع المحتجزين لدى حركة (حماس)، مقابل 300 أسير فلسطيني مع تأجيل بقية مراحل (ورقة باريس) لما بعد اجتياح رفح برياً»، موضحاً أن «اجتياح إسرائيل لرفح بات حتمياً، والولايات المتحدة قبلت به، شريطة توفير ممرات آمنة للسكان». ولفت إلى «تناقض المواقف الأميركية بين الدعوة لوقف إطلاق النار، بالتزامن مع إمداد إسرائيل بالأسلحة»، حسب قوله، مرجحاً «إمكانية الوصول إلى هدنة مرحلية لتهدئة الأجواء خلال شهر رمضان».

واتفق معه الحرازين، وقال إن «هناك مساعي متواصلة لتقريب وجهات النظر، وتعمل واشنطن مع الوسطاء في مصر وقطر من أجل تقريب وجهات النظر بين إسرائيل وحركة (حماس)، والوصول إلى اتفاق هدنة مؤقتة قبل شهر رمضان». لكن عكاشة أكد أن «الوضع صعب جداً ومعقد، في ظل رفض إسرائيل لوقف إطلاق النار، حتى رغم الضغط الأميركي عليها في هذا الصدد»، مشيراً إلى أن «نتنياهو أظهر قدرته على الصدام مع الإدارة الأميركية وعدم الاستجابة لضغوطها». وأضاف أن «تل أبيب تبدو منفتحة الآن على القبول بالمرحلة الأولى من (ورقة باريس)، والاتفاق على هدنة لمدة شهر أو 6 أسابيع مقابل إطلاق سراح جميع المحتجزين لدى حركة (حماس)». لكن في نفس الوقت فإنه «من الصعب أن تقبل حركة (حماس) بهذا الاتفاق لا سيما أنها تريد وقفاً كاملاً لإطلاق النار». واستطرد: «الوضع صعب جداً، ولا يوجد أفق لحلحلته».

وكان وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، قد قال للصحافيين، الخميس، رداً على سؤال عما إذا كان من الممكن التوصل إلى اتفاق قبل بدء شهر رمضان، إن «التوصل إلى اتفاق ما زال ممكناً، لكن هناك قضايا صعبة جداً لا يزال يتعين حسمها».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تعلن إعادة فتح معبر كرم أبو سالم اعتباراً من الثلاثاء

المشرق العربي طفل فلسطيني يسير فوق الأنقاض في مخيم البريج بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

إسرائيل تعلن إعادة فتح معبر كرم أبو سالم اعتباراً من الثلاثاء

أعلنت إسرائيل أنها ستعيد فتح معبر كرم أبو سالم، الثلاثاء، لإتاحة «الدخول التدريجي للمساعدات الإنسانية» إلى قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي طفل فلسطيني يبكي أحد أقاربه الذي قُتل في غارات إسرائيلية على خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ارتفاع حصيلة الغارات الإسرائيلية على غزة إلى سبعة قتلى

أعلن «الدفاع المدني» بغزة، الجمعة، أن سبعة أشخاص قُتلوا في قصف جوي للقطاع، بينما أكّد الجيش الإسرائيلي أنه نفّذ غارات عليه رداً على «خرق لوقف إطلاق النار».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون ينتظرون تلقي الطعام من مطبخ خيري في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

محكمة إسرائيل العليا تجمد قرار منع منظمات الإغاثة من العمل في غزة

أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية، الجمعة، حكماً يقضي بتجميد الحظر الحكومي المفروض على 37 منظمة أجنبية غير حكومية تعمل في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الخليج جانب من الاجتماع الاستثنائي للجنة التنفيذية على مستوى وزراء الخارجية (منظمة التعاون الإسلامي)

«اجتماع جدة» يدعو المجتمع الدولي لإجبار إسرائيل على السلام

دعا اجتماع استثنائي لمنظمة التعاون الإسلامي، في جدة، المجتمع الدولي إلى إجبار إسرائيل على إنهاء احتلالها الاستعماري وتنفيذ سلام عادل وشامل.

«الشرق الأوسط» (جدة)
العالم العربي وزيرة الخارجية الفلسطينية الدكتورة فارسين شاهين خلال مشاركتها في الاجتماع (منظمة التعاون الإسلامي)

الخارجية الفلسطينية: الصمت على ممارسات إسرائيل لم يعد خياراً

أكدت فارسين شاهين وزيرة الخارجية الفلسطينية أن السلام والأمن في المنطقة لن يتحققا إلا بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني والانسحاب الكامل من الأرض المحتلة.

