«حرب غزة»: مصر وقطر تكثفان جهودهما لـ«هدنة» جديدة

تزامناً مع دعوة بايدن لوقف إطلاق النار

فلسطينيون يسيرون في موقع الغارات الإسرائيلية على المنازل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)
فلسطينيون يسيرون في موقع الغارات الإسرائيلية على المنازل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)
TT

«حرب غزة»: مصر وقطر تكثفان جهودهما لـ«هدنة» جديدة

فلسطينيون يسيرون في موقع الغارات الإسرائيلية على المنازل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)
فلسطينيون يسيرون في موقع الغارات الإسرائيلية على المنازل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)

بينما تواصل مصر وقطر جهودهما من أجل الاتفاق على «هدنة» بين إسرائيل وحركة «حماس» يجري خلالها إتمام صفقة لتبادل المحتجزين من الجانبين. دعا الرئيس الأميركي جو بايدن، إسرائيل إلى «وقف مؤقت لإطلاق النار في غزة»، ما عده خبراء «محاولة لاستيعاب الغضب الشعبي»، مؤكدين «صعوبة» الوصول إلى اتفاق في ظل تباين المواقف بين حركة «حماس»، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو.

وقال الرئيس الأميركي، للصحافيين في البيت الأبيض، مساء الجمعة، إنه أجرى محادثات «مكثفة» مع نتنياهو في الأيام الأخيرة حثه خلالها على «وقف مؤقت لإطلاق النار، من أجل إطلاق سراح الرهائن».

وجاءت تصريحات بايدن بعد أيام من اجتماع استضافته القاهرة، الثلاثاء الماضي، لبحث «هدنة» وصفقة «تبادل الأسرى»، بمشاركة رؤساء استخبارات مصر، وإسرائيل، والولايات المتحدة، ورئيس وزراء قطر، انتهى دون «تحقيق تقدم».

وعقب اجتماع القاهرة، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، في بيان صادر عن مكتبه، الأربعاء الماضي، إن «حركة (حماس) لم تقدم عرضاً جديداً بخصوص اتفاق الرهائن»، راهناً «المضي قدماً في المفاوضات بتغيير موقف (حماس)». لكن رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، إسماعيل هنية، أكد في بيان، السبت، أن «الحركة لن ترضى بأقل من الوقف الكامل للعدوان الإسرائيلي وانسحاب القوات الإسرائيلية خارج قطاع غزة وعودة النازحين إلى ديارهم، خصوصاً إلى شمال القطاع».

صعود عمود دخان فوق خان يونس من رفح في جنوب قطاع غزة خلال قصف إسرائيلي سابق (أ.ف.ب)

وقال القيادي بحركة «فتح»، أستاذ القانون والنظم السياسية بجامعة القدس، الدكتور جهاد الحرازين، لـ«الشرق الأوسط»، إن «تصريحات الإدارة الأميركية خلال الفترة الأخيرة تهدف بالأساس إلى ضرورة وقف إطلاق النار مؤقتاً عبر (هدنة) تؤدي إلى إطلاق سراح الأسرى ضمن صفقة تبادل بين الجانبين (إسرائيل وحركة حماس)». وأضاف أن «الإدارة الأميركية معنية الآن أكثر من أي وقت مضى بوقف إطلاق النار، لا سيما وأنها بدأت تشعر بشيء من الإحراج أمام المجتمع الدولي، كون كل ما تقوم به إسرائيل يتم تحت غطاء أميركي داعم في الهيئات والمنظمات الدولية»، موضحاً أن «الرأي العام الغاضب والمظاهرات التي حدثت في الولايات المتحدة ودول عدة حول العالم، دفعت الإدارة الأميركية للمطالبة بتجنيب المدنيين مخاطر الحرب، والدعوة لوقف إطلاق النار، وازداد ذلك مع الأوضاع السياسية الداخلية في أميركا في عام الانتخابات الرئاسية».

