في أروقة فندق «ميريديان بيتش بلازا» في موناكو، لم تكن قرعة دوري أبطال أوروبا المقررة في اليوم التالي هي القضية الأكثر حضوراً في أحاديث كبار مسؤولي كرة القدم الأوروبية. فالموضوع الذي يطغى على النقاشات هو الأزمة في قمة كرة القدم العالمية، والتحركات التي يقودها ألكسندر تسيفرين، رئيس «يويفا»، لإنهاء حقبة جياني إنفانتينو على رأس «فيفا».
وبحسب صحيفة «ليكيب» الفرنسية، دخل تسيفرين في مواجهة مفتوحة مع إنفانتينو منذ الكشف عن خطة رئيس «فيفا» لبيع جزء من حقوق كأس العالم إلى صناديق استثمار خاصة يملكها مقربون من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وهي الخطة التي أُجهضت حتى الآن.
وتؤكد الصحيفة أن رئيس «يويفا» لا ينوي التراجع عن معركته ضد إنفانتينو.
وخلال الأسابيع الماضية، صعّد «يويفا» تحركاته ضد رئيس «فيفا» على أكثر من جبهة، بدءاً من التهديد بمقاطعة البطولات التي ينظمها الاتحاد الدولي، وهو تهديد بات قريباً من الرفع، وصولاً إلى بناء تحالفات مع اتحادات قارية أخرى، وفي مقدمتها كونكاكاف الذي يضم 35 اتحاداً في أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي، إضافة إلى الاتحاد الآسيوي.
ولا تقتصر التحركات الأوروبية على تلك المناطق، إذ يحاول «يويفا» دخول الساحة التي شكلت تقليدياً إحدى أهم قواعد نفوذ «فيفا»، وهي أفريقيا، بحثاً عن اتحادات يمكن أن تنضم إلى الجبهة المعارضة لإنفانتينو.
وتبرز الجزائر وتنزانيا والسنغال بين الدول التي جرى التواصل معها، وهي من بين الاتحادات التي قد تتخذ موقفاً معارضاً لإنفانتينو، في ظل اعتقاد لدى بعض الأطراف بأنه أصبح قريباً بصورة مفرطة من المغرب.
ورغم التصعيد، لا يبدو أن «يويفا» يميل حالياً إلى محاولة إسقاط إنفانتينو قبل نهاية ولايته من خلال الدعوة إلى مؤتمر استثنائي وطرح مذكرة لحجب الثقة عنه.
فالخيار قد يبدو مغرياً لمعارضي رئيس «فيفا»، إلا أن المخاطرة كبيرة؛ إذ إن الفشل في تأمين الأصوات المطلوبة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية ويعزز موقف إنفانتينو بدلاً من إضعافه.
كما أن بعض الاتحادات قد تتردد في الانضمام إلى تحرك من هذا النوع قبل معرفة ما سيحدث بعد إسقاط إنفانتينو، خصوصاً مع وجود مخاوف من أن يؤدي نجاح التحرك إلى منح «يويفا»، بما يمتلكه من قوة مالية ونفوذ، مساحة أكبر للسيطرة على القرار داخل كرة القدم العالمية.
لذلك، يتجه الاتحاد الأوروبي، وفق أحدث المعطيات، إلى قدر من الحذر وانتظار انتخابات رئاسة «فيفا» المقررة في 18 مارس (آذار) 2027 في الرباط، ومحاولة هزيمة إنفانتينو عبر صناديق الاقتراع.
ويتعين تقديم ملفات الترشح إلى «فيفا» قبل أربعة أشهر من موعد التصويت، ما يجعل 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 الموعد النهائي لدخول السباق. وبالتالي، لم يعد أمام معارضي إنفانتينو سوى نحو شهرين ونصف الشهر للاتفاق على مرشح قادر على مواجهته.
ويبرز الكندي فيكتور مونتالياني، رئيس كونكاكاف، بوصفه الاحتمال الأكثر ترجيحاً لقيادة المعركة الانتخابية ضد إنفانتينو.

وكان مونتالياني، البالغ 60 عاماً، يُنظر إليه منذ فترة طويلة باعتباره صاحب طموح للوصول إلى رئاسة «فيفا» بعد نهاية حقبة إنفانتينو المتوقعة سابقاً في 2031، إلا أن الأزمة الحالية قد تدفعه إلى تقديم مشروعه أربعة أعوام والدخول في سباق 2027.