سعيد الأبيض (جدة)

مصر: وافدون مخالفون يستنفرون لتقنين أوضاعهم أو العودة بعد مطاردات أمنية

سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)
سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: وافدون مخالفون يستنفرون لتقنين أوضاعهم أو العودة بعد مطاردات أمنية

سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)
سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)

بثت الصحافية المصرية إيمان عادل، قبل أيام، مقطعاً عبر صفحتها بـ«فيسبوك» تناشد فيه الجهات الأمنية النظر إلى وضع والد نجلها، وهو سوري الجنسية، وقد حاول تجديد إقامته كما كان يفعل كل عام، لكنه صُدم بـ«الرفض الأمني»، بالتزامن مع حملات لترحيل الوافدين المخالفين، لافتة إلى أن ترحيله سيعني قطيعة بين طفل مصري وأبيه.

استغاثة الصحافية التي نتج عنها العديد من ردود الفعل المتعاطفة معها، هي جزء من محاولات آلاف الوافدين وعائلاتهم ممن يرغبون في البقاء بمصر، ويبحثون عن طريقة لتقنين أوضاعهم تجنباً للترحيل، بينما قرر آخرون العودة قبل توقيفهم، في ظل حملات أمنية لتدقيق أوراق المقيمين.

ومنذ حلول شهر رمضان، تشهد الحملات الأمنية هدوءاً نسبياً، أرجعه البعض إلى «تفاهمات» لمنح الوافدين فرصة لتقنين أوضاعهم أو الانخراط في مبادرات العودة الطوعية.

حملات موسعة

السيسي المصري يلتقي رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي أكمنة الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة. وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وكان مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية محمد الأحمد، أشار في منشور عبر موقع «إكس»، في 8 فبراير (شباط) الماضي، إلى أنه منذ مطلع عام 2026 يجرون لقاءات مكثفة مع الجانب المصري لتنسيق الجهود وتذليل العقبات التي تواجه السوريين في مصر، مضيفاً: «تقدمنا للجانب المصري بمقترحات فنية متكاملة تهدف إلى تسهيل إجراءات الإقامة على السوريين».

وخلال زيارته الأخيرة إلى مصر، في 26 فبراير (شباط) الماضي، تطرق رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، إلى ملف ترحيل الوافدين، مؤكداً خلال لقائه وفد الجالية السودانية بمصر، أنه «لا يوجد عودة قسرية للسودانيين، وأن الإقامات السياحية ما زالت متاحة لهم كما كان في السابق».

ورصدت «الشرق الأوسط» عبر جروبات الجاليات السودانية والسورية في مصر، تراجع منشورات الشكوى من توقيف الوافدين، مقابل زيادة في أخرى يستفسر أصحابها عن التأشيرات السياحية، أو الاستثمارية، أو المدى الزمني الذي يستغرقه غلق ملفاتهم بصفتهم لاجئين أو طالبي لجوء داخل «مفوضية شؤون اللاجئين في مصر» تمهيداً لعودتهم طوعياً، وكذلك أفضل الشركات التي تُسيّر رحلات للعودة.

«العودة الطوعية»

لقاء رئيس الوزراء السوداني بالجالية السودانية في القاهرة (متداولة)

ودفعت الحملات الأمنية خلال الفترة الماضية العديد من السودانيين من غير القادرين على تقنين أوضاعهم إلى اتخاذ قرار «العودة الطوعية» منتظرين استئناف رحلاتها، حسب أمين الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان إبراهيم عز الدين، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى ملاحظته هدوء الحملات منذ بداية رمضان.

وأضاف عز الدين، وقد كان واحداً ممن حضروا لقاء رئيس الوزراء السوداني، أن مجموعة من رجال الأعمال السودانيين أعلنوا خلال اللقاء تكفلهم بتكلفة العودة للسودانيين الموقوفين في القاهرة، على متن 7 طائرات وقد تزيد إلى 10، بالإضافة إلى وعود من الحكومة السودانية باستئناف رحلات العودة الطوعية البرية في أقرب وقت.

الأمر نفسه أكده القنصل السوداني في أسوان عبد القادر عبد الله، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن رحلات العودة الطوعية البرية من المتوقع أن تُستأنف عقب شهر رمضان، بينما هناك استعدادات تجري حالياً في القاهرة لتسيير 7 رحلات جوية للعودة الطوعية بتمويل من رجال أعمال سودانيين.