وأفادت شبكة «إيه بي سي نيوز» الأميركية، السبت، أن وزارة الخارجية تلقت تحذيرات من دبلوماسييها في الشرق الأوسط من تنامي مشاعر العداء لواشنطن بسبب موقفها من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

وبدوره، أكد خبير الشؤون الإسرائيلية في «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، أن «تصريحات بايدن تأتي في سياق مباراة لاستيعاب وامتصاص غضب الرأي العام سواء في الداخل الأميركي أو في العالم عبر تصريحات علنية تظهر عدم موافقة واشنطن على ما تقوم به إسرائيل». لكن عكاشة أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «تلك التصريحات لن تكون فاعلة، دون إجراءات أخرى تتضمن نوعاً من الضغط الحقيقي على تل أبيب».

وخلال الأيام الماضية كثفت مصر وقطر اتصالاتها لتقريب وجهات النظر بين إسرائيل وحركة «حماس»، في إطار ما جرى التوافق عليه في اجتماعي باريس والقاهرة. ونقل موقع «أكسيوس» الإخباري عن مصدرين مطلعين قولهما، إن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ التقى «سراً» مع وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، الجمعة، لبحث صفقة تبادل الأسرى.

فلسطينيات يسرن بجوار منطقة تضررت بعد غارة إسرائيلية على مخيم جنين للاجئين في وقت سابق (أ.ب)

من جانبه، قال مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن «القاهرة مستمرة في التواصل مع جميع الأطراف المعنية لتقريب وجهات النظر وجسر الفجوة وصولاً باتفاق لوقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى»، مشيراً إلى أن «الرؤية المصرية ترتكز على إتمام الأمر على مراحل عدة، وصولاً إلى الصيغة النهائية لسلام شامل وحل الدولتين على مبادئ أوسلو ومبادرة السلام العربية».

في السياق نفسه، حمّل أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس، السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، إسرائيل مسؤولية «عرقلة» الوصول إلى اتفاق حتى الآن. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «نتنياهو غيَّر موقفه من حدود صفقة تبادل الأسرى، فبعد أن كانت (ورقة باريس) تقترح أن يتم التبادل بنسبة رهينة إسرائيلي مقابل 10 أو أكثر من الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال»، قال نتنياهو إنه «يقبل بصفقة تبادل بواقع واحد ثلاثة».

لكن الرقب أشار إلى «استمرار الجهود المصرية - القطرية بدعم أميركي من أجل الوصول إلى اتفاق على هدنة لمدة 45 يوماً يجري خلالها إطلاق جميع المحتجزين لدى حركة (حماس)، مقابل 300 أسير فلسطيني مع تأجيل بقية مراحل (ورقة باريس) لما بعد اجتياح رفح برياً»، موضحاً أن «اجتياح إسرائيل لرفح بات حتمياً، والولايات المتحدة قبلت به، شريطة توفير ممرات آمنة للسكان». ولفت إلى «تناقض المواقف الأميركية بين الدعوة لوقف إطلاق النار، بالتزامن مع إمداد إسرائيل بالأسلحة»، حسب قوله، مرجحاً «إمكانية الوصول إلى هدنة مرحلية لتهدئة الأجواء خلال شهر رمضان».

واتفق معه الحرازين، وقال إن «هناك مساعي متواصلة لتقريب وجهات النظر، وتعمل واشنطن مع الوسطاء في مصر وقطر من أجل تقريب وجهات النظر بين إسرائيل وحركة (حماس)، والوصول إلى اتفاق هدنة مؤقتة قبل شهر رمضان». لكن عكاشة أكد أن «الوضع صعب جداً ومعقد، في ظل رفض إسرائيل لوقف إطلاق النار، حتى رغم الضغط الأميركي عليها في هذا الصدد»، مشيراً إلى أن «نتنياهو أظهر قدرته على الصدام مع الإدارة الأميركية وعدم الاستجابة لضغوطها». وأضاف أن «تل أبيب تبدو منفتحة الآن على القبول بالمرحلة الأولى من (ورقة باريس)، والاتفاق على هدنة لمدة شهر أو 6 أسابيع مقابل إطلاق سراح جميع المحتجزين لدى حركة (حماس)». لكن في نفس الوقت فإنه «من الصعب أن تقبل حركة (حماس) بهذا الاتفاق لا سيما أنها تريد وقفاً كاملاً لإطلاق النار». واستطرد: «الوضع صعب جداً، ولا يوجد أفق لحلحلته».