وسيكون على الكندي، وفق «ليكيب»، اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان مستعداً لتحمل مخاطرة مواجهة إنفانتينو مباشرة من أجل انتزاع الرئاسة قبل أربعة أعوام من الموعد الذي كان يُعتقد أنه يستهدفه.
في حال قرر مونتالياني عدم خوض المواجهة، يظهر اسم الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة، رئيس الاتحاد الآسيوي، الذي سبق أن نافس إنفانتينو على رئاسة «فيفا» عام 2016.
إلا أن هذا السيناريو يُطرح بحذر، لأن وصول رئيس الاتحاد الآسيوي إلى المنصب قد يغلق الطريق أمام طموحات مونتالياني في انتخابات 2031، ولذلك من غير المتوقع أن يدعم رئيس كونكاكاف هذا الخيار بسهولة.
وفي ظل البحث عن مرشح قادر على جمع أصوات من خارج أوروبا، ظهر اسم الفرنسي أرسين فينغر بوصفه أحد الخيارات المفاجئة.
ويشغل مدرب آرسنال السابق منصب مدير تطوير كرة القدم العالمية في «فيفا»، لكنه ابتعد علناً عن موقف إنفانتينو خلال أزمة بيع حصص من كأس العالم، وكشف أنه علم بالمشروع عن طريق وسائل الإعلام.
وطالب فينغر بالتخلي عن الخطة وإعادة بناء «فيفا» مستقل يخدم رياضتنا بالالتزام والشفافية والنزاهة.
ويحظى الفرنسي البالغ 76 عاماً بتأييد داخل بعض الدوائر، إلا أن السؤال يتعلق بمدى استعداده، المعروف عنه الحذر، للدخول في معركة سياسية وانتخابية بهذا الحجم.
كما ظهر اسم الفرنسي كيفن لامور، البالغ 46 عاماً، الذي أقاله إنفانتينو أخيراً من موقعه باعتباره الرجل الثالث في هرم «فيفا».
ويحظى لامور بتقدير ودعم داخل أوساط كروية، إلا أن احتمال ترشحه للرئاسة يبدو بعيداً حتى بالنسبة إليه. وفي حال سقوط إنفانتينو، قد يكون منصب الأمين العام لـ«فيفا» أكثر ملاءمة لمسيرته وخبراته.
وتكشف التحركات عن نقطة أساسية في استراتيجية «يويفا» أن المرشح الذي سيواجه إنفانتينو يُفضل ألا يكون أوروبياً، وألا يظهر باعتباره مرشح تسيفرين المباشر.
وكان تسيفرين قد أعلن في 24 أغسطس (آب) أنه لن يترشح لرئاسة «فيفا».
ونقلت «ليكيب» عن مراقب مطلع على عمل المؤسسات الكروية قوله: «الأمور تتحرك بسرعة حالياً، و(يويفا) أدرك أن الطريقة الصحيحة للفوز بالانتخابات المقبلة والدفاع عن مصالحه تتمثل في عدم تقديم ألكسندر تسيفرين، وألا يظهر أيضاً داعماً بصورة مفرطة لاسم المرشح المقبل».
وأضاف: في الوضع المثالي، يجب أن يأتي المرشح من اتحاد قاري آخر ويكون معارضاً لإنفانتينو.
وفي انتظار حسم هوية المرشح، يواصل «يويفا» الضغط على «فيفا» في مسارات أخرى.
وسبق للاتحاد الأوروبي أن هدد «فيفا» باتخاذ إجراءات قانونية، وطالبه تحديداً بعدم إتلاف أي وثائق مرتبطة بمشروع بيع حصص من حقوق كأس العالم الذي جرى التخلي عنه في النهاية.
وحذر تسيفرين من أن «أي محاولة للإخفاء قد تشكل إتلافاً للأدلة».
وفي الكواليس، تعمل مجموعة صغيرة على البحث عن تحركات أو ملفات سلبية أخرى مرتبطة بإنفانتينو لم تظهر إلى العلن حتى الآن، في إطار حملة ضغط واسعة تستهدف إضعاف موقفه قبل انتخابات مارس.