وكان مشروع «العودة الطوعية» الذي تقوم عليه منظومة الدفاعات السودانية أسهم في زيادة أعداد العائدين بشكل لافت خلال الفترة الماضية، وقُدرت أعدادهم في الفترة بين مطلع 2024 وحتى نهاية العام الماضي بأكثر من 400 ألف شخص.

وأضاف القنصل السوداني: «حملات تدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين شهدت هدوءاً ملحوظاً في محافظات جنوب الصعيد منذ بداية رمضان».

من جانبه، قال مصدر أمني مصري، طلب عدم ذكر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، إن الهدوء النسبي حالياً في حملات تدقيق مخالفي الإقامة مقارنة بالشهرين الماضيين لا يعني التراجع عنها، مضيفاً: «تخفيفها يرجع إلى وجود أولويات أمنية أكثر إلحاحاً الفترة الحالية، خصوصاً مع الأوضاع الإقليمية في المنطقة».


الصومال يعتمد دستوراً دائماً... فرصة للاستقرار أم خلافات جديدة مع المعارضة؟

نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال يعتمد دستوراً دائماً... فرصة للاستقرار أم خلافات جديدة مع المعارضة؟

نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

استكمل الصومال دستوره المؤقت بعد 14 عاماً ليعتمد دستوراً دائماً، والذي يعد أحد أبرز بنود الخلاف بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة، خاصة ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي وصلاحيات الولايات.

ودعا الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، المعارضة عقب اعتماد الدستور بالبرلمان، لاحترام نتائج التصويت النيابي.

تلك الخطوة يراها خبير في الشؤون الصومالية، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أنها لن تنهي الخلافات بين الحكومة والمعارضين، ولكنها قد تفتح باباً للحوار، مع عدم استبعاد أن تحدث تعديلات مستقبلية حال استمرت الأزمة السياسية.

وكان استكمال الدستور المؤقت الذي أقر في 1 أغسطس (آب) 2012، أحد مطالب المعارضة منذ اندلاع أزمة سياسية في البلاد في 2025، وذلك ضمن خلافات أخرى تضمنت رفض الانتخابات المباشرة المرتقبة هذا العام.

دعوة رئاسية للمعارضة

وصادق أعضاء مجلسي الشعب والشيوخ للبرلمان الفيدرالي، الأربعاء، بـ«أغلبية ساحقة على استكمال صياغة دستور البلاد، وصوت لصالح المصادقة على دستور البلاد 222 من أعضاء مجلسي البرلمان الفيدرالي»، وفق وكالة الأنباء الصومالية.

وحضر أعمال الجلسة المشتركة التي ترأسها رئيس مجلس الشعب شيخ آدم محمد نور، 186 من نواب مجلس الشعب، و36 من أعضاء مجلس الشيوخ.

والخميس، قال الرئيس حسن شيخ محمود، إن الصومال تجاوز رسمياً مرحلة الدستور المؤقت، بعد إتمام اعتماد دستور البلاد بشكل كامل بشفافية، في البرلمان. بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية (صونا).

ووصف شيخ محمود دستور 2012 بأنه كان حجر زاوية في إعادة بناء الدولة، لكنه أثّر على السياسة والاقتصاد وأداء مؤسسات الدولة، حيث شهدت البلاد خلافات حول توزيع الصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية، وصعوبات في تطوير منظومة القضاء والمالية العامة.

أعضاء من مجلسي الشعب والشيوخ للبرلمان الفيدرالي بالصومال خلال جلسة استكمال صياغة دستور البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن «اعتماد دستور الصومال يفتح نقاشاً واسعاً حول ما إذا كان خطوة نحو الاستقرار السياسي أم سبباً لمزيد من الخلاف مع المعارضة، خاصة أن الخلافات حول الدستور في الصومال ليست جديدة، لكنها تعكس صراعاً سياسياً حول شكل الدولة وتقاسم السلطة بين الحكومة الفيدرالية والولايات».

ويعول بري على أهمية أن «يتم إدارة هذه الخلافات عبر الحوار والتوافق، وإلا فقد تتحول إلى أزمات سياسية حادة بين الحكومة والمعارضة، أو حتى بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات»، مستدركاً: «لكن في المقابل، وجود دستور واضح يمكن أن يكون آلية لتنظيم الخلافات بدلاً من أن تتحول إلى صراعات مفتوحة».

وخاطب الرئيس الصومالي، في كلمته، السياسيين المعارضين الذين أعربوا عن مخاوفهم من آلية مراجعة الدستور، داعياً إياهم إلى احترام النتائج والحفاظ على الدستور الجديد، مؤكداً أن أي تعديلات مستقبلية ستتم من خلال الإجراءات الدستورية المعتمدة.