وكان وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، قد قال للصحافيين، الخميس، رداً على سؤال عما إذا كان من الممكن التوصل إلى اتفاق قبل بدء شهر رمضان، إن «التوصل إلى اتفاق ما زال ممكناً، لكن هناك قضايا صعبة جداً لا يزال يتعين حسمها».


مقالات ذات صلة

مقتل فلسطيني خلال عملية اعتقال نفذتها الشرطة الإسرائيلية بالقدس الشرقية

المشرق العربي قوات الأمن الإسرائيلية تفرّق مصلين حاولوا التجمع خارج أسوار البلدة القديمة في القدس لأداء صلاة الفجر بمناسبة عيد الفطر (أ.ف.ب) p-circle

مقتل فلسطيني خلال عملية اعتقال نفذتها الشرطة الإسرائيلية بالقدس الشرقية

كشفت الشرطة الإسرائيلية، اليوم (الأربعاء)، عن أنها قتلت شاباً فلسطينياً حاول «خطف» سلاح أحد عناصرها خلال عملية ليلية في بلدة جبل المكبر بالقدس الشرقية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (القدس)
المشرق العربي فلسطينية تعد وجبة في مخيم النصيرات للاجئين شمال دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»... تحركات جديدة من الوسطاء لكسر الجمود

تحركات جديدة بشأن مسار اتفاق وقف إطلاق في قطاع غزة، الذي زاد تعثره منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا فلسطيني يحمل جثمان أحد أقربائه قتل في غارة جوية إسرائيلية بمدينة غزة (أ.ف.ب)

«سلاح حماس»... تحرك لـ«مجلس السلام» بغزة في توقيت مربك

حراك جديد لدفع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط تصاعد حرب إيران، مع تسريبات إعلامية بأن «مجلس السلام» قدم مقترحاً لحركة «حماس» لنزع سلاحها.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية (الهيئة العامة للاستعلامات)

مصر قلقة إزاء «المنحى التصاعدي» لأعمال العنف في الضفة

أعربت مصر عن بالغ قلقها إزاء «المنحى التصاعدي» لأعمال العنف التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي سيارات تحمل أول مجموعة من الجرحى يغادرون مقر الصليب الأحمر الفلسطيني في خان يونس متجهين إلى معبر رفح الحدودي مع مصر (إ.ب.أ) p-circle

مقتل 4 فلسطينيين بغارات إسرائيلية على غزة

قُتل 4 فلسطينيين في غارات إسرائيلية استهدفت مدينة غزة، بحسب ما أفادت هيئة الدفاع المدني ومستشفيان في القطاع الفلسطيني.

«الشرق الأوسط» (غزة)

تونس تطالب بـ«دعم أوروبي استثنائي» لاسترجاع الأموال المنهوبة

وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)
وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)
TT

تونس تطالب بـ«دعم أوروبي استثنائي» لاسترجاع الأموال المنهوبة

وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)
وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)

التقى وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي، بالعاصمة الألمانية برلين، مساء أمس (الأربعاء)، رئيسة البرلمان الفيدرالي الألماني يوليا كلوكنر، وجرى خلال اللقاء استعراض مختلف أوجه التعاون الثنائي، لا سيما في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والبيئية، فضلاً عن الأكاديمية والعلمية.

وخلال اللقاء عبَّر الوزير عن تطلّع تونس إلى دعم استثنائي من شركائها الأوروبيين، خصوصاً ألمانيا؛ لتجاوز العراقيل التي تحُول دون استرجاع الأموال المنهوبة، مشيراً إلى الأهميّة القصوى التي توليها تونس إلى هذا الموضوع، بوصف هذه الأموال ملكاً للشعب التّونسي ولا تسقط بالتّقادم.

وأكد النفطي، خلال اللقاء، ضرورة مراجعة اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، التي يعود إنشاؤها إلى أكثر من 30 سنة، «حتى تكون أكثر توازناً»، وتأخذ بعين الاعتبار خيارات الشعوب، والواقعَين الإقليمي والدولي الجديدَين، والتحديات التي يفرضانها، بما في ذلك الهجرة غير النظامية. وبيَّن في هذا السّياق المقاربة التّونسيّة في التعاطي مع الهجرة غير النّظاميّة، التي تدعو إلى معالجة الأسباب العميقة لهذه الظّاهرة، وتضافر الجهود لمحاربة الشبكات الإجراميّة التي تتاجر بالبشر، وتأمين العودة الطوعية وإعادة الإدماج للمهاجرين غير النّظاميِّين في بلدانهم الأصليّة. ودعا في المقابل إلى تعزيز آليّات التّعاون في مجال الهجرة المنظّمة، بوصفها رافداً للتنمية ونقل المهارات، مؤكّداً ضرورة أن تراعي هذه البرامج حاجيات الطّرفين.

وتأتي هذه العودة بعد أيام قليلة من مطالبة الرئيس التونسي، قيس سعيد، بمراجعة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ودعم أكبر لترحيل المهاجرين العالقين بتونس طوعاً إلى بلدانهم. وجاء ذلك خلال مكالمة هاتفية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمناسبة احتفال تونس بالذكرى الـ70 للاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، حيث طالب الرئيس سعيد بشراكة «متوازنة وأكثر عدلاً وانصافاً».

لكن البيان الذي نشرته الرئاسة التونسية لم يتضمَّن مقترحات واضحة للرئيس التونسي لتعديل اتفاق الشراكة المُوقَّع منذ عام 1995.

وسمح الاتفاق برفع صادرات تونس إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يستحوذ على نحو 75 في المائة من مبادلاتها الاقتصادية والتجارية الخارجية، وتعزيز بناها التحتية في برامج تعاون. في حين تشكو تونس باستمرار من عجز في المبادلات بعدد من القطاعات مع شريكها الأوروبي. ويطالب الرئيس سعيد بجهود أكبر لدعم رحلات العودة الطوعية لآلاف المهاجرين غيرالنظاميِّين العالقين بتونس إلى دولهم بأفريقيا جنوب الصحراء. وأوضح أن بلاده «قدَّمت كثيراً، وهي ضحية نظام اقتصادي عالمي غير عادل، وضحية شبكات إجرامية بجنوب الصحراء وشمال البحر المتوسط التي تتاجر بهؤلاء الضحايا، وعلى المنظمات الدولية المعنية، وعلى دول الشمال أن تقوم بدورها كاملاً لأنَّ تونس رفضت منذ البداية أن تكون معبراً أو مستقَرّاً».


مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
TT

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية وكالة الصحافة الفرنسية، اليوم (الخميس).

واستهدفت إحدى الغارتين الأربعاء سوقاً في مدينة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، وفق ما ذكر عامل صحي في المستشفى المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية.

وتسببت غارة أخرى، الأربعاء، أيضاً باشتعال النيران في شاحنة كانت على طريق في شمال كردفان. وأفاد مصدر طبي في مستشفى مدينة الرهد المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية بوصول 6 جثث إلى المستشفى، 3 منها متفحمة، بالإضافة إلى 10 جرحى، محملاً «قوات الدعم السريع» مسؤولية الهجوم.


البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
TT

البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)

صوّت البرلمان الجزائري، اليوم الأربعاء، خلال اجتماع لغرفتيه بالإجماع على وثيقة «التعديل الدستوري التقني»، التي أعلنت عنها الرئاسة نهاية العام الماضي، وعرضتها على الأحزاب مطلع العام الحالي بغرض الموافقة. وحاز المسعى على ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان (75 في المائة)، الذي يتكون من 583 عضواً، موزعين بين 407 أعضاء في «المجلس الشعبي الوطني»، و176 عضواً في «مجلس الأمة».

تفاعل قادة أحزاب مع مشروع الرئاسة تعديل الدستوري في اجتماع 25 يناير 2026 (الرئاسة)

وكان وزير العدل لطفي بوجمعة قد قدم عرضاً عن هذا التعديل أمام مكتب غرفتي البرلمان، أمس الثلاثاء، مؤكداً أن المراجعة «تمس جوهر تنظيم السلطات»، لا سيما وظيفة رئيس الجمهورية والبرلمان، والسلطة القضائية، بالإضافة إلى «السلطة المستقلة للانتخابات».

وعزت الحكومة هذه التعديلات، وفق ما ذكره وزير العدل، إلى «نقائص كشفت عنها الممارسة الدستورية على مدار خمس سنوات»، أي منذ إقرار دستور 2020، عادَة أنها «مجرد تحسينات تقنية تهدف لتطوير أداء المؤسسات». وبكلام آخر، ترى الحكومة أن هذه التعديلات لا تستدعي استفتاء شعبياً لأنها «تقنية» ولا تمس «الثوابت».

أعضاء مكتب غرفتي البرلمان مع وزير العدل خلال عرض التعديلات الدستورية (البرلمان)

فيما يخص منصب رئاسة الجمهورية، نص التعديل المقترح على المادة 87 بضرورة حيازة المترشح لـ«مستوى تعليمي» باعتباره شرطاً أساسياً؛ نظراً لتعاظم مسؤوليات المنصب، والحاجة لاتخاذ قرارات حاسمة في ملفات معقدة، دون أن يحدد النص الدرجة العلمية المطلوبة بدقة. كما سيتعزز دور الرئيس بصلاحية استدعاء «الهيئة الناخبة» لانتخابات محلية مسبقة بموجب تعديل المادة 91، وهو ما يهدف لسد ثغرة دستورية، كانت تحصر هذه الصلاحية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية فقط.

كما اتجه المشروع نحو «دسترة» الممارسة التاريخية المتعلقة بأداء القسم، حيث سيؤدي الرئيس المنتخب اليمين أمام البرلمان بغرفتيه في الأسبوع الذي يلي انتخابه، وبحضور كبار مسؤولي الدولة، على أن يتلو نص القسم الرئيس الأول لـ«المحكمة العليا».

أما على مستوى البرلمان، فقد شهدت أحكام «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) تغييرات جوهرية، حيث اقترحت الحكومة مراجعة معيار التمثيل، الذي يمنح مقعدين لكل محافظة حالياً (58 محافظة)، ليصبح مقعداً واحداً أو اثنين بناء على الحجم الديموغرافي لكل محافظة، وذلك لتجاوز الفوارق السكانية الكبيرة، حسب معدي نص التعديل.

كما رُفعت عهدة رئيس «مجلس الأمة» إلى ست سنوات، بدلاً من ثلاث لـ«ضمان استمرارية المؤسسات». ويشار إلى أن شاغل هذا المنصب، هو الرجل الثاني في الدولة، بحسب الدستور.

مدير الديوان بالرئاسة أثناء عرض التعديل الدستوري التقني في 25 يناير الماضي (الرئاسة)

وفي سياق العلاقة بين غرفتي البرلمان، أتاح تعديل المادة 145 للحكومة طلب الفصل النهائي من إحدى الغرفتين في حال استمرار خلاف تشريعي بينهما، وهو إجراء يهدف لتسريع المسار التشريعي وتفادي حالة الانسداد، حسب المبررات التي وردت في نص التعديل «التقني».