وشدد حسن شيخ محمود على أن أي نزاعات سياسية مستقبلية سيتم حلها وفقاً للأطر الدستورية، بدلاً من اللجوء إلى اتفاقات سياسية خارج الدستور، مؤكداً أن الدستور هو اتفاق اجتماعي يحدد صلاحيات السياسيين ويضع قواعد إدارة الدولة.

وتجدر الإشارة إلى أن ولايتي غوبالاند وبونتلاند الإقليميتين وقيادات سياسية بارزة عارضت التعديلات الدستورية التي قالت إنها لم تتم بطريقة قانونية، معلنة مقاطعتها للدستور المعدل الذي صادق عليه البرلمان الفيدرالي، بحسب ما نقله موقع «الصومال الجديد».

مرجعية لحل الخلافات السياسية

ويرى المحلل في الشأن الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن الرئيس الصومالي عندما يؤكد أن أي نزاعات سياسية سيتم حلها وفق الأطر الدستورية، فهو يبعث بعدة رسائل سياسية، منها تأكيد أن الدستور هو المرجعية العليا لحل الخلافات السياسية، والدعوة إلى العمل داخل المؤسسات بدل اللجوء إلى التصعيد السياسي أو الإعلامي، ومحاولة إظهار أن الحكومة تسعى إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون.

لكن المعارضة قد ترى أن بعض التعديلات أو خطوات اعتماد الدستور تمت دون توافق كافٍ، خاصة في بندي نظام الحكم وصلاحيات الولايات، وهو ما يثير الجدل، وفق تقدير بري.

ويعتقد بري «أنه من الطبيعي أن يستمر النقاش حوله، ومستقبل الدستور يعتمد على عدة عوامل، منها مدى تحقيق توافق وطني بين الحكومة والمعارضة والولايات، وقدرة الطبقة السياسية على إدارة الخلافات عبر الحوار».

لذلك من الممكن أن يشهد الدستور تعديلات جديدة في المستقبل، خاصة إذا استمرت المعارضة في الاعتراض على بعض مواده أو طريقة اعتماده، وفق بري.

ومر الصومال الذي شهد حروباً أهلية عديدة، بعدة دساتير؛ أولها في 1960 وأقر شعبياً في 1961، بجانب وثيقة دستورية في 1979، قبل أن تنهار الدولة في سنة 1991، وتدخل في صراعات أهلية، أدت لظهور الميثاق الانتقالي عام 2000 والذي كان بمثابة لبنة لجمهورية ثالثة تلت الحكومات المدنية (بين 1960 و1969)، والعسكرية (بين 1969 و1991)، ووضع ميثاق انتقالي ثان في 2004 عقب مؤتمر مصالحة في كينيا، ووضع دستور مؤقت عام 2012.


مصر تبحث آليات دعم إعادة إعمار السودان

محادثات وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية المصري مع سفير السودان في القاهرة الخميس (مجلس الوزراء المصري)
محادثات وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية المصري مع سفير السودان في القاهرة الخميس (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر تبحث آليات دعم إعادة إعمار السودان

محادثات وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية المصري مع سفير السودان في القاهرة الخميس (مجلس الوزراء المصري)
محادثات وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية المصري مع سفير السودان في القاهرة الخميس (مجلس الوزراء المصري)

في إطار تعزيز التعاون في المجالات التنموية، تبحث مصر آليات دعم إعادة إعمار السودان. وأكد وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية المصري، أحمد رستم «استعداد الحكومة لتسخير جميع إمكاناتها لدعم بناء القدرات البشرية في السودان، لا سيما في مجالات التخطيط التنموي».

جاء ذلك خلال محادثات مع سفير السودان في القاهرة، عماد الدين مصطفى عدوي، الخميس، تناولت سبل نقل الخبرات المصرية في التخطيط والإصلاح الاقتصادي للسودان، «تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بدعم جهود التعافي المبكر، وإعادة الإعمار في السودان الشقيق».

وتم التوافق على «إعداد دراسة متكاملة لإعادة إعمار السودان لتكون وثيقة مرجعية تُطرح للنقاش مع مؤسسات التمويل الدولية».

وأكدت مصر والسودان في نهاية فبراير (شباط) الماضي «التزامهما بتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، ودعم جهود إعادة الإعمار في السودان، بوصفها أولويةً وطنيةً، واستحقاقاً عاجلاً لتحقيق الاستقرار المستدام»، حسب بيان الحكومة المصرية.

وقال السيسي خلال زيارة رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس للقاهرة، الشهر الماضي، إن «مصر تبذل جهوداً على المستويين الإقليمي والدولي بهدف إنهاء الحرب، ورفع المعاناة الإنسانية عن السودانيين».

ووفق إفادة لـ«مجلس الوزراء المصري»، الخميس، أشار الوزير رستم إلى الدور الذي يضطلع به «معهد التخطيط القومي» في تقديم الدعم الفني، وإعداد برامج التدريب المتخصصة، فضلاً عن إسهامات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» في تطوير المنظومات الإحصائية، وبناء قواعد بيانات حديثة ودقيقة، إلى جانب دور «المعهد القومي للحوكمة» في ترسيخ مبادئ الشفافية، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي، بما يعزز من فاعلية السياسات العامة وجودة تنفيذها.

واستعرض تجربة المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» بوصفها نموذجاً متكاملاً للتنمية الريفية المستدامة، يقوم على رؤية شاملة تربط بين تطوير البنية الأساسية، وتحسين مستوى الخدمات، وتعزيز التمكين الاقتصادي والاجتماعي للأسر الأكثر احتياجاً، وأشار إلى «استعداد وزارة التخطيط لنقل هذه الخبرة إلى الجانب السوداني من خلال توفير دليل عمل شامل يتناول المراحل المختلفة لتطوير وتنفيذ المبادرة، بدءاً من آليات التخطيط التشاركي، مروراً بالتنفيذ، وصولاً إلى المتابعة والتقييم الميداني».

الاستفادة من الخبرات المصرية

السيسي خلال استقباله رئيس وزراء السودان كامل إدريس في القاهرة (الرئاسة المصرية)

من جانبه، أكد السفير السوداني تطلع بلاده للاستفادة من الخبرات المصرية في التخطيط الاقتصادي والتنمية الاجتماعية بصفتهما ركيزتين للاستقرار، والتعرف على تجربة إنشاء العاصمة الجديدة ومراحل تخطيطها، في ضوء توجه الحكومة السودانية لإنشاء مركز إداري جديد.

وطلب السودان الاستعانة بالخبرة المصرية في إقامة «عاصمة إدارية جديدة» له، وقال رئيس الوزراء السوداني عقب زيارته للقاهرة نهاية الشهر الماضي، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، إنه «ناقش مع الرئيس السيسي تحسين أوضاع السودانيين المقيمين في مصر، وإنشاء مدينة إدارية جديدة في السودان».

ودشّنت الحكومة المصرية «العاصمة الجديدة» (شرق القاهرة)، التي أعلنت عنها في مؤتمر اقتصادي عُقد في مارس (آذار) 2015، لتكون مقراً سياسياً وإدارياً للدولة، ونقلت الوزارات والمؤسسات الحكومية مقارها إلى المدينة الجديدة، كما تضم المدينة «حياً دبلوماسياً» لنقل مقار السفارات الأجنبية.

صياغة السياسات التخطيطية

رئيسا وزراء مصر والسودان خلال محادثات بالقاهرة في نهاية الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)

وتحدث السفير عدوي، الخميس، عن رغبة السودان في الاستفادة من التجربة المصرية في مجال صياغة السياسات التخطيطية والتنموية، وتعزيز منظومة العمل الإحصائي، وإجراء المسوحات والتعدادات، بصفتها إحدى الأدوات الأساسية في بناء خطط تنموية دقيقة تستند إلى بيانات موثوقة، إضافة إلى التعاون في مجالات التدريب وبناء القدرات للكوادر السودانية العاملة في قطاعات التخطيط.

وأصدرت الرئاسة المصرية، في منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بياناً حذرت فيه من «تجاوز خطوطٍ حمراء في السودان بوصفها تمس مباشرة الأمن القومي المصري»، وتضمنت تلك الخطوط «الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، وعدم السماح بانفصال أي جزء منه».

وحسب بيان «مجلس الوزراء المصري» اتفق رستم وعدوي على «تكثيف التنسيق الفني خلال الأسابيع المقبلة، عبر عقد ورش عمل مشتركة لمراجعة مؤشرات أداء الإطار القائم للتعاون، وتقييم ما تحقق من نتائج على أرض الواقع، تمهيداً لوضع الأسس التنفيذية للمرحلة الجديدة من الشراكة مع الأمم المتحدة، بما يضمن تحويل التطلعات الاستراتيجية إلى مشروعات ذات أثر اجتماعي واقتصادي واسع النطاق».