وعلى صعيد السلطة القضائية، شملت المراجعة تشكيلة «المجلس الأعلى للقضاء» (الهيئة المشرفة على المسار المهني للقضاة)، حيث تقرر إلغاء التمثيل النقابي للقضاة لـ«تجنب تضارب المصالح بين العمل النقابي ومهام المجلس الدستورية». كما خرج رئيس «مجلس حقوق الإنسان» (هيئة استشارية تابعة لرئاسة الجمهورية) من التشكيلة مقابل إدراج النائب العام لدى «المحكمة العليا» (أعلى هيئة في القضاء المدني).

عودة «الداخلية» إلى مفاصل العملية الانتخابية

تحت غطاء «البحث عن الفعالية»، يُحدث تعديل الدستور تحولاً كبيراً في تنظيم الانتخابات في الجزائر. فبينما تحتفظ «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» رسمياً بمهام الرقابة وإعلان النتائج، فإنها تُجرد من عنصر أساسي في عملها، وهو التحضير المادي واللوجيستي. هذه المهمة، التي تشمل تسيير الموارد البشرية والتقنية ميدانياً، تُعاد رسمياً إلى وزارة الداخلية، وهو ما عده مراقبون تراجعاً عن مكسب ديمقراطي جاء به «الحراك الشعبي» المطالب بالتغيير في سياق رفض ترشح الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة عام 2019.

وتُبرر مذكرة أسباب هذا الخيار بـ«الرغبة في تمكين سلطة الانتخابات من تخفيف الأعباء الثقيلة للتركيز على دورها الرقابي». غير أن المراقبين ذاتهم يرون أن عودة الجهاز الإداري، ممثلاً في وزارة الداخلية والجماعات المحلية، إلى مفاصل العملية الانتخابية تُنهي مرحلة من الاستقلالية الكاملة لهذه الهيئة، وتعيد وضع السلطة التنفيذية في قلب المنظومة الانتخابية.

وشاركت معظم الأحزاب في «استشارة» نظمتها الرئاسة حول وثيقة التعديلات، ووافقت عليها رغم بعض التحفظات عليها. وأبرز هذه التحفظات صدرت عن الحزبين المعارضين «جبهة القوى الاشتراكية»، الذي يملك ثلاثة أعضاء في الغرفة البرلمانية العليا، ومن دون أي تمثيل في الغرفة السفلى (المجلس الشعبي الوطني)، و«حزب العمال» الغائب عن الغرفتين.

وزير العدل أثناء عرض التعديل الدستوري على مكتب غرفتي البرلمان (البرلمان)

وأكد قياديون في «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، أن كتلتها البرلمانية قررت رفع الأيدي لصالح وثيقة التعديل «رغم عدم اقتناعنا بها بشكل كامل».

ومن البداية أظهرت الأحزاب الموالية للرئيس والمهيمنة على البرلمان دعمها للخطوة، وهي «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني».

وبعكس هذا «الإجماع»، حذر عثمان معزوز، رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، من تداعيات المراجعة الدستورية على المسار الديمقراطي، عادّا أنها «تمهد لاستعادة النظام الرئاسي المطلق». وانتقد معزوز بشدة توسيع صلاحيات الرئيس لتشمل حل المجالس المحلية مسبقاً، وتعديل هيكلة «مجلس الأمة»، مؤكداً أن الأمر يتعلَق بـ«خطوات تهدف إلى إحكام القبضة على آليات الخلافة المؤسساتية».

كما ندد الحزب، الذي لم يشارك في الاستشارة بخصوص تعديل الدستور، بما وصفه بـ«غياب النقاش العمومي»، وبـ«توجه البرلمان لتبني نص المشروع دون تمحيص»، محذراً من أن «تحويل أدوار السلطة المضادة إلى وظائف شكلية يهدد جوهر التوازن المؤسساتي في البلاد».